البداية والنهاية/الجزء الحادي عشر/صفحة واحدة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
البداية والنهاية - الجزء الحادي عشر

ابن كثير

محتويات

خلافة المستعين بالله[عدل]

وهو أبو العباس، أحمد بن محمد المعتصم.

بويع له بالخلافة يوم مات المنتصر، بايعه عموم الناس، ثم خرجت عليه شرذمة من الأتراك يقولون: يا معتز يا منصور.

فالتف عليهم خلق، وقام بنصر المستعين جمهور الجيش، فاقتتلوا قتالا شديدا أياما، فقتل منهم خلق من الفريقين، وانتهبت أماكن كثيرة من بغداد، وجرت فتن منتشرة كثيرة جدا، ثم استقر الأمر للمستعين، فعزل وولي وقطع ووصل، وأمر ونهى أياما ومدة غير طويلة.

وفيها مات بغا الكبير، في جمادى الآخرة منها، فولي الخليفة مكانه ولده موسى بن بغا.

وقد كانت له همم عالية، وآثار سامية، وغزوات في المشارق والمغارب متوالية، وكان له من المتاع والضياع ما قيمته عشرة آلاف ألف دينار.

وترك عشر حبات جوهر قيمتها ثلاثة آلاف ألف دينار، وثلاث حبات سلا ذهبا وورق.

وفيها عدا أهل حمص على عاملهم، فأخرجوه من بين أظهرهم، فأخذ منهم المستعين مائة رجل من سراتهم، وأمر بهدم سورهم.

وفيها حج بالناس محمد بن سليمان الزينبي.

وفيها توفي من الأعيان

أحمد بن صالح.

والحسين بن علي الكرابيسي.

وعبد الجبار بن العلاء.

وعبد الملك بن شعيب.

وعيسى بن حماد.

ومحمد بن حميد الرازي.

ومحمد بن زنبور.

ومحمد بن العلاء أبو كريب.

ومحمد بن يزيد أبو هشام الرفاعي.

وأبو حاتم السجستاني.

واسمه سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد الجشمي أبو حاتم النحوي اللغوي، صاحب المصنفات الكثيرة، وكان بارعا في اللغة.

اشتغل فيها على أبي عبيد والأصمعي، وأكثر الرواية عن أبي زيد الأنصاري.

وأخذ عنه المبرد وابن دريد وغيرهما.

وكان صالحا، كثير الصدقة والتلاوة، كان يتصدق كل يوم بدينار، ويقرأ في كل أسبوع بختمة، وله شعر كثير، منه قوله:

أبرزوا وجهه الجميل ** ولاموا من افتتن

لو أرادوا صيانتي ** ستروا وجهه الحسن

كانت وفاته في المحرم، وقيل في رجب من هذه السنة.

ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائتين[عدل]

في يوم الجمعة للنصف من رجب، التقى جمع من المسلمين وخلق من الروم، بالقرب من ملطية، فاقتتلوا قتالا شديدا، قتل من الفريقين خلق كثير، وقتل أمير المسلمين عمر بن عبيد الله بن الأقطع، وقتل معه ألفا رجل من المسلمين، وكذلك قتل علي بن يحيى الأرمني، وكان أميرا في طائفة من المسلمين أيضا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وقد كان هذان الأميران من أكبر أنصار الإسلام.

ووقعت فتنة عظيمة ببغداد في أول يوم من صفر منها، وذلك أن العامة كرهوا جماعة من الأمراء، الذين قد تغلبوا على أمر الخلافة، وقتلوا المتوكل واستضعفوا المنتصر والمستعين بعده، فنهضوا إلى السجن، فأخرجوا من كان فيه، وجاؤوا إلى أحد الجسرين فقطعوه، وضربوا الآخر بالنار، وأحرقوا، ونادوا بالنفير، فاجتمع خلق كثير وجم غفير، ونهبوا أماكن متعددة، وذلك بالجانب الشرقي من بغداد.

ثم جمع أهل اليسار أموالا كثيرة من أهل بغداد لتصرف إلى من ينهض إلى ثغور المسلمين، لقتال العدو عوضا عن من قتل من المسلمين هناك، فأقبل الناس من نواحي الجبال وأهواز وفارس وغيرها لغزو الروم، وذلك أن الخليفة والجيش لم ينهضوا إلى بلاد الروم وقتال أعداء الإسلام، وقد ضعف جانب الخلافة واشتغلوا بالقيان والملاهي، فعند ذلك غضبت العوام من ذلك وفعلوا ما ذكرنا.

ولتسع بقين من ربيع الأول نهض عامة أهل سامرا إلى السجن فأخرجوا من فيه أيضا، كما فعل أهل بغداد وجاءهم قوم من الجيش يقال لهم الزرافة فهزمتهم العامة، فعند ذلك ركب وصيف وبغا الصغير وعامة الأتراك فقتلوا من العامة خلقا كثيرا، وجرت فتن طويلة ثم سكنت.

وفي منتصف ربيع الآخر وقعت فتنة بين الأتراك، وذلك أن المستعين قد فوض أمر الخلافة والتصرف في أموال بيت المال إلى ثلاثة وهم أتامش التركي، وكان أخص من عند الخليفة وهو بمنزلة الوزير، وفي حجره العباس بن المستعين يربيه ويعلمه الفروسية. وشاهك الخادم، وأم الخليفة.

وكان لا يمنعها شيئا تريده، وكان لها كاتب يقال له سلمة بن سعيد النصراني.

فأقبل أتامش فأسرف في أخذ الأموال حتى لم يبق ببيت المال شيئا، فغضب الأتراك من ذلك وغاروا منه فاجتمعوا وركبوا عليه وأحاطوا بقصر الخلافة وهو عند المستعين، ولم يمكنه منعه منهم ولا دفعهم عنه، فأخذوه صاغرا فقتلوه وانتهبوا أمواله وحواصله ودوره، واستوزر الخليفة بعده أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد، وولى بغا الصغير فلسطين، وولى وصيفا الأهواز، وجرى خبط كثير وشر كثير، ووهن الخليفة وضعف.

وتحركت المغاربة بسامرا في يوم الخميس لثلاث خلون من جمادى الآخرة، فكانوا يجتمعون فيركبون ثم يتفرقون.

وفي يوم الجمعة لخمس بقين من جمادى الأولى، وهو اليوم السادس عشر من تموز، مطر أهل سامرا مطرا عظيما برعد شديد، وبرق متصل وغيم منعقد مطبق، والمطر مستهل كثير من أول النهار إلى اصفرار الشمس، وفي ذي الحجة أصاب أهل الري زلزلة شديدة جدا، وتبعتها رجفة هائلة تهدمت منها الدور ومات منها خلق كثير، وخرج بقية أهلها إلى الصحراء.

وفيها حج بالناس عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام وهو والي مكة.

وفيها توفي من الأعيان أيوب بن محمد الوزان.

والحسن بن الصباح البزار صاحب كتاب السنن، ورجاء بن مرجا الحافظ، وعبد بن حميد صاحب التفسير الحافل.

وعمرو بن علي الفلاس.

علي بن الجهم[عدل]

ابن بدر بن مسعود بن أسد القرشي السامي من ولد سامة بن لؤي الخراساني ثم البغدادي، أحد الشعراء المشهورين وأهل الديانة المعتبرين.

وله ديوان شعر فيه أشعار حسنة، وكان فيه تحامل على علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وكان له خصوصية بالمتوكل ثم غضب عليه فنفاه إلى خراسان، وأمر نائبه بها أن يضربه مجردا ففعل به ذلك، ومن مستجاد شعره:

بلاء ليس يعدله بلاء ** عداوة غير ذي حسب ودين

يبيحك منه عرضا لم يصنه ** ويرتع منك في عرض مصون

قال ذلك في مروان بن أبي حفصة حين هجاه، فقال في هجائه له

لعمرك ما الجهم بن بدر بشاعر ** وهذا علي بعده يدعي الشعرا

ولكن أبي قد كان جارا لأمه ** فلما ادعى الأشعار أوهمني أمرا

كان علي بن الجهم قد قدم الشام ثم عاد قاصدا العراق، فلما جاوز حلب ثار عليه أناس من بني كلب، فقاتلهم فجرح جرحا بليغا فكان فيه حتفه، فوجد في ثيابه رقعة مكتوب فيها:

يا رحمتا للغريب بالبلد النا ** زح ماذا بنفسه صنعا

فارق أحبابه فما انتفعوا ** بالعيش من بعده وما انتفعا

كانت وفاته لهذا السبب في هذه السنة.

ثم دخلت سنة خمسين ومائتين من الهجرة[عدل]

فيها كان ظهور أبي الحسين يحيى بن عمر بن يحيى بن حسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأمه أم الحسين فاطمة بنت الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.

وذلك أنه أصابته فاقة شديدة، فدخل سامرا فسأل وصيفا أن يجري عليه رزقا، فأغلظ له القول.

فرجع إلى أرض الكوفة فاجتمع عليه خلق من الأعراب، وخرج إليه خلق من أهل الكوفة، فنزل على الفلوجة وقد كثر الجمع معه، فكتب محمد بن عبد الله بن طاهر نائب العراق إلى عامله بالكوفة - وهو أبو أيوب بن الحسن بن موسى بن جعفر بن سليمان - يأمره بقتاله.

ودخل يحيى بن عمر قبل ذلك في طائفة من أصحابه إلى الكوفة، فاحتوى على بيت مالها فلم يجد فيه سوى ألفي دينار وسبعين ألف درهم، وظهر أمره بالكوفة وفتح السجنين وأطلق من فيهما، وأخرج نواب الخليفة منها وأخذ أموالهم واستحوذ عليها، واستحكم أمره بها، والتف عليه خلق من الزيدية وغيرهم، ثم خرج من الكوفة إلى سوادها ثم كر راجعا إليها.

فتلقاه عبد الرحمن بن الخطاب الملقب وجه الفلس، فقاتله قتالا شديدا فانهزم وجه الفلس، ودخل يحيى بن عمر الكوفة ودعا إلى الرضى من آل محمد، وقوي أمره جدا، وصار إليه جماعة كثيرة من أهل الكوفة، وتولاه أهل بغداد من العامة وغيرهم ممن ينسب إلى التشيع، وأحبوه أكثر من كل من خرج قبله من أهل البيت، وشرع في تحصيل السلاح وإعداد آلات الحرب وجمع الرجال.

وقد هرب نائب الكوفة منها إلى ظاهرها، واجتمع إليه أمداد كثيرة من جهة الخليفة مع محمد بن عبد الله بن ظاهر، واستراحوا وجمعوا خيولهم، فلما كان اليوم الثاني عشر من رجب أشار من أشار على يحيى بن عمر ممن لا رأي له، أن يركب ويناجز الحسين بن إسماعيل ويكبس جيشه، فركب في جيش كثير من خلق من الفرسان والمشاة أيضا من عامة أهل الكوفة بغير أسلحة، فساروا إليهم فاقتتلوا قتالا شديدا في ظلمة آخر الليل، فما طلع الفجر إلا وقد انكشف أصحاب يحيى بن عمر، وقد تقنطر به فرسه ثم طعن في ظهره فخر أيضا، فأخذوه وحزوا رأسه وحملوه إلى الأمير فبعثوه إلى ابن طاهر، فأرسله إلى الخليفة من الغد مع رجل يقال له عمر بن الخطاب، أخي عبد الرحمن بن الخطاب، فنصب بسامرا ساعة من النهار ثم بعث به إلى بغداد فنصب عند الجسر، ولم يمكن نصبه من كثرة العامة فجعل في خزائن السلاح.

ولما جيء برأس يحيى بن عمر إلى محمد بن عبد الله بن طاهر دخل الناس يهنونه بالفتح والظفر، فدخل عليه أبو هاشم داود بن الهيثم الجعفري فقال له: أيها الأمير ! إنك لتهنى بقتل رجل لو كان رسول الله حيا لعزّي به، فما رد عليه شيئا ثم خرج أبو هاشم الجعفري وهو يقول:

يا بني طاهر كلوه وبيّا ** إن لحم النبي غير مريّ

إن وترا يكون طالبه الله **لوتر نجاحه بالحريّ

وكان الخليفة قد وجه أميرا إلى الحسين بن إسماعيل نائب الكوفة، فلما قتل يحيى بن عمر دخلوا الكوفة، فأراد ذلك الأمير أن يضع في أهلها السيف فمنعه الحسين وأمن الأسود والأبيض، وأطفأ الله هذه الفتنة.

فلما كان رمضان من هذه السنة خرج الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب بناحية طبرستان، وكان سبب خروجه أنه لما قتل يحيى بن عمر أقطع المستعين لمحمد بن عبد الله بن طاهر طائفة من أرض تلك الناحية، فبعث كاتبا له يقال له جابر بن هارون، وكان نصرانيا ليتسلم تلك الأراضي، فلما انتهى إليهم كرهوا ذلك جدا وأرسلوا إلى الحسن بن زيد هذا، فجاء إليهم فبايعوه والتف عليه جملة الديلم وجماعة الأمراء في تلك النواحي، فركب فيهم ودخل آمل طبرستان وأخذها قهرا، وجبى خراجها، واستفحل أمره جدا، ثم خرج منها طالبا لقتال سليمان بن عبد الله أمير تلك الناحية، فالتقيا هنالك فكانت بينهما حروب ثم انهزم سليمان هزيمة منكرة، وترك أهله وماله ولم يرجع دون جرجان فدخل الحسن بن زيد سارية فأخذ ما فيها من الأموال والحواصل، وسير أهل سليمان إليه مكرمين على مراكب، واجتمع للحسن بن زيد إمرة طبرستان بكمالها.

ثم بعث إلى الري فأخذها أيضا وأخرج منها الطاهرية، وصار إلى جند همذان ولما بلغ خبره المستعين - وكان مدير ملكه يومئذ وصيف التركي - اغتم لذلك جدا واجتهد في بعث الجيوش والأمداد لقتال الحسن بن زيد هذا.

وفي يوم عرفة منها ظهر بالري أحمد بن عيسى بن حسين الصغير بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وإدريس بن موسى بن عبد الله بن موسى بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، فصلى بالناس يوم العيد أحمد بن عيسى هذا ودعا إلى الرضى من آل محمد، فحاربه محمد بن علي بن طاهر فهزمه أحمد بن عيسى هذا واستفحل أمره.

وفيها وثب أهل حمص على عاملهم الفضل بن قارن فقتلوه في رجب، فوجه المستعين إليهم موسى بن بغا الكبير فاقتتلوا بأرض الرستن فهزمهم، وقتل جماعة من أهلها وأحرق أماكن كثيرة منها، وأسر أشراف أهلها وفيها وثبت الشاكرية والجند في أرض فارس على عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم، فهرب منهم فانتهبوا داره وقتلوا محمد بن الحسن بن قارن. وفيها غضب الخليفة على جعفر بن عبد الواحد ونفاه إلى البصرة.

وفيها أسقطت مرتبة جماعة من الأمويين في دار الخلافة.

وفيها حج بالناس جعفر بن الفضل أمير مكة.

وفيها توفي من الأعيان أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح، والبزي أحد القراء المشاهير.

والحارث بن مسكين.

وأبو حاتم السجستاني.

وقد تقدم ذكره في التي قبلها، وعياد بن يعقوب الرواجني، وعمرو بن بحر الجاحظ صاحب الكلام والمصنفات.

وكثير بن عبيد الحمصي.

ونصر بن علي الجهضمي.

ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائتين[عدل]

فيها اجتمع رأي المستعين وبغا الصغير ووصيف على قتل باغر التركي، وكان من قواد الأمراء الكبار الذين باشروا قتل المتوكل، وقد اتسع إقطاعه وكثرت عماله، فقتل ونهبت دار كاتبه دُليل بن يعقوب النصراني، ونهبت أمواله وحواصله، وركب الخليفة في حراقة من سامرا إلى بغداد فاضطربت الأمور بسبب خروجه، وذلك في المحرم.

فنزل دار محمد بن عبد الله بن طاهر.

وفيها وقعت فتنة شنعاء بين جند بغداد وجند سامرا، ودعا أهل سامرا إلى بيعة المعتز، واستقر أمر أهل بغداد على المستعين، وأخرج المعتز وأخوه المؤيد من السجن فبايع أهل سامرا المعتز واستحوذ على حواصل بيت المال بها فإذا بها خمسمائة ألف دينار، وفي خزانة أم المستعين ألف ألف دينار، وفي حواصل العباس بن المستعين ستمائة ألف دينار، واستفحل أمر المعتز بسامرا.

وأمر المستعين لمحمد بن عبد الله بن طاهر أن يحصن بغداد ويعمل في السورين والخندق، وغرم على ذلك ثلاثمائة ألف دينار وثلاثين ألف دينار، ووكل بكل باب أميرا يحفظه، ونصب على السور خمسة مناجيق، منها واحد كبير جدا، يقال له الغضبان، وست عرادات وأعدوا آلات الحرب والحصار والعدد، وقطعت القناطر من كل ناحية لئلا يصل الجيش إليهم.

وكتب المعتز إلى محمد بن عبد الله بن طاهر يدعوه إلى الدخول معه في أمره، ويذكره ما كان أخذه عليهم أبوه المتوكل من العهود والمواثيق، من أنه ولي العهد بعده، فلم يلتفت إليه بل رد عليه واحتج بحجج يطول ذكرها.

وكتب كل واحد من المستعين والمعتز إلى موسى بن بغا الكبير، وهو مقيم بأطراف الشام لحرب أهل حمص، يدعوه إلى نفسه وبعث إليه بألوية يعقدها لمن اختار من أصحابه، وكتب إليه المستعين يأمره بالمسير إليه إلى بغداد ويأمره أن يستنيب في عمله، فركب مسرعا فسار إلى سامرا فكان مع المعتز على المستعين. وكذلك هرب عبد الله بن بغا الصغير من عند أبيه من بغداد إلى المعتز، وكذلك غيره من الأمراء والأتراك.

وعقد المعتز لأخيه أبي أحمد بن المتوكل على حرب المستعين وجهز معه جيشا لذلك، فسار في خمسة آلاف من الأتراك وغيرهم نحو بغداد، وصلى بعكبرا يوم الجمعة، ودعا لأخيه المعتز.

ثم وصل إلى بغداد ليلة الأحد لسبع خلون من صفر فاجتمعت العساكر هنالك، وقد قال رجل يقال له بانجانة كان في عسكر أبي أحمد:

يا بني طاهر جنود اللـ ** ـه والموت بينها منثور

وجيوش أمامهن أبو أحم ** د نعم المولى ونعم النصير

ثم جرت بينهما حروب طويلة وفتن مهولة جدا قد ذكرها ابن جرير مطولة، ثم بعث المعتز مع موسى بن أرشناس ثلاثة آلاف مددا لأخيه أبي أحمد، فوصلوا لليلة بقيت من ربيع الأول فوقفوا في الجانب الغربي عند باب قطربل، وأبو أحمد وأصحابه على باب الشماسية، والحرب مستعرة والقتال كثير جدا، والقتل واقع.

قال ابن جرير: وذكر أن المعتز كتب إلى أخيه أبي أحمد يلومه على التقصير في قتال أهل بغداد، فكتب إليه أبو أحمد:

لأمر المنايا علينا طريق ** وللدهر فينا اتساع وضيق

وأيامنا عبر للأنام ** فمنها البكور ومنها الطروق

ومنها هنات تشيب الوليد ** ويخذل فيها الصديق الصديق

وسور عريض له ذروة ** تفوت العيون وبحر عميق

قتال مبيد وسيف عتيد ** وخوف شديد وحصن وثيق

وطول صياح لداعي الصباح الـ ** ـسلاح السلاح فما يستفيق

فهذا طريح وهذا جريح ** وهذا حريق وهذا غريق

وهذا قتيل وهذا تليل ** وآخر يشدخه المنجنيق

هناك اغتصاب وثم انتهاب ** ودور خراب وكانت تروق

إذا ما سمونا إلى مسلك ** وجدناه قد سدّ عنا الطريق

فبالله نبلغ ما نرتجيه ** وبالله ندفع ما لا نطيق

قال ابن جرير: هذا الشعر ينشد لعلي بن أمية في فتنة المخلوع والمأمون، وقد استمرت الفتنة والقتال ببغداد بين أبي أحمد أخي المعتز وبين محمد بن عبد الله بن طاهر نائب المستعين، والبلد محصور وأهله في ضيق شديد جدا، بقية شهور هذه السنة، وقتل من الفريقين خلق كثير في وقعات متعددات، وأيام نحسات، فتارة يظهر أصحاب أبي أحمد ويأخذون بعض الأبواب فتحمل عليهم الطاهرية فيزيحونهم عنها، ويقتلون منهم خلقا ثم يتراجعون إلى مواقفهم ويصابرونهم مصابرة عظيمة.

لكن أهل بغداد كلما هم إلى ضعف بسبب قلة الميرة والجلب إلى داخل البلد، ثم شاع بين العامة أن محمد بن عبد الله بن طاهر يريد أن يخلع المستعين ويبايع للمعتز، وذلك في أواخر السنة، فتنصل من ذلك واعتذر إلى الخليفة وإلى العامة.

وحلف بالأيمان الغليظة فلم تبرأ ساحته من ذلك حق البراءة عند العامة، واجتمعت العامة والغوغاء إلى دار ابن طاهر والخليفة نازل بها، فسألوا أن يبرز لهم الخليفة ليروه ويسألوه عن ابن طاهر أهو راض عنه أم لا.

وما زالت الضجة والأصوات مرتفعة حتى برز لهم الخليفة من فوق المكان الذي هم فيه، وعليه السواد ومن فوقه البردة النبوية وبيده القضيب، وقال لهم فيما خاطبهم به: أقسمت عليكم بحق صاحب هذه البردة والقضيب لما رجعتم إلى منازلكم ورضيتم عن ابن طاهر فإنه غير متهم لدي.

فسكت الغوغاء ورجعوا إلى منازلهم، ثم انتقل الخليفة من دار ابن طاهر إلى دار رزق الخادم، وذلك في أوائل ذي الحجة، وصلى بهم العيد يوم الأضحى في الجزيرة التي بحذاء دار ابن طاهر، وبرز الخليفة يومئذ للناس وبين يديه الحربة وعليه البردة وبيده القضيب، وكان يوما مشهودا ببغداد على ما بأهلها من الحصار والغلاء بالأسعار، وقد اجتمع على الناس الخوف والجوع المترجمان لباس الجوع والخوف، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.

ولما تفاقم الأمر واشتد الحال وضاق المجال وجاع العيال وجهد الرجال، جعل ابن طاهر يظهر ما كان كامنا في نفسه من خلع المستعين، فجعل يعرض له في ذلك ولا يصرح، ثم كاشفه به وأظهره له وناظره فيه وقال له: إن المصلحة تقتضي أن تصالح عن الخلافة على مال تأخذه سلفا وتعجيلا، وأن يكون لك من الخراج في كل عام ما تختاره وتحتاجه، ولم يزل يفتل في الذروة والغارب حتى أجاب إلى ذلك وأناب.

فكتب فيما اشترطه المستعين في خلعه نفسه من الخلافة كتابا، فلما كان يوم السبت لعشر بقين من ذي الحجة ركب محمد بن عبد الله بن طاهر إلى الرصافة، وجمع القضاة والفقهاء وأدخلهم على المستعين فوجا فوجا، يشهدون عليه أنه قد صير أمره إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، وكذلك جماعة الحجاب والخدم، ثم تسلم منه جوهر الخلافة، وأقام عند المستعين إلى هوي من الليل.

وأصبح الناس يذكرون ويتنوعون فيما يقولون من الأراجيف.

وأما ابن طاهر فإنه أرسل بالكتاب مع جماعة من الأمراء إلى المعتز بسامرا، فلما قدموا عليه بذلك أكرمهم وخلع عليهم وأجازهم فأسنى جوائزهم.

وسيأتي ما كان من أمره أول السنة الداخلة.

وفيها كان ظهور رجل من أهل البيت أيضا بأرض قزوين وزنجان في ربيع الأول منها، وهو الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الأرقط بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ويعرف بالكوكبي.

وسيأتي ما كان من أمره هناك.

وفيها خرج إسماعيل بن يوسف العلوي، وهو ابن أخت موسى بن عبيد الله الحسني، وسيأتي ما كان من أمره أيضا.

وفيها خرج بالكوفة أيضا رجل من الطالبيين وهو الحسين بن محمد بن حمزة بن عبد الله بن حسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فوجه إليه المستعين مزاحم بن خاقان فاقتتلا فهزم العلوي، وقتل من أصحابه بشر كثير.

ولما دخل مزاحم الكوفة حرق بها ألف دار ونهب أموال الذين خرجوا معه، وباع بعض جواري الحسين بن محمد هذا، وكانت معتقة.

وفيها ظهر إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب بمكة، فهرب منه نائبها جعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى، فانتهب منزله ومنازل أصحابه وقتل جماعة من الجند وغيرهم من أهل مكة، وأخذ ما في الكعبة من الذهب والفضة والطيب وكسوة الكعبة، وأخذ من الناس نحوا من مائتي ألف دينار، ثم خرج إلى المدينة النبوية فهرب منه نائبها أيضا علي بن الحسين بن علي بن إسماعيل، ثم رجع إسماعيل بن يوسف إلى مكة في رجب فحصر أهلها حتى هلكوا جوعا وعطشا، فبيع الخبز ثلاث أواق بدرهم، واللحم الرطل بأربعة، وشربة الماء بثلاثة دراهم، ولقي منه أهل مكة كل بلاء، فترحل عنهم إلى جدة - بعد مقامه عليهم سبعة وخمسين يوما - فانتهب أموال التجار هنالك وأخذ المراكب وقطع الميرة عن أهل مكة، ثم عاد إلى مكة لا جزاه الله خيرا عن المسلمين.

فلما كان يوم عرفة لم يمكن الناس من الوقوف نهارا ولا ليلا، وقتل من الحجيج ألفا ومائة، وسلبهم أموالهم ولم يقف بعرفة عامئذ سواه ومن معه من الحرامية، لا تقبل الله منهم صرفا ولا عدلا. وفيها وهن أمر الخلافة جدا.

وفيها توفي من الأعيان إسحاق بن منصور الكوننج وحميد بن زنجويه.

وعمرو بن عثمان بن كثير بن دينار الحمصي.

وأبو البقى هشام بن عبد الملك اليزني

سنة ثنتين وخمسين ومائتين[عدل]

ذكر خلافة المعتز بالله بن المتوكل على الله بعد خلع المستعين نفسه

استهلت هذه السنة وقد استقرت الخلافة باسم أبي عبد الله محمد المعتز بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد، وقيل إن اسم المعتز أحمد، وقيل الزبير، وهو الذي عول عليه ابن عساكر وترجمه في تاريخه.

فلما خلع المستعين نفسه من الخلافة وبايع للمعتز، دعا الخطباء يوم الجمعة رابع المحرم من هذه السنة بجوامع بغداد على المنابر للخليفة المعتز بالله، وانتقل المستعين من الرصافة إلى قصر الحسن بن سهل هو وعياله وولده وجواريه، ووكل بهم سعيد بن رجاء في جماعة معه، وأخذ من المستعين البردة والقضيب والخاتم، وبعث بذلك إلى المعتز ثم أرسل إليه المعتز يطلب منه خاتمين من جوهر ثمين عنده يقال لأحدهما برج وللآخر جبل. فأرسلهما.

وطلب المستعين أن يسير إلى مكة فلم يمكن، فطلب البصرة فقيل له: إنها وبيئة.

فقال: إن ترك الخلافة أوبأ منها.

ثم أذن له في المسير إلى واسط، فخرج ومعه حرس يوصلونه إليها نحو من أربعمائة.

واستوزر المعتز أحمد بن أبي إسرائيل وخلع عليه وألبسه تاجا على رأسه.

ولما تمهد أمر بغداد واستقرت البيعة للمعتز بها، ودان له أهلها وقدمتها الميرة من كل جانب، واتسع الناس في الأرزاق والأطعمة، ركب أبو أحمد منها في يوم السبت لثنتي عشرة ليلة من المحرم إلى سامرا، وشيعه ابن طاهر في وجوه الأمراء، فخلع أبو أحمد على ابن طاهر خمس خلع وسيفا ورده من الطريق إلى بغداد.

وقد ذكر ابن جرير مدائح الشعراء في المعتز وتشفيهم بخلع المستعين، فأكثر من ذلك جدا، فمن ذلك قول محمد بن مروان بن أبي الجنوب بن مروان في مدح المعتز وذم المستعين كما جرت به عادة الشعراء:

إن الأمور إلى المعتز قد رجعت ** والمستعين إلى حالاته رجعا

وكان يعلم أن الملك ليس له ** وأنه لك لكن نفسه خدعا

ومالك الملك مؤتيه ونازعه ** آتاك ملكا ومنه الملك قد نزعا

إن الخلافة كانت لا تلائمه ** كانت كذات حليل زوجت متعا

ما كان أقبح عند الناس بيعته ** وكان أحسن قول الناس قد خلعا

ليت السفين إلى قاف دفعن به ** نفسي الفداء لملاح به دفعا

كم ساس قبلك أمر الناس من ملك ** لو كان حمل ما حملته ظلعا

أمسى بك الناس بعد الضيق في سعة ** والله يجعل بعد الضيق متسعا

والله يدفع عنك السوء من ملك ** فإنه بك عنا السوء قد دفعا

وكتب المعتز من سامرا إلى نائب بغداد محمد بن عبد الله بن طاهر: أن يسقط اسم وصيف وبغا ومن كان في رسمهما في الدواوين، وعزم على قتلهما، ثم استرضي عنهما فرضي عنهما.

وفي رجب من هذه السنة خلع المعتز أخاه إبراهيم الملقب بالمؤيد من ولاية العهد وحبسه، وأخاه أبا أحمد، بعدما ضرب المؤيد أربعين مقرعة.

ولما كان يوم الجمعة خطب بخلعه وأمره أن يكتب كتابا على نفسه بذلك وكانت وفاته بعد ذلك بخمسة عشر يوما، فقيل: إنه أدرج في لحاف سمور وأمسك طرفاه حتى مات غما، وقيل: بل ضرب بحجارة من ثلج حتى مات بردا وبعد ذلك أخرج من السجن، ولا أثر به فأحضر القضاة والأعيان فشهدوا على موته من غير سبب ولا أثر، ثم حمل على حمار ومعه كفنه إلى أمه فدفنته.

ذكر مقتل المستعين[عدل]

وفي شوال منها كتب المعتز إلى نائبه محمد بن عبد الله بن طاهر يأمره بتجهيز جيش نحو المستعين، فجهز أحمد بن طولون التركي فوافاه فأخرجه لست بقين من رمضان، فقدم به القاطول لثلاث مضين من شوال ثم قتل، فقيل: ضرب حتى مات، وقيل: بل غرق في دجيل، وقيل: بل ضربت عنقه.

وقد ذكر ابن جرير: أن المستعين سأل من سعيد بن صالح التركي حين أراد قتله أن يمهله حتى يصلي ركعتين، فأمهله، فلما كان في السجدة الأخيرة قتله وهو ساجد، ودفن جثته في مكان صلاته، وخفي أثره وحمل رأسه إلى المعتز فدخل به عليه وهو يلعب بالشطرنج، فقيل: هذا رأس المخلوع. فقال: ضعوه حتى أفرغ من الدست.

فلما فرغ نظر إليه وأمر بدفنه، ثم أمر لسعيد بن صالح الذي قتله بخمسين ألف درهم، وولاه معونة البصرة وفيها مات إسماعيل بن يوسف العلوي الذي فعل بمكة ما فعل كما تقدم من إلحاده في الحرم، فأهلكه الله في هذه السنة عاجلا ولم ينظره.

وفيها مات أحمد بن محمد المعتصم وهو المستعين بالله كما تقدم. وإسحاق بن بهلول، وزياد بن أيوب، ومحمد بن بشار بندار. وموسى بن المثنى الزمن.

ويعقوب بن إبراهيم الدورقي.

ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومائتين[عدل]

في رجب منها عقد المعتز لموسى بن بغا الكبير على جيش قريب من أربعة آلاف، ليذهبوا إلى قتال عبد العزيز بن أبي دلف بناحية همذان، لأنه خرج عن الطاعة وهو في نحو من عشرين ألفا بناحية همذان، فهزموا عبد العزيز في أواخر هذه السنة هزيمة فظيعة، ثم كانت بينهما وقعة أخرى في رمضان عند الكرج فهزم عبد العزيز أيضا، وقتل من أصحابه بشر كثير، وأسروا ذراري كثيرة حتى أسروا أم عبد العزيز أيضا، وبعثوا إلى المعتز سبعين حملا من الرؤوس وأعلاما كثيرة، وأخذ من عبد العزيز ما كان استحوذ عليه من البلاد.

وفي رمضان منها خلع على بغا الشرابي وألبسه التاج والوشاحين. وفي يوم عيد الفطر كانت وقعة هائلة عند مكان يقال له: البوازيج، وذلك أن رجلا يقال له: مساور بن عبد الحميد، حكم فيها والتف عليه نحو من سبعمائة من الخوراج، فقصد له رجل يقال له: بندار الطبري، في ثلاثمائة من أصحابه، فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من الخوارج نحو من خمسين رجلا.

وقتل من أصحاب بندار مائتان وقيل: وخمسون رجلا.

وقتل بندار فيمن قتل رحمه الله.

ثم صمد مساور إلى حلوان فقاتله أهلها وأعانهم حجاج أهل خرسان، فقتل مساور منهم نحوا من أربعمائة قبحه الله.

وقتل من جماعته كثيرون أيضا.

ولثلاث بقين من شوال قتل وصيف التركي، وأرادت العامة نهب داره في سامرا ودور أولاده فلم يمكنهم ذلك، وجعل الخليفة ما كان إليه إلى بغا الشرابي.

وفي ليلة أربع عشرة من ذي القعدة من هذه السنة خسف القمر حتى غاب أكثره وغرق نوره، وعند انتهاء خسوفه مات محمد بن عبد الله بن طاهر نائب العراق ببغداد. وكانت علته قروحا في رأسه وحلقه فذبحته، ولما أتي به ليصلي عليه اختلف أخوه عبيد الله وابنه طاهر، وتنازعا الصلاة عليه حتى جذبت السيوف وترامى الناس بالحجارة، وصاحت الغوغاء: يا طاهر يا منصور.

فمال عبيد الله إلى الشرقية ومعه القواد وأكابر الناس، فدخل داره وصلى عليه ابنه، وكان أبوه قد أوصى إليه.

وحين بلغ المعتز ما وقع بعث بالخلع والولاية إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، فأطلق عبيد الله للذي قدم بالخلع خمسين ألف درهم.

وفيها نفى المعتز أخاه أبا أحمد من سر من رأى إلى واسط، ثم إلى البصرة.

ثم رد إلى بغداد أيضا.

وفي يوم الاثنين منها سلخ ذي القعدة، التقى موسى بن بغا الكبير والحسين بن أحمد الكوكبي الطالبي الذي خرج في سنة إحدى وخمسين عند قزوين، فاقتتلا قتالا شديدا ثم هزم الكوكبي وأخذ موسى قزوين وهرب الكوكبي إلى الديلم.

وذكر ابن جرير عن بعض من حضر هذه الوقعة: أن الكوكبي حين التقى، أمر أصحابه أن يتترسوا بالحجف - وكانت السهم لا تعمل فيهم - فأمر موسى بن بغا أصحابه عند ذلك أن يطرحوا ما معهم من النفط، ثم حاولوهم وأروهم أنهم قد انهزموا منهم، فتبعهم أصحاب الكوكبي، فلما توسطوا الأرض التي فيها النفط أمر عند ذلك بإلقاء النار فيه فجعل النفط يحرق أصحاب الكوكبي، ففروا سراعا هاربين، وكر عليهم موسى وأصحابه فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وهرب الكوكبي إلى الديلم، وتسلم موسى قزوين. وفيها حج بالناس عبد الله بن محمد بن سليمان الزينبي.

وفيها توفي من الأعيان

أبو الأشعث.

وأحمد بن سعيد الدارمي.

وسري السقطي: أحد كبار مشايخ الصوفية. تلميذ معروف الكرخي.

حدث عن هشيم وأبي بكر بن عياش وعلى ابن عراب ويحيى بن يمان ويزيد بن هارون وغيرهم.

وعنه ابن أخته الجنيد بن محمد.

وأبو الحسن النوري ومحمد بن الفضل بن جابر السقطي وجماعة. وكانت له دكان يتجر فيها، فمرت به جارية قد انكسر إناء كان معها، تشتري فيه شيئا لسادتها، فجعلت تبكي فأعطاها سري شيئا تشتري بدله، فنظر معروف إليه وما صنع بتلك الجارية فقال له: بغض الله إليك الدنيا، فوجد الزهد من يومه.

وقال سري: مررت في يوم عيد، فإذا معروف ومعه صغير شعث الحال فقلت: ما هذا؟

فقال: هذا كان واقفا عند صبيان يلعبون بالجوز وهو مفكر، فقلت له: ما لك لا تلعب كما يلعبون؟

فقال: أنا يتيم ولا شيء معي أشتري به جوزا ألعب به.

فأخذته لأجمع له نوى يشتري به جوزا يفرح به.

فقلت: ألا أكسوه وأعطيه شيئا يشتري به جوزا؟

فقال: أو تفعل؟

فقلت: نعم.

فقال: خذه أغنى الله قلبك.

قال سري: فصغرت عندي الدنيا حتى لهي أقل شيء.

وكان عنده مرة لوز فساومه رجل على الكر بثلاثة وستين دينارا، ثم ذهب الرجل فإذا اللوز يساوي الكر تسعين دينارا فقال له: إني أشترى منك الكر بتسعين دينارا.

فقال له: إني إنما ساومتك بثلاثة وستين دينارا، وإني لا أبيعه إلا بذلك، فقال الرجل: أنا أشتري منك بتسعين دينارا.

فقال: لا أبيعك هو إلا بما ساومتك عليه.

فقال له الرجل: إن من النصح أن لا أشتري منك إلا بتسعين دينارا.

وذهب فلم يشتر منه.

وجاءت امرأة يوما إلى سري فقالت: إن ابني قد أخذه الحرسي، وإني أحب أن تبعث إلى صاحب الشرطة لئلا يضرب، فقام فصلى فطول الصلاة وجعلت المرأة تحترق في نفسها، فلما انصرف من الصلاة قالت المرأة: الله الله في ولدي.

فقال لها: إني إنما كنت في حاجتك.

فما رام مجلسه الذي صلى فيه حتى جاءت امرأة إلى تلك المرأة فقالت لها: ابشري فقد أطلق ولدك و ها هو في المنزل.

فانصرفت إليه.

وقال سري: أشتهي أن آكل أكلة ليس لله فيها علي تبعة، ولا لأحد علي فيها منة.

فما أجد إلى ذلك سبيلا.

وفي رواية عنه أنه قال: إني لأشتهي البقل من ثلاثين سنة، فما أقدر عليه.

وقال: احترق سوقنا فقصدت المكان الذي فيه دكاني، فتلقاني رجل فقال: ابشر فإن دكانك قد سلمت.

فقلت: الحمد لله.

ثم ذكرت ذلك التحميد إذ حمدت الله على سلامة دنياي، وإني لم أواس الناس فيما هم فيه، فأنا أستغفر الله منذ ثلاثين سنة.

رواها الخطيب عنه.

وقال: صليت وردي ذات ليلة، ثم مددت رجلي في المحراب فنوديت: يا سري هكذا تجالس الملوك؟

قال: فضممت رجلي وقلت: وعزتك لا مددت رجلي أبدا. وقال الجنيد: ما رأيت أعبد من سري السقطي.

أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رؤى مضطجعا إلا في علة الموت. وروى الخطيب عن أبي نعيم عن جعفر الخلدي عن الجنيد قال: دخلت عليه أعوده فقلت: كيف تجدك؟

فقال:

كيف أشكو إلى طبيبي ما بي ** والذي أصابني من طبيبي

قال: فأخذت المروحة لأروح عليه فقال: كيف يجد روح المروحة من جوفه يحترق من داخل؟

ثم أنشأ يقول:

القلب محترق والدمع مستبق ** والكرب مجتمع والصبر مفترق

كيف القرار على من لا قرار له ** مما جناه الهوى والشوق والقلق

يا رب إن كان شيء لي به فرج ** فامنن علي به ما دام بي رمق

قال: فقلت له: أوصني، قال: لا تصحب الأشرار، ولا تشتغل عن الله بمجالسة الأبرار الأخيار.

وقد ذكر الخطيب وفاته يوم الثلاثاء لست خلون من رمضان سنة ثلاث وخمسين ومائتين بعد أذان الفجر، ودفن بعد العصر بمقبرة الشوينزي، وقبره ظاهر معروف، وإلى جنبه قبر الجنيد.

وروي عن أبي عبيدة بن حربويه قال: رأيت سريا في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟

فقال: غفر لي ولكل من شهد جنازتي.

قلت: فإني ممن حضر جنازتك وصلى عليك.

قال: فأخرج درجا فنظر فيه فلم ير فيه اسمي، فقلت: بلى !

قد حضرت فإذا اسمي في الحاشية.

وحكى ابن خلكان قولا: أن سريا توفي سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ست وخمسين، فالله أعلم.

قال ابن خلكان: وكان السري ينشد كثيرا:

ولما ادعيت الحب قالت كذبتني **فمالي أرى الأعضاء منك كواسيا

فلا حب حتى يلصق الجلد بالحشى ** وتذهل حتى لا تجيب المناديا

ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائتين[عدل]

فيها أمر الخليفة المعتز بقتل بغا الشرابي، ونصب رأسه بسامرا ثم ببغداد وحرقت جثته، وأخذت أمواله وحواصله.

وفيها ولي الخليفة أحمد بن طولون الديار المصرية، و هو باني الجامع المشهور بها.

وحج بالناس فيها علي بن الحسين بن إسماعيل بن العباس بن محمد. وتوفي فيها من الأعيان: زياد بن أيوب الحسياني.

وعلي بن محمد بن موسى الرضى، يوم الاثنين لأربع بقين من جمادى الآخرة ببغداد.

وصلى عليه أبو أحمد المتوكل في الشارع المنسوب إلى أبي أحمد. ودفن بداره ببغداد.

ومحمد بن عبد الله المخرمي.

وموهل بن إهاب.

أبو الحسن علي الهادي[عدل]

فهو ابن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب، أحد الأئمة الاثني عشرية، وهو والد الحسن بن علي العسكري المنتظر عند الفرقة الضالة الجاهلة الكاذبة الخاطئة.

وقد كان عابدا زاهدا نقله المتوكل إلى سامرا، فأقام بها أزيد من عشرين سنة بأشهر.

ومات بها في هذه السنة.

وقد ذكر للمتوكل أن بمنزله سلاحا وكتبا كثيرة من الناس، فبعث كبسة فوجدوه جالسا مستقبل القبلة وعليه مدرعة من صوف وهو على التراب ليس دونه حائل، فأخذوه كذلك فحملوه إلى المتوكل وهو على شرابه، فلما مثل بين يديه أجله وأعظمه وأجلسه إلى جانبه، وناوله الكأس الذي في يده فقال: يا أمير المؤمنين لم يدخل باطني ولم يخالط لحمي ودمي قط، فاعفني منه.

فأعفاه ثم قال له: أنشدني شعرا فأنشده:

باتوا على قلل الأجبال تحرسهم ** غلب الرجال فما أغنتهم القلل

واستنزلوا بعد عز عن معاقلهم ** فأودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا

نادى بهم صارخ من بعد ما قبروا ** أين الأسرة والتيجان والحلل؟

أين الوجوه التي كانت منعمة ** من دونها تضرب الأستار والكلل

فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم ** تلك الوجوه عليها الدود يقتتل

قد طال ما أكلوا دهرا وما لبسوا**فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا

قال: فبكى المتوكل حتى بل الثرى، وبكى من حوله بحضرته، وأمر برفع الشراب وأمر له بأربعة آلاف دينار، وتحلل منه ورده إلى منزله مكرما- رحمه الله -.

ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائتين[عدل]

فيها كانت وقعة بين مفلح وبين الحسن بن زيد الطالبي، فهزمه مفلح ودخل آمل طبرستان، وحرق منازل الحسن بن زيد، ثم سار وراءه إلى الديلم.

وفيها كانت محاربة شديدة بين يعقوب بن الليث وبين علي بن الحسين بن قريش بن شبل، فبعث علي بن الحسين رجلا من جهته يقال له: طوق بن المغلس، فصابره أكثر من شهر ثم ظفر يعقوب بطوق فأسره فأسر وجوه أصحابه، ثم سار إلى علي بن الحسين هذا فأسره وأخذ بلاده - وهي كرمان - فأضافها إلى ما بيده من مملكة خراسان سجستان، ثم بعث يعقوب بن الليث بهدية سنية إلى المعتز: دواب وبازات وثياب فاخرة.

وفيها ولى الخليفة سليمان بن عبد الله بن طاهر نيابة بغداد والسواد في ربيع الأول منها.

وفيها أخذ صالح بن وصيف أحمد بن إسرائيل كاتب المعتز، والحسن بن مخلد كاتب قبيحة أم المعتز، وأبا نوح عيسى بن إبراهيم، وكانوا قد تمالؤوا على أكل بيت المال، وكانوا دواوين وغيرهم، فضربهم وأخذ خطوطهم بأموال جزيلة يحملونها، وذلك بغير رضى من المعتز في الباطن، واحتيط على أموالهم وحواصلهم وضياعهم وسموا الكتاب الخونة، وولى الخليفة عن قهر غيرهم.

وفي رجب منها ظهر عيسى بن جعفر، وعلي بن زيد الحسنيان بالكوفة، وقتلا بها عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى واستفحل أمرهما بها.

موت الخليفة المعتز بن المتوكل[عدل]

ولثلاث بقين من رجب من هذه السنة خلع الخليفة المعتز بالله، ولليلتين مضتا من شعبان أظهر موته.

وكان سبب خلعه: أن الجند اجتمعوا فطلبوا منه أرزاقهم فلم يكن عنده ما يعطيهم، فسأل من أن تقرضه مالا يدفعهم عنه به فلم تعطه.

وأظهرت أنه لا شيء عندها، فاجتمع الأتراك على خلعه فأرسلوا إليه ليخرج إليهم، فاعتذر بأنه قد شرب دواء وأن عنده ضعفا، ولكن ليدخل إلي بعضكم.

فدخل إليه بعض الأمراء فتناولوه بالدبابيس يضربونه وجروا برجله، وأخرجوه وعليه قميص مخرق ملطخ بالدم، فأقاموه في وسط دار الخلافة في حر شديد حتى جعل يراوح بين رجليه من شدة الحر، وجعل بعضهم يلطمه وهو يبكي ويقول له الضارب: اخلعها والناس مجتمعون، ثم أدخلوه حجرة مضيقا عليه فيها.

وما زالوا عليه بأنواع العذاب حتى خلع نفسه من الخلافة وولى بعده المهتدي بالله كما سيأتي.

ثم سلموه إلى من يسومه سوء العذاب بأنواع المثلات، ومنع من الطعام والشراب ثلاثة أيام، حتى جعل يطلب شربة من ماء البئر فلم يسق، ثم أدخلوه سربا فيه جص جير فدسوه فيه فأصبح ميتا، فاستلوه من الجص سليم الجسد، وأشهدوا عليه جماعة من الأعيان أنه مات وليس به أثر، وكان ذلك في اليوم الثاني من شعبان من هذه السنة، وكان يوم السبت، وصلى عليه المهتدي بالله، ودفن مع أخيه المنتصر إلى جانب قصر الصوامع، عن أربع وعشرين سنة. وكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوما. وكان طويلا جسيما وسيما، أقنى الأنف، مدور الوجه، حسن الضحك، أبيض أسود الشعر مجعدة، كثيف اللحية، حسن العينين، ضيق الحاجبين، أحمر الوجه، وقد أثنى عليه الإمام أحمد في جودة ذهنه، وحسن فهمه وأدبه، حين دخل عليه في حياة أبيه المتوكل، كما قدمنا في ترجمة أحمد.

وروى الخطيب عن علي بن حرب قال: دخلت على المعتز فما رأيت خليفة أحسن وجها منه، فلما رأيته سجدت فقال: يا شيخ تسجد لغير الله؟

فقلت: حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد النبيل، ثنا بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، عن أبيه، عن جده

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى ما يفرح به أو بشر بما يسره سجد شكرا لله عز وجل.

وقال الزبير بن بكار: سرت إلى المعتز وهو أمير، فلما سمع بقدومي خرج مستعجلا إلي فعثر، فأنشأ يقول:

يموت الفتى من عثرة بلسانه ** وليس يموت المرء من عثرة الرجل

فعثرته من فيه ترمي برأسه ** وعثرته في الرجل تبرأ على مهل

وذكر ابن عساكر: أن المعتز لما حذق القرآن في حياة أبيه المتوكل، اجتمع أبوه والأمراء لذلك وكذلك الكبراء والرؤساء بسر من رأى، واختلفوا لذلك أياما عديدة، وجرت أحوال عظيمة.

ولما جلس وهو صبي على المنبر وسلم على أبيه بالخلافة وخطب الناس، نثرت الجواهر والذهب والدراهم على الخواص والعوام بدار الخلافة، وكان قيمة ما نثر من الجواهر يساوي مائة ألف دينار، ومثلها ذهبا، وألف ألف درهم غير ما كان من خلع وأسمطة وأقمشة مما يفوت الحصر، وكان وقتا مشهودا لم يكن سرورا بدار الخلافة أبهج منه ولا أحسن.

وخلع الخليفة على أم ولده المعتز قبيحة خلعا سنية، وأعطاها وأجزل لها العطاء، وكذلك خلع على مؤدب ولده وهو محمد بن عمران، أعطاه من الجوهر والذهب والفضة والقماش شيئا كثيرا جدا، والله سبحانه وتعالى أعلم.

خلافة المهتدي بالله[عدل]

أبي محمد عبد الله محمد بن الواثق بن المعتصم بن هارون، كانت بيعته يوم الأربعاء لليلة بقيت من رجب من هذه السنة، بعد خلع المعتز نفسه بين يديه وإشهاده عليه بأنه عاجز عن القيام بها، وأنه قد رغب إلى من يقوم بأعبائها.

وهو محمد بن الواثق بالله، ثم مد يده فبايعه قبل الناس كلهم، ثم بايعه الخاصة ثم كانت بيعة العامة على المنبر، وكتب على المعتز كتابا أشهد فيه بالخلع والعجز والمبايعة للمهتدي.

وفي آخر رجب وقعت في بغداد فتنة هائلة، وثبت فيها العامة على نائبها سليمان بن عبد الله بن طاهر، ودعوا إلى بيعة أحمد بن المتوكل أخي المعتز، وذلك لعدم علم أهل بغداد بما وقع بسامرا من بيعة المهتدي، وقتل من أهل بغداد وغرق منهم خلق كثير، ثم لما بلغهم بيعة المهتدي سكنوا - وإنما بلغتهم في سابع شعبان - فاستقرت الأمور واستقر المهتدي في الخلافة.

وفي رمضان من هذه السنة ظهر عند قبيحة أم المعتز أموال عظيمة، وجواهر نفيسة.

كان من جملة ذلك ما يقارب ألفي ألف دينار، ومن الزمرد الذي لم ير مثله مقدار مكوك، ومن الحب الكبار مكوك، وكيلجة يا قوت أحمر مما لم ير مثله أيضا.

وقد كان الأمراء طلبوا من ابنها المعتز خمسين ألف دينار تصرف في أرزاقهم، وضمنوا له أن يقتلوا صالح بن وصيف، فلم يكن عنده من ذلك شيء، فطلب من أمه قبيحة هذه - قبحها الله - فامتنعت أن تقرضه ذلك، فأظهرت الفقر والشح، وأنه لا شيء عندها.

ثم لما قتل ابنها وكان ما كان، ظهر عندها من الأموال ما ذكرنا. وكان عندها من الذهب والفضة والآنية شيء كثير، وقد كان لها من الغلات في كل سنة ما يعدل عشرة آلاف ألف دينار، وقد كانت قبل ذلك مختفية عند صالح بن وصيف عدو ولدها، ثم تزوجت به وكانت تدعو عليه تقول: اللهم اخز صالح بن وصيف كما هتك ستري، وقتل ولدي، وبدد شملي، وأخذ مالي، وغربني عن بلدي، وركب الفاحشة مني.

ثم استقرت الخلافة باسم المهتدي بالله.

وكانت بحمد الله خلافة صالحة.

قال يوما للأمراء: إني ليست لي أم لها من الغلات ما يقاوم عشرة آلاف ألف دينار، ولست أريد إلا القوت فقط، لا أريد فضلا على ذلك إلا لإخوتي، فإنهم مستهم الحاجة.

وفي يوم الخميس لثلاث بقين من رمضان، أمر صالح بن وصيف بضرب أحمد بن إسرائيل الذي كان وزيرا، وأبي نوح عيسى بن إبراهيم الذي كان نصرانيا فأظهر الإسلام، وكان كاتب قبيحة فضرب كل واحد منهما خمسمائة سوط بعد استخلاص أموالهما، ثم طيف بهما على بغلين منكسين فماتا وهما كذلك، ولم يكن ذلك عن رضى المهتدي ولكنه ضعيف لا يقدر على الإنكار على صالح بن وصيف في بادئ الآمر.

وفي رمضان في هذه السنة وقعت فتنة ببغداد أيضا، بين محمد بن أوس ومن تبعه من الشاكرية والجند وغيرهم، وبين العامة والرعاع، فاجتمع من العامة نحو مائة ألف وكان بين الناس قتال بالنبال والرماح والسوط، فقتل خلق كثير ثم انهزم محمد بن أوس وأصحابه، فنهبت العامة ما وجدوا من أمواله، وهو ما يعادل ألفي ألف أو نحو ذلك.

ثم اتفق الحال على إخراج محمد بن أوس من بغداد إلى أين أراد. فخرج منها خائفا طريدا، وذلك لأنه لم يكن عند الناس مرضي السيرة بل كان جبارا عنيدا، وشيطانا مريدا، وفاسقا شديدا، وأمر الخليفة بأن ينفي القيان والمغنون من سامرا، وأمر بقتل السباع والنمور التي في دار السلطان، وقتل الكلاب المعدة للصيد أيضا. وأمر بإبطال الملاهي ورد المظالم، وأن يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وجلس للعامة.

وكانت ولايته في الدنيا كلها من أرض الشام وغيرها مفترقة.

ثم استدعى الخليفة موسى بن بغا الكبير إلى حضرته، ليتقوى به على من عنده من الأتراك ولتجتمع كلمة الخلافة، فاعتذر إليه من استدعائه بما هو فيه من الجهاد في تلك البلاد.

خارجي آخر ادعى أنه من أهل البيت بالبصرة[عدل]

في النصف من شوال ظهر رجل بظاهر البصرة، زعم أنه علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ولم يكن صادقا وإنما كان عسيفا - يعني أجيرا - من عبد القيس، واسمه علي بن محمد بن عبد الرحيم، وأمه قرة بنت علي بن رحيب بن محمد بن حكيم من بني أسد بن خزيمة، وأصله من قرية من قرى الري، قاله ابن جرير. قال: وقد خرج أيضا في سنة تسع وأربعين ومائتين بالنجدين، فادعى أنه علي بن محمد بن الفضل بن الحسن بن عبيد الله بن عباس بن علي بن أبي طالب، فدعا الناس بهجر إلى طاعته فاتبعه جماعة من أهل هجر، ووقع بسببه قتال كثير وفتن كبار، وحروب كثيرة، ولما خرج خرجته هذه الثانية بظاهر البصرة، التف عليه

خلق من الزنج الذين يكسحون السباخ، فعبر بهم دجلة فنزل الديناري، وكان يزعم لبعض من معه أنه يحيى بن عمر أبو الحسين المقتول بناحية الكوفة، وكان يدعي أنه يحفظ سورا من القرآن في ساعة واحدة جرى بها لسانه، لا يحفظها غيره في مدة دهر طويل، وهن: سبحان والكهف وص وعم.

وزعم أنه فكر يوما وهو في البادية: إلى أي بلد يسير؟

فخوطب من سحابة أن يقصد البصرة فقصدها، فلما اقترب منها وجد أهلها مفترقين على شعبتين، سعديه وبلالية، فطمع أن ينضم إلى إحداهما فيستعين بها على الأخرى، فلم يقدر على ذلك، فارتحل إلى بغداد فأقام بها سنة وانتسب بها إلى محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد، وكان يزعم بها أنه يعلم ما في ضمائر أصحابه، وأن الله يعلمه بذلك، فتبعه على ذلك جهلة من الطغام، وطائفة من الرعاع العوام.

ثم عاد إلى أرض البصرة في رمضان فاجتمع معه بشر كثير، ولكن لم يكن معهم عدد يقاتلون بها، فأتاهم جيش من ناحية البصرة فاقتتلوا جميعا، ولم يكن في جيش هذا الخارجي سوى ثلاثة أسياف، وأولئك الجيش معهم عدد وعدد ولبوس، ومع هذا هزم أصحاب هذا الخارجي ذلك الجيش، وكانوا أربعة آلاف مقاتل، ثم مضى نحو البصرة بمن معه فأهدى له رجل من أهل جبى فرسا فلم يجد لها سرجا ولا لجاما، وإنما ألقى عليها حبلا وركبها وسنف حنكها بليف، ثم صادر رجلا وتهدده بالقتل فأخذ منه مائة وخمسين دينارا وألف درهم، وكان هذا أول مال نهبه من هذه البلاد، وأخذ من آخر ثلاثة براذين، ومن موضع آخر شيئا من الأسلحة والأمتعة، ثم سار في جيش قليل السلاح والخيول، ثم جرت بينه وبين نائب البصرة وقعات متعددة يهزمهم فيها، وكل ما لأمره يقوى وتزداد أصحابه ويعظم أمره ويكثر جيشه، وهو مع ذلك لا يتعرض لأموال الناس ولا يؤذي أحدا، وإنما يريد أخذ أموال السلطان.

وقد انهزم أصحابه في بعض حروبه هزيمة عظيمة، ثم تراجعوا إليه واجتمعوا حوله، ثم كروا على أهل البصرة فهزموهم وقتلوا منهم خلقا وأسروا آخرين، وكان لا يؤتى بأسير إلا قتله.

ثم قوي أمره وخافه أهل البصرة، وبعث الخليفة إليها مددا ليقاتلوا هذا الخارجي وهو صاحب الزنج - قبحه الله -، ثم أشار عليه بعض أصحابه أن يهجم بمن معه على البصرة فيدخلونها عنوة، فهجن آراءهم وقال: بل نكون منها قريبا حتى يكونوا هم الذين يطلبوننا إليها ويخطبوننا عليها.

وسيأتي ما كان من أمره وأمر أهل البصرة في السنة المستقبلة إن شاء الله.

وفيها حج بالناس علي بن الحسين بن إسماعيل بن محمد بن عبد الله بن عباس.

وفيها توفي:

الجاحظ المتكلم المعتزلي[عدل]

واليه تنسب الفرقة الجاحظية لجحوظ عينيه، ويقال له: الحدقي، وكان شنيع المنظر، سيء المخبر، رديء الاعتقاد، ينسب إلى البدع والضلالات، وربما جاز به بعضهم إلى الانحلال حتى قيل في المثل: يا ويح من كفره الجاحظ.

وكان بارعا فاضلا قد أتقن علوما كثيرة، وصنف كتبا جمة تدل على قوة ذهنه وجودة تصرفه.

ومن أجل كتبه: كتاب الحيوان، وكتاب البيان والتبيين، قال ابن خلكان: وهما أحسن مصنفاته، وقد أطال ترجمته بحكايات ذكرها عنه.

وذكر أنه أصابه الفالج في آخر عمره، وحكى أنه قال: أنا من جانبي الأيسر مفلوج لو قرض بالمقاريض ما علمت، وجانبي الأيمن منقرس لو مرت به ذبابة لآلمتني، وبي حصاة، وأشد ما على ست وتسعون سنة.

وكان ينشد:

أترجو أن تكون وأنت شيخ ** كما قد كنت أيام الشباب

لقد كذبتك نفسك ليس ثوب ** دريس كالجديد من الثياب

وفيها توفى عبد الله بن عبد الرحمن أبو محمد الدارمي، و عبد الله بن هاشم الطوسي، والخليفة أبو عبد الله المعتز بن المتوكل، ومحمد بن عبد الرحيم الملقب صاعقة.

محمد بن كرام[عدل]

الذي تنسب إليه الفرقة الكرامية.

وقد نسب إليه جواز وضع الأحاديث على الرسول وأصحابه وغيرهم، وهو محمد بن كرام - بفتح الكاف وتشديد الراء، على وزن جمال - بن عراف بن حزامة بن البراء، أبو عبد الله السجستاني العابد، يقال: إنه من بني تراب، ومنهم من يقول: محمد بن كرام - بكسر الكاف وتشديد الراء - وهو الذي سكن بيت المقدس إلى أن مات، وجعل الآخر شيخا من أهل نيسابور، والصحيح الذي يظهر من كلام أبي عبد الله الحاكم وابن عساكر أنهما واحد، وقد روى ابن كرام عن علي بن حجرد، وعلي بن إسحاق الحنظلي السمرقندي، سمع منه التفسير عن محمد بن مروان عن الكلبي، وإبراهيم بن يوسف الماكناني، وملك بن سليمان الهروي، وأحمد بن حرب، وعتيق بن محمد الجسري، وأحمد بن الأزهر النيسابوري، وأحمد بن عبد الله الحوبياري، ومحمد بن تميم القارياني، وكانا كذابين وضاعين وغيرهم.

وعنه محمد بن إسماعيل بن إسحاق، وأبو إسحاق بن سفيان، و عبد الله بن محمد القيراطي، وإبراهيم بن الحجاج النيسابوري. وذكر الحاكم أنه حبس في حبس طاهر بن عبد الله، فلما أطلقه ذهب إلى ثغور الشام ثم عاد إلى نيسابور، فحبسه محمد بن طاهر بن عبد الله وأطال حبسه، وكان يتأهب لصلاة الجمعة ويأتي إلى السجان فيقول: دعني أخرج إلى الجمعة، فيمنعه السجان فيقول: اللهم إنك تعلم أن المنع من غيري.

وقال غيره: أقام ببيت المقدس أربع سنين، وكان يجلس للوعظ عند العمود الذي عند مشهد عيسى - عليه السلام - واجتمع عليه خلق كثير ثم تبين لهم أنه يقول: إن الأيمان قول بلا عمل، فتركه أهلها ونفاه متوليها إلى غور زغر فمات بها، ونقل إلى بيت المقدس.

مات في صفر من هذه السنة.

وقال الحاكم: توفي ببيت المقدس ليلا، ودفن بباب أريحا عند قبور الأنبياء - عليهم السلام -، وله ببيت المقدس من الأصحاب نحو من عشرين ألفا، والله أعلم.

ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائتين[عدل]

في صبيحة يوم الاثنين الثاني عشر من المحرم قدم موسى بن بغا الكبير إلى سامرا، فدخلها في جيش هائل قد عباه ميمنة وميسرة وقلبا وجناحين، فأتوا دار الخلافة التي فيها المهتدي جالسا لكشف المظالم، فاستأذنوا عليه فأبطأ الإذن ساعة، وتأخر عنهم فظنوا في أنفسهم أن الخليفة إنما طلبهم خديعة منه ليسلط عليهم صالح بن وصيف، فدخلوا عليه هجما فجعلوا يراطنونهم بالتركي، ثم عزموا فأقاموه من مجلسه وانتهبوا ما كان فيه، ثم أخذوه مهانا إلى دار أخرى، فجعل يقول لموسى بن بغا: مالك ويحك؟

إني إنما أرسلت إليك لأتقوى بك على صالح بن وصيف.

فقال له موسى: لا بأس عليك احلف لي أنك لا تريد بي خلاف ما أظهرت.

فحلف له المهتدي، فطابت الأنفس وبايعوه بيعة ثانية مشافهة، وأخذوا عليه العهود والمواثيق أن لا يمالئ صالحا عليهم، واصطلحوا على ذلك.

ثم بعثوا إلى صالح بن وصيف ليحضرهم للمناظرة في أمر المعتز ومن قتله صالح بن وصيف من الكتاب وغيرهم، فوعدهم أن يأتيهم، ثم اجتمع بجماعة من الأمراء من أصحابه وأخذ يتأهب لجمع الجيوش عليهم، ثم اختفى من ليلته لا يدري أحد أين ذهب في تلك الساعة، فبعثوا المنادية تنادي عليه في أرجاء البلد وتهددوا من أخفاه، فلم يزل مختفيا إلى آخر صفر على ما سنذكر، ورد سليمان بن عبد الله بن طاهر إلى نيابة بغداد، وسلم الوزير عبد الله بن محمد بن يزداد إلى الحسن بن مخلد الذي كان أراد صالح بن وصيف قتله مع ذينك الرجلين، فبقي في السجن حتى رجع إلى الوزارة.

ولما أبطأ خبر صالح بن وصيف على موسى بن بغا وأصحابه قال بعضهم لبعض: اخلعوا هذا الرجل - يعني الخليفة -.

فقال بعضهم: أتقتلون رجلا صواما قواما، لا يشرب الخمر، ولا يأتي الفواحش؟

والله إن هذا ليس كغيره من الخلفاء، ولا تطاوعكم الناس عليه، وبلغ ذلك الخليفة فخرج إلى الناس وهو متقلد سيفا، فجلس على السرير واستدعى بموسى بن بغا وأصحابه فقال: قد بلغني ما تمالأتم عليه من أمري، وإني والله ما خرجت إليكم إلا وأنا متحنط وقد أوصيت أخي بولدي، وهذا سيفي، والله لأضربن به ما استمسك قائمه بيدي، والله لئن سقط من شعري شعرة ليهلكن بدلها منكم، أو ليذهبن بها أكثركم، أما دين؟ أما حياء؟

أما تستحيون؟ كم يكون هذا الإقدام على الخلفاء، والجرأة على الله عز وجل، وأنتم لا تبصرون؟

سواء عليكم من قصد الإبقاء عليكم والسيرة الصالحة فيكم، ومن كان يدعو بأرطال الشراب المسكر فيشربها بين أظهركم وأنتم لا تنكرون ذلك، ثم يستأثر بالأموال عنكم وعن الضعفاء، هذا منزلي فاذهبوا فانظروا فيه وفي منازل إخوتي ومن يتصل بي، هل ترون فيها من آلات الخلافة شيئا، أو من فرشها أو غير ذلك؟

وإنما في بيوتنا ما في بيوت آحاد الناس، ويقولون: إني أعلم علم صالح بن وصيف، وهل هو إلا واحد منكم؟

فاذهبوا فاعلموا علمه فابلغوا شفاء نفوسكم فيه، وأما أنا فلست أعلم علمه.

قالوا: فاحلف لنا على ذلك، قال: أما اليمين فإني أبذلها لكم، ولكن أدخرها لكم حتى تكون بحضرة الهاشميين والقضاة والمعدلين وأصحاب المراتب في غد إذا صليت صلاة الجمعة.

قال: فكأنهم لانوا لذلك قليلا.

فلما كان يوم الأحد لثمان بقين من صفر ظفروا بصالح بن وصيف فقتل وجيء برأسه إلى المهتدي بالله، وقد انفتل من صلاة المغرب، فلم يزد على أن قال: واروه.

ثم أخذ في تسبيحه وذكره.

ولما أصبح الصباح من يوم الاثنين رفع الرأس على رمح ونودي عليه في أرجاء البلد.

هذا جزاء من قتل مولاه.

وما زال الأمر مضطربا متفاقما، وعظم الخطب حتى أفضى إلى خلع الخليفة المهتدي وقتله - رحمه الله -.

خلع المهتدي بالله وولاية المعتمد أحمد بن المتوكل[عدل]

لما بلغ موسى بن بغا أن مساور الشاري قد عاث بتلك الناحية فسادا، ركب إليه في جيش كثيف ومعه مفلح وبايكباك التركي، فاقتتلوا هم ومساور الخارجي ولم يظفروا به بل هرب منهم وأعجزهم، وكان قد فعل قبل مجيئهم الأفاعيل المنكرة فرجعوا ولم يقدروا عليه، ثم إن الخليفة أراد أن يخالف بين كلمة الأتراك فكتب إلى بايكباك أن يتسلم الجيش من موسى بن بغا ويكون هو الأمير على الناس وأن يقبل بهم إلى سامرا، فلما وصل إليه الكتاب أقرأه موسى بن بغا فاشتد غضبه على المهتدي، واتفقا عليه وقصدا إليه إلى سامرا، وتركا ما كانا فيه. فلما بلغ المهتدي ذلك استخدم من فوره جندا من المغاربة والفراغنة والأشروسية والأرزكشبية والأتراك أيضا، وركب في جيش كثيف فلما سمعوا به رجع موسى بن بغا إلى طريق خراسان، وأظهر بايكباك السمع والطاعة، فدخل في ثاني عشر رجب إلى الخليفة سامعا مطيعا، فلما أوقف بين يديه وحوله الأمراء والسادة من بني هاشم شاورهم في قتله فقال له صالح بن علي بن يعقوب بن أبي جعفر المنصور: يا أمير المؤمنين لم يبلغ أحد من الخلفاء في الشجاعة ما بلغت، وقد كان أبو مسلم الخراساني شرا من هذا وأكثر جندا، ولما قتله المنصور سكنت الفتنة وخمد صوت أصحابه.

فأمر عند ذلك بضرب عنق بايكباك ثم ألقى رأسه إلى الأتراك، فلما رأوا ذلك أعظموه وأصبحوا من الغد مجتمعين على أخي بايكباك طغوتيا، فخرج إليهم الخليفة فيمن معه فلما التقوا خامرت الأتراك الذين مع الخليفة إلى أصحابهم وصاروا إلبا واحدا على الخليفة، فحمل الخليفة فقتل منهم نحوا من أربعة آلاف ثم حملوا عليه فهزموه ومن معه، فانهزم الخليفة وبيده السيف صلتا وهو ينادي: يا أيها الناس انصروا خليفتكم.

فدخل دار أحمد بن جميل صاحب المعونة، فوضع فيها سلاحه ولبس البياض وأراد أن يذهب فيختفي، فعاجله أحمد بن خاقان منها فأخذه قبل أن يذهب، ورماه بسهم وطعن في خاصرته به، وحمل على دابة وخلفة سائس وعليه قميص وسراويل حتى أدخلوه دار أحمد بن خاقان، فجعل من هناك يصفعونه ويبزقون في وجهه، وأخذ خطه بستمائة ألف دينار، وسلموه إلى رجل فلم يزل يجأ خصيتيه ويطأهما حتى مات - رحمه الله - وذلك يوم الخميس لثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب.

وكانت خلافته أقل من سنة بخمسة أيام، وكان مولده في سنة تسع عشرة، وقيل خمس عشرة ومائتين، وكان أسمر رقيقا أحنى حسن اللحية يكنى أبا عبد الله.

وصلى عليه جعفر بن عبد الواحد، ودفن بمقبرة المنتصر بن المتوكل. قال الخطيب: وكان من أحسن الخلفاء مذهبا، وأجودهم طريقة، وأكثرهم ورعا وعبادة وزهادة.

قال: وروى حديثا واحدا قال: حدثني علي بن هشام بن طراح، عن محمد بن الحسن الفقيه، عن ابن أبي ليلى - وهو داود بن علي- عن أبيه عن ابن عباس قال:

قال العباس: يا رسول الله ما لنا في هذا الأمر؟

قال: «لي النبوة ولكم الخلافة، بكم يفتح هذا الأمر وبكم يختم».

وقال للعباس: «من أحبك نالته شفاعتي، ومن أبغضك لا نالته شفاعتي».

وروى الخطيب أن رجلا استعان المهتدي على خصمه فحكم بينهما بالعدل فأنشأ الرجل يقول:

حكمتموه فقضى بينكم ** أبلج مثل القمر الزاهر

لا يقبل الرشوة في حكمه ** ولا يبالي غبن الخاسر

فقال له المهتدي: أما أنت أيها الرجل فأحسن الله مقالتك، ولست أغتر بما قلت.

وأما أنا فإني ما جلست مجلسي هذا حتى قرأت: { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ } [الأنبياء: 47] .

قال: فبكى الناس حوله فما رئي أكثر باكيا من ذلك اليوم.

وقال بعضهم: سرد المهتدي الصوم من حين تولى إلى حين قتل - رحمه الله -.

وكان يحب الاقتداء بما سلكه عمر بن عبد العزيز الأموي في خلافته من الورع والتقشف وكثرة العبادة وشدة الاحتياط، ولو عاش ووجد ناصرا لسار سيرته ما أمكنه، وكان من عزمه أن يبيد الأتراك الذين أهانوا الخلفاء وأذلوهم، وانتهكوا منصب الخلافة. وقال أحمد بن سعيد الأموي: كنا جلوسا بمكة وعندي جماعة ونحن نبحث في النحو وأشعار العرب، إذ وقف علينا رجل نظنه مجنونا فأنشأ يقول:

أما تستحيون الله يا معدن النحو ** شغلتم بذا والناس في أعظم الشغل

وإمامكم أضحى قتيلا مجندلا ** وقد أصبح الإسلام مفترق الشمل

وأنتم على الأشعار والنحو عكفا ** تصيحون بالأصوات في أحسن السبل

قال: فنظر وأرخنا ذلك اليوم، فإذا المهتدي بالله قد قتل في ذلك اليوم، وهو يوم الاثنين لأربع عشرة بقيت من رجب سنة ست وخمسين ومائتين.

خلافة المعتمد على الله[عدل]

وهو أحمد بن المتوكل على الله ويعرف بابن فتيان، بويع بالخلافة يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب في هذه السنة في دار الأمير يارجوخ وذلك قبل خلع المهتدي بأيام، ثم كانت بيعة العامة يوم الاثنين لثمان مضت من رجب، قيل: ولعشرين بقين من رجب دخل موسى بن بغا ومفلح إلى سر من رأى، فنزل موسى في داره وسكن وخمدت الفتنة هنالك، وأما صاحب الزنج المدعى أنه علوي فهو محاصر للبصرة والجيوش الخليفية في وجهه دونها، وهو في كل يوم يقهرهم ويغنم أموالهم وما يفد إليهم في المراكب من الأطعمة وغيرها، ثم استحوذ بعد ذلك على الإبلة وعبادان وغيرهما من البلاد وخاف منه أهل البصرة خوفا شديدا، وكلما لأمره في قوة وجيوشه في زيادة، ولم يزل ذلك دأبه إلى انسلاخ هذه السنة.

وفيها خرج رجل آخر في الكوفة يقال له: علي بن زيد الطالبي، وجاء جيش من جهة الخليفة فكسره الطالبي واستفحل أمره بالكوفة وقويت شوكته، وتفاقم أمره.

وفيها وثب محمد بن واصل التميمي على نائب الأهواز الحارث بن سيما الشرابي، فقتله واستحوذ على بلاد الأهواز.

وفي رمضان منها تغلب الحسن بن زيد الطالبي على بلاد الري فتوجه إليه موسى بن بغا في شوال، وخرج الخليفة لتوديعه.

وفيها كانت وقعة عظيمة على باب دمشق بين أماجور نائب دمشق - ولم يكن معه إلا قريب من أربعمائة فارس - وبين ابن عيسى بن الشيخ، وهو في قريب من عشرين ألفا، فهزمه أماجور وجاءت ولاية من الخليفة لابن الشيخ على بلاد أرمينية على أن يترك أهل الشام، فقبل ذلك وانصرف عنهم.

وفيها حج بالناس محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور، وكان في جملة من حج أو أحمد بن المتوكل.

فتعجل وعجل السير إلى سامرا فدخلها ليلة الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة من هذه السنة.

وفيها توفي المهتدي بالله الخليفة كما تقدم - رحمه الله تعالى -.

الزبير بن بكار[عدل]

ابن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الزبيري قاضي مكة.

قدم بغداد وحدث بها، وله كتاب أنساب قريش، وكان من أهل العلم بذلك، وكتابه في ذلك حافل جدا.

وقدر روى عنه ابن ماجة وغيره، ووثقه الدارقطني والخطيب وأثنى عليه وعلى كتابه، وتوفي بمكة عن أربع وثمانين سنة في ذي القعدة من هذه السنة.

الإمام محمد بن إسماعيل البخاري[عدل]

صاحب الصحيح، وقد ذكرنا له ترجمة حافلة في أول شرحنا لصحيحه، ولنذكر هاهنا نبذة يسيرة من ذلك فنقول: هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن يزدزبه الجعفي مولاهم أبو عبد الله البخاري الحافظ، إمام أهل الحديث في زمانه، والمقتدى به في أوانه، والمقدم على سائر أضرابه وأقرانه، وكتابه الصحيح يستقى بقراءته الغمام، وأجمع العلماء على قبوله وصحة ما فيه، وكذلك سائر أهل الإسلام، ولد البخاري - رحمه الله - في ليلة الجمعة الثالث عشر من شوال سنة أربع وتسعين ومائة، ومات أبوه وهو صغير فنشأ في حجر أمه فألهمه الله حفظ الحديث وهو في المكتب، وقرأ الكتب المشهورة وهو ابن ست عشر سنة حتى قيل: إنه كان يحفظ وهو صبي سبعين ألف حديث سردا، وحج وعمره ثماني عشرة سنة.

فأقام بمكة يطلب بها الحديث، ثم رحل بعد ذلك إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنته الرحلة إليها، وكتب عن أكثر من ألف شيخ.

وروى عنه خلائق وأمم.

وقد روى الخطيب البغدادي عن الفربري أنه قال: سمع الصحيح من البخاري معي نحو من سبعين ألفا لم يبق منهم أحد غيري.

وقد روى البخاري من طريق الفربري كما هي رواية الناس اليوم من طريقه، وحماد بن شاكر وإبراهيم بن معقل وطاهر بن مخلد. وآخر من حدث عنه أبو طلحة منصور بن محمد بن علي البردي النسفي؛ وقد توفي النسفي هذا في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. ووثقه الأمير أبو نصر بن ماكولا.

وممن روى عن البخاري مسلم في غير الصحيح، وكان مسلم يتلمذ له ويعظمه، وروى عنه الترمذي في جامعه، والنسائي في سننه في قول بعضهم.

وقد دخل بغداد ثمان مرات، وفي كل منها يجتمع بالإمام أحمد، فيحثه أحمد على المقام ببغداد ويلومه على الإقامة بخراسان.

وقد كان البخاري يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه فيوقد السراج، ويكتب الفائدة تمر بخاطرة ثم يطفئ سراجه، ثم يقوم مرة أخرى وأخرى حتى كان يتعدد منه ذلك قريبا من عشرين مرة. وقد كان أصيب بصره وهو صغير فرأت أمه إبراهيم الخليل - عليه الصلاة والسلام - فقال: يا هذه قد رد الله على ولدك بصره بكثرة دعائك، أو قال: بكائك، فأصبح وهو بصير.

وقال البخاري: فكرت البارحة فإذا أنا قد كتبت لي مصنفات نحوا من مائتي ألف حديث مسندة.

وكان يحفظها كلها.

ودخل مرة إلى سمرقند فاجتمع بأربعمائة من علماء الحديث بها، فركبوا أسانيد وأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وخلطوا الرجال في الأسانيد وجعلوا متون الأحاديث على غير أسانيدها، ثم قرؤوها على البخاري فرد كل حديث إلى إسناده، وقوم تلك الأحاديث والأسانيد كلها، وما تعنتوا عليه فيها، ولم يقدروا أن يعلفوا عليه سقطة في إسناد ولا متن.

وكذلك صنع في بغداد.

وقد ذكروا أنه كان ينظر في الكتاب مرة واحدة فيحفظه من نظرة واحدة.

والأخبار عنه في ذلك كثيرة.

وقد أثنى عليه علماء زمانه من شيوخه وأقرانه.

فقال الإمام أحمد: ما أخرجت خراسان مثله.

وقال علي بن المديني: لم ير البخاري مثل نفسه.

وقال إسحاق بن راهويه: لو كان في زمن الحسن لاحتاج الناس إليه في الحديث ومعرفته وفقهه.

وقال أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير: ما رأينا مثله.

وقال علي بن حجر: لا أعلم مثله.

وقال محمود بن النظر بن سهل الشافعي: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها، كلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل البخاري فضلوه على أنفسهم.

وقال أبو العباس الدعولي: كتب أهل بغداد إلى البخاري:

المسلمون بخير ما حييت لهم ** وليس بعدك خير حين تفتقد

وقال الفلاس: كل حديث لا يعرفه البخاري فليس بحديث.

وقال أبو نعيم أحمد بن حماد: هو فقيه هذه الأمة.

وكذا قال يعقوب بن إبراهيم الدورقي.

ومنهم من فضله في الفقه والحديث على الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه.

وقال قتيبة بن سعيد: رحل إلي من شرق الأرض وغر بها خلق، فما رحل إلى مثل محمد بن إسماعيل البخاري.

وقال مرجى بن رجاء: فضل البخاري على العلماء كفضل الرجال على النساء - يعني في زمانه - وأما قبل زمانه مثل قرب الصحابة والتابعين فلا.

وقال: هو آية من آيات الله تمشي على الأرض.

وقال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدرامي: محمد بن إسماعيل البخاري أفقهنا وأعلمنا وأغوصنا وأكثرنا طلبا.

وقال إسحاق بن راهويه: هو أبصر مني.

وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق. وقال عبد الله العجلي: رأيت أبا حاتم وأبا زرعة يجلسان إليه يسمعان ما يقول، ولم يكن مسلم يبلغه، وكان أعلم من محمد بن يحيى الذهلي بكذا وكذا، وكان حييا فاضلا يحسن كل شيء.

وقال غيره: رأيت محمد بن يحيى الذهلي يسأل البخاري عن الأسامي والكنى والعلل، وهو يمر فيه كالسهم، كأنه يقرأ قل هو الله أحد.

وقال أحمد بن حمدون القصار: رأيت مسلم بن الحجاج جاء إلى البخاري فقبل بن عينيه وقال: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله، ثم سأله عن حديث كفارة المجلس فذكر له علته فلما فرغ قال مسلم: لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك.

وقال الترمذي: لم أر بالعراق ولا في خراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من البخاري، وكنا يوما عند عبد الله بن منير فقال للبخاري: جعلك الله زين هذه الأمة.

قال الترمذي: فاستجيب له فيه.

وقال ابن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري.

ولو استقصينا ثناء العلماء عليه في حفظه وإتقانه وعلمه وفقهه وورعه وزهده وعبادته لطال علينا، ونحن على عجل من أجل الحوادث والله سبحانه المستعان.

وقد كان البخاري - رحمه الله - في غاية الحياء والشجاعة والسخاء والورع والزهد في الدنيا دار الفناء، والرغبة في الآخرة دار البقاء.

وقال البخاري: إني لأرجو أن ألقى الله ليس أحد يطالبني أني اغتبته.

فذكر له التاريخ وما ذكر فيه من الجرح والتعديل وغير ذلك. فقال: ليس هذا من هذا.

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إيذنوا له فلبئس أخو العشيرة».

ونحن إنما روينا ذلك رواية ولم نقله من عند أنفسنا.

وقد كان - رحمه الله - يصلي في كل ليلة ثلاث عشرة ركعة، وكان يختم القرآن في كل ليلة رمضان ختمة، وكانت له جدة ومال جيد ينفق منه سرا وجهرا، وكان يكثر الصدقة بالليل والنهار، وكان مستجاب الدعوة مسدد الرمية شريف النفس، بعث إليه بعض السلاطين ليأتيه حتى يسمع أولاده عليه فأرسل إليه: في بيته العلم والحلم يؤتى - يعني إن كنتم تريدون ذلك فهلموا إلي - وأبى أن يذهب إليهم.

والسلطان خالد بن أحمد الذهلي نائب الظاهرية ببخارى، فبقي في نفس الأمير من ذلك، فاتفق أن جاء كتاب من محمد بن يحيى الذهلي بأن البخاري يقول لفظه بالقرآن مخلوق - وكان وقد وقع بين محمد بن يحيى الذهلي وبين البخاري في ذلك كلام وصنف البخاري في ذلك كتاب أفعال العباد - فأراد أن يصرف الناس عن السماع من البخاري، وقد كان الناس يعظمونه جدا، وحين رجع إليهم نثروا على رأسه الذهب والفضة يوم دخل بخارى عائدا إلى أهله، وكان له مجلس يجلس فيه للإملاء بجامعها فلم يقبلوا من الأمير، فأمر عند ذلك بنفيه من تلك البلاد، فخرج منها ودعا على خالد بن أحمد، فلم يمض شهر حتى أمر ابن طاهر بأن ينادى على خالد بن أحمد على أتان، وزال ملكه وسجن في بغداد حتى مات، ولم يبق أحد يساعده على ذلك إلا ابتلي ببلاء شديد، فنزح البخاري من بلده إلى بلدة يقال لها: خرتنك على فرسخين من سمرقند، فنزل عند أقارب له بها وجعل يدعو الله أن يقبضه إليه حين رأى الفتن في الدين، لما جاء في الحديث: «وإذا أردت بقوم فتنة فتوفنا إليك غير مفتونين». ثم اتفق مرضه على إثر ذلك.

فكانت وفاته ليلة عيد الفطر - وكان ليلة السبت - عند صلاة العشاء وصلى عليه يوم العيد بعد الظهر من هذه السنة - أعنى سنة ست وخمسين ومائتين - وكفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة، وفق ما أوصى به، وحين ما دفن فاحت من قبره رائحة غالية أطيب من ريح المسك، ثم دام ذلك أياما، ثم جعلت ترى سواري بيض بحذاء قبره.

وكان عمره يوم مات ثنتين وستين سنة.

وقد ترك - رحمه الله - بعده علما نافعا لجميع المسلمين، فعلمه لم ينقطع بل هو موصول بما أسداه من الصالحات في الحياة، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، علم ينتفع به».

الحديث رواه مسلم وشرطه في صحيحه هذا أعز من شرط كل كتاب، صنف في الصحيح لا يوازيه فيه غيره، لا صحيح مسلم ولا غيره.

وما أحسن ما قال بعض الفصحاء من الشعراء:

صحيح البخاري لو أنصفوه ** لما خط إلا بماء الذهب

هو الفرق بين الهدى والعمى ** هو السد بين الفتى والعطب

أسانيد مثل نجوم السماء ** أمام متون لها كالشهب

بها قام ميزان دين الرسول ** ودان به العجم بعد العرب

حجاب من النار لا شك فيه ** يميز بين الرضى والغضب

وستر رقيق إلى المصطفى ** ونص مبين لكشف الريب

فيا عالما أجمع العالمو ** ن على فضل رتبته في الرتب

سبق الأئمة فيما جمعت ** وفزت على زعمهم بالقصب

نفيت الضعف من الناقل ** ين ومن كان متهما بالكذب

وأبرزت في حسن ترتيبه ** وتبويبه عجبا للعجب

فأعطاك مولاك ما تشتهيه ** وأجزل حظك فيما وهب

ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائتين[عدل]

فيها ولي الخليفة المعتمد ليعقوب بن الليث بلخ وطخارستان وما يلي ذلك من كرمان وسجستان والسند وغيرها.

وفي صفر منها عقد المعتمد لأخيه أبي أحمد على الكوفة وطريق مكة والحرمين واليمن، وأضاف إليه في رمضان نيابة بغداد والسواد وواسط وكور دجلة والبصرة والأهواز وفارس، وأذن له أن يستنيب في ذلك كله.

وفيها تواقع سعيد الحاجب وصاحب الزنج في أراضي البصرة فهزمه سعيد الحاجب، واستنقذ من يده خلقا من النساء والذرية، واسترجع منه أموالا جزيلة.

وأهان الزنج غاية الإهانة.

ثم إن الزنج بيتوا سعيدا وجيشه فقتلوا منهم خلقا كثيرا، ويقال: أن سعيد بن صالح قتل أيضا.

ثم إن الزنج التقوا هم ومنصور بن جعفر الخياط في جيش كثيف فهزمهم صاحب الزنج المدعى أنه طالبي، وهو كاذب.

قال ابن جرير: وفيها ظفر ببغداد بموضع بقال له: بركة زلزل برجل خناق قد قتل خلقا من النساء، كان يؤلف المرأة ثم يخنقها ويأخذ ما عليها، فحمل إلى المعتمد فضرب بين يديه بألفي سوط وأربعمائة، فلم يمت حتى ضربه الجلادون على أنثييه بخشب العقابين فمات، ورد إلى بغداد وصلب هناك، ثم أحرقت جثته. وفي ليلة الرابع عشر من شوال من هذه السنة، كسف القمر وغاب أكثره.

وفي صبيحة هذا اليوم دخل جيش الخبيث الزنجي إلى البصرة قهرا فقتل من أهلها خلقا وهرب نائبها بغراج ومن معه، وأحرقت الزنج جامع البصرة ودورا كثيرة، وانتهبوها ثم نادى فيهم إبراهيم بن المهلبي أحد أصحاب الزنجي الخارجي: من أراد الأمان فليحضر. فاجتمع عنده خلق كثير من أهل البصرة فرأى أنه قد أصاب فرصة فغدر بهم وأمر بقتلهم، فلم يفلت منهم إلا الشاذ: كانت الزنج تحيط بجماعة من أهل البصرة ثم يقول بعضهم لبعض: كيلوا - وهي الإشارة بينهم إلى القتل - فيحملون عليهم بالسيوف فلا يسمع إلا قول أشهد أن لا إله الله، من أولئك المقتولين وضجيجهم عند القتل - أي: صراخ الزنج وضحكهم - فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وهكذا كانوا يفعلون في كل محال البصرة في عدة أيام نحسات، وهرب الناس منهم كل مهرب وحرقوا الكلأ من الجبل إلى الجبل، فكانت النار تحرق ما وجدت من شيء من إنسان أو بهيمة أو آثار أو غير ذلك، وأحرقوا المسجد الجامع وقد قتل هؤلاء جماعة كثيرة من الأعيان والأدباء والفضلاء والمحدثين والعلماء.

فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وكان هذا الخبيث قد أوقع في أهل فارس وقعة عظيمة، ثم بلغه أن أهل البصرة قد جاءهم من الميرة شيء كثير وقد اتسعوا بعد الضيق فحسدهم على ذلك، فروى ابن جرير عن من سمعه يقول: دعوت الله علي أهل البصرة فخوطبت فقيل: إنما أهل البصرة خبزة لك تأكلها من جوانبها، فإذا انكسر نصف الرغيف خربت البصرة، فأولت الرغيف القمر وانكساره انكسافه، وقد كان هذا شائعا في أصحابه حتى وقع الأمر طبق ما أخبر به.

ولا شك أن هذا كان معه شيطان يخاطبه، كما كان يأتي الشيطان مسيلمة وغيره.

قال: ولما وقع ما وقع من الزنج بأهل البصرة قال هذا الخبيث لمن معه: إني صبيحة ذلك دعوت الله على أهل البصرة، فرفعت لي البصرة بين السماء والأرض، ورأيت أهلها يقتلون، ورأيت الملائكة تقاتل مع أصحابي، وإني لمنصور على الناس والملائكة تقاتل معي، وتثبت جيوشي، ويؤيدني في حروبي.

ولما صار إليه العلوية الذين كانوا بالبصرة انتسب هو حينئذ إلى يحيى بن زيد، وهو كاذب في ذلك بالإجماع، لأن يحيى بن زيد لم يعقب إلا بنتا ماتت وهي ترضع، فقبح الله هذا اللعين ما أكذبه وأفجره وأغدره.

وفيها في مستهل ذي القعدة وجه الخليفة جيشا كثيفا مع الأمير محمد - المعروف بالمولد - لقتال صاحب الزنج، فقبض في طريقه على سعد بن أحمد الباهلي الذي كان قد تغلب على أرض البطائح وأخاف السبيل.

وفيها خالف محمد بن واصل الخليفة بأرض فارس وتغلب عليها. وفيها وثب رجل من الروم يقال له: بسيل الصقلبي على ملك الروم ميخائيل بن توفيل فقتله واستحوذ على مملكة الروم، وقد كان لميخائيل في الملك على الروم أربع وعشرون سنة.

وحج بالناس فيها الفضل بن إسحاق العباسي.

وفيها توفي من الأعيان:

الحسن بن عرفة بن يزيد[عدل]

صاحب الجزء المشهور المروي، وقد جاوز المائة بعشر سنين وقيل: بسبع، وكان له عشرة من الولد سماهم بأسماء العشرة.

وقد وثقه يحيى بن معين وغيره، وكان يتردد إلى الإمام أحمد بن حنبل.

ولد في سنة خمسين ومائة، وتوفي في هذه السنة عن مائة وسبع سنين.

وأبو سعيد الأشج.

وزيد بن أخرم الطائي.

والرياشي، ذبحهما الزنج في جملة من ذبحوا من أهل البصرة.

علي بن خشرم[عدل]

أحد مشايخ مسلم الذي يكثر عنهم الرواية. والعباس بن الفرج أبو الفضل الرياشي النحوي اللغوي، كان عالما بأيام العرب والسير وكان كثير الاطلاع ثقة عالما، روى عن الأصمعي وأبي عبيدة وغيرهما، وعنه إبراهيم الحربي، وأبو بكر بن أبي الدنيا وغيرهما.

قتل بالبصرة في هذه السنة، قتله الزنج.

ذكره ابن خلكان في الوفيات وحكى عنه الأصمعي أنه قال:

مر بنا أعرابي ينشد ابنه فقلنا له: صفه لنا.

فقال: كأنه دنينير.

فقلنا: لم نره، فلم نلبث أن جاء يحمله على عنقه أسيود كأنه سفل قدر.

فقلت لو سألتنا عن هذا لأرشدناك، إنه منذ اليوم يلعب ههنا مع الغلمان.

ثم أنشد الأصمعي:

نعم ضجيع الفتى إذا برد ** الليل سحرا وقرقف العرد

زينها الله في الفؤاد كما ** زين في عين والد ولد

ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائتين[عدل]

في يوم الاثنين لعشر بقين من ربيع الأول عقد الخليفة لأخيه أبي أحمد علي ديار مصر وقنسرين والعواصم، وجلس يوم الخميس في مستهل ربيع الآخر فخلع على أخيه وعلى مفلح، وركبا نحو البصرة في جيش كثيف في عدد وعدد، فاقتتلوا هم والزنج قتالا شديدا فقتل مفلح للنصف من جمادى الأولى، أصابه سهم بلا نصل في صدره فأصبح ميتا، وحملت جثته إلى سامرا فدفن بها. وفيها أسر يحيى بن محمد البحراني أحد أمراء صاحب الزنج الكبار، وحمل إلى سامرا فضرب بين يدي المعتمد مائتي سوط، ثم قطعت يداه ورجلاه من خلاف، ثم أخذ بالسيوف ثم ذبح ثم أحرق، وكان الذين أسروه جيش أبي أحمد في وقعة هائلة مع الزنج قبحهم الله.

ولما بلغ خبره صاحب الزنج أسف على ذلك ثم قال: لقد خوطبت فيه فقيل لي: قتله كان خيرا لك.

لأنه كان شرها يخفى من المغانم خيارها، وقد كان صاحب الزنج يقول لأصحابه: لقد عرضت علي النبوة فخفت أن لا أقوم بأعبائها فلم أقبلها.

وفي ربيع الآخر منها وصل سعيد بن أحمد الباهلي إلى باب الخليفة فضرب سبعمائة سوط حتى مات ثم صلب.

وفيها قتل قاض وأربعة وعشرون رجلا من أصحاب صاحب الزنج عند باب العامة بسامرا.

وفيها رجع محمد بن واصل إلى طاعة السلطان وحمل خراج فارس وتمهدت الأمور هناك.

وفيها في أواخر رجب كان بين أبي أحمد وبين الزنج وقعة هائلة فقتل منها خلق من الفريقين.

ثم استوخم أبو أحمد منزله فانتقل إلى واسط فنزلها في أوائل شعبان فلما نزلها وقعت هناك زلزلة شديدة وهدة عظيمة، تهدمت فيها بيوت ودور كثيرة ومات من الناس نحو من عشرين ألفا.

وفيها وقع في الناس وباء شديد وموت عريض ببغداد وسامرا وواسط وغيرها من البلاد، وحصل للناس ببغداد داء يقال له: القفاع.

وفي يوم الخميس لسبع خلون من رمضان، أخذ رجل من باب العامة بسامرا ذكر عنه أنه يسب السلف، فضرب ألف سوط حتى مات.

وفي يوم الجمعة ثامنه، توفي الأمير يارجوخ فصلى عليه أخو الخليفة أبو عيسى وحضره جعفر بن المعتمد على الله.

وفيها كانت وقعة هائلة بين موسى بن بغا وبين أصحاب الحسن بن زيد ببلاد خراسان، فهزمهم موسى هزيمة فظيعة.

وفيها كانت وقعة بين مسرور البلخي وبين مساور الخارجي، فكسره مسرور وأسر من أصحابه جماعة.

كثيرة وفيها حج بالناس الفضل بن إسحاق المتقدم ذكره.

وفيها توفي من الأعيان أحمد بن بديل، وأحمد بن حفص.

وأحمد بن سنان القطان.

ومحمد بن يحيى الذهلي.

ويحيى بن معاذ الرازي.

ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائتين[عدل]

في يوم الجمعة لأربع من ربيع الآخر رجع أبو أحمد بن المتوكل من واسط إلى سامرا، وقد استخلف على حرب الزنج محمد الملقب بالمولد، وكان شجاعا شهما.

وفيها بعث الخليفة إلى نائب الكوفة جماعة من القواد فذبحوه وأخذوا ما كان معه من المال، فإذا هو أربعون ألف دينار.

وفيها تغلب رجل جمال يقال له: شركب الجمال على مدينة مرو فانتهبها، وتفاقم أمره وأمر أتباعه هناك.

ولثلاث عشرة بقيت من ذي القعدة توجه موسى بن بغا إلى حرب الزنج وخرج المعتمد لتوديعه، وخلع عليه عند مفارقته له، وخرج عبد الرحمن بن مفلح إلى بلاد الأهواز نائبا عليها، وليكون عونا لموسى بن بغا على حرب صاحب الزنج الخبيث، فهزم عبد الرحمن بن مفلح جيش الخبيث، وقتل من الزنج خلقا كثيرا، وأسر طائفة كبيرة منهم وأرعبهم رعبا كثيرا، بحيث لم يتجاسروا على موافقتة مرة ثانية، وقد حرضهم الخبيث كل التحريض فلم ينجع ذلك فيهم، ثم تواقع عبد الرحمن بن مفلح وعلي بن أبان المهلبي، وهو مقدم جيوش صاحب الزنج فجرت بينهما حروب يطول شرحها، ثم كانت الدائرة على الزنج ولله الحمد.

فرجع علي بن أبان إلى الخبيث مغلوبا مقهورا، وبعث عبد الرحمن بالأسارى إلى سامرا، فبادر إليهم العامة فقتلوا أكثرهم وسلبوهم قبل أن يصلوا إلى الخليفة.

وفيها دنا ملك الروم - لعنه الله -إلى بلاد سميساط ثم إلى ملطية فقاتله أهلها فهزموه، وقتلوا بطريق البطارقة من أصحابه، ورجع إلى بلاده خاسئا وهو حسير.

وفيها دخل يعقوب بن الليث إلى نيسابور وظفر بالخارجي الذي كان بهراة ينتحل الخلافة منذ ثلاثين سنة، فقتله وحمل رأسه على رمح وطيف به في الآفاق.

ومعه رقعة مكتوب فيها ذلك.

وفيها حج بالناس إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن يعقوب بن سليمان بن إسحاق بن علي بن عبد الله بن عباس. وفيها توفي من الأعيان إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق أبو إسحاق الجوزجاني خطيب دمشق وإمامها وعالمها، وله المصنفات المشهورة المفيدة، منها المترجم فيه علوم غزيرة وفوائده كثيرة.

ثم دخلت سنة ستين ومائتين[عدل]

فيها وقع غلاء شديد ببلاد الإسلام كلها حتى أحلى أكثر أهل البلدان منها إلى غيرها، ولم يبق بمكة أحد من المجاورين حتى ارتحلوا إلى المدينة وغيرها من البلاد، وخرج نائب مكة منها.

وبلغ كر الشعير ببغداد مائة وعشرين دينارا، واستمر ذلك شهورا. وفيها قتل صاحب الزنج علي بن زيد صاحب الكوفة، وفيها أخذ الروم من المسلمين حصن لؤلؤة.

وفيها حج بالناس إبراهيم بن محمد بن إسماعيل المذكور قبلها.

وفيها توفي من الأعيان: الحسن بن محمد الزعفراني، وعبد الرحمن بن شرف، ومالك بن طوق صاحب الرحبة التي تنسب إليه، وهو مالك بن طوق، ويقال للرحبة: رحبة مالك بن طوق، وحنين ابن إسحاق العبادي الذي عرب كتاب اقليدس وحرره بعد ثابت بن قرة.

وعرب حنين أيضا كتاب المجسطي وغير ذلك من كتب الطب من لغة اليونان إلى لغة العرب، وكان المأمون شديد الاعتناء بذلك جدا، وكذلك جعفر البرمكي قبله، ولحنين مصنفات كثيرة في الطب، واليه تنسب مسائل حنين، وكان بارعا في فنه جدا، توفي يوم الثلاثاء لست خلون من صفر من هذه السنة.

قاله ابن خلكان.

سنة إحدى وستين ومائتين[عدل]

فيها انصرف الحسن بن زيد من بلاد الديلم إلى طبرستان وأحرق مدينة شالوس، لممالأتهم يعقوب بن الليث عليه.

وفيها قتل مساور الخارجي يحيى بن حفص الذي كان يلي طريق خراسان في جمادى الآخرة، فشخص إليه مسرور البلخي، ثم تبعه أبو أحمد بن المتوكل فهرب مساور فلم يلحق.

وفيها كانت وقعة بين ابن واصل الذي تغلب على فارس وبين عبد الرحمن بن مفلح، فكسره ابن واصل وأسره، وقتل طاشتمر واصطلم الجيش الذين كانوا معه فلم يفلت منهم إلا اليسير، ثم سار ابن واصل إلى واسط يريد حرب موسى بن بغا، فرجع موسى إلى نائب الخليفة وسأل أن يعفى من ولاية بلاد المشرق لما بها من الفتن، فعزل عنها وولاها الخليفة إلى أخيه أبي أحمد.

وفيها سار أبو الساج إلى حرب الزنج فاقتتلوا قتالا شديدا، وغلبتهم الزنج، ودخلوا الأهواز فقتلوا خلقا من أهلها وأحرقوا منازل كثيرة، ثم صرف أبو الساج عن نيابة الأهواز وخربها الزنج وولى الخليفة ذلك إبراهيم بن سيما.

وفيها تجهز مسرور البلخي في جيش لقتال الزنج.

وفيها ولى الخليفة نصر بن أحمد بن أسد الساماني ما وراء نهر بلخ وكتب إليه بذلك في شهر رمضان.

وفي شوال قصد يعقوب بن الليث حرب ابن واصل فالتقيا في ذي القعدة، فهزمه يعقوب وأخذ عسكره وأسر رجاله وطائفة من حرمه، وأخذ من أمواله ما قيمته أربعون ألف ألف درهم.

وقتل من كان يمالئه وينصره من أهل تلك البلاد.

وأصلح الله به تلك الناحية.

ولاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال، ولى المعتمد على الله ولده جعفرا العهد من بعده، وسماه المفوض إلى الله وولاه المغرب، وضم إليه موسى بن بغا ولاية إفريقية ومصر والشام والجزيرة والموصل وأرمينية وطريق خراسان وغير ذلك، وجعل الأمر من بعد ولده لأبي أحمد المتوكل ولقبه الموفق بالله وولاه المشرق، وضم إليه مسرور البلخي وولاه المشرق وضم إليه مسرور البلخي وولاه بغداد والسواد والكوفة وطريق مكة والمدينة واليمن وكسكر وكوردجلة والأهواز وفارس وأصبهان والكرخ والدينور والرى وزنجان والسند، وكتب بذلك مكاتبات وقرئت بالآفاق، وعلق منها نسخة بالكعبة.

وفيها حج بالناس الفضل بن إسحاق.

وفيها توفي من الأعيان: أحمد بن سليمان الرهاوي.

وأحمد بن عبد الله العجلي.

والحسن بن أبي الشوارب بمكة.

وداود بن سليمان الجعفري.

وشعيب بن أيوب.

و عبد الله بن الواثق أخو المهتدي بالله.

وأبو شعيب السوسي.

وأبو زيد البسطامي أحد أئمة الصوفية.

وعلي بن إشكاب وأخوه أبو محمد، ومسلم بن الحجاج صاحب الصحيح.

ذكر شيء من ترجمة مسلم بن الحجاج النيسابوري[عدل]

هو مسلم أبو الحسين القشيري النيسابوري، أحد الأئمة من حفاظ الحديث صاحب الصحيح الذي هو تلو صحيح البخاري عند أكثر العلماء، وذهبت المغاربة وأبو علي النيسابوري من المشارقة إلى تفضيل صحيح مسلم على صحيح البخاري، فإن أرادوا تقديمه عليه في كونه ليس فيه شيء من التعليقات إلا القليل، وأنه يسوق الأحاديث بتمامها في موضع واحد، ولا يقطعها كتقطيع البخاري لها في الأبواب، فهذا القدر لا يوازي قوة أسانيد البخاري واختياره في الصحيح لها ما أورده في جامعه معاصرة الراوي لشيخه وسماعه منه، وفي الجملة فإن مسلما لم يشترط في كتابه الشرط الثاني كما هو مقرر في علوم الحديث، وقد بسطت ذلك في أول شرح البخاري.

والمقصود أن مسلما دخل إلى العراق والحجاز والشام ومصر وسمع من جماعة كثيرين قد ذكرهم شيخنا الحافظ المزي في تهذيبه مرتبين على حروف المعجم.

وروى عنه جماعة كثيرون منهم: الترمذي في جامعه حديثا واحدا وهو حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «احصوا هلال شعبان لرمضان».

وصالح بن محمد حرره. وعبد الرحمن بن أبي حاتم.

وابن خزيمة، وابن صاعد، وأبو عوانة الأسفراييني.

وقال الخطيب: أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب، أخبرنا أحمد بن نعيم الضبي، أخبرنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم، سمعت أحمد بن سلمة يقول: رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما.

وأخبرني ابن يعقوب، أنا محمد بن نعيم، سمعت الحسين بن محمد الماسرخسي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت مسلما بن الحجاج يقول: صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة.

وروى الخطيب قائلا: حدثني أبو القاسم عبيد الله بن أحمد بن علي السودرجاني - بأصبهان - سمعت محمد بن إسحاق بن منده سمعت أبا علي الحسين بن علي النيسابوري يقول: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث.

وقد ذكر مسلم عند إسحاق بن راهويه فقال بالعجمية ما معناه: أي رجل كان هذا؟

وقال إسحاق بن منصور لمسلم: لن نعدم الخير ما أبقاك الله للمسلمين.

وقد أثنى عليه جماعة من العلماء من أهل الحديث وغيرهم.

وقال أبو عبد الله محمد بن يعقوب الأخرم: قل ما يفوت البخاري ومسلما ما يثبت في الحديث.

وروى الخطيب عن أبي عمر محمد بن حمدان الحيري قال: سألت أبا العباس أحمد بن سعيد بن عقدة الحافظ عن البخاري ومسلم أيهما أعلم؟

فقال: كان البخاري عالما ومسلم عالما، فكررت ذلك عليه مرارا وهو يرد علي هذا الجواب ثم قال: يا أبا عمرو قد يقع للبخاري الغلط في أهل الشام، وذلك أنه أخذ كتبهم فنظر فيها فربما ذكر الواحد منهم بكنيته ويذكره في موضع آخر باسمه ويتوهم أنهما اثنان، وأما مسلم فقل ما يقع له الغلط لأنه كتب المقاطيع والمراسيل.

قال الخطيب: إنما قفا مسلم طريق البخاري ونظر في علمه وحذا حذوه.

ولما ورد البخاري نيسابور في آخر أمره لازمه مسلم وأدام الاختلاف إليه.

وقد حدثني عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي قال: سمعت أبا الحسن الدارقطني يقول: لولا البخاري ما ذهب مسلم ولا جاء. قال الخطيب: وأخبرني أبو بكر المنكدر، ثنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثني أبو نصر بن محمد الزراد، سمعت أبا حامد أحمد بن حمدان القصار، سمعت مسلم بن الحجاج وجاء إلى محمد بن إسماعيل البخاري فقبل بين عينيه وقال: دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله، حدثك محمد بن سلام، ثنا مخلد بن يزيد الحراني، حدثنا ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل، عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في كفارة المجلس فما علته؟

فقال البخاري: هذا حديث مليح ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث، إلا أنه معلول، ثنا به موسى بن إسماعيل، ثنا وهيب عن سهيل، عن عوز بن عبد الله قوله.

قال البخاري: وهذا أولى فإنه لا يعرف لموسى بن عقبة سماع من سهيل.

قلت: وقد أفردت لهذا الحديث جزءا على حدة، وأوردت فيه طرقه وألفاظه ومتنه وعلله.

قال الخطيب: وقد كان مسلم يناضل عن البخاري.

ثم ذكر ما وقع بين البخاري ومحمد بن يحيى الذهلي في مسألة اللفظ بالقرآن في نيسابور، وكيف نودى على البخارى بسبب ذلك بنيسابور، وأن الذهلي قال يوما لأهل مجلسه وفيهم مسلم بن الحجاج: ألا من كان يقول بقول البخاري في مسألة اللفظ بالقرآن فليعتزل مجلسنا.

فنهض مسلم من فوره إلى منزله، وجمع ما كان سمعه من الذهلي جميعه وأرسله إليه، وترك الرواية عن الذهلي بالكلية، فلم يرو عنه شيئا لا في صحيحه ولا في غيره، واستحكمت الوحشة بينهما.

هذا ولم يترك البخاري محمد بن يحيى الذهلي بل روى عنه في صحيحه وغيره وعذره رحمه الله.

وقد ذكر الخطيب سبب موت مسلم رحمه الله: أنه عقد له مجلس للمذاكرة فسئل يوما عن حديث، فلم يعرفه فانصرف إلى منزله فأوقد السراج وقال لأهله: لا يدخل أحد الليلة علي، وقد أهديت له سلة من تمر فهي عنده يأكل تمرة ويكشف عن حديث ثم يأكل أخرى ويكشف عن آخر، فلم يزل ذلك دأبه حتى أصبح، وقد أكل تلك السلة وهو لا يشعر.

فحصل له بسبب ذلك ثقل ومرض من ذلك حتى كانت وفاته عشية يوم الأحد، ودفن يوم الاثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين بنيسابور، وكان مولده في السنة التي توفي فيها الشافعي، وهي سنة أربع ومائتين، فكان عمره سبعا وخمسين سنة رحمه الله تعالى.

أبو يزيد البسطامي[عدل]

اسمه طيفور بن عيسى بن علي، أحد مشايخ الصوفية، وكان جده مجوسيا فأسلم، وكان لأبي يزيد أخوات صالحات عابدات، وهو أجلهم، قيل لأبي يزيد: بأي شيء وصلت إلى المعرفة؟

فقال: ببطن جائع وبدن عار.

وكان يقول: دعوت نفسي إلى طاعة الله فلم تجبني فمنعتها الماء سنة.

وقال: إذا رأيت الرجل قد أعطي من الكرامات حتى يرتفع في الهواء، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود والوقوف عند الشريعة.

قال ابن خلكان: وله مقامات ومجاهدات مشهورة، وكرامات ظاهرة.

توفي سنة إحدى وستين ومائتين.

قلت: وقد حكي عنه شحطات ناقصات، قد تأولها كثير من الفقهاء والصوفية وحملوها على محامل بعيدة.

وقد قال بعضهم: إنه قال ذلك في حال الاصطلام والغيبة.

ومن العلماء من بدعه وخطأه وجعل ذلك من أكبر البدع، وأنها تدل على اعتقاد فاسد كامن في القلب ظهر في أوقاته، والله أعلم.

ثم دخلت سنة اثنتين وستين ومائتين[عدل]

فيها قدم يعقوب بن الليث في جحافل، فدخل واسط قهرا، فخرج الخليفة المعتمد بنفسه من سامرا لقتاله، فتوسط بين بغداد وواسط فانتدب له أبو أحمد الموفق بالله أخو الخليفة، في جيش عظيم على ميمنته موسى بن بغا، وعلى ميسرته مسرور البلخي، فاقتتلوا في رجب من هذه السنة أياما قتالا عظيما، ثم كانت الغلبة على يعقوب وأصحابه، وذلك يوم عيد الشعانين.

فقتل منهم خلق كثير، وغنم منهم أبو أحمد شيئا كثيرا من الذهب والفضة والمسك والدواب.

ويقال: إنهم وجدوا في جيش يعقوب هذا رايات عليها صلبان. ثم انصرف المعتمد إلى المدائن ورد محمد بن طاهر إلى نيابة بغداد، وأمر له بخمسمائة ألف درهم.

وفيها: غلب يعقوب بن الليث على بلاد فارس، وهرب ابن واصل منها.

وفيها: كانت حروب كثيرة بين صاحب الزنج وجيش الخليفة.

وفيها: ولي القضاء علي بن محمد بن أبي الشوارب.

وفيها: جمع للقاضي إسماعيل بن إسحاق قضاء جانبي بغداد.

وفيها: حج بالناس الفضل بن إسحاق العباسي.

قال ابن جرير: وفيها وقع بين الخياطين والخرازين بمكة فاقتتلوا يوم التروية أو قبله بيوم.

فقتل منهم سبعة عشر نفسا، وخاف الناس أن يفوتهم الحج بسببهم، ثم توادعوا إلى ما بعد الحج.

وفيها توفي من الأعيان: صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور في ربيع الآخر منها.

وعمر بن شبة النميري.

ومحمد بن عاصم.

ويعقوب بن شيبة صاحب المسند الحافل المشهور، والله أعلم.

ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائتين[عدل]

فيها جرت حروب كثيرة منتشرة في بلاد شتى فمن ذلك مقتلة عظيمة في الزنج لعنهم الله، حصرهم في بعض المواقف بعض الأمراء من جهة الخليفة، فقتل الموجودين عنده عن آخرهم.

وفيها: سلمت الصقالبة حصن لؤلؤة إلى طاغية الروم.

وفيها: تغلب أخو شركب الجمال على نيسابور، وأخرج منها عاملها الحسين بن طاهر، وأخذ من أهلها ثلث أموالهم مصادرة قبحه الله.

وحج بالناس فيها الفضل بن إسحاق العباسي.

وفيها توفي من الأعيان: مساور بن عبد الحميد الشاري الخارجي، وقد كان من الأبطال والشجعان المشهورين، والتف عليه خلق من الأعراب وغيرهم، وطالت مدته حتى قصمه الله.

ووزير الخلافة عبيد الله بن يحيى بن خاقان صدمه في الميدان خادم يقال له: رشيق، فسقط عن دابته على أم رأسه، فخرج دماغه من أذنيه وأنفه فمات بعد ثلاث ساعات، وصلى عليه أبو أحمد الموفق بن المتوكل، ومشى في جنازته، وذلك يوم الجمعة لعشر خلون من ذي القعدة من هذه السنة، واستوزر من الغد الحسن بن مخلد، فلما قدم موسى بن بغا سامرا عزله واستوزر مكانه سليمان بن وهب، وسلمت دار عبد الله بن يحيى بن خاقان إلى الأمير المعروف بكيطلغ.

وفيها: توفي أحمد بن الأزهر.

والحسن بن أبي الربيع.

ومعاوية بن صالح الأشعري.

ثم دخلت سنة أربع وستين ومائتين[عدل]

في المحرم منها عسكر أبو أحمد وموسى بن بغا بسامرا وخرجا منها لليلتين مضتا من صفر، وخرج المعتمد لتوديعهما، وسارا إلى بغداد.

فلما وصلا إلى بغداد توفي الأمير موسى بن بغا وحمل إلى سامرا فدفن بها.

وفيها: ولى محمد بن المولد واسطا لمحاربة سليمان بن جامع نائبها من جهة صاحب الزنج، فهزمه ابن المولد بعد حروب طويلة.

وفيها: سار ابن الديراني إلى مدينة الدينور، واجتمع عليه دلف بن عبد العزيز بن أبي دلف وابن عياض، فهزماه ونهبا أمواله ورجع مغلولا.

ولما توفي موسى بن بغا عزل الخليفة الوزير الذي كان من جهته وهو سليمان بن حرب، وحبسه مقيدا وأمر بنهب دوره ودور أقربائه، ورد الحسن بن مخلد إلى الوزارة، فبلغ ذلك أبا أحمد وهو ببغداد فسار بمن معه إلى سامرا، فتحصن منه أخوه المعتمد بجانبها الغربي، فلما كان يوم التروية عبر جيش أبي أحمد إلى الجانب الذي فيه المعتمد فلم يكن بينهم قتال بل اصطلحوا على رد سليمان بن وهب إلى الوزارة، وهرب الحسن بن مخلد فنهبت أمواله وحواصله واختفى أبو عيسى بن المتوكل ثم ظهر، وهرب جماعة من الأمراء إلى الموصل خوفا من أبي أحمد.

وفيها: حج بالناس هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمي الكوفي.

وفيها توفي من الأعيان:

أحمد بن عبد الرحمن بن وهب. وإسماعيل بن يحيى المزني أحد رواة الحديث عن الشافعي من أهل مصر، وقد ترجمناه في طبقات الشافعيين.

أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي[عدل]

أحد الحفاظ المشهورين، قيل: إنه كان يحفظ سبعمائة ألف حديث، وكان فقيها ورعا زاهدا عابدا متواضعا خاشعا، أثنى عليه أهل زمانه بالحفظ والديانة، وشهدوا له بالتقدم على أقرانه، وكان في حال شبيبته إذا اجتمع بأحمد بن حنبل يقتصر أحمد على الصلوات المكتوبات، ولا يفعل المندوبات اكتفاء بمذاكرته.

توفي يوم الاثنين سلخ ذي الحجة من هذه السنة، وكان مولده سنة مائتين، وقيل: سنة تسعين ومائة، وقد ذكرنا ترجمته مبسوطة في التكميل.

ومحمد بن إسماعيل بن علية قاضي دمشق.

ويونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري، وهو ممن روى عن الشافعي.

وقد ذكرناه في التكميل وفي الطبقات.

وقبيحة أم المعتز إحدى حظايا المتوكل على الله، وقد جمعت من الجواهر واللآلئ والذهب والمصاغ ما لم يعهد لمثلها.

ثم سلبت ذلك كله وقتل ولدها المعتز لأجل نفقات الجند، وشحت عليه بخمسين ألف دينار تداري بها عنه.

كانت وفاتها في ربيع الأول من هذه السنة.

ثم دخلت سنة خمس وستين ومائتين[عدل]

فيها كانت وقعة بين ابن ليثويه عامل أبي أحمد وبين سليمان بن جامع، فظفر بها ابن ليثويه بابن جامع نائب صاحب الزنج، فقتل خلقا من أصحابه وأسر منهم سبعة وأربعين أسيرا، وحرق له مراكب كثيرة، وغنم منهم أموالا جزيلة.

وفي المحرم من هذه السنة حاصر أحمد بن طولون نائب الديار المصرية مدينة أنطاكية، وفيها سيما الطويل فأخذها منه وجاءته هدايا ملك الروم، وفي جملتها أسارى من أسارى المسلمين، ومع كل أسير مصحف، منهم عبد الله بن رشيد بن كاوس الذي كان عامل الثغور، فاجتمع لأحمد بن طولون ملك الشام بكماله مع الديار المصرية، لأنه لما مات نائب دمشق أماخور ركب ابن طولون من مصر فتلقاه ابن ماخور إلى الرملة فأقره عليها.

وسار إلى مشق فدخلها ثم إلى حمص فتسلمها، ثم إلى حلب فأخذها، ثم ركب إلى إنطاكية فكان من أمره ما تقدم.

وكان قد استخلف على مصر ابنه العباس، فلما بلغه قدوم أبيه عليه من الشام أخذ ما كان في بيت المال من الحواصل، ووازره جماعة على ذلك، ثم ساروا إلى برقة خارجا عن طاعة أبيه، فبعث إليه من أخذه ذليلا حقيرا، وردوه إلى مصر فحبسه وقتل جماعة من أصحابه.

وفيها: خرج رجل يقال له: القاسم بن مهاة، على دلف بن عبد العزيز بن أبي دلف العجلي، فقتله واستحوذ على أصبهان فانتصر أصحاب دلف له، فقتلوا القاسم ورأسوا عليهم أحمد بن عبد العزيز.

وفيها: لحق محمد المولد بيعقوب بن الليث فسار إليه في المحرم، فأمر الخليفة بنهب حواصله وأمواله وأملاكه.

وفيها: دخل صاحب الزنج إلى النعمانية، فقتل وحرق ثم سار إلى جرجرايا فانزعج الناس منه، ودخل أهل السواد إلى بغداد.

وفيها: ولى أبو أحمد عمرو بن الليث خراسان وفارس وأصبهان وسجستان وكرمان والسند، ووجهه إليها بذلك وبالخلع والتحف.

وفيها: حاصرت الزنج تستر حتى كادوا يأخذونها، فوافاهم تكين البخاري فلم يضع ثياب سفره حتى ناجز الزنج فقتل منهم خلقا، وهزمهم هزيمة فظيعة جدا، وهرب أميرهم علي بن أبان المهلبي مخذولا.

قال ابن جرير: وهذه وقعة باب كودك المشهورة، ثم إن علي بن أبان المهلبي أخذ في مكاتبة تكين واستمالته إليه وإلى صاحب الزنج، فسارع تكين في إجابته إلى ذلك، فبلغ خبره مسرورا البلخي فسار نحوه وأظهر له الأمان حتى أخذه فقيده وتفرق جيشه عنه، ففرقة صارت إلى الزنج، وفرقة إلى محمد بن عبيد الله الكردي، وفرقة انضافت إلى مسرور بعد إعطائه إياهم الأمان، وولى مكانه على عمالته أميرا آخر يقال له: اغرتمش.

وفيها: حج بالناس هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى العباسي.

وفيها توفي من الأعيان: أحمد بن منصور الرمادي راوية عبد الرزاق، وقد صحب الإمام أحمد وكان يعد من الأبدال، توفي عن ثلاث وستين سنة.

وسعدان بن نصر.

و عبد الله بن محمد المخزومي.

وعلي بن حرب الطائي الموصلي.

وأبو حفص النيسابوري علي بن موفق الزاهد.

ومحمد بن سحنون.

قال ابن الأثير في كامله: وفيها قتل أبو الفطل العباس بن الفرج الرياضي صاحب أبي عبيدة، والأصمعي قتلته الزنج بالبصرة.

يعقوب بن الليث الصفار[عدل]

أحد الملوك العقلاء الأبطال.

فتح بلادا كثيرة من ذلك بلد الرجح التي كان فيها ملك صاحب الزنج، وكان يحمل في سرير من ذهب على رؤوس اثني عشر رجلا، وكان له بيت في رأس جبل عال سماه مكة، فما زال حتى قتل وأخذ بلده، واستسلم أهلها فأسلموا على يديه، ولكن كان قد خرج عن طاعة الخليفة وقاتله أبو أحمد الموفق كما تقدم.

ولما مات ولوا أخاه عمرو بن الليث ما كان يليه أخوه يعقوب مع شرطة بغداد وسامرا كما سيأتي.

ثم دخلت سنة ست وستين ومائتين[عدل]

في صفر منها تغلب إساتكين على بلد الري، وأخرج عاملها منها ثم مضى إلى قزوين فصالحه أهلها فدخلها، وأخذ منها أموالا جزيلة، ثم عاد إلى الري فمانعه أهلها عن الدخوال إليها فقهرهم ودخلها.

وفيها: غارت سرية من الروم على ناحية ديار ربيعة، فقتلوا وسبوا ومثلوا وأخذوا نحوا من مائتين وخمسين أسيرا، فنفر إليهم أهل نصيبين وأهل الموصل، فهربت منهم الروم ورجعوا إلى بلادهم.

وفيها: ولى عمرو بن الليث شرطة بغداد وسامرا لعبيد الله بن طاهر، وبعث إليه أبو أحمد بالخلعة وخلع عليه عمرو بن الليث أيضا، وأهدى إليه عمودين من ذهب، وذلك مضافا إلى ما كان يليه أخوه من البلدان.

وفيها: سار اغرتمش إلى قتال علي بن أبان المهلبي بتستر، فأخذ من كان في السجن من أصحاب علي بن أبان المهلبي من الأمراء فقتلهم عن آخرهم، ثم سار إلى علي بن أبان فاقتتلا قتالا شديدا في مرات عديدة، وكان آخرها لعلي بن أبان المهلبي، قتل خلقا كثيرا من أصحاب اغرتمش وأسر بعضهم فقتلهم أيضا، وبعث برؤوسهم إلى صاحب الزنج فنصبت رؤوسهم على باب مدينته قبحه الله.

وفيها: وثب أهل حمص على عاملهم عيسى الكرخي فقتلوه في شوال منها.

وفيها: دعا الحسن بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن حسين الأصغر العقيلي أهل طبرستان إلى نفسه، وأظهر لهم أن الحسن بن زيد أسر ولم يبق من يقوم بهذا الأمر غيره، فبايعوه.

فلما بلغ ذلك الحسين بن زيد قصده فقاتله فقتله، ونهب أمواله وأموال من اتبعه، وأحرق دورهم.

وفيها: وقعت فتنة بالمدينة ونواحيها بين الجعفرية والعلوية، وتغلب عليها رجل من أهل البيت من سلالة الحسن بن زيد الذي تغلب على طبرستان، وجرت شرور كثيرة هنالك بسبب قتل الجعفرية والعلوية يطول ذكرها.

وفيها: وثبت طائفة من الأعراب على كسوة الكعبة فانتهبوها، وسار بعضهم إلى صاحب الزنج وأصاب الحجيج منهم شدة وبلاء شديد وأمور كريهة.

وفيها: أغارت الروم أيضا على ديار ربيعة.

وفيها: دخل أصحاب صاحب الزنج إلى رامهرمز فافتتحوها بعد قتال طويل.

وفيها: دخل ابن أبي الساج مكة، فقاتله المخزومي فقهره ابن أبي الساج، وحرق داره واستباح ماله، وذلك يوم التروية في هذه السنة.

ثم جعلت إمرة الحرمين إلى ابن أبي الساج من جهة الخليفة.

وحج بالناس فيها هارون بن محمد المتقدم ذكره قبلها.

وفيها: عمل محمد بن عبد الرحمن الداخل إلى بلاد المغرب - وهو خليفة بلاد الأندلس وبلاد المغرب - مراكب في نهر قرطبة ليدخل بها إلى البحر المحيط، ولتسير الجيوش في أطرافه إلى بعض البلاد ليقاتلوهم، فلما دخلت المراكب البحر المحيط تكسرت وتقطعت، ولم ينج من أهلها إلا اليسير بل غرق أكثرهم.

وفيها: التقى أسطول المسلمين وأسطول الروم ببلاد صقلية، فاقتتلوا فقتل من المسلمين خلق كثير، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وفيها: حارب لؤلؤ غلام ابن طولون لموسى بن أتامش، فكسره لؤلؤ وأسره وبعث به إلى مولاه أحمد بن طولون، وهو إذ ذاك نائب الشام ومصر وإفريقية من جهة الخليفة، ثم اقتتل لؤلؤ هذا وطائفة من الروم فقتل من الروم خلقا كثيرا.

قال ابن الأثير: وفيها اشتد الحال، وضاق الناس ذرعا بكثرة الهياج والفتن، وتغلب القواد والأجناد على كثير من البلاد بسبب ضعف منصب الخلافة واشتغال أخيه أبي أحمد بقتال الزنج.

وفيها: اشتد الحر في تشرين الثاني جدا، ثم قوي به البرد حتى جمد الماء.

وفيها توفي من الأعيان: إبراهيم بن رومة.

وصالح بن الإمام أحمد بن حنبل قاضي أصبهان.

ومحمد بن شجاع البلخي أحد عباد الجهمية.

ومحمد بن عبد الملك الدقيقي.

ثم دخلت سنة سبع وستين ومائتين[عدل]

فيها وجه أبو أحمد الموفق ولده أبا العباس في نحو من عشرة آلاف فارس وراجل في أحسن هيئة وأكمل تجمل لقتال الزنج، فساروا نحوهم فكان بينهم وبينهم من القتال والنزال في أوقات متعددات ووقعات مشهورات ما يطول بسطه، وقد استقصاه ابن جرير في تاريخه مبسوطا مطولا.

وحاصل ذلك: أنه آل الحال أن استحوذ أبو العباس بن الموفق على ما كان استولى عليه الزنج ببلاد واسط وأراضي دجلة، هذا وهو شاب حدث لا خبرة له بالحرب، ولكن سلمة الله وغنمه وأعلى كلمته وسدد رميته وأجاب دعوته وفتح على يديه وأسبغ نعمه عليه، وهذا الشاب هو الذي ولي الخلافة بعد عمه المعتمد كما سيأتي.

ثم ركب أبو أحمد الموفق ناصر دين الله في بغداد في صفر منها في جيوش كثيفة، فدخل واسط في ربيع الأول منها، فتلقاه ابنه أخبره عن الجيوش الذين معه، وأنهم نصحوا وتحملوا من أعباء الجهاد، فخلع على الأمراء كلهم خلعا سنية، ثم سار بجميع الجيوش إلى صاحب الزنج وهو بالمدينة التي أنشأها وسماها المنيعة، فقاتل الزنج دونها قتالا شديدا فقهرهم ودخلها عنوة وهربوا منها، فبعث في آثارهم جيشا فلحقوهم إلى البطائح يقتلون ويأسرون، وغنم أبو أحمد من المنيعة شيئا كثيرا، واستنقذ من النساء المسلمات خمسة آلاف امرأة، وأمر بإرسالهن إلى أهاليهن بواسط، وأمر بهدم سور البلد وبطم خندقها وجعلها بلقعا بعد ما كانت للشر مجمعا.

ثم سار الموفق إلى المدينة التي لصاحب الزنج التي يقال لها: المنصورة، وبها سليمان بن جامع، فحاصروها وقاتلوه دونها فقتل خلق كثير من الفريقين، ورمى أبو العباس بن الموفق بسهم أحمد بن هندي أحد أمراء صاحب الزنج فأصابه في دماغه فقتله، وكان من أكابر أمراء صاحب الزنج فشق ذلك على الزنج جدا، وأصبح الناس محاصرين مدينة الزنج يوم السبت لثلاث بقين من ربيع الآخر، والجيوش الموفقية مرتبة أحسن ترتيب، فتقدم الموفق فصلى أربع ركعات، وابتهل إلى الله في الدعاء واجتهد في حصارها، فهزم الله مقاتلتها وانتهى إلى خندقها فإذا هو قد حصن غاية التحصين، وإذا هم قد جعلوا حول البلد خمسة خنادق وخمسة أسوار، فجعل كلما جاوز سورا قاتلوه دون الآخر فيقهرهم ويجوز إلى الذي يليه، حتى انتهى إلى البلد فقتل منهم خلقا كثيرا وهرب بقيتهم، وأسر من نساء الزنج من حلائل سليمان بن جامع وذويه نساء كثيرة وصبيانا، واستنقذ من أيديهم النساء المسلمات والصبيان من أهل البصرة والكوفة نحوا من عشرة آلاف نسمة فسيرهم إلى أهليهم، جزاه الله خيرا.

ثم أمر بهدم فنادقها وأسوارها وردم خنادقها وأنهارها، وأقام بها سبعة عشر يوما وبعث في آثار من انهزم منهم، فكان لا يأتون بأحد منهم إلا استماله إلى الحق برفق ولين وصفح، فمن أجابه أضافه إلى بعض الأمراء - وكان مقصوده رجوعهم إلى الدين والحق - ومن لم يجبه قتله وحبسه.

ثم ركب إلى الأهواز فأجلاهم عنها وطردهم منها، وقتل خلقا كثيرا من أشرافهم، منهم: أبو عيسى محمد بن إبراهيم البصري، وكان رئيسا فيهم مطاعا، وغنم شيئا كثيرا من أموالهم، وكتب الموفق إلى صاحب الزنج قبحه الله كتابا يدعوه فيه إلى التوبة والرجوع عما ارتكبه من المآثم والمظالم والمحارم ودعوى النبوة والرسالة وخراب البلدان واستحلال الفروج الحرام.

ونبذ له الأمان إن هو رجع إلى الحق، فلم يرد عليه صاحب الزنج جوابا.

مسير أبي أحمد الموفق إلى مدينة صاحب الزنج وحصار المختارة[عدل]

لما كتب أبو أحمد إلى صاحب الزنج يدعوه إلى الحق فلم يجبه، استهانة به، ركب من فوره في جيوش عظيمة قريب من خمسين ألف مقاتل، قاصدا إلى المختارة مدينة صاحب الزنج، فلما انتهى إليها وجدها في غاية الأحكام، وقد حوط عليها من آلات الحصار شيئا كثيرا، وقد التف على صاحب الزنج نحو من ثلاثمائة ألف مقاتل بسيف ورمح ومقلاع، ومن يكثر سوادهم، فقدم الموفق ولده أبا العباس بين يديه، فتقدم حتى وقف تحت قصر الملك فحاصره محاصرة شديدة، وتعجب الزنج من إقدامه وجرأته، ثم تراكمت الزنج عليه من كل مكان فهزمهم، وأثبت بهبوذ أكبر أمراء صاحب الزنج بالسهام والحجارة، ثم خامر جماعة من أصحاب أمراء صاحب الزنج إلى الموفق فأكرمهم وأعطاهم خلعا سنية، ثم رغب إلى ذلك جماعة كثيرون فصاروا إلى الموفق.

ثم ركب أبو أحمد الموفق في يوم النصف من شعبان، ونادى في الناس كلهم بالأمان إلا صاحب الزنج، فتحول خلق كثير من جيش صاحب الزنج إلى الموفق، وابتنى الموفق مدينة تجاه مدينة صاحب الزنج سماها الموفقية، وأمر بحمل الأمتعة والتجارات إليها، فاجتمع بها من أنواع الأشياء وصنوفها ما لم يجتمع في بلد قبلها، وعظم شأنها وامتلأت من المعايش والأرزاق وصنوف التجارات والسكان والدواب وغيرهم، وإنما بناها ليستعين بها على قتال صاحب الزنج، ثم جرت بينهم حروب عظيمة، وما زالت الحرب ناشبة حتى انسلخت هذه السنة وهم محاصرون للخبيث صاحب الزنج، وقد تحول منهم خلق كثير فصاروا على صاحب الزنج بعد ما كانوا معه، وبلغ عدد من تحول قريبا من خمسين ألفا من الأمراء الخواص والأجناد، والموفق وأصحابه في زيادة وقوة ونصر وظفر.

وفيها: حج بالناس هارون بن محمد الهاشمي.

وفيها توفي من الأعيان: إسماعيل بن سيبويه.

وإسحاق بن إبراهيم بن شاذان، ويحيى بن نصر الخولاني، وعباس البرقفي، ومحمد بن حماد بن بكر بن حماد أبو بكر المقري، صاحب خلف بن هشام البزار ببغداد في ربيع الأول، ومحمد بن عزيز الإيلي، ويحيى بن محمد بن يحيى الذهلي حنكان، ويونس بن حبيب راوي مسند أبي داود الطيالسي عنه.

ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائتين[عدل]

في المحرم منها استأمن جعفر بن إبراهيم المعروف بالسجان - وكان من أكابر صاحب الزنج وثقاتهم في أنفسهم - الموفق فأمنه وفرح به وخلع عليه وأمره فركب في سمرته فوقف تجاه قصر الملك، فنادى في الناس وأعلمهم بكذب صاحب الزنج وفجوره، وأنه في غرور هو ومن ابتعه، فاستأمن بسبب ذلك بشر كثير منهم، وبرد قتال الزنج عند ذلك إلى ربيع الآخر.

فعند ذلك أمر الموفق أصحابه بمحاصرة السور، وأمرهم إذا دخلوه أن لا يدخلوا البلد حتى يأمرهم، فنقبوا السور حتى انثلم ثم عجلوا الدخول فدخلوا فقاتلهم الزنج فهزمهم المسلمون، وتقدموا إلى وسط المدينة فجاءتهم الزنج من كل جانب وخرجت عليهم الكمائن من أماكن لا يهتدون لها، فقتلوا من المسلمين خلقا كثيرا واستلبوهم وفر الباقون. فلامهم الموفق على مخالفته وعلى العجلة، وأجرى الأرزاق على ذرية من قتل منهم، فحسن ذلك عند الناس جدا.

وظفر أبو العباس بن الموفق بجماعة من الأعراب كانوا يجلبون الطعام إلى الزنج فقتلهم، وظفر ببهبوذ بن عبد الله بن عبد الوهاب فقتله، وكان ذلك من أكبر الفتح عند المسلمين وأعظم الرزايا عند الزنج.

وبعث عمرو بن الليث إلى أبي أحمد الموفق ثلاثمائة ألف دينار وخمسين منا من مسك، وخمسين منا من عنبر، ومائتي من عود، وفضة بقيمة ألف، وثيابا من وشي وغلمانا كثيرة جدا.

وفيها: خرج ملك الروم المعروف بابن الصقلبية، فحاصر أهل ملطية فأعانهم أهل مرعش ففر الخبيث خاسئا.

وغزا الصائفة من ناحية الثغور عامل ابن طولون، فقتل من الروم سبعة عشر ألفا.

وحج بالناس فيها هارون المتقدم.

وفيها: قتل أحمد بن عبد الله الخجستاني.

وفيها توفي من الأعيان: أحمد بن سيار.

وأحمد بن شيبان.

وأحمد بن يونس الضبي.

وعيسى ابن أحمد البلخي، ومحمد بن عبد الله بن عبدالحكم المصري الفقيه المالكي.

وقد صحب الشافعي وروى عنه.

ثم دخلت سنة تسع وستين ومائتين[عدل]

فيها اجتهد الموفق بالله في تخريب مدينة صاحب الزنج فخرب منه شيئا كثيرا، وتمكن الجيوش من العبور إلى البلد، ولكن جاءه في أثناء هذه الحالة سهم في صدره من يد رجل رومي يقال له: قرطاس، فكاد يقتله، فاضطرب الحال لذلك وهو يتجلد ويحض على القتال مع ذلك، ثم أقام ببلده الموفقية أياما يتداوى فاضطربت الأحوال وخاف الناس من صحاب الزنج، وأشاروا على الموفق بالمسير إلى بغداد فلم يقبل فقويت علته ثم من الله عليه بالعافية في شعبان، ففرح المسلمون بذلك فرحا شديدا، فنهض مسرعا إلى الحصار فوجد الخبيث قد رمم كثيرا مما كان الموفق قد خربه وهدمه.

فأمر بتخريبه وما حوله وما قرب منه، ثم لازم الحصار فما زال حتى فتح المدينة الغربية وخرب قصور صاحب الزنج ودور أمرائه، وأخذ من أموالهم شيئا كثيرا مما لا يحد ولا يوصف كثرة، وأسر من نساء الزنج واستنقذ من نساء المسلمين وصبيانهم خلقا كثيرا فأمر بردهم إلى أهاليهم مكرمين.

وقد تحول صاحب الزنج إلى الجانب الشرقي، وعمل الجسر والقناطر الحائلة بينه وبين وصول السمريات إليه، فأمر الموفق بتخريبها وقطع الجسور، واستمر الحصار باقي هذه السنة، وما برح حتى تسلم الجانب الشرقي أيضا واستحوذ على حواصله وأمواله، وفر الخبيث هاربا غير آيب، وخرج منها هاربا وترك حلائله وأولاده وحواصله، فأخذها الموفق وشرح ذلك يطول جدا.

وقد حرره مبسوطا ابن جرير، ولخصه ابن الأثير، واختصره ابن كثير، والله أعلم وهو الموفق إلى الصواب، واليه المرجع إلى المآب.

ولما رأى الخليفة المعتمد أن أخاه أبا أحمد قد استحوذ على أمور الخلافة، وصار هو الحاكم الآمر الناهي، واليه تجلب التقادم وتحمل الأموال والخراج، وهوالذي يولي ويعزل، كتب إلى أحمد بن طولون يشكو إليه ذلك، فكتب إليه ابن طولون أن يتحول إلى عنده إلى مصر ووعده النصر والقيام معه، فاستغنم غيبة أخيه الموفق وركب في جمادى الأولى ومعه جماعة من القواد، وقد أرصد له ابن طولون جيشا بالرقة يتلقونه، فلما اجتاز الخليفة بإسحاق بن كنداج نائب الموصل وعامة الجزيرة اعتقله عنده عن المسير إلى ابن طولون، وفند أعيان الأمراء الذين معه، وعاتب الخليفة ولامه على هذا الصنع أشد اللوم، ثم ألزمه العود إلى سامرا ومن معه من الأمراء فرجعوا إليها في غاية الذل والإهانة.

ولما بلغ الموفق ذلك شكر سعي إسحاق، وولاه جميع أعمال أحمد بن طولون إلى أقصى بلاد إفريقية، وكتب إلى أخيه أن يأمن ابن طولون في رد العامة، فلم يمكن المعتمد إلا إجابته إلى ذلك، وهو كاره، وكان ابن طولون قد قطع ذكر الموفق في الخطب وأسقط اسمه عن الطرازات.

وفيها: في ذي القعدة وقعت فتنة بمكة بين أصحاب الموفق وأصحاب ابن طولون، فقتل من أصحاب ابن طولون مائتان وهرب بقيتهم، واستلبهم أصحاب الموفق شيئا كثيرا.

وفيها: قطع الأعراب على الحجيج الطريق، وأخذ منهم خمسة آلاف بعير بأحمالها.

وفيها توفي:

إبراهيم بن منقذ الكناني.[عدل]

أحمد بن خلاد مولى المعتصم[عدل]

وكان من دعاة المعتزلة أخذ الكلام عن جعفر بن معشر المعتزلي - وسليمان بن حفص المعتزلي، صاحب بشر المريسي، وأبي الهذيل العلاف، وعيسى بن الشيخ بن السليل الشيباني، نائب أرمينية وديار بكر.

وأبو فروة يزيد بن محمد الرهاوي أحد الضعفاء.

ثم دخلت سنة سبعين ومائتين[عدل]

فيها كان مقتل صاحب الزنج قبحه الله: وذلك أن الموفق لما فرغ من شأن مدينة صاحب الزنج وهي المختارة، واحتاز ما كان بها من الأموال، وقتل من كان بها من الرجال، وسبى من وجد فيها من النساء والأطفال، وهرب صاحب الزنج عن حومة الحرب والجلاد، وسار إلى بعض البلاد طريدا شريدا بشر حال، عاد الموفق إلى مدينته الموفقية مؤيدا منصورا، وقدم عليه لؤلؤا غلام أحمد بن طولون منابذا لسيده سميعا مطيعا للموفق، وكان وروده عليه في ثالث المحرم من هذه السنة، فأكرمه وعظمه وأعطاه وخلع عليه وأحسن إليه، وبعثه طليعة بين يديه لقتال صاحب الزنج، وركب الموفق في الجيوش الكثيفة الهائلة وراءه فقصدوا الخبيث وقد تحصن ببلدة أخرى، فلم يزل به محاصرا له حتى أخرجه منها ذليلا، واستحوذ على ما كان بها من الأموال والمغانم، ثم بعث السرايا والجيوش وراء حاجب الزنج، فأسروا عامة من كان معه من خاصته وجماعته، منهم سليمان بن جامع، فاستبشر الناس بأسره وكبروا الله وحمدوه فرحا بالنصر والفتح.

وحمل الموفق بمن معه حملة واحدة على أصحاب الخبيث فاستحر فيهم القتل، وما انجلت الحرب حتى جاء البشير بقتل صاحب الزنج في المعركة، وأتي برأسه مع غلام لؤلؤة الطولوني، فلما تحقق الموفق أنه رأسه بعد شهادة الأمراء الذين كانوا معه من أصحابه بذلك، خر ساجدا لله، ثم أنكفأ راجعا إلى الموفقية، ورأس الخبيث يحمل بين يديه، وسليمان معه أسير، فدخل البلد وهو كذلك، وكان يوما مشهودا وفرح المسلمون بذلك في المغارب والمشارق.

ثم جيء بأنكلاني ولد صاحب الزنج، وأبان بن علي المهلبي، مسعر حربهم مأسورين ومعهما قريب من خمسة آلاف أسير، فتم السرور وهرب قرطاس الذي رمى الموفق بصدره بذلك السهم إلى رامهرمز، فأخذ وبعث به إلى الموفق فقتله أبو العباس أحمد بن الموفق.

واستتاب من بقي من أصحاب صاحب الزنج، وأمنهم الموفق ونادى في الناس بالأمان، وأن يرجع كل من كان أخرج من دياره بسبب الزنج إلى أوطانهم وبلدانهم، ثم سار إلى بغداد وقدم ولده أبا العباس بين يديه ومعه رأس الخبيث يحمل ليراه الناس، فدخلها لثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى من هذه السنة، وكان يوما مشهودا، وانتهت أيام صاحب الزنج المدعي الكذاب قبحه الله.

وقد كان ظهوره في يوم الأربعاء لأربع بقين من رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين، وكان هلاكه يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين ومائتين.

وكانت دولته أربع عشرة سنة وأربعة أشهر وستة أيام، ولله الحمد والمنة.

وقد قيل في انقضاء دولة الزنج وما كان من النصر عليهم أشعار كثيرة، من ذلك قول يحيى بن محمد الأسلمي:

أقول وقد جاء البشير بوقعة ** أعزت من الإسلام ما كان واهيا

جزى الله خير الناس للناس بعد ما ** أبيح حماهم خير ما كان جازيا

تفرد إذ لم ينصر الله ناصر ** بتجديد دين كان أصبح باليا

وتشديد ملك قد وهى بعد عزه ** وأخذ بثأرات تبير الأعاديا

ورد عمارات أزيلت وأخربت ** ليرجع فيء قد تخرم وافيا

وترجع أمصار أبيحت وأحرقت ** مرارا وقد أمست قواء عوافيا

ويشفي صدور المسلمين بوقعة ** تقر بها منا العيون البواكيا

ويتلى كتاب الله في كل مسجد ** ويُلقى دعاء الطالبيين خاسيا

فأعرض عن أحبابه ونعيمه ** وعن لذة الدنيا وأصبح غازيا

وفي هذه السنة أقبلت الروم في مائة ألف مقاتل، فنزلوا قريبا من طرسوس، فخرج إليهم المسلمون فبيتوهم فقتلوا منهم في ليلة واحدة حتى الصباح نحوا من سبعين ألفا، ولله الحمد.

وقتل المقدم الذي عليهم وهو بطريق البطارقة، وجرح أكثر الباقين، وغنم المسلمون منهم غنيمة عظيمة، من ذلك سبع صلبان من ذهب وفضة، وصليبهم الأعظم وهو من ذهب صامت مكلل بالجواهر، وأربع كراسي من ذهب، ومائتي كرسي من فضة، وآنية كثيرة، وعشرة آلاف علم من ديباج، وغنموا حريرا كثيرا وأموالا جزيلة، وخمسة عشر ألف دابة وسروجا وسلاحا وسيوفا محلاة وغير ذلك، ولله الحمد.

وفيها توفي من الأعيان:

أحمد بن طولون[عدل]

أبو العباس أمير الديار المصرية و باني الجامع بها المنسوب إلى طولون، وإنما بناه أحمد ابنه، وقد ملك دمشق والعواصم والثغور مدة طويلة، وقد كان أبوه طولون من الأتراك الذين أهداهم نوح بن أسد الساماني عامل بخارى إلى المأمون في سنة مائتين، ويقال: إلى الرشيد في سنة تسعين ومائة.

ولد أحمد هذا في سنة أربع عشرة ومائتين، ومات طولون أبوه في سنة ثلاثين، وقيل: في سنة أربعين ومائتين.

وحكى ابن خلكان: أنه لم يكن أباه وإنما تبناه والله أعلم. وحكى ابن عساكر: أنه من جارية تركية اسمها هاشم.

ونشأ أحمد هذا في صيانة وعفاف ورياسة ودراسة للقرآن العظيم، مع حسن الصوت به، وكان يعيب على أولاد الترك ما يرتكبونه من المحرمات والمنكرات، وكانت أمه جارية اسمها هاشم.

وحكى ابن عساكر عن بعض مشايخ مصر: أن طولون لم يكن أباه وإنما كان قد تبناه لديانته، وحسن صوته بالقرآن، وظهور نجابته وصيانته من صغره، وأن طولون اتفق له معه أن بعثه مرة في حاجة ليأتيه بها من دار الإمارة، فذهب فإذا حظية من حظايا طولون مع بعض الخدم وهما على فاحشة، فأخذ حاجته التي أمره بها وكر راجعا إليه سريعا، ولم يذكر له شيئا مما رأى من الحظية والخادم، فتوهمت الحظية أن يكون أحمد قد أخبر طولون بما رأى، فجاءت إلى طولون فقالت: إن أحمد جاءني الآن إلى المكان الفلاني وراودني عن نفسي، وانصرفت إلى قصرها، فوقع في نفسه صدقها فاستدعى أحمد وكتب معه كتابا وختمه إلى بعض الأمراء، ولم يواجه أحمد بشيء مما قالت الجارية، وكان في الكتاب أن ساعة وصول حامل هذا الكتاب إليك تضرب عنقه وابعث برأسه سريعا إلي.

فذهب بالكتاب من عند طولون وهو لا يدري ما فيه، فاجتاز بطريقه بتلك الحظية فاستدعته إليها فقال: إني مشغول بهذا الكتاب لأوصله إلى بعض الأمراء.

قالت: هلم فلي إليه حاجة - وأرادت أن تحقق في ذهن الملك طولون ما قالت له عنه - فحبسته عندها ليكتب لها كتابا، ثم استوهبت من أحمد الكتاب الذي أمره طولون أن يوصله إلى ذلك الأمير، فدفعه إليها فأرسلت به ذلك الخادم الذي وجده معها على الفاحشة، وظنت أن به جائزة تريد أن تخص بها الخادم المذكور فذهب بالكتاب إلى ذلك الأمير، فلما قرأه أمر بضرب عنق ذلك الخادم وأرسل برأسه إلى الملك طولون، فتعجب الملك من ذلك.

وقال: أين أحمد؟

فطلب له فقال: ويحك أخبرني كيف صنعت منذ خرجت من عندي؟

فأخبره بما جرى من الأمر.

ولما سمعت تلك الحظية بأن رأس الخادم قد أتي به إلى طولون أسقط في يديها، وتوهمت أن الملك قد تحقق الحال، فقامت إليه تعتذر وتستغفر مما وقع منها مع الخادم، واعترفت بالحق وبرأت أحمد مما نسبته إليه، فحظي عند الملك طولون وأوصى له بالملك من بعده.

ثم ولي نيابة الديار المصرية للمعتز فدخلها يوم الأربعاء لسبع بقين من رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين، فأحسن إلى أهلها وأنفق فيهم من بيت المال ومن الصدقات، واستغل الديار المصرية في بعض السنين أربعة آلاف ألف دينار، وبنى بها الجامع، غرم عليه مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار، وفرغ منه في سنة سبع وخمسين، وقيل: في سنة ست وستين ومائتين، وكانت له مائدة في كل يوم يحضرها الخاص والعام، وكان يتصدق من خالص ماله في كل شهر بألف دينار.

وقد قال له وكيله يوما: إنه تأتيني المرأة وعليها الإزار والبدلة ولها الهيئة الحسنة تسألني فأعطيها؟

فقال: من مد يده إليك فأعطه.

وكان من أحفظ الناس للقرآن، ومن أطيبهم به صوتا.

وقد حكى ابن خلكان عنه: أنه قتل صبرا نحوا من ثمانية عشر ألف نفس، فالله أعلم.

وبنى المارستان غرم عليه ستين ألف دينار، وعلى الميدان مائة وخمسين ألفا، وكانت له صدقات كثيرة جدا، وإحسان زائد، ثم ملك دمشق بعد أميرها ماخور في سنة أربع وستين ومائتين، فأحسن إلى أهلها أيضا إحسانا بالغا، واتفق أنه وقع بها حريق عند كنسية مريم فنهض بنفسه إليه ومعه أبو زرعة عبد الرحمن بن عمر، والحافظ الدمشقي، وكاتبه أبو عبد الله أحمد بن محمد الواسطي، فأمر كاتبه أن يخرج من ماله سبعين ألف دينار تصرف إلى أهل الدور والأموال التي أحرقت.

فصرف إليهم جميع قيمة ما ذكره، وبقي أربعة عشر ألف دينار فاضلة عن ذلك، فأمر بها أن توزع عليهم على قدر حصصهم، ثم أمر بمال عظيم يفرق على فقراء دمشق وغوطتها، فأقل ما حصل للفقير دينار، رحمه الله.

ثم خرج إلى أنطاكية فحاصر بها صاحبها سيما حتى قتله وأخذ البلد كما ذكرنا.

توفي بمصر في أوائل ذي القعدة من هذه السنة من علة أصابته من أكل لبن الجواميس كان يحبه، فأصابه بسببه ذرب فكاواه الأطباء، وأمروه أن يحتمي منه فلم يقبل منهم، فكان يأكل منه خفية فمات رحمه الله.

وقد ترك من الأموال والأثاث والدواب شيئا كثيرا جدا، ومن ذلك عشرة آلاف ألف دينار، ومن الفضة شيئا كثيرا، وكان له ثلاثة وثلاثون ولدا، منهم سبعة عشر ذكرا، فقام بالأمر من بعده ولده خمارويه كما سيأتي ما كان من أمره.

وكان له من الغلمان سبعة آلاف مولى، ومن البغال والخيل والجمال نحو سبعين ألف دابة، وقيل أكثر من ذلك.

قال ابن خلكان: وإنما تغلب على البلاد لاشتغال الموفق بن المتوكل بحرب صاحب الزنج، وقد كان الموفق نائب أخيه المعتمد.

وفيها: توفي أحمد بن عبدالكريم بن سهل الكاتب، صاحب كتاب الخراج.

قاله ابن خلكان.

وأحمد بن عبد الله بن البرقي.

وأسيد بن عاصم الجمال.

وبكار بن قتيبة المصري في ذي الحجة من هذه السنة.

الحسن بن زيد العلوي[عدل]

صاحب طبرستان في رجب منها، وكانت ولايته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وستة أيام، وقام من بعده بالأمر أخوه محمد بن زيد.

وكان الحسن بن زيد هذا كريما جوادا، يعرف الفقه والعربية، قال له مرة شاعر من الشعراء في جملة قصيدة مدحه بها: الله فرد وابن زيد فرد.

فقال له: اسكت سد الله فاك، ألا قلت: الله فرد وابن زيد عبد.

ثم نزل عن سريره وخر لله ساجدا وألصق خده بالتراب، ولم يعط ذلك الشاعر شيئا.

وامتدحه بعضهم فقال في أول قصيدة:

لاتقل بشرى ولكن بشريان ** غرة الداعي ويوم المهرجان

فقال له الحسن: لو ابتدأت بالمصراع الثاني كان أحسن، وأبعد لك أن تبتدئ شعرك بحرف لا.

فقال له الشاعر: ليس في الدنيا أجل من قول لا إله إلا الله. فقال: أصبت وأمر له بجائزة سنية. والحسن بن علي بن عفان العامري.

وداود بن علي الأصبهاني ثم البغدادي الفقيه الظاهري[عدل]

إمام أهل الظاهر، روى عن أبي ثور وإبراهيم بن خالد واسحاق بن راهويه وسليمان بن حرب و عبد الله بن سلمة القعنبي ومسدد بن سرهد، وغير واحد.

روى عنه ابنه الفقيه أبو بكر بن داود، وزكريا بن يحيى الساجي.

قال الخطيب: كان فقيها زاهدا وفي كتبه حديث كثير دال على غزارة علمه، كانت وفاته ببغداد في هذه السنة، وكان مولده في سنة مائتين.

وذكر أبو إسحاق السيرامي في طبقاته: أن أصله من أصبهان وولد بالكوفة، ونشأ ببغداد وأنه انتهت إليه رياسة العلم بها، وكان يحضر مجلسه أربعمائة طيلسان أخضر، وكان من المتعصبين للشافعي، وصنف مناقبه.

وقال غيره: كان حسن الصلاة كثير الخشوع فيها والتواضع.

قال الأزدي: ترك حديثه، ولم يتابع الأزدي على ذلك، ولكن روى عن الإمام أحمد أنه تكلم فيه بسبب كلامه في القرآن، وأن لفظه به مخلوق كما نسب ذلك إلى الإمام البخاري رحمهما الله.

قلت: وقد كان من الفقهاء المشهورين، ولكن حصر نفسه بنفيه للقياس الصحيح فضاق بذلك ذرعه في أماكن كثيرة من الفقه، فلزمه القول بأشياء قطعية صار إليها بسبب اتباعه الظاهر المجرد من غير تفهم لمعنى النص.

وقد اختلف الفقهاء القياسيون بعده في الاعتداد بخلافه، هل ينعقد الإجماع بدونه مع خلافه أم لا؟

على أقوال ليس هذا موضع بسطها.

وفيها: توفي الربيع بن سليمان المرادي صاحب الشافعي، وقد ترجمناه في طبقات الشافعية.

والقاضي بكار بن قتيبة الحاكم بالديار المصرية من سنة ست وأربعين ومائتين، إلى أن توفي مسجونا بحبس أحمد بن طولون لكونه لم يخلع الموفق في سنة سبعين، وكان عالما عابدا زاهدا كثير التلاوة والمحاسبة لنفسه، وقد شغر منصب القضاء بعده بمصر ثلاث سنين.

ابن قتيبة الدينوري[عدل]

وهو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري قاضيها، النحوي اللغوي صاحب المصنفات البديعة المفيدة المحتوية على علوم جمة نافعة، اشتغل ببغداد وسمع بها الحديث على إسحاق بن راهوية، وطبقته، وأخذ اللغة عن أبي حاتم السجستاني وذويه، وصنف وجمع وألف المؤلفات الكثيرة منها: كتاب المعارف، وأدب الكاتب الذي شرحه أبو محمد بن السيد البطليوسي، وكتاب مشكل القرآن والحديث، وغريب القرآن والحديث، وعيون الأخبار، وإصلاح الغلط، وكتاب الخيل، وكتاب الأنوار، وكتاب المسلسل والجوابات، وكتاب الميسر والقداح، وغير ذلك.

كانت وفاته في هذه السنة، وقيل في التي بعدها.

ومولده في سنة ثلاث عشرة ومائتين، ولم يجاوز الستين.

وروى عنه ولده أحمد جميع مصنفاته.

وقد ولي قضاء مصر سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة.

وتوفي بها بعد سنة رحمهما الله.

ومحمد بن إسحاق بن جعفر الصفار.

ومحمد بن أسلم بن وارة.

ومصعب بن أحمد أبو أحمد الصوفي كان من أفران الجنيد.

وفيها: توفي ملك الروم ابن الصقلبية لعنه الله.

وفيها: ابتدأ إسماعيل بن موسى ببناء مدينة لارد من بلاد الأندلس.

ثم دخلت سنة مائتين وإحدى وسبعين[عدل]

فيها عزل الخليفة عمرو بن الليث عن ولاية خراسان وأمر بلعنه على المنابر، وفوض أمر خراسان إلى محمد بن طاهر، وبعث جيشا إلى عمرو بن الليث فهزمه عمرو.

وفيها كانت وقعة بين أبي العباس المعتضد بن الموفق أبي أحمد وبين خمارويه بن أحمد بن طولون، وذلك أن خماروية لما ملك بعد أبيه بلاد مصر والشام جاءه جيش من جهة الخليفة عليهم إسحاق بن كنداج نائب الجزيرة وابن أبي الساج، فقاتلوه بأرض ويترز فامتنع من تسليم الشام إليهم، فاستنجدوا بأبي العباس بن الموفق، فقدم عليهم فكسر خمارويه بن أحمد وتسلم دمشق واحتازها، ثم سار خلف خمارويه إلى بلاد الرملة فأدركه عند ماء عليه طواحين فاقتتلوا هنالك، وكانت تسمى وقعة الطواحين، فكانت النصرة أولا لأبي العباس على خمارويه، فهزمه حتى هرب خمارويه لا يلوي على شيء فلم يرجع حتى دخل الديار المصرية، فأقبل أبو العباس وأصحابه على نهب معسكرهم فبينما هم كذلك إذ أقبل كمين لجيش خمارويه وهم مشغولون بالنهب، فوضعت المصريون فيهم السيوف فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وانهزم الجيش وهرب أبو العباس المعتضد فلم يرجع حتى وصل دمشق، فلم يفتح له أهلها الباب فانصرف حتى وصل إلى طرسوس، وبقي الجيشان المصري والعراقي يقتتلان وليس لواحد منهما أمير.

ثم كان الظفر للمصريين لأنهم أقاموا أبا العشائر أخا خمارويه عليم أميرا، فغلبوا بسبب ذلك واستقرت أيديهم على دمشق وسائر الشام، وهذه الوقعة من أعجب الوقعات.

وفيها: جرت حروب كثيرة بأرض الأندلس من بلاد المغرب.

وفيها: دخل إلى المدينة النبوية محمد وعلي ابنا الحسين بن جعفر بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فقتلا خلقا من أهلها وأخذا أموالا جزيلة، وتعطلت الصلوات في المسجد النبوي أربع جمع لم يحضر الناس فيه جمعة ولا جماعة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وجرت بمكة فتنة أخرى واقتتل الناس على باب المسجد الحرام أيضا.

وحج بالناس هارون بن موسى المتقدم.

وفيها: توفي عباس بن محمد الدوري، تلميذ ابن معين وغيره من أئمة الجرح والتعديل.

وعبد الرحمن بن محمد بن منصور البصري.

ومحمد بن حماد الظهراني.

ومحمد بن سنان العوفي.

ويوسف بن مسلم.

وبوران زوجة المأمون.

زوجة المأمون.

ويقال: إن اسمها خديجة، وبوران لقب لها، والصحيح الأول.

عقد عليها المأمون بفم الصلح سنة ست ومائتين، ولها عشر سنين، ونثر عليها أبوها يومئذ وعلى الناس بنادق المسك مكتوب في ورقة وسط كل بندقة اسم قرية أو ملك جارية أو غلام أو فرس، فمن وصل إليه من ذلك شيء ملكه، ونثر ذلك على عامة الناس، ونثر الدنانير ونوافج المسك وبيض العنبر.

وأنفق على المأمون وعسكره مدة إقامته تلك الأيام الخمس ألف ألف درهم.

فلما ترحل المأمون عنه أطلق له عشرة آلاف ألف درهم، وأقطعه فم الصلح.

وبنى بها سنة عشر.

فلما جلس المأمون فرشوا له حصرا من ذهب ونثروا على قدميه ألف حبة جوهر، وهناك تور من ذهب فيه شمعة من عنبر زنة أربعين منا من عنبر.

فقال: هذا سرف، ونظر إلى ذلك الحب على الحصر يضيء فقال: قاتل الله أبا نواس حيث يقول في صفة الخمر:

كأن صغرى وكبرى من فقاقعها ** حصباء در على أرض من الذهب

ثم أمر بالدر فجمع فجعل في حجر العروس وقال: هذا نحلة مني لك، وسلي حاجتك.

فقالت لها جدتها: سلي سيدك فقد استنطقك.

فقالت: أسأل أمير المؤمنين أن يرضى عن إبراهيم بن المهدي، فرضي عنه.

ثم أراد الاجتماع بها فاذ هي حائض، وكان ذلك في شهر رمضان، وتأخرت وفاتها إلى هذه السنة ولها ثمانون سنة.

ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين ومائتين[عدل]

في جمادى الأول منها سار نائب قزوين وهو ارلزنكيس في أربعة آلاف مقاتل إلى محمد بن زيد العلوي صاحب طبرستان بعد أخيه الحسين بن زيد، وهو بالري في جيش عظيم من الديلم وغيرهم، فاقتتلوا قتالا شديدا فهزمه ارلزنكيس وغنم ما في معسكره، وقتل من أصحابه ستة آلاف، ودخل الري فأخذها وصادر أهلها في مائة ألف دينار، وفرق عماله في نواحي الري.

وفيها: وقع بين أبي العباس بن الموفق وبين صاحب ثغر طرسوس وهو يازمان الخادم، فثار أهل طرسوس على أبي العباس فأخرجوه عنهم فرجع إلى بغداد.

وفيها: دخل حمدان بن حمدون وهارون الشاري مدينة الموصل، وصلى بهم الشاري في جامعها الأعظم.

وفيها: عاثت بنو شيبان في أرض الموصل فسادا.

وفيها: تحركت بقية الزنج في أرض البصرة، ونادوا: يا انكلاي يا منصور.

وانكلاي هو ابن صاحب الزنج، وسليمان بن جامع، وأبان بن علي المهبلي، وجماعة من وجوههم كانوا في جيش الموفق فبعث إليهم فقتلوا، وحملت رؤسهم إليه، وصلبت أبدانهم ببغداد، وسكنت شرورهم.

وفيها: صلح أمر المدينة النبوية وتراجع الناس إليها.

وفيها: جرت حروب كثيرة ببلاد الأندلس، وأخذت الروم من المسلمين بالأندلس بلدين عظيمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وفيها: قدم صاعد بن مخلد الكاتب من فارس إلى واسط، فأمر الموفق القواد أن يتلقوه فدخل في أبهة عظيمة، ولكن ظهر منه تيه وعجب شديد، فأمر الموفق عما قريب بالقبض عليه وعلى أهله وأمواله، واستكتب مكانه أبا الصقر إسماعيل بن بلبل.

وحج بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق المتقدم منذ دهر.

وفيها توفي من الأعيان: إبراهيم بن الوليد بن الحسحاس.

وأحمد بن عبد الجبار بن محمد بن عطارد العطاردي التميمي، راوي السيرة عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق بن يسار وغير ذلك.

وأبو عتبة الحجازي.

وسليمان بن سيف.

وسليمان بن وهب الوزير في حبس الموفق.

وشعبة بن بكار يروى عن أبي عاصم النبيل.

ومحمد بن صالح بن عبد الرحمن الأنماطي، ويلقب بمكحلة، وهو من تلاميذ يحيى بن معين.

ومحمد بن عبدالوهاب الفراء.

ومحمد بن عبيد المنادي.

ومحمد بن عوف الحمصي.

وأبو معشر المنجم[عدل]

واسمه جعفر بن محمد البلخي أستاذ عصره في صناعة التنجيم، وله فيه التصانيف المشهورة، كالمدخل والزيج والألوف وغيرها.

وتكلم على ما يتعلق بالتيسير والأحكام.

قال ابن خلكان: وله إصابات عجيبة، منها أن بعض الملوك تطلب رجلا وأراد قتله، فذهب ذلك الرجل فاختفى وخاف من أبي معشر أن يدل عليه بصنعة التنجيم، فعمد إلى طست فملأه دما ووضع أسفله هاونا وجلس على ذلك الهاون، فاستدعى الملك أبا معشر وأمره أن يظهر هذا الرجل، فضرب رمله وحرره ثم قال: هذا عجيب جدا، هذا الرجل جالس على جبل من ذهب في وسط بحر من دم، وليس هذا في الدنيا.

ثم أعاد الضرب فوجده كذلك، فتعجب الملك من ذلك ونادى في البلد في أمان ذلك الرجل المذكور، فلما مثل بين يدي الملك سأله أين اختفى؟

فأخبره بأمره فتعجب الناس من ذلك.

والظاهر أن الذي نسب إلى جعفر بن محمد الصادق من علم الرجز، والطرف واختلاج الأعضاء إنما هو منسوب إلى جعفر بن أبي معشر هذا، وليس بالصادق وإنما يغلطون. والله أعلم.

ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائتين[عدل]

فيها وقع بين إسحاق بن كنداج نائب الموصل وبين صاحبه ابن أبي الساج نائب قنسرين وغيرها بعدما كانا متفقين، وكاتب ابن أبي الساج خمارويه صاحب مصر، وخطب له ببلاده وقدم خمارويه إلى الشام فاجتمع به ابن أبي الساج، ثم سار إلى إسحاق بن كنداج فتواقعا فانهزم كنداج وهرب إلى قلعة ماردين، فجاء فحاصره بها ثم ظهر أمر ابن أبي الساج واستحوذ على الموصل والجزيرة وغيرها، وخطب بها لخمارويه واستفحل أمره جدا.

وفيها: قبض الموفق على لؤلؤ غلام ابن طولون وصادره بأربعمائة ألف دينار وسجنه، فكان يقول: ليس لي ذنب إلا كثرة مالي، ثم أخرج بعد ذلك من السجن وهو فقير ذليل، فعاد إلى مصر في أيام هارون بن خمارويه، ومعه غلام واحد فدخلها على برذون.

وهذا جزاء من كفر نعمة سيده.

وفيها: عدا أولاد ملك الروم على أبيهم فقتلوه، وملكوا أحد أولاده.

وفيها: كانت وفاة:

محمد بن عبدالرحمن بن الحكم الأموي[عدل]

صاحب الأندلس عن خمس وستين سنة.

وكانت ولايته أربعا وثلاثين سنة وأحد عشر شهرا، وكان أبيض مشربا بحمرة ربعة أوقص يخضب بالحناء والكتم، وكان عاقلا لبيبا يدرك الأشياء المشتبهة، وخلف ثلاثا وثلاثين ذكرا، وقام بالأمر بعده ولده المنذر فأحسن إلى الناس وأحبوه.

وفيها كانت وفاة:

خلف بن أحمد بن خالد[عدل]

الذي كان أمير خراسان في حبس المعتمد، وهذا الرجل هو الذي أخرج البخاري محمد بن إسماعيل من بخارى وطرده عنها، فدعا عليه البخاري فلم يفلح بعدها، ولم يبق في الأمرة إلا أقل من شهر حتى احتيط عليه وعلى أمواله وأركب حمارا، ونودي عليه في بلده ثم سجن من ذلك الحين، فمكث في السجن حتى مات في هذه السنة، وهذا جزاء من تعرض لأهل الحديث والسنة.

وممن توفي فيها أيضا: إسحاق بن يسار، وحنبل بن إسحاق عم الإمام أحمد بن حنبل، وهو أحد الرواة المشهورين عنه، على أنه قد اتهم في بعض ما يرويه ويحكيه.

أبو أمية الطرسوسي[عدل]

وأبو الفتح بن شخرف أحد مشايخ الصوفية، وذوي الأحوال والكرامات والكلمات النافعات.

وقد وهم ابن الأثير في قوله في كامله: إن أبا داود صاحب السنن توفي في هذه السنة، وإنما توفي سنة خمس وسبعين كما سيأتي.

وفيها توفي:

ابن ماجة القزويني[عدل]

صاحب السنن وهو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة صاحب كتاب السنن المشهورة، وهي دالة على عمله وعلمه وتبحره واطلاعه واتباعه للسنة في الأصول والفروع، ويشتمل على اثنين وثلاثين كتابا، وألف وخمسمائة باب، وعلى أربعة آلاف حديث كلها جياد سوى اليسيرة، وقد حكي عن أبي زرعة الرازي أنه انتقد منها بضعة عشر حديثا، ربما يقال: إنها موضوعة أو منكرة جدا، ولابن ماجة تفسير حافل وتاريخ كامل من لدن الصحابة إلى عصره، وقال أبو يعلى الخليل بن عبد الله الخليلي القزويني: أبو عبد الله بن محمد بن يزيد بن ماجة، ويعرف يزيد بماجة مولى ربيعة، كان عالما بهذا الشأن صاحب تصانيف، منها: التاريخ والسنن، ارتحل إلى العراقين ومصر والشام، ثم ذكر طرفا من مشايخه، وقد ترجمناهم في كتابنا التكميل ولله الحمد والمنة.

قال: وقد روى عنه الكبار القدماء: ابن سيبويه، ومحمد بن عيسى الصفار، وإسحاق بن محمد، وعلي بن إبراهيم بن سلمة القطان، وجدي أحمد بن إبراهيم، وسليمان بن يزيد.

وقال غيره: كانت وفاة ابن ماجة يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء لثمان بقين من رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائتين عن أربع وستين سنة، وصلى عليه أخوه أبو بكر، وتولى دفنه مع أخيه الآخر أبي عبد الله وابنه عبد الله بن محمد بن يزيد رحمه الله.

ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائتين[عدل]

فيها نشبت الحرب بين أبي أحمد الموفق وبين عمرو بن الليث بفارس، فقصده أبو أحمد فهرب منه عمرو من بلد إلى بلد، وتتبعه ولم يقع بينهما قتال ولا مواجهة، وقد تحيز إلى الموفق مقدم جيش عمرو بن الليث، وهو أبو طلحة شركب الجمال، ثم أراد العود فقبض عليه الموفق وأباح ماله لولده أبي العباس المعتضد، وذلك بالقرب من شيراز وفيها غزا يازمان الخادم نائب طرسوس بلاد الروم فأوغل فيها فقتل وغنم وسلم.

وفيها: دخل صديق الفرغاني سامرا فنهب دور التجار بها، وكر راجعا، وقد كان هذا الرجل ممن يحرس الطرقات فترك ذلك وأقبل يقطع الطرقات، وضعف الجند بسامرا عن مقاومته.

وفيها توفي من الأعيان: إبراهيم بن أحمد بن يحيى أبو إسحاق، قال ابن الجوزي في المنتظم: كان حافظا فاضلا، روى عن حرملة وغيره، توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة إسحاق بن إبراهيم بن زياد أبو يعقوب المقرى توفي في ربيع الأول منها.

أيوب بن سليمان بن داود الصفدي يروى عن آدم بن إياس، وعن ابن صاعد وابن السماك، وكان ثقة.

توفي في رمضان منها:

الحسن بن مكرم بن حسان بن علي البزار[عدل]

يروي عن عفان وأبي النضر ويزيد بن هارون وغيرهم، وعنه المحاملي وابن مخلد والبخاري، وكان ثقة.

توفي رمضان منها عن ثلاث وسبعين سنة.

خلف بن محمد بن عيسى أبو الحسين الواسطي[عدل]

الملقب بكردوس، يروي عن يزيد بن هارون وغيره، وعنه المحاملي وابن مخلد.

قال ابن أبي حاتم: صدوق، وقال الدارقطني: ثقة.

توفي في ذي الحجة منها، وقد نيف عن الثمانين.

عبد الله بن روح بن عبيد الله بن أبي محمد المدائني[عدل]

المعروف بعيد روس، يروى عن شبابة ويزيد بن هارون، وعنه المحاملي وابن السماك وأبو بكر الشافعي، وكان من الثقات.

توفي في جمادى الآخرة منها.

عبد الله بن أبي سعيد أبو محمد الوراق[عدل]

أصله من بلخ، وسكن بغداد، وروى الحديث عن شريح بن يونس وعفان وعلي بن الجعد وغيرهم، وعنه ابن أبي الدنيا والبغوي والمحاملي، وكان ثقة صاحب أخبار وآداب وملح، توفي بواسط في جمادى الآخرة منها عن سبع وسبعين سنة.

محمد بن إسماعيل بن زياد أبو عبد الله[عدل]

وقيل: أبو بكر الدولابي، سمع أبا النضر وأبا اليمان وأبا مسهر، وعنه أبو الحسين المنادي ومحمد بن مخلد وابن السماك، وكان ثقة.

ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائتين[عدل]

في المحرم منها وقع الخلاف بين ابن أبي الساج وبين خمارويه، فاقتتلا عند ثنية العقاب شرقي دمشق فقهر خمارويه لابن أبي الساج وانهزم، وكانت له حواصل بحمص فبعث خمارويه من سبقه إليها فأخذها، ومنع منه حمص فذهب إلى حلب فمنعه خمارويه فسار إلى الرقة فاتبعه، فذهب إلى الموصل ثم انهزم منها خوفا من خمارويه، ووصل خمارويه إليها واتخذ بها سريرا طويل القوائم، فكان يجلس عليه في الفرات، فعند ذلك طمع فيه ابن كنداج فسار وراءه ليظفر بشيء فلم يقدر، وقد التقيا في بعض الأيام فصبر له ابن أبي الساج صبرا عظيما، فسلم وانصرف إلى الموفق ببغداد فأكرمه وخلع عليه واستصحبه معه إلى الجبل، ورجع إسحاق بن كنداج إلى ديار بكر من الجزيرة.

وفيها: في شوال منها سجن أبو أحمد الموفق ولده أبا العباس المعتضد في دار الإمارة، وكان سبب ذلك أنه أمره بالمسير إلى بعض الوجوه، فامتنع أن يسير إلا إلى الشام التي ولاه إياها عمه المعتضد، وأمر بسجنه فثارت الأمراء واختطبت بغداد فركب الموفق إلى بغداد وقال للناس: أتظنون أنكم على ولدي أشفق مني؟

فسكن الناس عند ذلك ثم أفرج عنه.

وفيها: سار رافع إلى محمد بن زيد العلوي فأخذ منه مدينة جرجان، فهرب إلى استراباذ فحصره بها سنين فغلا بها السعر حتى بيع الملح بها وزن درهم بدرهمين، فهرب منها ليلا إلى سارية، فأخذ منها رافع بلادا كثيرة بعد ذلك في مدة متطاولة.

وفي المحرم منها: أو في صفر كانت وفاة المنذر بن محمد بن عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس عن ست وأربعين سنة.

وكانت ولايته سنة وأحد عشر يوما، وكان أسمر طويلا بوجهه أثر جدري، جوادا ممدحا يحب الشعراء ويصلهم بمال كثير، ثم قام بالأمر من بعده أخوه محمد فامتلأت بلاد الأندلس في أيامه فتنا وشرا حتى هلك كما سيأتي.

وفيها توفي من الأعيان: أبو بكر أحمد بن محمد الحجاج المروزي، صاحب الإمام أحمد، كان من الأذكياء، كان أحمد يقدمه على جميع أصحابه ويأنس به ويبعثه في الحاجة ويقول له: قل ما شئت.

وهو الذي أغمض الإمام أحمد وكان فيمن غسله، وقد نقل عن أحمد مسائل كثيرة، وحصلت له رفعة عظيمة مع أحمد حين طلب إلى سامرا ووصل بخمسين ألفا فلم يقبلها.

أحمد بن محمد بن غالب بن خالد بن مرداس أبو عبد الله الباهلي البصري المعروف بغلام خليل، سكن بغداد، روى عن سليمان بن داود الشاذكوني، وشيبان بن فروخ، وقرة بن حبيب وغيرهم، وعنه ابن السماك وابن مخلد وغيرهما، وقد أنكر عليه أبو حاتم وغيره أحاديث رواها منكرة عن شيوخ مجهولين.

قال أبو حاتم: ولم يكن ممن يفتعل الحديث، كان رجلا صالحا.

وكذبه أبو داود وغير واحد.

وروى ابن عدي عنه: أنه اعترف بوضع الحديث ليرقق به قلوب الناس، وكان عابدا زاهدا يقتات الباقلاء الصرف، وحين مات أغلقت أسواق بغداد وحضر الناس جنازته والصلاة عليه، ثم جعل في زورق وشيع إلى البصرة فدفن بها في رجب من هذه السنة.

وأحمد بن ملاعب، روى عن يحيى بن معين وغيره، وكان ثقة دينا عالما فاضلا، انتشر به كثير من الحديث.

وأبو سعيد الحسن بن الحسين بن عبد الله بن البكري النحوي اللغوي، صاحب التصانيف.

وإسحاق بن إبراهيم بن هانئ أبو يعقوب النيسابوري، كان من أخصاء أصحاب الإمام أحمد وعنده اختفى أحمد في زمن المحنة.

و عبد الله بن يعقوب بن إسحاق التميمي العطار الموصلي.

قال ابن الأثير: كان كثير الحديث معدلا عند الحكام.

ويحيى بن أبي طالب.

وأبو داود السجستاني[عدل]

صاحب السنن، اسمه سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن يحيى بن عمران أبو داود السجستاني، أحد أئمة الحديث الرحالين إلى الآفاق في طلبه، جمع وصنف وخرج وألف وسمع الكثير عن مشايخ البلدان في الشام ومصر والجزيرة والعراق وخراسان وغير ذلك، وله السنن المشهورة المتداولة بين العلماء، التي قال فيها أبو حامد الغزالي: يكفي المجتهد معرفتها من الأحاديث النبوية.

حدث عنه جماعة منهم: ابنه أبو بكر عبد الله، وأبو عبدالرحمن النسائي، وأحمد بن سليمان النجار، وهو آخر من روى عنه في الدنيا.

سكن أبو داود البصرة وقدم بغداد غير مرة، وحدث بكتاب السنن بها، ويقال: إنه صنفه بها وعرضه على الإمام أحمد فاستجاده واستسحنه، وقال الخطيب: حدثني أبو بكر محمد بن علي ابن إبراهيم القاري الدينوري من لفظه، قال: سمعت أبا الحسين محمد بن عبد الله بن الحسن القرصي قال: سمعت أبا بكر بن داسه يقول: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته كتاب السنن، جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث، قوله عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات».

الثاني قوله: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».

الثالث قوله: «لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه».

الرابع قوله: «الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات».

وحدثت عن عبد العزيز بن جعفر الحنبلي: أن أبا بكر الخلال قال: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني الإمام المقدم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفة تخريج العلوم وبصره بمواضعها أحد من أهل زمانه، رجل ورع مقدم قد سمع منه أحمد بن حنبل حديثا واحدا كان أبو داود يذكره، وكان أبو بكر الأصبهاني وأبو بكر بن صدقة يرفعان قدره ويذكرانه بما لا يذكران أحدا في زمانه بمثله.

قلت: الحديث الذي كتبه عنه وسمعه منه الإمام أحمد بن حنبل هو ما رواه أبو داود من حديث حماد بن سلمة عن أبي معشر الدارمي عن أبيه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن العتيرة فحسنها».

وقال إبراهيم الحربي وغيره: ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود الحديد.

وقال غيره: كان أحد حفاظ الإسلام للحديث وعلله وسنده.

وكان في أعلا درجة النسك والعفاف والصلاح والورع من فرسان الحديث.

وقال غيره: كان ابن مسعود يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في هديه ودله وسمته، وكان علقمة يشبهه، وكان إبراهيم يشبه علقمة، وكان منصور يشبه إبراهيم، وكان سفيان يشبه منصور، وكان وكيع يشبه سفيان، وكان أحمد يشبه وكيعا، وكان أبو داود يشبه أحمد بن حنبل.

وقال محمد بن بكر بن عبد الرزاق: كان لأبي داود كم واسع وكم ضيق فقيل له: ما هذا يرحمك الله؟

فقال: هذا الواسع للكتب والآخر لا يحتاج إليه.

وقد كان مولد أبي داود في سنة ثنتين ومائتين، وتوفي بالبصرة يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين عن ثلاث وسبعين سنة، ودفن إلى جانب قبر سفيان الثوري.

وقد ذكرنا ترجمته في التكميل وذكرنا ثناء الأئمة عليه.

وفيها: توفي محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن العنبس الضميري الشاعر، كان دينا كثير الملح، وكان هجاء، ومن جيد شعره قوله:

كم عليل عاش من بعد يأس ** بعد موت الطبيب والعواد

قد تصاد القطا فتنجو سريعا ** ويحل البلاء بالصياد

ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائتين[عدل]

في المحرم منها أعيد عمرو بن الليث إلى شرطة بغداد وكتب اسمه على الفرش والمقاعد والستور، ثم أسقط اسمه عن ذلك وعزل وولي عبيد الله بن طاهر.

وفيها: ولى الموفق لابن أبي الساج نيابة أذربيجان.

وفيها: قصد هارون الشاري الخارجي مدينة الموصل فنزل شرقيها فحاصرها، فخرج إليه أهلها فاستأمنوه فأمنهم ورجع عنهم.

وفيها: حج بالناس هارون بن محمد العباسي أمير الحرمين والطائف، ولما رجع حجاج اليمن نزلوا في بعض الأماكن، فجاءهم سيل لم يشعروا به ففرقهم كلهم لم يفلت منهم أحد فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وذكر ابن الجوزي في منتظمه وابن الأثير في كامله: أن في هذه السنة انفرج تل بنهر الصلة في أرض البصرة يعرف بتل بني شقيق عن سبعة أقبر في مثل الحوض، وفيها سبعة أبدان صحيحة أجسادهم وأكفانهم يفوح منهم ريح المسك، أحدهم شاب وله جمة وعلى شفته بلل كأنه قد شرب ماء الآن، وكأن عينيه مكحلتان، وبه ضربة في خاصرته، وأراد أحدهم أن يأخذ من شعره شيئا فإذا هو قوي الشعر كأنه حي فتركوا على حالهم.

وممن توفي فيها من الأعيان: أحمد بن حازم بن أبي عزرة الحافظ، صاحب المسند المشهور له حديث كثير وروايته عالية.

وفيها توفي:

بقي بن مخلد[عدل]

أبو عبدالرحمن الأندلسي الحافظ الكبير، له المسند المبوب على الفقه، روى فيه عن ألف وستمائة صحابي، وقد فضله ابن حزم على مسند الإمام أحمد بن حنبل، وعندي في ذلك نظر، والظاهر أن مسند أحمد أجود منه وأجمع.

وقد رحل بقي إلى العراق فسمع من الإمام أحمد وغيره من أئمة الحديث بالعراق وغيرها يزيدون على المائتين بأربعة وثلاثين شيخا، وله تصانيف أخر، وكان مع ذلك رجلا صالحا عابدا زاهدا مجاب الدعوة، جاءته امرأة فقالت: إن ابني قد أسرته الإفرنج، وإني لا أنام الليل من شوقي إليه، ولي دويرة أريد أن أبيعها لأستفكه، فإن رأيت أن تشير على أحد يأخذها لأسعى في فكاكه بثمنها، فليس يقر لي ليل ولا نهار، ولا أجد نوما ولا صبرا ولا قرارا ولا راحة.

فقال: نعم انصرفي حتى أنظر في ذلك إن شاء الله.

وأطرق الشيخ وحرك شفتيه يدعو الله عز وجل لولدها بالخلاص من أيدي الفرنج، فذهبت المرأة فما كان إلا قليلا حتى جاءت الشيخ وابنها معها فقالت: اسمع خبره يرحمك الله.

فقال: كيف كان أمرك؟

فقال: إني كنت فيمن نخدم الملك ونحن في القيود، فبينما أنا ذات يوم أمشي إذ سقط القيد من رجلي، فأقبل علي الموكل بي فشتمني وقال: لم أزلت القيد من رجليك؟

فقلت: لا والله ما شعرت به ولكنه سقط ولم أشعر به، فجاؤوا بالحداد فأعادوه وأجادوه وشدوا مسماره وأبدوه، ثم قمت فسقط أيضا فأعادوه وأكدوه فسقط أيضا، فسألوا رهبانهم عن سبب ذلك فقالوا: له والدة؟

فقلت: نعم، فقالوا: إنها قد دعت لك وقد استجيب دعاؤها أطلقوه، فأطلقوني وخفروني حتى وصلت إلى بلاد الإسلام.

فسأله بقي بن مخلد عن الساعة التي سقط فيها القيد من رجله فإذا هي الساعة التي دعا فيها الله له ففرج عنه.

صاعد بن مخلد الكاتب كان كثير الصدقة والصلاة، وقد أثنى عليه أبو الفرج بن الجوزي، وتكلم فيه ابن الأثير في كامله، وذكر أنه كان فيه تيه وحمق، وقد يمكن الجمع بين القولين والصفتين.

ابن قتيبة[عدل]

وهو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ثم البغدادي

أحد العلماء والأدباء والحفاظ الأذكياء، وقد تقدمت ترجمته، وكان ثقة نبيلا، وكان أهل العلم يتهمون من لم يكن في منزله شيء من تصانيفه، وكان سبب وفاته: أنه أكل لقمة من هريسة فإذا هي حارة فصاح صيحة شديدة ثم أغمي عليه إلى وقت الظهر، ثم أفاق ثم لم يزل يشهد أن لا إله إلا الله إلى أن مات وقت السحر أول ليلة من رجب من هذه السنة، وقيل: إنه توفي في سنة سبعين ومائتين، والصحيح في هذه السنة.

عبدالملك بن محمد بن عبد الله أبو قلابة الرقاشي[عدل]

أحد الحفاظ، كان يكنى بأبي محمد، ولكن غلب عليه لقب أبو قلابة، سمع يزيد بن هارون وروح بن عبادة وأبا داود الطيالسي وغيرهم، وعنه ابن صاعد والمحاملي والبخاري وأبو بكر الشافعي وغيرهم، وكان صدوقا عابدا يصلي في كل يوم أربعمائة ركعة، وروى من حفظه ستين ألف حديث غلط في بعضها على سبيل العمد، كانت وفاته في شوال من هذه السنة عن ست وثمانين سنة.

ومحمد بن أحمد بن أبي العوام، ومحمد بن إسماعيل الصايغ.

ويزيد بن عبدالصمد.

وأبو الرداد المؤذن، وهو عبد الله بن عبد السلام بن عبيد الرداد المؤذن، صاحب المقياس بمصر، الذي هو مسلم إليه وإلى ذريته إلى يومنا هذا.

قاله ابن خلكان والله أعلم.

ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائتين[عدل]

فيها خطب يازمان نائب طرسوس لخمارويه، وذلك أنه هاداه بذهب كثير وتحف هائلة.

وفيها: قدم جماعة من أصحاب خمارويه إلى بغداد.

وفيها: ولي المطالم ببغداد يوسف بن يعقوب، ونودي في الناس: من كانت له مظلمة ولو عند الأمير الناصر لدين الله الموفق، أو عند أحد من الناس فليحضر.

وسار في الناس سيرة حسنة، وأظهر صرامة لم ير مثلها.

وحج بالناس الأمير المتقدم ذكره قبل ذلك.

وفيها توفي من الأعيان:

إبراهيم بن صرا إسحاق بن أبي العينين[عدل]

وأبو إسحاق الكوفي قاضي بغداد بعد ابن سماعة، سمع معلى بن عبيد وغيره، وحدث عنه ابن أبي الدنيا وغيره، توفي عن ثلاث وتسعين سنة، وكان ثقة فاضلا دينا صالحا.

أحمد بن عيسى[عدل]

أبو سعيد الخراز أحد مشاهير الصوفية بالعبادة والمجاهدة والورع والمراقبة، وله تصانيف في ذلك وله كرامات وأحوال وصبر على الشدائد، وروى عن إبراهيم بن بشار صاحب إبراهيم بن أدهم وغيره، وعنه على بن محمد المصري وجماعة.

ومن جيد كلامه: إذا بكت أعين الخائفين فقد كاتبوا الله بدموعهم.

وقال: العافية تستر البر والفاجر، فإذا نزل البلاء تبين عنده الرجال.

وقال: كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل.

وقال: الاشتغال بوقت ماض تضييع وقت حاضر.

وقال: ذنوب المقربين حسنات الأبرار.

وقال: الرضا قبل القضاء تفويض، والرضا مع القضاء تسليم.

وقد روى البيهقي بسنده إليه: أنه سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «جبلت القلوب على حب من أحسن إليها».

فقال: يا عجبا لمن لم ير محسنا غير الله كيف لا يميل إليه بكليته؟

قلت: وهذا الحديث ليس بصحيح، ولكن كلامه عليه من أحسن ما يكون.

وقال ابنه سعيد: طلبت من أبي دانق فضة فقال: يا بني اصبر فلو أحب أبوك أن يركب الملوك إلى بابه ما تأبوا عليه.

وروى ابن عساكر عنه قال: أصابني مرة جوع شديد فهممت أن أسأل الله طعاما فقلت: هذا ينافي التوكل فهممت أن أسأله صبرا فهتف بي هاتف يقول:

ويزعم أنه منا قريب ** وأنا لا نضيع من أتانا

ويسألنا القرى جهدا وصبرا ** كأنا لا نراه ولا يرانا

قال: فقمت ومشيت فراسخ بلا زاد.

وقال: المحب يتعلل إلى محبوبه بكل شيء، ولا يتسلى عنه بشيء يتبع آثاره ولا يدع استخباره، ثم أنشد:

أسائلكم عنها فهل من مخبر ** فمالي بنعمى بعد مكة لي علم

فلو كنت أدري أين خيم أهلها ** وأي بلاد الله إذ ظعنوا أموا

إذا لسلكنا مسلك الريح خلفها ** ولو أصبحت نعمى ومن دونها النجم

وكانت وفاته في هذه السنة، وقيل: في سنة سبع وأربعين، وقيل: في سنة ست وثمانين والأول أصح.

وفيها: توفي عيسى بن عبد الله بن سنان بن ذكويه بن موسى الطيالسي الحافظ، تلقب رعاب، سمع عفان أبا نعيم، وعنه أبو بكر الشافعي وغيره، ووثقه الدارقطني.

كانت وفاته في شوال منها عن أربع وثمانين سنة.

وفيها توفي:

أبو حاتم الرازي[عدل]

محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران أبو حاتم الحنظلي الرازي، أحد أئمة الحفاظ الأثبات العارفين بعلل الحديث والجرح والتعديل، وهو قرين أبي زرعة رحمهما الله، سمع الكثير وطاف الأقطار والأمصار، وروى عن خلق من الكبار، وعنه خلق منهم الربيع بن سليمان، ويونس بن عبد الأعلى وهما أكبر منه.

وقدم بغداد وحدث بها، وروى عنه من أهلها إبراهيم الحربي وابن أبي الدنيا والمحاملي وغيرهم.

قال لابنه عبد الرحمن: يا بني مشيت على قدمي في طلب الحديث أكثر من ألف فرسخ، وذكر أنه لم يكن له شيء ينفق عليه في بعض الأحيان، وأنه مكث ثلاثا لا يأكل شيئا حتى استقرض من بعض أصحابه نصف دينار، وقد أثنى عليه غير واحد من العلماء والفقهاء، وكان يتحدى من حضر عنده من الحفاظ وغيرهم، ويقول: من أغرب علي بحديث واحد صحيح فله علي درهم أتصدق به.

قال: ومرادي أسمع ما ليس عندي، فلم يأت أحد بشيء من ذلك، وكان في جملة من حضر ذلك أبو زرعة الرازي.

كانت وفاة ابن أبي حاتم في شعبان من هذه السنة.

محمد بن الحسن بن موسى بن الحسن أبو جعفر الكوفي الخراز المعروف بالجندي[عدل]

له مسند كبير، روى عن عبيد الله بن موسى والقعنبي وأبي نعيم وغيرهم، وعنه ابن صاعد والمحاملي وابن السماك، كان ثقة صدوقا.

محمد بن سعدان أبو جعفر الرازي[عدل]

سمع من أكثر من خمسمائة شيخ، ولكن لم يحدث إلا باليسير، توفي في شعبان منها.

قال ابن الجوزي: وهم محمد بن سعدان البزار عن القعنبي وهو غير مشهور.

ومحمد بن سعدان النحوي مشهور.

توفي في سنة إحدى ومائتين.

قال ابن الأثير في كامله: وفيها توفي يعقوب بن سفيان بن حران الإمام الفسوي، وكان يتشيع.

ويعقوب بن يوسف بن معقل الأموي مولاهم، والد أبي العباس أحمد بن الأصم.

وفيها: ماتت عريب المغنية المأمونية، قيل: إنها ابنة جعفر بن يحيى البرمكي.

فأما:

يعقوب بن سفيان بن حران[عدل]

فهو أبو يوسف بن أبي معاوية الفارسي الفسوي، سمع الحديث الكثير، وروى عن أكثر من ألف شيخ من الثقات، منهم هشام بن عمار، ودحيم، وأبو المجاهر، وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقيان، وسعيد بن منصور، وأبو عاصم، ومكي بن إبراهيم، وسليمان بن حرب، ومحمد بن كثير وعبيد الله بن موسى والقعنبي.

روى عنه النسائي في سننه وأبو بكر بن أبي داود والحسن بن سفيان وابن خراش وابن خزيمة وأبو عوانة الإسفراييني وغيرهم، وصنف كتاب التاريخ والمعرفة وغيره من الكتب المفيدة، وقد رحل في طلب الحديث إلى البلدان النائية، وتغرب عن وطنه نحو ثلاثين سنة.

وروى ابن عساكر عنه قال: كنت أكتب في الليل على ضوء السراج في زمن الرحلة، فبينا أنا ذات ليلة إذ وقع شيء على بصري فلم أبصر معه السراج، فجعلت أبكي على ما فاتني من ذهاب بصري، وما يفوتني بسبب ذلك من كتابة الحديث، وما أنا فيه من الغربة، ثم غلبتني عيني فنمت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما لك؟

فشكوت إليه ما أنا فيه من الغربة، وما فاتني من كتابة السنة.

فقال: «أدن مني، فدنوت منه فجعل يده على عيني وجعل كأنه يقرأ شيئا من القرآن».

ثم استيقظت فأبصرت وجلست أسبح الله.

وقد أثنى عليه أبو زرعة الدمشقي والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، وقال: هو إمام أهل الحديث بفارس، وقدم نيسابور وسمع منه مشايخنا، وقدنسبه بعضهم إلى التشيع.

وذكر ابن عساكر: أن يعقوب بن الليث صاحب فارس بلغه عنه أنه يتكلم في عثمان بن عفان فأمر بإحضاره فقال له وزيره: أيها الأمير إنه لا يتكلم في شيخنا عثمان بن عفان السجزي، إنما يتكلم في عثمان بن عفان الصحابي، فقال: دعوه ما لي وللصحابي، إني إنما حسبته يتكلم في شيخنا عثمان بن عفان السجزي.

قلت: وما أظن هذا صحيحا عن يعقوب بن سفيان فإنه إمام محدث كبير القدر، وقد كانت وفاته قبل أبي حاتم بشهر في رجب منها بالبصرة رحمه الله.

وقد رآه بعضهم في المنام فقال: ما فعل بك ربك؟

فقال: غفر لي وأمرني أن أملي الحديث في السماء كما كنت أمليه في الأرض، فجلست للإملاء في السماء الرابعة، وجلس حولي جماعة من الملائكة، منهم جبريل يكتبون ما أمليه من الحديث بأقلام الذهب.

عريب المأمونية[عدل]

فقد ترجمها ابن عساكر في تاريخه، وحكى عن بعضهم أنها ابنة جعفر البرمكي، سرقت وهي صغيرة عند ذهاب دولة البرامكة، وبيعت فاشتراها المأمون بن الرشيد، ثم روي عن حماد بن إسحاق عن أبيه أنه قال: ما رأيت قط امرأة أحسن وجها منها، ولا أكثر أدبا ولا أحسن غناء وضربا وشعرا ولعبا بالشطرنج والنرد منها، وما تشاء أن تجد خصلة ظريفة بارعة في امرأة إلا وجدتها فيها.

وقد كانت شاعرة مطيقة بليغة فصيحة، وكان المأمون يتعشقها ثم أحبها بعده المعتصم، وكانت هي تعشق رجلا يقال له: محمد بن حماد، وربما أدخلته إليها في دار الخلافة قبحها الله على ما ذكره ابن عساكر عنها، ثم عشقت صالحا المنذري وتزوجته سرا، وكانت تقول فيه الشعر، وربما ذكرته في شعرها بين يدي المتوكل وهو لا يشعر فيمن هو، فتضحك جواريه من ذلك فيقول: يا سحاقات هذا خير من عملكن.

وقد أورد ابن عساكر شيئا كثيرا من شعرها، فمن ذلك قولها لما دخلت على المتوكل تعوده من حمى أصابته فقالت:

أتوني فقالوا بالخليفة علة ** فقلت ونار الشوق توقد في صدري

ألا ليت بي حمى الخليفة جعفر ** فكانت بي الحمى وكان له أجري

كفى بي حزن أن قيل حم فلم أمت ** من الحزن إني بعد هذا لذو صبري

جعلت فدا للخليفة جعفر ** وذاك قليل للخليفة من شكري

ولما عوفي دخلت عليه فغنته من قيلها:

شكرا لأنعم من عافاك من سقم ** دمت المعافا من الآلام والسقم

عادت ببرئك للأيام بهجتها ** واهتز نبت رياض الجود والكرم

ما قام للدين بعد اليوم من ملك ** أعف منك ولا أرعى إلى الذمم

فعمر الله فينا جعفرا ونفى ** بنور وجنته عنا دجى الظلم

ولها في عافيته أيضا:

حمدنا الذي عافى الخليفة جعفرا ** على رغم أشياخ الضلالة والكفر

وما كان إلا مثل بدر أصابه ** كسوف قليل ثم أجلي عن البدر

سلامته للدين عز وقوة ** وعلته للدين قاصمة الظهر

مرضت فأمرضت البرية كلها ** وأظلمت الأمصار من شدة الذعر

فلما استبان الناس منك إفاقة ** أفاقوا وكانوا كالنيان على الجمر

سلامة دنيانا سلامة جعفر ** فدام معافا سالما آخر الدهر

إمام أعم الناس بالفضل والندا ** قريبا من التقوى بعيدا من الوزر

ولها أشعار كثيرة رائعة، ومولدها في سنة إحدى وثمانين ومائة، وماتت في سنة سبع وسبعين ومائتين بسر من رأى، ولها ست وتسعون سنة.

ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائتين[عدل]

قال ابن الجوزي: في المحرم منها طلع نجم ذو جمة ثم صارت الجمة ذؤابة.

قال: وفي هذه السنة غار ماء النيل وهذا شيء لم يعهد مثله ولا بلغنا في الأخبار السالفة.

فغلت الأسعار بسبب ذلك جدا.

وفيها: خلع على عبد الله بن سليمان بالوزارة.

وفي المحرم منها: قدم الموفق من الغزو فتلقاه الناس إلى النهروان فدخل بغداد وهو مريض بالنقرس فاستمر في داره في أوائل صفر، ومات بعد أيام.

قال: وفيها تحركت القرامطة وهم فرقة من الزنادقة الملاحدة أتباع الفلاسفة من الفرس الذين يعتقدون نبوة زرادشت ومزدك، وكانا يبيحان المحرمات.

ثم هم بعد ذلك أتباع كل ناعق إلى باطل، وأكثر ما يفسدون من جهة الرافضة ويدخلون إلى الباطل من جهتهم، لأنهم أقل الناس عقولا، ويقال لهم: الإسماعيلية، لانتسابهم إلى إسماعيل الأعرج بن جعفر الصادق.

ويقال لهم: القرامطة، قيل: نسبة إلى قرمط بن الأشعث البقار، وقيل: إن رئيسهم كان في أول دعوته يأمر من اتبعه بخمسين صلاة في كل يوم وليلة ليشغلهم بذلك عما يريد تدبيره من المكيدة.

ثم اتخذ نقباء اثنى عشر، وأسس لأتباعه دعوة ومسلكا يسلكونه ودعا إلى إمام أهل البيت، ويقال لهم: الباطنية لأنهم يظهرون الرفض ويبطنون الكفر المحض، والخرمية والبابكية نسبة إلى بابك الخرمي الذي ظهر في أيام المعتصم وقتل كما تقدم.

ويقال لهم: المحمرة نسبة إلى صبغ الحمرة شعارا مضاهاة لبني العباس ومخالفة لهم، لأن بني العباس يلبسون السواد.

ويقال لهم: التعليمية نسبة إلى التعلم من الإمام المعصوم، وترك الرأي ومقتضى العقل.

ويقال لهم: السبعية نسبة إلى القول بأن الكواكب السبعة المتحيزة السائرة مدبرة لهذا العالم فيما يزعمون لعنهم الله.

وهي القمر في الأولى، وعطارد في الثانية، والزهرة في الثالثة، والشمس في الرابعة، والمريخ في الخامسة، والمشتري في السادسة، وزحل في السابعة.

قال ابن الجوزي: وقد بقي من البابكية جماعة يقال: إنهم يجتمعون في كل سنة ليلة هم ونساؤهم ثم يطفئون المصباح وينتهبون النساء فمن وقعت يده في امرأة حلت له.

ويقولون: هذا اصطياد مباح لعنهم الله.

وقد ذكر ابن الجوزي تفصيل قولهم وبسطه وقد سبقه إلى ذلك أبو بكر الباقلاني المتكلم المشهور في كتابه (هتك الأستار وكشف الأسرار) في الرد على الباطنية، ورد على كتابهم الذي جمعه بعض قضاتهم بديار مصر في أيام الفاطميين الذي سماه (البلاغ الأعظم والناموس الأكبر) وجعله ست عشرة درجة أول درجة أن يدعو من يجتمع به أولا إن كان من أهل السنة إلى القول بتفضيل على علي عثمان بن عفان، ثم ينتقل به إذا وافقه على ذلك إلى تفضيل علي على الشيخين أبي بكر وعمر، ثم يترقى به إلى سبهما لأنهما ظلما عليا وأهل البيت، ثم يترقى به إلى تجهيل الأمة وتخطئتها في موافقة أكثرهم على ذلك، ثم يشرع في القدح في دين الإسلام من حيث هو.

وقد ذكر لمخاطبته لمن يريد أن يخاطبه بذلك شبها وضلالات لا تروج إلا على كل غبي جاهل شقي.

كما قال تعالى: { وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ ** إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ** يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ } [الذاريات: 7-9] أي: يضل به من هو ضال.

وقال: { فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ** مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ ** إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ } [الصافات: 161-163] .

وقال: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ** وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ } [الأنعام: 112] .

إلى غير ذلك من الآيات التي تتضمن أن الباطل والجهل والضلال والمعاصي لا ينقاد لها إلا شرار الناس كما قال الشعراء:

إن هو مستحوذ على أحد ** إلا على أضعف المجانين

ثم بعد هذا كله لهم مقامات في الكفر والزندقة والسخافة مما ينبغي لضعيف العقل والدين أن ينزه نفسه عنه إذا تصوره، وهو مما فتحه إبليس عليهم من أنواع الكفر وأنواع الجهالات، وربما أفاد إبليس بعضهم أشياء لم يكن يعرفها كما قال بعض الشعراء:

وكنت امرأً من جند إبليس برهة ** من الدهر حتى صار إبليس من جندي

والمقصود أن هذه الطائفة تحركت في هذه السنة، ثم استفحل أمرهم وتفاقم الحال بهم كما سنذكره حتى آل بهم الحال إلى أن دخلوا المسجد الحرام فسفكوا دم الحجيج في وسط المسجد حول الكعبة وكسروا الحجر الأسود واقتلعوه من موضعه، وذهبوا به إلى بلادهم في سنة سبع عشرة وثلاثمائة، ثم لم يزل عندهم إلى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، فمكث غائبا عن موضعه من البيت ثنتين وعشرين سنة فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وكل ذلك من ضعف الخليفة وتلاعب الترك بمنصب الخلافة واستيلائهم على البلاد وتشتت الأمر.

وقد اتفق في هذه السنة شيئان أحدهما ظهور هؤلاء، والثاني موت حسام الإسلام وناصر دين الله أبو أحمد الموفق رحمه الله، لكن الله أبقى للمسلمين بعده ولده أبو العباس أحمد الملقب بالمعتضد، وكان شهما شجاعا.

ترجمة أبي أحمد الموفق[عدل]

هو الأمير الناصر لدين الله، ويقال له: الموفق، ويقال له: طلحة بن المتوكل على الله جعفر بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد، كان مولده في يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة تسعة وعشرين ومائتين، وكان أخوه المعتمد حين صارت الخلافة إليه قد عهد إليه بالولاية بعد أخيه جعفر، ولقبه الموفق بالله، ثم لما قتل صاحب الزنج وكسر جيشه تلقب بناصر دين الله وصار إليه العقد والحل والولاية والعزل، وإليه يجبي الخراج، وكان يخطب له على المنابر فيقال: اللهم أصلح الأمير الناصر لدين الله أبا أحمد الموفق بالله ولي عهد المسلمين أخا أمير المؤمنين.

ثم اتفق موته قبل أخيه المعتمد بستة أشهر، وكان غزير العقل حسن التدبير يجلس للمظالم وعنده القضاة فينصف المظلوم من الظالم وكان عالما بالأدب والنسب والفقه وسياسة الملك وغير ذلك، وله محاسن ومآثر كثيرة جدا.

وكان سبب موته أنه أصابه مرض النقرس في السفر فقدم إلى بغداد وهو عليل منه فاستقر في داره في أوائل صفر وقد تزايد به المرض وتورمت رجله حتى عظمت جدا، وكان يوضع له الأشياء المبردة كالثلج ونحوه وكان يحمل على سريره يحمله أربعون رجلا بالنوبة، كل نوبة عشرون.

فقال ذات يوم: ما أظنكم إلا قد مللتم مني فياليتني كواحد منكم آكل كما تأكلون، وأشرب كما تشربون، وأرقد كما ترقدون في عافية.

وقال أيضا: في ديواني مائة ألف مرتزق ليس فيهم أحد أسوأ حالا مني.

ثم كانت وفاته في القصر الحسيني ليلةالخميس لثمان بقين من صفر.

قال ابن الجوزي: وله سبع وأربعون سنة تنقص شهرا وأياما.

ولما توفي اجتمع الأمراء على أخذ البيعة من بعده إلى ولده أبي العباس أحمد، فبايع له المعتمد بولاية العهد من بعد أبيه، وخطب له على المنابر.

وجعل إليه ما كان لأبيه من الولاية والعزل والقطع والوصل، ولقب المعتضد بالله.

وفيها: توفي إدريس بن سليم الفقعسي الموصلي.

قال ابن الأثير: كان كثير الحديث والصلاح.

واسحاق بن كنداج نائب الجزيرة، كان من ذوي الرأي، وقام بما كان إليه ولده محمد.

ويازمان نائب طرسوس جاءه حجر منجنيق من بلدة كان محاصرها ببلاد الروم فمات منه في رجب من هذه السنة ودفن بطرسوس، فولى نيابة الثغر بعده أحمد الجعيفي بأمر خمارويه بن أحمد بن طولون، ثم عزله عن قريب بابن عمه موسى بن طولون.

وفيها توفي

عبدة بن عبد الرحيم قبحه الله[عدل]

ذكر ابن الجوزي أن هذا الشقي كان من المجاهدين كثيرا في بلاد الروم فلما كان في بعض الغزوات والمسلمون محاصروا بلدة من بلاد الروم إذ نظر إلى امرأة من نساء الروم في ذلك الحصن، فهويها فراسلها ما السبيل إلى الوصول إليك؟

فقالت: أن تتنصر وتصعد إلي، فأجابها إلى ذلك، فما راع المسلمين إلا وهو عندها، فاغتم المسلمون بسبب ذلك غما شديدا، وشق عليهم مشقة عظيمة، فلما كان بعد مدة مروا عليه وهو مع تلك المرأة في ذلك الحصن فقالوا: يا فلان ما فعل قرآنك؟ما فعل علمك؟ما فعل صيامك؟ما فعل جهادك؟ما فعلت صلاتك؟

فقال: اعلموا أني أنسيت القرآن كله إلا قوله: { رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ** ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } [الحجر:2-3] وقد صار لي فيهم مال وولد.

ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائتين[عدل]

في أواخر المحرم منها خلع جعفر المفوض من العهد واستقل بولاية العهد من بعد المعتمد أبو العباس المعتضد بن الموفق، وخطب له بذلك على رؤوس الأشهاد، وفي ذلك يقول يحيى بن علي يهني المعتضد:

ليهنيك عقد أنت فيه المقدم ** حباك به رب بفضلك أعلم

فإن كنت قد أصبحت والي عهدنا ** فأنت غدا فينا الإمام المعظم

و زال من والاك فيه مبلغا ** مناه ومن عاداك يخزى ويندم

وكان عمود الدين فيه تعوج ** فعاد بهذا العهد وهو مقوم

وأصبح وجه الملك جذلان ضاحكا ** يضيء لنا منه الذي كان مظلم

فدونك شدد عقد ما قد حويته ** فإنك دون الناس فيه المحكم

وفيها: نودي ببغداد أن لا يمكن أحد من القصاص والطرقية والمنجمين ومن أشبههم من الجلوس في المساجد ولا في الطرقات، وأن لا تباع كتب الكلام والفلسفة والجدل بين الناس، وذلك بهمة أبي العباس المعتضد سلطان الإسلام.

وفيها: وقعت حروب بين هارون الشاري وبين بني شيبان في أرض الموصل وقد بسط ذلك ابن الأثير في كامله.

وفي رجب منها كانت وفاة المعتمد على الله ليلة الاثنين لتسع عشرة ليلة خلت منه.

ترجمة المعتمد على الله[عدل]

هو أمير المؤمنين المعتمد بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد مكث في الخلافة ثلاثا وعشرين سنة وستة أيام، وكان عمره يوم مات خمسين سنة وأشهرا، وكان أسن من أخيه الموفق بستة أشهر، وتأخر بعده أقل من سنة، ولم يكن إليه مع أخيه شيء من الأمر حتى أن المعتمد طلب في بعض الأيام ثلاثمائة دينار فلم يصل إليها فقال الشاعر في ذلك:

ومن العجائب في الخلافة أن ** ترى ما قل ممتنعا عليه

وتؤخذ الدنا باسمه جميعا ** وما ذاك شيء في يديه

إليه تحمل الأموال طرا ** ويمنع بعض ما يجبى إليه

كان المعتمد أول خليفة انتقل من سامرا إلى بغداد ثم لم يعد إليها أحد من الخلفاء، بل جعلوا إقامتهم ببغداد، وكان سبب هلاكه في ما ذكره ابن الأثير أنه شرب في تلك الليلة شرابا كثيرا وتعشى عشاء كثيرا، وكان وقت وفاته في القصر الحسيني من بغداد، وحين مات أحضر المعتضد القضاة والأعيان وأشهدهم أنه مات حتف أنفه، ثم غسل وكفن وصلي عليه ثم حمل فدفن بسامرا.

وفي صبيحة العزاء بويع للمعتضد.

وفيها توفي:

البلاذري المؤرخ[عدل]

واسمه أحمد بن يحيى بن جابر بن داود أبو الحسن ويقال: أبو جعفر، ويقال: أبو بكرالبغدادي البلاذري صاحب التاريخ المنسوب إليه، سمع هشام بن عمار وأبا عبيد القاسم بن سلام، وأبا الربيع الزهراني وجماعة، وعنه يحيى بن النديم وأحمد بن عمار وأبو يوسف يعقوب بن نعيم بن قرقارة الأزدي.

قال ابن عساكر: كان أديبا ظهرت له كتب جياد، ومدح المأمون بمدائح، وجالس المتوكل، وتوفي أيام المعتمد، وحصل له هوس ووسواس في آخر عمره، وروى عنه ابن عساكر قال: قال لي محمود الوراق: قل من الشعر ما يبقى لك ذكره، ويزول عنك إثمه، فقلت عند ذلك:

استعدي يا نفس للموت واسعي ** لنجاة فالحازم المستعد

إنما أنت مستعيرة وسوف ** تردين والعواري ترد

أنت تسهين والحوادث لا ** تسهو وتلهين والمنايا تعد

أي ملك في الأرض وأي حظ **لامرئ حظه من الأرض لحد

لا ترجى البقاء في معدن الموت ** ودار حتوفها لك ورد

كيف يهوى امرؤ لذاذة أيام ** أنفاسها عليه فيها تعد

خلافة المعتضد[عدل]

أمير المؤمنين أبي العباس أحمد بن أبي أحمد الموفق بن جعفر المتوكل، كان من خيار خلفاء بني العباس ورجالهم.

بويع له بالخلافة صبيحة موت المعتمد لعشر بقين من رجب منها، وقد كان أمر الخلافة دائرا فأحياه الله على يديه بعدله وشهامته وجرأته، واستوزر عبيد الله بن سليمان بن وهب وولي مولاه بدرا الشرطة في بغداد، وجاءته هدايا عمرو بن الليث وسأل منه أن يوليه إمرة خراسان فأجابه إلى ذلك، وبعث إليه بالخلع واللواء فنصبه عمرو في داره ثلاثة أيام فرحا وسرورا بذلك، وعزل رافع بن هرثمة عن إمرة خراسان ودخلها عمرو بن الليث فلم يزل يتبع رافعا من بلد إلى بلد حتى قتله في سنة ثلاث وثمانين كما سيأتي، وبعث برأسه إلى المعتضد وصفت إمرة خراسان لعمرو.

وفيها: قدم الحسين بن عبد الله المعروف بالجصاص من الديار المصرية بهدايا عظيمة من خمارويه إلى المعتضد، فتزوج المعتضد بابنة خمارويه فجهزها أبوها بجهاز لم يسمع بمثله، حتى قيل: إنه كان في جهازها مائة هاون من ذهب، فحمل ذلك كله من الديار المصرية إلى دار الخلافة ببغداد صحبة العروس، وكان وقتا مشهودا.

وفيها: تملك أحمد بن عيسى بن الشيخ قلعة ماردين، وكانت قبل ذلك لإسحاق بن كنداج.

وفيها: حج بالناس هارون بن محمد العباسي، وهي آخر حجة حجها بالناس، وقد كان يحج بالناس من سنة أربع وستين ومائتين إلى هذه السنة.

وفيها توفي من الأعيان: أحمد أمير المؤمنين المعتمد.

وأبو بكر بن أبي خيثمة، و هو: أحمد بن زهير بن أبي خيثمة صاحب التاريخ وغيره.

وكان ثقة سمع أبا نعيم، وعفان، وأخذ علم الحديث عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وعلم النسب عن مصعب الزبيري، وأيام الناس عن أبي الحسن علي بن محمد المدائني، وعلم الأدب عن محمد بن سلام الجمحي.

حافظا ضابطا مشهورا، وفي تاريخه فوائد كثيرة وفرائد غزيرة.

روى عنه البغوي وابن صاعد وابن أبي داود بن المنادي.

توفي في جمادى الأولى منها عن أربع وتسعين سنة.

وخاقان أبو عبد الله الصوفي، كانت له أحوال وكرامات.

الترمذي[عدل]

واسمه محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك، وقيل: محمد بن عيسى بن يزيد بن سورة بن السكن، ويقال: محمد بن عيسى بن سورة بن شداد بن عيسى السلمي الترمذي الضرير، يقال: إنه ولد أكمه، وهو أحد أئمة هذا الشأن في زمانه، وله المصنفات المشهورة، منها الجامع، والشمائل، وأسماء الصحابة وغير ذلك.

وكتاب الجامع أحد الكتب الستة التي يرجع إليها العلماء في

سائر الآفاق، وجهالة ابن حزم لأبي عيسى الترمذي لا تضره حيث قال في محلاه: ومن محمد بن عيسى بن سورة؟

فإن جهالته لا تضع من قدره عند أهل العلم، بل وضعت منزلة ابن حزم عند الحفاظ.

وكيف يصح في الأذهان شيء ** إذا احتاج النهار إلى دليل

وقد ذكرنا مشايخ الترمذي في التكميل.

وروى عنه غير واحد من العلماء منهم محمد بن إسماعيل البخاري في الصحيح، والهيثم بن كليب الشاشي صاحب المسند ومحمد بن محبوب المحبوبي، راوي الجامع عنه.

محمد بن المنذر بن شكر[عدل]

قال أبو يعلى الخليل بن عبد الله الخليلي القزويني في كتابه (علوم الحديث): محمد بن عيسى بن سورة بن شداد الحافظ متفق عليه، له كتاب في السنن وكتاب في الجرح والتعديل، روى عنه أبو محبوب والأجلاء، وهو مشهور بالأمانة والإمامة والعلم.

مات بعد الثمانين ومائتين.

كذا قال في تاريخ وفاته.

وقد قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سليمان الغنجار في تاريخ بخارى: محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الترمذي الحافظ، دخل بخارى وحدث بها، وهو صاحب الجامع والتاريخ، توفي بالترمذ ليلة الاثنين لثلاث عشرة خلت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين.

ذكره الحافظ أبو حاتم بن حيان في الثقات، فقال: كان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر.

قال الترمذي: كتب عني البخاري حديث عطية عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي: «لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك».

وروى ابن يقظة في تقييده عن الترمذي أنه قال: صنفت هذا المسند الصحيح وعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي ينطق.

وفي رواية يتكلم.

قالوا: وجملة الجامع مائة وإحدى وخمسون كتابا، وكتاب العلل صنفه بسمرقند، وكان فراغه منه في يوم عيد الأضحى سنة سبعين ومائتين.

قال ابن عطية: سمعت محمد بن طاهر المقدسي سمعت أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري يقول: كتاب الترمذي عندي أنور من كتاب البخاري ومسلم.

قلت: ولم؟

قال: لأنه لا يصل إلى الفائدة منهما إلا من هو من أهل المعرفة التامة بهذا الفن، وكتاب الترمذي قد شرح أحاديثه وبينها، فيصل إليها كل أحد من الناس من الفقهاء والمحدثين وغيرهم.

قلت: والذي يظهر من حال الترمذي أنه إنما طرأ عليه العمى بعد أن رحل وسمع وكتب وذاكر وناظر وصنف، ثم اتفق موته في بلده في رجب منها على الصحيح المشهور والله أعلم.

ثم دخلت سنة ثمانين ومائتين من الهجرة[عدل]

في المحرم منها قتل المعتضد رجلا من أمراء الزنج كان قد لجأ إليه بالأمان ويعرف بسلمة، ذكر له أنه يدعو إلى رجل لا يعرف من هو، وقد أفسد جماعة فاستدعي به فقرره فلم يقر، وقال: لو كان تحت قدمي ما أقررت به، فأمر به فشد على عمود، ثم لوحه على النار حتى تساقط جلده، ثم أمر بضرب عنقه وصلبه لسبع خلون من المحرم.

وفي أول صفر ركب المعتضد من بغداد قاصدا بني شيبان من أرض الموصل فأوقع بهم بأسا شديدا عند جبل يقال له: نوباذ.

وكان مع المعتضد حاد جيد الحداء، فقال في تلك الليالي يحدو للمعتضد:

فأجهشت للنوباذ حين رأيته ** وهللت للرحمن حين رآني

وقلت له: أين الذين عهدتهم ** بظلك في أمن ولين زمامي

فقال: مضوا واستخلفوني مكانهم ** ومن ذا الذي يبقى على الحدثان

وفيها: أمر المعتضد بتسهيل عقبة حلوان فغرم عليها عشرين ألف دينار، وكان الناس يلقون منها شدة عظيمة.

وفيها: أمر بتوسيع جامع المنصور بإضافة دار المنصور إليه، وغرم عليه عشرين ألف دينار، وكانت الدار قبلته فبناها مسجدا على حدة، وفتح بينهما سبعة عشر بابا، وحول المنبر والمحراب إلى المسجد ليكون في قبلة الجامع على عادته.

قال الخطيب: وزاد بدر مولى المعتضد السقفان من قصر المنصور المعروفة بالبدرية.

بناء دار الخلافة من بغداد في هذا الوقت[عدل]

أول من بناها المعتضد في هذه السنة.

وهو أول من سكنها من الخلفاء إلى آخر دولتهم، وكانت أولا دارا للحسن بن سهل تعرف بالقصر الحسني، ثم صارت بعد ذلك لابنته بوران زوجة المأمون، فعمرتها حتى استنزلها المعتضد عنها فأجابته إلى ذلك، ثم أصلحت ما وهى منها، ورممت ما كان قد تشعث فيها، وفرشتها بأنواع الفرش في كل موضع منها ما يليق به من المفارش، وأسكنته ما يليق به من الجواري والخدم، وأعدت بها المآكل الشهية وما يحسن ادخاره في ذلك الزمان، ثم أرسلت مفاتيحها إلى المعتضد فلما دخلها هاله ما رأى من الخيرات، ثم وسعها وزاد فيها وجعل لها سورا حولها، وكانت قدر مدينة شيراز، وبنى الميدان ثم بنى فيها قصرا مشرفا على دجلة، ثم بنى فيها المكتفي التاج.

فلما كان أيام المقتدر زاد فيها زيادات أخر كبارا كثيرة جدا، ثم بعد هذا كله خربت حتى كأن لم يكن موضعها عمارة، وتأخرت آثارها إلى أيام التتار الذين خربوها وخربوا بغداد وسبوا من كان بها من الحرائر كما سيأتي بيانه في موضعه من سنة ست وخمسين وستمائة.

قال الخطيب: والذي يشبه أن بوران وهبت دارها للمعتمد لا للمعتضد، فإنها لم تعش إلى أيامه، وقد تقدمت وفاتها.

وفيها: زلزلت أردبيل ست مرات فتهدمت دورها، ولم يبق منها مائة دار، ومات تحت الردم مائة ألف وخمسون ألفا فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وفيها: غارت المياه ببلاد الري وطبرستان حتى بيع الماء كل ثلاثة أرطال بدرهم، وغلت الأسعار هنالك جدا.

وفيها: غزا إسماعيل بن أحمد الساماني ببلاد الترك ففتح مدينة ملكهم، وأسر امرأته الخانون وأباه ونحوا من عشرة آلاف أسير، وغنم من الدواب والأمتعة والأموال شيئا كثيرا، أصاب الفارس ألف درهم.

وفيها: حج بالناس أبو بكر محمد بن هارون بن إسحاق العباسي.

وفيها توفي من الأعيان: أحمد بن سيار بن أيوب الفقيه الشافعي المشهور بالعبادة والزهادة.

أحمد بن أبي عمران موسى بن عيسى أبو جعفر البغدادي[عدل]

كان من أكابر الحنفية، تفقه على محمد بن سماعة وهو أستاذ أبي جعفر الطحاوي، وكان ضريرا، سمع الحديث من علي بن الجعد وغيره، وقدم مصر فحدث بها من حفظه، وتوفي بها في المحرم من هذه السنة، وقد وثقه ابن يونس في تاريخ مصر.

أحمد بن محمد بن عيسى بن الأزهر[عدل]

القاضي بواسط صاحب المسند، روى عن مسلم بن إبراهيم وأبي سلمة التبوذكي، وأبي نعيم وأبي الوليد وخلق، وكان ثقة ثبتا تفقه بأبي سليمان الجوزجاني صاحب محمد بن الحسن، وقد حكم بالجانب الشرقي من بغداد في أيام المعتز، فلما كان أيام الموفق طلب منه ومن إسماعيل القاضي أن يعطياه ما بأيديهما من أموال اليتامى الموقوفة فبادر إلى ذلك إسماعيل القاضي واستنظره إلى ذلك أبو العباس البرقي هذا، ثم بادر إلى كل من أنس منه رشدا من اليتامى فدفع إليه ماله، فلما طولب به قال: ليس عندي منه شيء، دفعته إلى أهله، فعزل عن القضاء ولزم بيته وتعبد إلى أن توفي في ذي الحجة منها.

وقد رآه بعضهم في المنام وقد دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام إليه وصافحه وقبل بين عينيه، وقال: مرحبا بمن عمل بسنتي وأثري.

وفيها: توفي جعفر بن المعتضد، وكان يسامر أباه.

وراشد مولى الموفق بمدينة الدينور فحمل إلى بغداد.

وعثمان بن سعيد الدارمي مصنف الرد على بشر المريسي فيما ابتدعه من التأويل لمذهب الجهمية وقد ذكرناه في طبقات الشافعية.

ومسرور الخادم وكان من أكابر الأمراء.

ومحمد بن إسماعيل الترمذي صاحب التصانيف الحسنة في رمضان منها، قاله ابن الأثير، وشيخنا الذهبي.

وهلال بن المعلا المحدث المشهور، وقد وقع لنا من حديثه طرف.

سيبويه أستاذ النحاة[عدل]

وقيل: إنه توفي في سنة سبع وسبعين، وقيل: ثمان وثمانين، وقيل: إحدى وستين، وقيل: أربع وسبعين ومائة فالله أعلم.

وهو أبو بشر عمر بن عثمان بن قنبر مولى بني الحارث بن كعب، وقيل: مولى الربيع بن زياد الحارثي البصري.

ولقب سيبويه لجماله وحمرة وجنتيه حتى كانتا كالتفاحتين.

وسيبويه في لغة فارس: رائحة التفاح.

وهو الإمام العلامة العلم، شيخ النحاة من لدن زمانه إلى زماننا هذا، والناس عيال على كتابه المشهور في هذا الفن.

وقد شرح بشروح كثيرة وقل من يحيط علما به.

أخذ سيبويه العلم عن الخليل بن أحمد ولازمه، وكان إذا قدم يقول الخليل: مرحبا بزائر لا يمل.

وأخذ أيضا عن عيسى بن عمر، ويونس بن حبيب وأبي زيد الأنصاري، وأبي الخطاب الأخفش الكبير وغيرهم، قدم من البصرة إلى بغداد أيام كان الكسائي يؤدب الأمين بن الرشيد، فجمع بينهما فتناظرا في شيء من مسائل النحو فانتهى الكلام إلى أن قال الكسائي: تقول العرب: كنت أظن الزنبور أشد لسعا من النحلة فإذا هو إياها.

فقال سيبويه: بيني وبين أعرابي لم يشبه شيء من الناس المولد، وكان الأمين يحب نصرة أستاذه فسأل رجلا من الأعراب فنطق بما قال سيبويه.

فكره الأمين ذلك وقال له: إن الكسائي يقول خلافك.

فقال: إن لساني لا يطاوعني على ما يقول.

فقال: أحب أن تحضر وأن تصوب كلام الكسائي، فطاوعه على ذلك وانفصل المجلس عن قول الأعرابي إذا الكسائي أصاب.

فحمل سيبويه على نفسه وعرف أنهم تعصبوا عليه ورحل عن بغداد، فمات ببلاد شيراز في قرية يقال لها: البيضاء، وقيل: إنه ولد بهذه، وتوفي بمدينة سارة في هذه السنة، وقيل: سنة سبع وسبعين، وقيل: ثمان وثمانين، وقيل: إحدى وتسعين، وقيل: أربع وتسعين ومائة فالله أعلم.

وقد ينف على الأربعين، وقيل: بل إنما عمر ثنتين وثلاثين سنة فالله أعلم.

قرأ بعضهم على قبره هذه الأبيات:

ذهب الأحبة بعد طول تزاور ** ونأى المزار فأسلموك وأقشعوا

تركوك أوحش ما تكون بقفرة ** لم يؤنسوك وكربة لم يدفعوا

قضى القضاء وصرت صاحب حفرة ** عنك الأحبة أعرضوا وتصدعوا

ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائتين[عدل]

فيها: دخل المسلمون بلاد الروم فغنموا وسلموا.

وفيها: تكامل غور المياه ببلاد الري وطبرستان.

وفيها: غلت الأسعار جدا، وجهد الناس حتى أكل بعضهم بعضا، فكان الرجل يأكل ابنه وابنته فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وفيها: حاصر المعتضد قلعة ماردين وكانت بيد حمدان بن حمدون ففتحها قسرا وأخذ ما كان فيها، ثم أمر بتخريبها فهدمت.

وفيها: وصلت قطر الندى بنت خمارويه سلطان الديار المصرية إلى بغداد في تجمل عظيم ومعها من الجهاز شيء كثير حتى قيل: إنه كان في الجهاز مائة هاون من ذهب غير الفضة وما يتبع ذلك من القماش، وغير ذلك مما لا يحصى.

ثم بعد كل حساب أرسل معها أبوها ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار لتشتري بها من العراق ما قد تحتاج إليه مما ليس بمصر مثله.

وفيها: خرج المعتضد إلى بلاد الجبل، وولى ولده عليا المكتفي نيابة الري وقزوين وأزربيجان وهمدان والدينور، وجعل على كتابته أحمد بن الأصبغ، وولى عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف نيابة أصبهان ونهاوند والكرج، ثم عاد راجعا إلى بغداد.

وحج بالناس محمد بن هارون بن إسحاق، وأصاب الحجاج في الأجفر مطر عظيم فغرق كثير منهم، كان الرجل يغرق في الرمل فلا يقدر أحد على خلاصه منه.

وفيها توفي من الأعيان:

إبراهيم بن الحسن بن ديزيل الحافظ صاحب كتاب المصنفات، منها في وقعة صفين مجلد كبير.

وأحمد بن محمد الطائي بالكوفة في جمادى منها.

إسحاق بن إبراهيم[عدل]

المعروف بابن الجيلي سمع الحديث وكان يفتي الناس بالحديث، وكان يوصف بالفهم والحفظ.

وفيها توفي:

أبو بكر عبد الله بن أبي الدنيا القرشي[عدل]

مولى بني أمية، وهو عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس أبو بكر بن أبي الدنيا الحافظ المصنف في كل فن، المشهور بالتصانيف الكثيرة النافعة الشائعة الزائعة في الرقاق وغيرها، وهي تزيد على مائة مصنف.

وقيل: إنها نحو الثلاثمائة مصنف، وقيل: أكثر، وقيل: أقل.

سمع ابن أبي الدنيا إبراهيم بن المنذر الخزامي، وخالد بن خراش وعلي بن الجعد وخلقا، وكان مؤدب المعتضد وعلي بن المعتضد الملقب بالمكتفي بالله، وكان له عليه كل يوم خمسة عشر دينارا، وكان صدوقا حافظا ذا مروءة، لكن قال فيه صالح بن محمد حزرة: إلا أنه كان يروى عن رجل يقال له: محمد بن إسحاق البلخي وكان هذا الرجل كذابا يضع للأعلام، إسنادا وللكلام إسنادا، ويروى أحاديث منكرة.

ومن شعر ابن أبي الدنيا: أنه جلس أصحاب له ينتظرونه ليخرج إليهم، فجاء المطر فحال بينه، فكتب إليهم رقعة فيها:

أنا مشتاق إلى رؤيتكم ** يا أخلاي وسمعي والبصر

كيف أنساكم وقلبي عندكم ** حال فيما بيننا هذا المطر

توفي ببغداد في جمادى الأولى من هذه السنة عن سبعين سنة، وصلى عليه يوسف بن يعقوب القاضي، ودفن بالشونيزية رحمه الله.

عبد الرحمن بن عمرو أبو زرعة البصري الدمشقي الحافظ الكبير المشهور بابن المواز الفقيه المالكي، له اختيارات في مذهب مالك، فمن ذلك وجوب الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة.

ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين ومائتين[عدل]

في خامس ربيع الأول منها يوم الثلاثاء دخل المعتضد بزوجته قطر الندى ابنة خمارويه، قدمت بغداد صحبة عمها وصحبة ابن الجصاص، وكان الخليفة غائبا وكان دخولها إليه يوما مشهودا، امتنع الناس من المرور في الطرقات من كثرة الخلق.

وفيها: نهى المعتضد الناس أن يعملوا في يوم النيروز ما كانوا يتعاطونه من إيقاد النيران وصب الماء وغير ذلك من الأفعال المشابهة لأفعال المجوس، ومنع من حمل هدايا الفلاحين إلى المنقطعين في هذا اليوم، وأمر بتأخير ذلك إلى الحادي عشر من حزيران، وسمي النيروز المعتضدي، وكتب بذلك إلى الآفاق.

وفيها: في ذي الحجة قدم إبراهيم بن أحمد الماذرائي من دمشق على البريد، فأخبر الخليفة بأن خمارويه وثبت عليه خدامه فذبحته على فراشه، وولوا بعده ولده حنش ثم قتلوه ونهبوا داره، ثم ولوا هارون بن خماروية، وقد التزم في كل سنة أن يحمل إلى الخليفة ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، فأقره المعتضد على ذلك، فلما كان المكتفي عزله وولى مكانه محمد بن سليمان الواثقي فاصطفى أموال الطولونيين، وكان ذلك آخر العهد منهم.

وفيها: أطلق لؤلؤ غلام أحمد بن طولون من الحبس فعاد إلى مصر في أذل حال بعد أن كان من أكثر الناس مالا وعزا وجاها.

وفيها: حج بالناس الأمير المتقدم ذكره.

وفيها توفي من الأعيان: أحمد بن داود أبو حنيفة الدينوري اللغوي صاحب كتاب النبات.

إسماعيل بن إسحاق[عدل]

ابن إسماعيل بن حماد بن زيد أبو إسحاق الأزدي القاضي، أصله من البصرة ونشأ ببغداد وسمع مسلم بن إبراهيم و محمد بن عبد الله الأنصاري، والقعنبي وعلي بن المديني، وكان حافظا فقيها مالكيا جمع وصنف وشرح في المذهب عدة مصنفات في التفسير والحديث والفقه وغير ذلك.

ولي القضاء في أيام المتوكل بعد سوار بن عبد الله، ثم عزل ثم ولي وصار مقدم القضاة.

كانت وفاته فجأة ليلة الأربعاء لثمان بقين من ذي الحجة منها، وقد جاوز الثمانين رحمه الله.

الحارث بن محمد بن أبي أسامة صاحب المسند المشهور.

خمارويه بن أحمد بن طولون[عدل]

صاحب الديار المصرية بعد أبيه سنة إحدى وسبعين ومائتين، وقد تقاتل هو والمعتضد بن الموفق في حياة أبيه الموفق في أرض الرملة، وقيل: في أرض الصعيد.

وقد تقدم ذلك في موضعه، ثم بعد ذلك لما آلت الخلافة إلى المعتضد تزوج بابنة خمارويه وتصافيا، فلما كان في ذي الحجة من هذه السنة عدا أحد الخدام من الخصيان على خمارويه فذبحه وهو على فراشه، وذلك أن خمارويه اتهمه بجارية له.

مات عن ثنتين وثلاثين سنة، فقام بالأمر من بعده ولده هارون بن خمارويه، وهو آخر الطولونية.

وذكر ابن الأثير أن عثمان بن سعيد بن خالد أبو سعيد الدارمي توفي في هذه السنة، وكان شافعيا أخذ الفقه عن البويطي صاحب الشافعي فالله أعلم.

وقد قدمنا وفاة الفضل بن يحيى بن محمد بن المسيب بن موسى بن زهير بن يزيد بن كيسان بن بادام ملك اليمن، أسلم بادام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

أبو محمد الشعراني[عدل]

الأديب الفقيه العابد الحافظ الرحال، تلميذ يحيى بن معين، روى عنه الفوائد في الجرح والتعديل وغير ذلك، وكذلك أخذ عن أحمد بن حنبل وعلي بن المديني، وقرأ على خلف بن هشام البزار، وتعلم اللغة من ابن الأعرابي، وكان ثقة كبيرا.

محمد بن القاسم بن خلاد أبو العيناء البصري[عدل]

الضرير الشاعر الأديب البليغ اللغوي تلميذ الأصمعي، كنيته أبو عبد الله وإنما لقب بأبي العيناء لأنه سئل عن تصغير عيناء فقال: عييناء، له معرفة تامة بالأدب والحكايات والملح.

أما الحديث فليس منه إلا القليل.

ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائتين[عدل]

في المحرم منها خرج المعتضد من بغداد قاصدا بلاد الموصل لقتال هارون الشاري الخارجي، فظفر به وهزم أصحابه وكتب بذلك إلى بغداد، فلما رجع الخليفة إلى بغداد أمر بصلب هارون الشاري وكان صفريا.

فلما صلب قال: لا حكم إلا لله ولو كره المشركون.

وقد قاتل الحسن بن حمدان الخوارج في هذه الغزوة قتالا شديدا مع الخليفة، فأطلق الخليفة أباه حمدان بن حمدون من القيود بعد ما كان قد سجنه حينا من وقت أخذ قلعة ماردين، فأطلقه وخلع عليه وأحسن إليه.

وفيها: كتب المعتضد إلى الآفاق بردما فضل عن سهام ذوي الفرض إذا لم تكن عصبة إلى ذوي الأرحام وذلك بفتيا أبي حازم القاضي.

وقد قال في فتياه: إن هذا اتفاق من الصحابة إلا زيد بن ثابت فإنه تفرد برد ما فضل والحلة هذه إلى بيت المال.

ووافق على ذلك علي بن محمد بن أبي الشوارب أبي حازم، وخالفهما القاضي يوسف بن يعقوب، وذهب إلى قول زيد فلم يلتفت إليه المعتضد ولا عد قوله شيئا، وأمضى فتيا أبي حازم، ومع هذا ولى القضاء يوسف بن يعقوب في الجانب الشرقي، وخلع عليه خلعة سنية، وقلد أبا حازم قضاء أماكن كثيرة وذلك لموافقته ابن أبي الشوارب وخلع عليه خلعا سنية أيضا.

وفيها: وقع الفداء بين المسلمين والروم فاستنقذ من أيديهم ألفا أسير وخمسمائة وأربعة أنفس.

وفيها: حاصرت الصقالبة الروم في القسطنطينية فاستعان ملك الروم بمن عنده من أسارى المسلمين وأعطاهم سلاحا كثيرا فخرجوا معهم فهزموا الصقالبة، ثم خاف ملك الروم من غائلة أولئك المسلمين ففرقهم في البلاد.

وفيها: خرج عمرو بن الليث من نيسابور لبعض أشغاله فخلفه فيها رافع بن هرثمة ودعا على منابرها لمحمد بن زيد المطلبي ولولده من بعده، فرجع إليه عمرو وحاصره فيها، ولم يزل به حتى أخرجه منها وقتله على بابها.

وفيها: بعث الخليفة وزيره عبيد الله بن سليمان

لقتال عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف، فلما وصل إليه طلب منه عمر الأمان فأمنه وأخذه معه إلى الخليفة فتلقاه الأمراء، وخلع عليه الخليفة وأحسن إليه.

وفيها توفي من الأعيان: إبراهيم بن مهران أبو إسحاق الثقفي السراج النيسابوري، كان الإمام أحمد يدخل إلى منزله - وكان بقطيعة الربيع في الجانب الغربي - وينبسط فيه ويفطر عنده، وكان من الثقات العباد العلماء، توفي في صفر منها.

إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن حازم أبو القاسم الجيلي، وليس هو بالذي تقدم ذكره في السنين المتقدمة.

سمع داود بن عمرو وعلي بن الجعد وخلقا كثيرا.

وقد لينه الدارقطني فقال: ليس بالقوي.

توفي عن نحو من ثمانين سنة.

سهل بن عبد الله بن يونس التستري أبو محمد أحد أئمة الصوفية، لقي ذا النون المصري.

ومن كلامه الحسن قوله: أمس قد مات واليوم في النزع وغد لم يولد.

وهذا كما قال بعض الشعراء:

ما مضى فات والمؤمل غ ** يب ولك الساعة التي أنت فيها

وقد تخرج سهل شيخا له محمد بن سوار، وقيل: إن سهلا قد توفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين فالله أعلم.

وفيها: توفي عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد بن خراش أبو محمد الحافظ المروزي أحد الجوالين الرحالين حفاظ الحديث والمتكلمين في الجرح والتعديل، وقد كان ينبذ بشيء من التشيع فالله أعلم.

روى الخطيب عنه أنه قال: شربت بولي في هذا الشأن خمس مرات - يعنى أنه اضطر إلى ذلك في أسفاره في الحديث من العطش -

علي بن محمد بن أبي الشوارب.

عبد الملك الأموي البصري قاضي سامرا.

وقد ولى في بعض الأحيان قضاء القضاة، وكان من الثقات، سمع أبا الوليد وأبا عمرو الحوصي وعنه النجاد وابن صاعد وابن قانع، وحمل الناس عنه علما كثيرا.

ابن الرومي الشاعر[عدل]

صاحب الديوان في الشعر علي بن العباس بن جريج أبو الحسن المعروف بابن الرومي، وهو مولى عبد الله بن جعفر وكان شاعرا مشهورا مطيقا فمن ذلك قوله:

إذا ما مدحت الباخلين فإنما ** تذكرهم في سواهم من الفضل

وتهدي لهم غما طويلا وحسرة ** فإن منعوا منك النوال فبالعدل

وقال: إذا ما كساك الدهر سربال صحة ** ولم تخل من قوت يلذ ويعذب

فلا تغبطن المترفين فإنه ** على قدر ما يكسوهم الدهر يسلب

وقال أيضا: عدوك من صديقك مستفاد **فلا تستكثرن من الصحاب

فإن الداء أكثر ما تراه ** يكون من الطعام أو الشراب

إذا انقلب الصديق غدا عدوا ** مبينا والأمور إلى انقلاب

ولو كان الكثير يطيب كانت ** مصاحبة الكثير من الصواب

ولكن قل ما استكثرت إلا ** وقعت على ذئاب في ثياب

فدع عنك الكثير فكم كثير ** يعاف وكم قليل مستطاب

وما اللجج العظام بمزريات ** ويكفي الري في النطف العذاب

وقال أيضا: وما الحسب الموروث إلا دردره **بمحتسب إلا بآخر مكتسب

فلا تتكل إلا على ما فعلته ** ولا تحسبن المجد يورث كالنسب

فليس يسود المرء إلا بفعله ** وإن عد آباء كراما ذوي حسب

إذا العود لم يثمر وإن كان أصله ** من المثمرات عنده الناس في الحطب

وللمجد قوم شيدوه بأنفس ** كرام ولم يعنوا بأم ولا بأب

وقال أيضا وهو من لطيف شعره:

قلبي من الطرف السقيم سقيم **لو أن من أشكو إليه رحيم

في وجهها أبدا نهار واضح ** من شعرها عليه ليل بهيم

إن أقبلت فالبدر لاح وإن ** مشت فالغصن راح وإن رنت فالريم

نعمت بها عيني فطال عذابها ** ولكم عذاب قد جناه نعيم

نظرت فاقصدت الفؤاد بسهمها ** ثم انثنت نحوي فكدت أهيم

ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت ** وقع السهام ووقعهن أليم

يا مستحل دمي محرم رحمتي ** ما أنصف التحليل والتحريم

وله أيضا وكان يزعم أنه ما سبق إليه:

آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم **في الحادثات إذا زجرن نجوم

منها معالم للهدى ومصابح ** تجلو الدجى والأخريات رجوم

وذكر أنه ولد سنة إحدى وعشرين ومائتين.

ومات في هذه السنة، وقيل: في التي بعدها، وقيل: في سنة ست وسبعين ومائتين، وذكر أن سبب وفاته أن وزير المعتضد القاسم بن عبيد الله كان يخاف من هجوه ولسانه فدس عليه من أطعمه وهو بحضرته خشكنانجة مسمومة، فلما أحس السم قام فقال له الوزير: إلى أين؟

قال: إلى المكان الذي بعثتني إليه.

قال: سلم على والدي.

فقال: لست أجتاز على النار.

محمد بن سليمان بن الحرب أبو بكر الباغندي الواسطي[عدل]

كان من الحفاظ، وكان أبو داود يسأله عن الحديث، ومع هذا تكلموا فيه وضعفوه.

محمد بن غالب بن حرب أبو جعفر الضبي المعروف بتنهام[عدل]

سمع سفيان وقبيصة والقعنبي، وكان من الثقات.

قال الدارقطني: وربما أخطأ.

توفي في رمضان عن تسعين سنة.

البحتري الشاعر[عدل]

صاحب الديوان المشهور، اسمه الوليد بن عبادة ويقال: ابن عبيد بن يحيى أبو عباد الطائي البحتري الشاعر، أصله من منبج وقدم بغداد ومدح المتوكل والرؤوساء، وكان شعره في المدح خيرا منه في المراثي فقيل له في ذلك فقال: المديح للرجاء والمراثي للوفاء وبينهما بعد.

وقد روى شعره المبرد وابن درستويه وابن المرزبان.

وقيل له: إنهم يقولون إنك أشعر من أبي تمام.

فقال: لولا أبو تمام ما أكلت الخبز، كان أبو تمام أستاذنا.

وقد كان البحتري شاعرا مطيقا فصيحا بليغا رجع إلى بلده فمات بها في هذه السنة، وقيل: في التي بعدها عن ثمانين سنة

ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائتين[عدل]

في المحرم منها دخل رأس رافع بن هرثمة إلى بغداد فأمر الخليفة بنصبه في الجانب الشرقي إلى الظهر، ثم بالجانب الغربي إلى الليل.

وفي ربيع الأول منها خلع على محمد بن يوسف بن يعقوب بالقضاء بمدينة أبي جعفر المنصور عوضا عن ابن أبي الشوارب بعد موته بخمسة أشهر وأيام، وقد كانت شاغرة تلك المدة. وفي ربيع الآخر منها ظهرت بمصر ظلمة شديدة وحمرة في الأفق حتى كان الرجل ينظر إلى وجه صاحبه فيراه أحمر اللون جدا.

وكذلك الجدران، فمكثوا كذلك من العصر إلى الليل ثم خرجوا إلى الصحراء يدعون الله ويتضرعون حتى كشف عنهم.

وفيها: عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر فحذره ذلك وزيره عبد الله بن وهب، وقال له: إن العامة تنكر قلوبهم ذلك وهم يترحمون عليه ويترضون عنه في أسواقهم وجوامعهم، فلم يلتفت إليه بل أمر بذلك وأمضاه وكتب به نسخا إلى الخطباء بلعن معاوية وذكر فيها ذمه وذم ابنه يزيد بن معاوية وجماعة من بني أمية، وأورد فيها أحاديث باطلة في زم معاوية وقرئت في الجانبين من بغداد، ونهيت العامة عن الترحم على معاوية والترضي عنه، فلم يزل به الوزير حتى قال له فيما قال: يا أمير المؤمنين إن هذا الصنيع لم يسبقك أحد من الخلفاء إليه، وهو مما يرغب العامة في الطالبيين وقبول الدعوة إليهم، فوجم المعتضد عند ذلك لذلك تخوفا على الملك، وقدر الله تعالى أن هذا الوزير كان ناصبيا يكفر عليا فكان هذا من هفوات المعتضد.

وفيها: نودي في البلاد لا يجتمع العامة على قاص ولا منجم ولا جدلي ولا غير ذلك، وأمرهم أن لا يهتموا لأمر النوروز، ثم أطلق لهم النوروز فكانوا يصبون المياه على المارة وتوسعوا في ذلك وغلوا فيه حتى جعلوا يصبون الماء على الجند والشرط وغيرهم، وهذا أيضا من هفواته.

قال ابن الجوزي: وفيها وعد المنجمون الناس أن أكثر الأقاليم ستغرق في زمن الشتاء من كثرة الأمطار

والسيول وزيادة الأنهار، وأجمعوا على هذا الأمر فأخذ الناس كهوفا في الجبال خوفا من ذلك، فأكذب الله تعالى المنجمين في قولهم فلم يكن عام أقل مطرا منه، وقلت العيون جدا وقحط الناس في كل بقعة حتى استسقى الناس ببغداد وغيرها من البلاد مرارا كثيرة.

قال: وفيها كان يتبدى في دار الخلافة شخص بيده سيف مسلول في الليل فإذا أرادوا أخذه انهزم، فدخل في بعض الأماكن والزروع والأشجار والعطفات التي بدار الخلافة فلا يطلع له على خبر، فقلق من ذلك المعتضد قلقا شديدا وأمر بتجديد سور دار الخلافة والاحتفاظ به، وأمر الحرس من كل جانب بشدة الاحتراس فلم يفد ذلك شيئا، ثم استدعى بالمغرمين ومن يعاني علم السحر وأمر المنجمين فعزموا واجتهدوا فلم يفد ذلك شيئا فأعياهم أمره.

فلما كان بعد مدة اطلع على جلية الأمر وحقيقة الخبر فوجده خادما خصيا من الخدام كان يتعشق بعض الجواري من حظايا المعتضد التي لا يصل إليها مثله ولا النظر إليها من بعيد، فاتخذ لحا مختلفة الألوان يلبس كل ليلة واحدة، واتخذ لباسا مزعجا فكان يلبس ذلك ويتبدى في الليل في شكل مزعج فيفزع الجواري وينزعجن وكذلك الخدم، فيثورون إليه من كل جانب فإذا قصدوه دخل في بعض العطفات ثم يلقي ما عليه أو يجعله في كمه أو في مكان قد أعده لذلك، ثم يظهر أنه من جملة الخدم المتطلبين لكشف هذا الأمر، ويسأل هذا وهذا ما الخبر؟

والسيف في يده صفة من يرى أنه قد رهب من هذا الأمر، وإذا اجتمع الحظايا تمكن من النظر إلى تلك المعشوقة ولا حظها وأشار إليها بما يريده منها وأشارت إليه، فلم يزل هذا دأبه إلى زمن المقتدر فبعثه في سرية إلى طرسوس فنمت عليه تلك الجارية، وانكشف أمره وحاله وأهلكه الله.

وفيها: اضطرب الجيش المصري على هارون بن خمارويه فأقاموا له بعض أمراء أبيه يدير الأمور ويصلح الأحوال، وهو أبو جعفر بن أبان، فبعث إلى دمشق - وكانت قد منعت البيعة تسعة أشهر بعد أبيه، واضطربت أحوالها - فبعث إليهم جيشا كثيفا مع بدر الحمامي والحسن بن أحمد الماذرائي فأصلحا أمرها واستعملا على نيابتها طفح بن خف، ورجعا إلى الديار المصرية والأمور مختلفة جدا.

وفيها وتوفي من الأعيان:

أحمد بن المبارك أبو عمر المستملي[عدل]

الزاهد النيسابوري يلقب بحكمويه العابد، سمع قتيبة وأحمد وإسحاق وغيرهم واستملى على المشايخ ستا وخمسين سنة، وكان فقيرا رث الهيئة زاهدا، دخل يوما على أبي عثمان سعيد بن إسماعيل وهو في مجلس التذكير، فبكى أبو عثمان وقال للناس: إنما أبكاني رثاثة ثياب رجل كبير من أهل العلم أنا أجله عن أن أسميه في هذا المجلس، فجعل الناس يلقون الخواتم والثياب والدراهم حتى اجتمع من ذلك شيء كثير بين يدي الشيخ أبي عثمان، فنهض عند ذلك أبو عمرو المستملى فقال:

أيها الناس أنا الذي قصدني الشيخ بكلامه، ولولا أني كرهت أن يتهم بإثم لسترت ما ستره.

فتعجب الشيخ من إخلاصه ثم أخذ أبو عمرو ذلك المجتمع من المال فما خرج من باب المسجد حتى تصدق بجميعه على الفقراء والمحاويج.

كانت وفاته في جمادى الآخرة من هذه السنة.

إسحاق بن الحسن

ابن ميمون بن سعد أبو يعقوب الحربي، سمع عفان وأبا نعيم وغيرهما.

وكان أسن من إبراهيم الحربي بثلاث سنين، ولما توفي إسحاق نودي له بالبلد فقصد الناس داره للصلاة عليه، واعتقد بعض العامة أنه إبراهيم الحربي، فجعلوا يقصدون داره فيقول إبراهيم: ليس إلى هذا الموضع قصدكم وعن قريب تأتونه، فما عمر بعده إلا دون السنة.

إسحاق بن محمد بن يعقوب الزهري عمر تسعين سنة، وكان ثقة صالحا.

إسحاق بن موسى بن عمران الفقيه أبو يعقوب الإسفراييني الشافعي.

عبد الله بن علي بن الحسن بن إسماعيل أبو العباس الهاشمي، كانت إليه الحسبة ببغداد وإمامة جامع الرصافة.

عبد العزيز بن معاوية العتابي من ولد عتاب بن أسيد بصري، قدم بغداد وحدث عن أزهر السمان وأبي عاصم النبيل.

يزيد بن الهيثم بن طهمان أبو خالد الدقاق ويعرف بالباد.

قال ابن الجوزي: والصواب أن يقال: البادي لأنه ولد توأما وكان هو الأول في الميلاد.

روى عن يحيى بن معين وغيره وكان ثقة صالحا.

ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائتين[عدل]

فيها: وثب صالح بن مدرك الطائي على الحجاج بالأجفر، فأخذ أموالهم ونساءهم، يقال: إنه أخذ منهم ما قيمته ألف ألف دينار.

وفي ربيع الأول منها يوم الأحد لعشر بقين منه، ارتفعت بنواحي الكوفة ظلمة شديدة جدا، ثم سقطت أمطار برعود وبروق لم ير مثلها، وسقط في بعض القرى مع المطر حجارة بيض وسود، وسقط برد كبار وزن البردة مائة وخمسون درهما، واقتلعت الرياح شيئا كثيرا من النخيل والأشجار مما حول دجلة، وزادت دجلة زيادة كثيرة حتى خيف على بغداد من الغرق.

وفيها: غزا راغب الخادم مولى الموفق بلاد الروم، ففتح حصونا كثيرة، وأسر ذراري كثيرة جدا، وقتل من أسارى الرجال الذين معه ثلاثة آلاف أسير، ثم عاد سالما مؤيدا منصور.

وحج بالناس فيها محمد بن عبد الله بن داود الهاشمي.

وفيها: توفي أحمد بن عيسى بن الشيخ صاحب آمد، فقام بأمرها من بعده ولده محمد، فقصده المعتضد ومعه ابنه أبو محمد المكتفي بالله فحاصره بها فخرج إليه سامعا مطيعا، فتسلمها منه وخلع عليه وأكرم أهلها، واستخلف عليها ولده المكتفي.

ثم سار إلى قنسرين والعواصم، فتسلمها عن كتاب هارون بن خمارويه، وإذنه له في ذلك ومصالحته له فيها.

وفيها: غزا بن الأخشيد بأهل طرسوس بلاد الروم، ففتح الله على يديه حصونا كثيرة، ولله الحمد.

وفيها توفي من الأعيان:

إبراهيم بن إسحاق[عدل]

ابن بشير بن عبد الله بن رستم، أبو إسحاق الحربي، أحد الأئمة في الفقه والحديث وغير ذلك، وكان زاهدا عابدا تخرج بأحمد بن حنبل، وروى عنه كثيرا.

قال الدارقطني: إبراهيم الحربي، إمام مصنف عالم بكل شيء، بارع في كل علم، صدوق، كان يقاس بأحمد بن حنبل في زهده وورعه وعلمه، ومن كلامه: أجمع عقلاء كل أمة أن من لم يجر مع القدر لم يتهن بعيشه.

وكان يقول: الرجل كل الرجل الذي يدخل غمه على نفسه ولا يدخله على عياله.

وقد كانت بي شقيقة منذ أربعين سنة ما أخبرت بها أحدا قط، ولي عشرون سنة أبصر بفرد عين ما أخبرت بها أحدا قط.

وذكر أنه مكث نيفا وسبعين سنة من عمره ما يسأل أهله غداء ولا عشاء، بل إن جاءه شيء أكله، وإلا طوى إلى الليلة القابلة.

وذكر أنه أنفق في بعض الرماضانات على نفسه وعياله درهما واحدا وأربعة دوانيق ونصف، وما كنا نعرف من هذه الطبائخ شيئا، إنما هو باذنجان مشوي، أو باقة فجل، أو نحو هذا.

وقد بعث إليه أمير المؤمنين المعتضد في بعض الأحيان بعشرة آلاف درهم، فأبى أن يقبلها وردها، فرجع الرسول وقال:

يقول لك الخليفة: فرقها على من تعرف من فقراء جيرانك.

فقال: هذا شيء لم نجمعه، ولا نسأل عن جمعه، فلا نسأل عن تفريقه، قل لأمير المؤمنين: إما يتركنا وإما نتحول من بلده.

ولما حضرته الوفاة دخل عليه بعض أصحابه يعوده، فقامت ابنته تشكو إليه ما هم فيه من الجهد وأنه لا طعام لهم إلا الخبز اليابس بالملح، وربما عدموا الملح في بعض الأحيان.

فقال لها إبراهيم: يا بنية تخافين الفقر؟انظري إلى تلك الزاوية فيها اثني عشر ألف جزء قد كتبتها، ففي كل يوم تبيعي منها جزء بدرهم، فمن عنده اثني عشر ألف درهم فليس بفقير.

ثم كانت وفاته لسبع بقين من ذي الحجة وصلى عليه يوسف بن يعقوب القاضي عند باب الأنبار، وكان الجمع كثيرا جدا.

المبرد النحوي[عدل]

محمد بن يزيد بن عبد الأكبر أبو العباس الأزدي الثمالي، المعروف: بالمبرد النحوي البصري، إمام في اللغة والعربية.

أخذ ذلك عن المازني، وأبي حاتم السجستاني، وكان ثقة ثبتا فيما ينقله، وكان مناوئا لثعلب، وله كتاب (الكامل في الأدب)، وإنما سمي بالمبرد: لأنه اختبأ من الوالي عند أبي حاتم تحت المزبلة.

قال المبرد: دخلنا يوما على المجانين نزورهم أنا وأصحاب معي بالرقة، فإذا فيهم شاب قريب العهد بالمكان، عليه ثياب ناعمة بصر بنا قال:

حياكم الله ممن أنتم؟

قلنا: من أهل العراق.

فقال: بأبي العراق وأهلها أنشدوني أو أنشدكم؟.

قال المبرد: بل أنشدنا أنت، فأنشأ يقول:

الله يعلم أنني كمد ** لا أستطيع بث ما أجدُ

روحان لي روح تضمنها ** بلد وأخرى حازها بلدُ

وأرى المقيمة ليس ينفعها ** صبر ولا يقوى لها جلد

وأظن غائبتي كحاضرتي ** بمكانها تجد الذي أجد

قال المبرد: فقلت: والله إن هذا طريف فزدنا منه، فأنشأ يقول:

لما أناخوا قبيل الصبح عيرهم ** وحملوها فثارت بالهوى الإبل

وأبرزت من خلال السجف ناظرها ** ترنو إلي ودمع العين ينهمل

وودعت ببنان عقدها عنم ** ناديت لا حملت رجلاك يأجمل

ويلي من البين ماذا حل بي وبهم ** من نازل البين حان البين وارتحلوا

يا راحل العيس عجل كي أودعهم ** يا راحل العيس في ترحالك الأجل

إني على العهد لم أنقض مودتهم ** فليت شعري لطول العهد ما فعلوا

فقال رجل من البغضاء الذين معي: ماتوا.

فقال الشاب: إذا أموت.

فقال: إن شئت.

فتمطى واستند إلى سارية عنده ومات، وما برحنا حتى دفناه رحمه الله.

ومات المبرد وقد جاوز السبعين.

ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائتين[عدل]

فيها وقع تسلم آمد من ابن الشيخ في ربيع الآخر، ووصل كتاب هارون بن أحمد بن طولون من مصر إلى المعتضد وهو مخيم بآمد أن يسلم إليه قنسرين والعواصم، على أن يقره على إمارة الديار المصرية، فأجابه إلى ذلك.

ثم ترحل عن آمد قاصدا العراق وأمر بهدم سور آمد، فهدم البعض ولم يقدر على ذلك، فقال ابن المعتز يهنئه بفتح آمد:

اسلم أمير المؤمنين ودم ** في غبطة وليهنك النصر

فلرب حادثة نهضت لها ** متقدما فتأخر الدهر

ليث فرائسه الليوث ** فما بيض من دمها له ظفر

ولما رجع الخليفة إلى بغداد جاءته هدية عمرو بن الليث من نيسابور، فكان وصولها بغداد يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة، وكان مبلغها ما قيمته أربعة آلاف ألف درهم خارجا عن الدواب وسروج وسلاح وغير ذلك.

وفيها: تحارب إسماعيل بن أحمد الساماني وعمرو بن الليث، وذلك أن عمرو بن الليث لما قتل رافع بن هرثمة وبعث رأسه إلى الخليفة، سأل منه أن يعطيه ما وراء النهر مضافا إلى ما بيده من ولاية خراسان، فأجابه إلى ذلك فانزعج لذلك إسماعيل بن أحمد بن الساماني نائب ما وراء النهر، وكتب إليه:

إنك قد وليت دنيا عريضة، فاقتنع بها عن ما في يدي من هذه البلاد.

فلم يقبل، فأقبل إليه إسماعيل في جيوش عظيمة جدا، فالتقيا عند بلخ، فهزم أصحاب عمرو، وأسر عمرو، فلما جيء به إلى إسماعيل بن أحمد قام إليه وقبل بين عينيه، وغسل وجهه وخلع عليه وأمنه، وكتب إلى الخليفة في أمره، ويذكر أن أهل تلك البلاد قد ملوا وضجروا من ولايته عليهم، فجاء كتاب الخليفة بأن يتسلم حواصله وأمواله فسلبه إياها، فآل به الحال بعد أن كان مطبخه يحمل على ستمائة جمل إلى القيد والسجن.

ومن العجائب أن عمرا كان معه خمسون ألف مقاتل لم يصب أحد منهم، ولا أسر سواه وحده، وهذا جزاء من غلب عليه الطمع، وقاده الحرص حتى أوقعه في ذل الفقر، وهذه سنة الله في كل طامع فيما ليس له، وفي كل طالب للزيادة في الدنيا.

ظهور أبي سعيد الجنابي رأس القرامطة[عدل]

وهم أخبث من الزنج وأشد فسادا، كان ظهوره في جمادى الآخرة من هذه السنة بنواحي البصرة، فالتف عليه من الأعراب غيرهم بشرٌ كثير، وقويت شوكته جدا، وقتل من حوله من أهل القرى.

ثم صار إلى القطيف قريبا من البصرة ورام دخولها، فكتب الخليفة المعتضد إلى نائبها يأمره بتحصين سورها، فعمروه وجددوا معالمه بنحو من أربعة آلاف دينار، فامتنعت من القرامطة بسبب ذلك.

وتغلب أبو سعيد الجنابي ومن معه من القرامطة على هجر وما حولها من البلاد، وأكثروا في الأرض الفساد.

وكان أصل أبي سعيد الجنابي هذا أنه كان سمسارا في الطعام يبيعه ويحسب للناس الأثمان، فقدم رجل به، يقال له: يحيى بن المهدي في سنة إحدى وثمانين ومائتين، فدعا أهل القطيف إلى بيعة المهدي، فاستجاب له رجل يقال له: علي بن العلاء بن حمدان الزيادي، فساعده في الدعوة إلى المهدي، وجمع الشيعة الذين كانوا في القطيف، فاستجابوا له، وكانوا في جملة من استجاب أبو السعيد الجنابي هذا قبحه الله.

ثم تغلب على أمرهم وأظهر فيهم القرمطة، فاستجابوا له والتفوا عليه، فتآمر عليهم وصار هو المشار إليه فيهم، وأصله من بلدة هناك يقال لها: جنابة، وسيأتي ما يكون من أمره وأمر أصحابه.

قال في المنتظم: ومن عجائب ما وقع من الحوادث في هذه السنة.

ثم روى بسنده: أن امرأة تقدمت إلى قاضي الري، فادعت على زوجها بصداقها خمسمائة دينار، فأنكره، فجاءت ببينه تشهد لها به، فقالوا:

نريد أن تسفر لنا عن وجهها حتى نعلم أنها الزوجة أم لا، فلما صمموا على ذلك، قال الزوج:

لا تفعلوا هي صادقة فيما تدعيه، فأقر بما ادعت ليصون زوجته عن النظر إلى وجهها.

فقالت المرأة حين عرفت ذلك منه، وإنه إنما أقر ليصون وجهها عن النظر: هو في حل من صداقي عليه في الدنيا والآخرة.

وممن توفي فيها من الأعيان المشاهير: أحمد بن عيسى أبو السعيد الخراز فيما ذكره شيخنا الذهبي.

وقد أرخه ابن الجوزي في سنة سبعة وسبعين ومائتين، فالله أعلم.

إسحاق بن محمد بن أحمد بن أبان[عدل]

أبو يعقوب النخعي الأحمر، وإليه تنسب الطائفة الإسحاقية من الشيعة.

وقد ذكر ابن النوبختي، والخطيب، وابن الجوزي: أن هذا الرجل كان يعتقد إلهية علي بن أبي طالب، وإنه انتقل إلى الحسن ثم الحسين، وإنه كان يظهر في كل وقت، وقد اتبعه على هذا الكفر خلق من الحمر قبحهم الله وقبحه.

وإنما قيل له: الأحمر لأنه كان أبرص، وكان يطلي برصه بما يغير لونه.

وقد أورد له النوبختي أقوالا عظيمة في الكفر، لعنه الله.

وقد روى شيئا من الحكايات والملح عن المازني وطبقته، ومثل هذا أقل وأذل من أن يروى عنه، أو يذكر إلا بذمه.

بقي بن مخلد بن يزيد[عدل]

أبو عبد الرحمن الأندلسي الحافظ أحد علماء الغرب له التفسير والمسند والسنن والآثار التي فضلها ابن حزم على تفسير ابن جرير، ومسند أحمد، ومصنف ابن أبي شيبة.

وفيما زعم ابن حزم نظر.

وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه فأثنى عليه خيرا، ووصفه بالحفظ والإتقان، وأنه كان مجاب الدعوة رحمه الله.

وأرخ وفاته بهذه السنة عن خمس وسبعين سنة.

الحسن بن بشار[عدل]

أبو علي الخياط روى عن أبي بلال الأشعري، وعنه أبو بكر الشافعي، وكان ثقة، رأى في منامه - وقد كانت به علة - قائلا يقول له: كل لا، وادهن بلا، ففسره بقوله تعالى: { زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ } فأكل زيتونا، وشرب زيتا فبرأ من علته تلك.

محمد بن إبراهيم أبو جعفر الأنماطي المعروف: بمربع، تلميذ يحيى بن معين، كان ثقة حافظا.

عبد الرحيم الرقي.

ومحمد بن وضاح المصنف.

وعلي بن عبد العزيز البغوي صاحب المسند.

محمد بن يونس[عدل]

ابن موسى بن سليمان بن عبيد بن ربيعة بن كديم أبو العباس القرشي البصري الكديمي

وهو ابن امرأة نوح بن عبادة، ولد سنة ثلاث وثمانين ومائة، وسمع عبد الله بن داود الخريبي، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وأبا داود الطيالسي، والأصمعي، وخلقا.

وعنه ابن السماك، والنجاد.

وآخر من حدث عنه أبو بكر بن مالك القطيفي، وقد كان حافظا مكثرا مغربا، وقد تكلم فيه الناس لأجل غرائبه في الروايات.

وقد ذكرنا ترجمته في التكميل.

توفي يوم الجمعة قبل الصلاة للنصف من جمادى الآخرة منها، وقد جاوز المائة، وصلى عليه يوسف بن يعقوب القاضي.

يعقوب بن إسحاق بن نخبة أبو يوسف الواسطي[عدل]

سمع من يزيد بن هارون وقدم بغداد، وحدث بها أربعة أحاديث، ووعد الناس أن يحدثهم من الغد، فمات من ليلته عن مائة واثني عشر سنة.

الوليد أبو عبادة البحتري فيما ذكر الذهبي، وقد تقدم ذكره في سنة ثلاث وثمانين كما ذكره ابن الجوزي، فالله أعلم.

ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائتين[عدل]

في ربيع الأول منها تفاقم أمر القرامطة صحبة أبي سعيد الجنابي، فقتلوا وسبوا وأفسدوا في بلاد هجر، فجهز الخليفة إليهم جيشا كثيفا، وأمر عليهم العباس بن عمرو الغنوي، وأمره على اليمامة والبحرين ليحارب أبا سعيد هذا، فالتقوا هنالك.

وكان العباس في عشرة آلاف مقاتل، فأسرهم أبو سعيد كلهم ولم ينج منهم إلا الأمير وحده، وقتل الباقون عن آخرهم صبرا بين يديه قبحه الله.

وهذا عجيب جدا وهو عكس واقعة عمرو بن الليث، فإنه أسر من بين أصحابه وحده، ونجوا كلهم وكانوا خمسين ألفا.

ويقال: إن العباس لما قتل أبو سعيد أصحابه صبرا بين يديه وهو ينظر، وكان في جملة من أسر، أقام عند أبي سعيد أياما ثم أطلقه وحمله على رواحل، وقال:

ارجع إلى صاحبك وأخبره بما رأيت.

وقد كانت هذه الواقعة في أواخر شعبان منها، فلما وقع هذا الأمر الفظيع انزعج الناس لذلك انزعاجا عظيما جدا، وهم أهل البصرة بالخروج منها، فمنعهم من ذلك نائبها أحمد الواثقي.

وفيها: أغارت الروم على بلاد طرسوس، وكان نائبها ابن الأخشيد قد توفي في العام الماضي، واستخلف على الثغر أبا ثابت، فطمعت الروم في تلك الناحية، وحشدوا عساكرهم، فالتقا بهم أبو ثابت فلم يقدر على مقاومتهم، فقتلوا من أصحابه جماعة، وأسروه فيمن أسروا، فاجتمع أهل الثغر على ابن الأعرابي فولوه أمرهم، وذلك في ربيع الآخر.

وفيها قتل:

محمد بن زيد العلوي[عدل]

أمير طبرستان والديلم، وكان سبب ذلك: أن إسماعيل الساماني لما ظفر بعمرو بن الليث، ظن محمد أن إسماعيل لا يجاوز عمله، وأن خراسان قد خلت له، فارتحل من بلده يريد خراسان، وسبقه إسماعيل إليها، وكتب إليه:

أن الزم عملك ولا تتجاوزه إلى غيره.

فلم يقبل، فبعث إليه جيشا مع محمد بن هارون الذي كان ينوب عن رافع بن هرثمة، فلما التقيا هرب منه محمد بن هارون خديعة، فسار الجيش وراءه في الطلب، فكر عليهم راجعا فانهزموا منه، فأخذ ما في معسكرهم، وجرح محمد بن زيد جراحات شديدة، فمات بسببها بعد أيام، وأسر ولده زيد فبعث به إلى إسماعيل بن أحمد، فأكرمه وأمر له بجائزة.

وقد كان محمد بن زيد هذا فاضلا دينا، حسن السيرة فيما وليه من تلك البلاد، وكان فيه تشيع.

تقدم إليه يوما خصمان اسم أحدهما: معاوية، واسم الآخر: علي، فقال محمد بن زيد: إن الحكم بينكما ظاهر.

فقال معاوية: أيها الأمير، لا تغترن بنا فإن أبي كان من كبار الشيعة، وإنما سماني معاوية مداراة لمن ببلدنا من أهل السنة.

وهذا كان أبوه من كبار النواصب، فسماه: عليا تقاة لكم.

فتبسم محمد بن زيد، وأحسن إليهما.

قال ابن الأثير في (كامله): وممن توفي فيها: إسحاق بن يعقوب بن عمر بن الخطاب العدوي - عدي ربيعة-.

وكان أميرا على ديار ربيعة بالجزيرة، فولى مكانه عبد الله بن الهيثم بن عبد الله بن المعتمر.

وعلي بن عبد العزيز البغوي صاحب أبي عبيد القاسم بن سلام.

ومهدي بن أحمد بن مهدي الأزدي الموصلي - وكان من الأعيان - وذكر هو وأبو الفرج بن الجوزي: أن قطر الندى بنت خمارويه بن أحمد بن طولون امرأة المعتضد توفيت في هذه السنة.

قال ابن الجوزي: لسبع خلون من رجب منها، ودفنت داخل القصر بالرصافة.

يعقوب بن يوسف بن أيوب أبو بكر المطوعي، سمع أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وعنه النجاد والخلدي، وكان ورده في كل يوم قراءة قل هو الله أحد إحدى وثلاثين ألف مرة، أو إحدى وأربعين ألف مرة.

قلت: وممن توفي فيها: أبو بكر بن أبي عاصم صاحب السنة والمصنفات وهو:

أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الضحاك[عدل]

ابن النبيل، له مصنفات في الحديث كثيرة منها: كتاب (السنة في أحاديث الصفات) على طريق السلف، وكان حافظا، وقد ولي قضاء أصبهان بعد صالح بن أحمد، وقد طاف البلاد قبل ذلك في طلب الحديث، وصحب أبا تراب النخشبي وغيره من مشايخ الصوفية.

وقد اتفق له مرة كرامة هائلة: كان هو واثنان من كبار الصالحين في سفر، فنزلوا على رمل أبيض، فجعل أبو بكر هذا يقبله بيده ويقول:

اللهم ارزقنا خبيصا يكون غداء على لون هذا الرمل.

فلم يكن بأسرع من أن أقبل أعرابي وبيده قصعة فيها خبيص بلون ذلك الرمل وفي بياضه، فأكلوا منه.

وكان يقول: لا أحب أن يحضر مجلسي مبتدع ولا مدع ولا طعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء، ولا منحرف عن الشافعي وأصحاب الحديث.

توفي في هذه السنة بأصبهان، وقد رآه بعضهم بعد وفاته وهو يصلي، فلما انصرف قال: ما فعل بك؟

فقال: يؤنسني ربي عز وجل.

ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائتين[عدل]

اتفق في هذه السنة آفات ومصائب عديدة منها: أن الروم قصدوا بلاد الرقة في جحافل عظيمة وعساكر من البحر والبر، فقتلوا خلقا وأسروا نحوا من خمسة عشر ألفا من الذرية.

ومنها: أن بلاد أذربيجان أصاب أهلها وباء شديد حتى لم يبق أحد على دفن الموتى، فتركوا في الطرق لا يوارون.

ومنها: أن بلاد أردبيل أصابها ريح شديدة من بعد العصر إلى ثلث الليل، ثم زلزلوا زلزالا شديدا، واستمر ذلك عليهم أياما تهدمت الدور والمساكن، وخسف بآخرين منهم، وكان جملة من مات تحت الهدم مائة ألف وخمسين ألفا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وفيها: اقترب القرامطة من البصرة فخاف أهلها منهم خوفا شديدا، وهموا بالرحيل منها فمنعهم نائبها.

وفيها توفي من الأعيان:

بشر بن موسى بن صالح أبو علي الأسدي[عدل]

ولد سنة تسعين ومائة، وسمع من روح بن عبادة حديثا واحدا، وسمع الكثير من هودة بن خليفة والحسن ين موسى الأشيب وأبي نعيم وعلي بن الجعد والأصمعي وغيره، وعنه ابن المنادي وابن مخلد وابن صاعد والنجاد وأبو عمرو الزاهد والخلدي والسلمي وأبو بكر الشافعي وابن الصواف وغيرهم.

وكان ثقة أمينا حافظا، وكان من البيوتات وكان الإمام أحمد يكرمه.

ومن شعره:

ضعفت ومن جاز الثمانين يضعف ** وينكر منه كل ما كان يعرف

ويمشي رويدا كالأسير مقيدا ** يداني خطاه في الحديد ويرسف

ثابت بن قرة بن هارون - ويقال: ابن زهرون - بن ثابت بن كدام بن إبراهيم الصائبي الفيلسوف الحراني صاحب التصانيف، من جملتها أنه حرر كتاب إقليدس الذي عربه حنين بن إسحاق العبادي.

وكان أصله صوفيا فترك ذلك واشتغل بعلم الأوائل، فنال منه رتبة سامية عند أهله، ثم صار إلى بغداد فعظم شأنه بها، وكان يدخل مع المنجمين على الخليفة وهو باق على دين الصابئة، وحفيده ثابت بن قرة بن سنان له تاريخ أجاد فيه وأحسن، وكان بليغا ماهرا حاذقا بالغا.

وعمه إبراهيم بن ثابت بن قرة، كان طبيبا عارفا أيضا.

وقد سردهم كلهم في هذه الترجمة القاضي ابن خلكان.

الحسن بن عمرو بن الجهم أبو الحسن الشيعي - من شيعة المنصور لا من الروافد - حدث عن علي بن الممديني، وحكى عن بشر الحافي.

وعنه أبو عمرو بن السماك

عبيد الله بن سليمان بن وهب وزير المعتضد[عدل]

كان حظيا عنده، وقد عز عليه موته وتألم لفقده وأهمه من يجعله في مكانه بعده، فعقد لولده القاسم بن عبيد الله على الوزارة من بعد أبيه جبرا لمصابه به.

وأبو القاسم عثمان بن سعيد بن بشار المعروف بالأنماطي أحد كبار الشافعية.

وقد ذكرناه في طبقاتهم.

هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى أبو موسى الهاشمي[عدل]

إمام الناس في الحج عدة سنين متوالية، وقد سمع وحدث وتوفي بمصر في رمضان من هذه السنة.

ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائتين[عدل]

فيها: عاثت القرامطة بسواد الكوفة، فظفر بعض العمال بطائفة منهم، فبعث برئيسهم إلى المعتضد وهو أبو الفوارس، فنال من العباس بين يدي الخليفة فأمر به فقلعت أضراسه وخلعت يداه، ثم قطعتا مع رجليه ثم قتل وصلب ببغداد.

وفيها: قصدت القرامطة دمشق في جحفل عظيم فقاتلهم نائبها طغج بن جف من جهة هارون بن خمارويه، فهزموه مرات متعددة، وتفاقم الحال بهم، وكان ذلك بسفارة يحيى بن زكرويه بن بهرويه الذي ادعى عند القرامطة أنه محمد بن عبد الله بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وقد كذب في ذلك، وزعم لهم أنه

قد اتبعه على أمره مائة ألف، وأن ناقته مأمورة حيث ما توجهت به نصر على أهل تلك الجهة.

فراج ذلك عندهم ولقبوه الشيخ، واتبعه طائفة من بني الأصبغ، وسموا بالفاطميين.

وقد بعث إليهم الخليفة جيشا كثيفا فهزموه، ثم اجتازوا بالرصافة فأحرقوا جامعها، ولم يجتازوا بقرية إلا نهبوها، ولم يزل ذلك دأبهم حى وصلوا إلى دمشق فقاتلهم نائبها فهزموه مرات وقتلوا من أهلها خلقا كثيرا، وانتهبوا من أموالها شيئا كثيرا.

فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وفي هذه الحالة الشديدة اتفق موت الخليفة المعتضد بالله في ربيع الأول منها.

الخليفة المعتضد[عدل]

هو أحمد بن الأمير أبي أحمد الموفق الملقب بناصر دين الله، واسم أبي أحمد محمد، وقيل: طلحة بن جعفر المتوكل على الله بن المعتصم بن هارون الرشيد، أبو العباس المعتضد بالله.

ولد في سنة ثنتين، وقيل: ثلاث وأربعين ومائتين، وأمه أم ولد.

وكان أسمر نحيف الجسم معتدل القامة، قد وخطه الشيب في مقدم لحيته طول، وفي رأسه شامة بيضاء.

بويع له بالخلافة صبيحة يوم الاثنين إحدى عشرة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين، واستوزر عبد الله بن وهب بن سليمان، وولى القضاء إسماعيل بن إسحاق ويوسف بن يعقوب وابن أبي الشوارب.

وكان أمر الخلافة قد ضعف في أيام عمه المعتمد، فلما ولي المعتضد أقام شعارها ورفع منارها.

وكان شجاعا فاضلا من رجالات قريش حزما وجرأة وإقداما وحزمة، وكذلك كان أبوه، وقد أورد ابن الجوزي بإسناده أن المعتضد اجتاز في بعض أسفاره بقرية فيها مقثاة فوقف صاحبها صائحا مستصرخا بالخليفة، فاستدعى به فسأله عن أمره فقال:

إن بعض الجيش أخذوا لي شيئا من القثاء وهم من غلمانك.

فقال: أتعرفهم؟

فقال: نعم.

فعرضهم عليه فعرف منهم ثلاثة، فأمر الخليفة بتقييدهم وحبسهم، فلما كان الصباح نظر الناس ثلاثة أنفس مصلوبين على جادة الطريق، فاستعظم الناس ذلك واستنكروه وعابوا ذلك على الخليفة وقالوا: قتل ثلاثة بسبب قثاء أخذوه؟

فلما كان بعد قليل أمر الخواص - وهو مسامره - أن ينكر عليه ذلك، ويتلطف في مخاطبته في ذلك والأمراء حضور، فدخل عليه ليلة وقد عزم على ذلك، ففهم الخليفة ما في نفسه من كلام يريد أن يبديه، فقال له: إني أعرف أن في نفسك كلاما فما هو؟

فقال: يا أمير المؤمنين وأنا آمن؟

قال: نعم.

قلت له: فإن الناس ينكرون عليك تسرعك في سفك الدماء.

فقال: والله ما سفكت دما حراما منذ وليت الخلافة إلا بحقه.

فقلت له: فعلام قتلت أحمد بن الطيب وقد كان خادمك ولم يظهر له خيانة؟

فقال: ويحك إنه دعاني إلى الإلحاد والكفر بالله فيما بيني وبينه، فلما دعاني إلى ذلك قلت له: يا هذا أنا ابن عم صاحب الشريعة، وأنا منتصب في منصبه فأكفر حتى أكون من غير قبيلته.

فقتلته على الكفر والزندقة.

فقلت له: فما بال الثلاثة الذين قتلتهم على القثاء؟

فقال: والله ما كان هؤلاء الذين أخذوا القثاء، وإنما كانوا لصوصا قد قتلوا وأخذوا المال فوجب قتلهم، فبعثت فجئت بهم من السجن فقتلتهم، وأريت الناس أنهم الذين أخذوا القثاء، وأردت بذلك أن أرهب الجيش لئلا يفسدوا في الأرض، ويتعدوا على الناس، ويكفوا عن الأذى.

ثم أمر بإخراج أولئك الذين أخذوا القثاء فأطلقهم بعد ما استتابهم، وخلع عليهم وردهم إلى أرزاقهم.

قال ابن الجوزي: خرج المعتضد يوما فعسكر بباب الشماسية ونهى أن يأخذ أحد من بستان أحد شيئا، فأتي بأسود قد أخذ عذقا من بسر فتأمله طويلا ثم أمر بضرب عنقه.

ثم التفت إلى الأمراء فقال: العامة ينكرون هذا ويقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا قطع في ثمر ولا كثر».

ولم يكفه أن يقطع يده حتى قتله، وإني لم أقتل هذا على سرقته، وإنما هذا الأسود رجل من الزنج كان قد استأمن في حياة أبي، وإنه تقاول هو ورجل من المسلمين فضرب المسلم فقطع يده فمات المسلم، فأهدر أبي دم الرجل المقتول تأليفا للزنج، فآليت على نفسي لئن أنا قدرت عليه لأقتلنه، فما قدرت عليه إلا هذه الساعة فقتلته بذلك الرجل.

وقال أبو بكر الخطيب: أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن نعيم الضبي، سمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول: سمعت أبا العباس بن سريج يقول: سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول: دخلت على المعتضد وعلى رأسه أحداث روم صباح الوجوه، فنظرت إليهم فرآني المعتضد وأنا أتأملهم، فلما أردت القيام أشار إلي فجلست ساعة فلما خلا قال لي: أيها القاضي والله ما حللت سراويلي على حرام قط.

وروى البيهقي: عن الحاكم، عن حسان بن محمد، عن ابن سريج القاضي إسماعيل بن إسحاق قال:

دخلت يوما على المعتضد فدفع إلي كتابا فقرأته، فإذا فيه الرخص من زلل العلماء، قد جمعها له بعض الناس فقلت: يا أمير المؤمنين إنما جمع هذا زنديق.

فقال: كيف؟

فقلت: إن من أباح المتعة لم يبح الغناء، ومن أباح الغناء لم يبح إضافته إلى آلات اللهو، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه.

فأمر بتحريق ذلك الكتاب.

وروى الخطيب بسنده عن صافي الجرمي الخادم قال: انتهى المعتضد وأنا بين يديه إلى منزل شعث، وابنه المقتدر جعفر جالس فيه وحوله نحو من عشرة من الوصائف، والصبيان من أصحابه في سنه عنده، وبين يديه طبق من فضة فيه عنقود عنب، وكان العنب إذ ذاك عزيزا، وهو يأكل عنبة واحدة ثم يفرق على أصحابه من الصبيان كل واحد عنبة، فتركه المعتضد وجلس ناحية في بيت مهوما.

فقلت له: ما لك يا أمير المؤمنين؟

فقال: ويحك والله لولا النار والعار لأقتلن هذا الغلام، فإن في قتله صلاحا للأمة.

فقلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من ذلك.

فقال: ويحك يا صافي هذا الغلام في غاية السخاء لما أراه يفعل مع الصبيان، فإن طباع الصبيان تأبى الكرم، وهذا في غاية الكرم، وإن الناس من بعدي لا يولون عليهم إلا من هو من ولدي، فسيلي عليهم المكتفي ثم لا تطول أيامه لعلته التي به - وهي داء الخنازير - ثم يموت فيلي الناس جعفر هذا الغلام، فيذهب جميع أموال بيت المال إلى الحظايا لشغفه بهن، وقرب عهده من تشبه بهن، فتضيع أمور المسلمين وتعطل الثغور وتكثر الفتن والهرج والخوارج والشرور.

قال صافي: والله لقد شاهدت ما قاله سواء بسواء.

وروى ابن الجوزي عن بعض خدم المعتضد قال: كان المعتضد يوما نائما وقت القائلة ونحن حول سريره، فاستيقظ مذعورا ثم صرح بنا فجئنا إليه، فقال: ويحكم اذهبوا إلى دجلة فأول سفينة تجدوها فارغة منحدرة فأتوني بملاحها واحتفظوا بالسفينة.

فذهبنا سراعا فوجدنا ملاحا في سميرية فارغة منحدرا، فأتينا به الخليفة فلما رأى الملاح الخليفة كاد أن يتلف، فصاح به الخليفة صيحة عظيمة فكادت روح الملاح تخرج فقال له الخليفة: ويحك يا ملعون، اصدقني عن قصتك مع المرأة التي قتلتها اليوم وإلا ضربت عنقك.

قال: فتلعثم، ثم قال: نعم يا أمير المؤمنين كنت اليوم سحرا في مشرعتي الفلانية، فنزلت امرأة لم أر مثلها وعليها ثياب فاخرة وحلي كثيرة وجوهر، فطمعت فيها واحتلت عليها فشددت فاها وغرقتها وأخذت جميع ما كان عليها من الحلي والقماش، وخشيت أن أرجع به إلى منزلي فيشتهر خبرها، فأردت الذهاب به إلى واسط فلقيني هؤلاء الخدم فأخذوني.

فقال: وأين حليها؟

فقال: في صدر السفينة تحت البواري.

فأمر الخليفة عند ذلك بإحضار الحلي، فجيء به فإذا هو حلي كثير يساوي أموالا كثيرة، فأمر الخليفة بتغريق الملاح في المكان الذي غرق فيه المرأة، وأمر أن ينادى على أهل المرأة ليحضروا حتى يتسلموا مال المرأة، فنادى بذلك ثلاثة أيام في أسواق بغداد وأزقتها فحضروا بعد ثلاثة أيام فدفع إليهم ما كان من الحلي وغيره مما كان للمرأة، ولم يذهب منه شيء.

فقال له خدمه: يا أمير المؤمنين من أين علمت هذا؟

قال: رأيت في نومي تلك الساعة شيخا أبيض الرأس واللحية والثياب، وهو ينادي: يا أحمد يا أحمد، خذ أول ملاح ينحدر الساعة فاقبض عليه وقرره عن خبر المرأة التي قتلها اليوم وسلبها، فأقم عليه الحد.

وكان ما شاهدتم.

وقال جعيف السمرقندي الحاجب: كنت مع مولاي المعتضد في بعض متصيداته وقد انقطع عن العسكر وليس معه غيري، إذ خرج علينا أسد فقصد قصدنا فقال لي المعتضد: يا جعيف أفيك خير اليوم؟

قلت: لا والله.

قال: ولا أن تمسك فرسي وأنزل أنا؟

فقلت: بلى.

قال: فنزل عن فرسه وغرز أطراف ثيابه في منطقته، واستل سيفه ورمى بقرابه إلي ثم تقدم إلى الأسد، فوثب الأسد عليه فضربه بالسيف فأطار يده فاشتغل الأسد بيده، فضربه ثانية على هامته ففلقها، فخر الأسد صريعا فدنا منه فمسح سيفه في صوفه، ثم أقبل إلي فأغمد سيفه في قرابه، ثم ركب فرسه فذهبنا إلى العسكر قال: وصحبته إلى أن مات فما سمعته ذكر ذلك لأحد، فما أدري من أي شيء أعجب؟من

من شجاعته أم من عدم احتفاله بذلك، حيث لم يذكره لأحد؟أم من عدم عتبه علي حيث ضننت بنفسي عنه؟والله ما عاتبني في ذلك قط.

وروى ابن عساكر عن أبي الحسين النوري: أنه اجتاز بزورق فيه خمر مع ملاح فقال: ما هذا ولمن هذا؟

فقال له: هذه خمر للمعتضد.

فصعد أبو الحسين إليها فجعل يضرب الدنان بعمود في يده حتى كسرها كلها إلا دنا واحدا تركه، واستغاث الملاح فجاءت الشرطة فأخذوا أبا الحسين فأوقفوه بين يدي المعتضد فقال له: ما أنت؟

فقال: أنا المحتسب.

فقال: ومن ولاك الحسبة؟

فقال: الذي ولاك الخلافة يا أمير المؤمنين.

فأطرق رأسه ثم رفعها فقال: ما الذي حملك على ما فعلت؟

فقال: شفقة عليك لدفع الضرر عنك.

فأطرق رأسه ثم رفعه فقال: ولأي شيء تركت منها دنا واحدا لم تكسره؟

فقال: لأني إنما أقدمت عليها فكسرتها إجلالا لله تعالى، فلم أبال أحدا حتى انتهيت إلى هذا الدن، دخل نفسي إعجاب من قبيل أني قد أقدمت على مثلك فتركته، فقال له المعتضد: اذهب فقد أطلقت يدك فغير ما أحببت أن تغيره من المنكر.

فقال له النوري: الآن انتقض عزمي عن التغيير، فقال: ولم؟

فقال: لأني كنت أغير عن الله، وأنا الآن أغير عن شرطي.

فقال: سل حاجتك.

فقال: أحب أن تخرجني من بين يديك سالما.

فأمر فأخرج فصار إلى البصرة، فأقام بها مختفيا خشية أن يشق عليه أحد في حاجة عند المعتضد.

فلما توفي المعتضد رجع إلى بغداد.

وذكر القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي عن شيخ من التجار قال: كان لي على بعض الأمراء مال كثير فماطلني ومنعني حقي، وجعل كلما جئت أطالبه حجبني عنه ويأمر غلمانه يؤذونني، فاشتكيت عليه إلى الوزير فلم يفد ذلك شيئا، وإلى أولياء الأمر من الدولة فلم يقطعوا منه شيئا، وما زاده ذلك إلا منعا وجحودا، فأيست من المال الذي عليه ودخلني هم من جهته، فبينما أنا كذلك وأنا حائر إلى من أشتكي، إذ قال لي رجل: ألا تأتي فلانا الخياط - إمام مسجد هناك - فقلت: وما عسى أن يصنع خياط مع هذا الظالم، وأعيان الدولة لم يقطعوا فيه.

فقال لي: هو أقطع وأخوف عنده من جميع من اشتكيت إليه، فاذهب إليه لعلك أن تجد عنده فرجا.

قال: فقصدته غير محتفل في أمره، فذكرت له حاجتي ومالي وما لقيت من هذا الظالم، فقام معي فحين عاينه الأمير قام إليه وأكرمه واحترمه، وبادر إلى قضاء حقي الذي عليه فأعطانيه كاملا من غير أن يكون منه إلى الأمير كبير أمر، غير أنه قال له: ادفع إلى هذا الرجل حقه وإلا أذنت، فتغير لون الأمير ودفع إلى حقي.

قال التاجر: فعجبت من ذلك الخياط مع رثاثة حاله وضعف بنيته، كيف أنطاع ذلك الأمير له، ثم إني عرضت عليه شيئا من المال فلم يقبل مني شيئا، وقال: لو أردت هذا لكان لي من الأموال ما لا يحصى.

فسألته عن خبره وذكرت له تعجبي منه وألححت عليه فقال: إن سبب ذلك أنه كان عندنا في جوارنا أمير تركي من أعالي الدولة، وهو شاب حسن، فمر به ذات يوم امرأة حسناء قد خرجت من الحمام وعليها ثياب مرتفة ذات قيمة، فقام إليها وهو سكران فتعلق بها يريدها على نفسها ليدخلها منزله، وهي تأبى عليه وتصيح بأعلى صوتها: يا مسلمين أنا امرأة ذات زوج، وهذا الرجل يريدني على نفسي ويدخلني منزله، وقد حلف زوجي بالطلاق أن لا أبيت في غير منزله، ومتى بت ها هنا طلقت منه، ولحقني بسبب ذلك عار لا تدحضه الأيام ولا تغسله المدامع.

قال الخياط: فقمت إليه فأنكرت عليه وأردت خلاص المرأة من يديه، فضربني بدبوس في يده فشج رأسي، وغلب المرأة على نفسها وأدخلها منزله قهرا، فرجعت أنا فغسلت الدم عنى وعصبت رأسي وصليت بالناس العشاء ثم قلت للجماعة: إن هذا قد فعل ما قد علمتم فقوموا معي إليه لننكر عليه ونخلص المرأة منه، فقام الناس معي فهجمنا عليه داره فثار إلينا في جماعة من غلمانه بأيديهم العصي والدبابيس يضربون الناس، وقصدني هو من بينهم فضربني ضربا شديدا مبرحا حتى أدماني، وأخرجنا من منزله ونحن في غاية الإهانة، فرجعت إلى منزلي وأنا لا أهتدي إلى الطريق من شدة الوجع وكثرة الدماء، فنمت على فراشي فلم يأخذني نوم، وتحيرت ماذا أصنع حتى أنقذ المرأة من يده في الليل لترجع فتبيت في منزلها حتى لا يقع على زوجها الطلاق، فألهمت أن أؤذن الصبح في أثناء الليل لكي يظن أن الصبح قد طلع فيخرجها من منزله فتذهب إلى منزل زوجها، فصعدت المنارة وجعلت أنظر إلى باب داره وأنا أتكلم على عادتي قبل الأذان هل أرى المرأة قد خرجت ثم أذنت فلم تخرج، ثم صممت على أنه إن لم تخرج أقمت الصلاة حتى يتحقق الصباح، فبينا أنا أنظر هل تخرج المرأة أم لا، إذ امتلأت الطريق فرسانا ورجالة وهم يقولون: أين الذي أذن هذه الساعة؟

فقلت: ها أنا ذا، وأنا أريد أن يعينوني عليه، فقالوا: انزل فنزلت.

فقالوا: أجب أمير المؤمنين، فأخذوني وذهبوا بي لا أملك من نفسي شيئا، حتى أدخلوني عليه، فلما رأيته جالسا في مقام الخلافة ارتعدت من الخوف، وفزعت فزعا شديدا، فقال: ادن، فدنوت فقال لي: ليسكن روعك وليهدأ قلبك.

وما زال يلاطفني حتى اطمأننت وذهب خوفي، فقال: أنت الذي أذنت هذه الساعة.

قلت: نعم يا أمير المؤمنين.

فقال: ما حملك على أن أذنت هذه الساعة، وقد بقي من الليل أكثر مما مضى منه؟

فتغر بذلك الصائم والمسافر والمصلي وغيرهم.

فقلت: يؤمنني أمير المؤمنين حتى أقص عليه خبري؟

قال: أنت آمن.

فذكرت له القصة.

قال: فغضب غضبا شديدا، وأمر بإحضار ذلك الأمير والمرأة من ساعته على أي حالة كانا، فأحضرا سريعا فبعث بالمرأة إلى زوجها مع نسوة من جهته ثقات، ومعهن ثقة من جهته أيضا، وأمره أن يأمر زوجها بالعفو والصفح عنها والإحسان إليها، فإنها مكرهة ومعذورة.

ثم أقبل على ذلك الشاب الأمير فقال له: كم لك من الرزق؟وكم عندك من المال؟وكم عندك من الجوار والزوجات؟

فذكر له شيئا كثيرا.

فقال له: ويحك أما كفاك ما أنعم الله به عليك حتى انتهكت حرمة الله، وتعديت حدوده، وتجرأت على السلطان، وما كفاك ذلك أيضا حتى عمدت إلى رجل أمرك بالمعروف ونهاك عن المنكر فضربته وأهنته وأدميته؟

فلم يكن له جواب.

فأمر به فجعل في رجله قيد، وفي عنقه غل، ثم أمر به فأدخل في جوالق ثم أمر به فضرب بالدبابيس ضربا شديدا حتى خفت، ثم أمر به فألقي في دجلة فكان ذلك آخر العهد به.

ثم أمر بدرا صاحب الشرطة أن يحتاط على ما في داره من الحواصل والأموال التي كان يتناولها من بيت المال، ثم قال لذلك الرجل الصالح الخياط: كلما رأيت منكرا صغيرا كان أو كبيرا ولو على هذا - وأشار إلى صاحب الشرطة -فأعلمني، فإن اتفق اجتماعك بي وإلا فعلى ما بيني وبينك، الأذان، فأذن في أي وقت كان أو في مثل وقتك هذا.

قال: فلهذا لا آمر أحدا من هؤلاء الدولة بشيء إلا امتثلوه، ولا أنهاهم عن شيء إلا تركوه خوفا من المعتضد، وما احتجت أن أؤذن في مثل تلك الساعة إلى الآن.

وذكر الوزير عبيد الله بن سليمان بن وهب قال: كنت يوما عند المعتضد، وخادم واقف على رأسه يذب عنه بمذبة في يده إذ حركها فجاءت في قلنسوة الخليفة فسقطت عن رأسه، فأعظمت أنا ذلك جدا وخفت من هول ما وقع، ولم يكترث الخليفة لذلك، بل أخذ قلنسوته فوضعها على رأسه ثم قال لبعض الخدم: مر هذا البائس ليذهب لراحته فإنه قد نعس، وزيدوا في عدة من يذب بالنوبة.

قال الوزير: فأخذنا في الثناء على الخليفة والشكر له على حلمه، فقال: إن هذا البائس لم يتعمد ما وقع منه وإنما نعس، وليس العتاب والمعاتبة إلا على المتعمد لا على المخطئ والساهي.

وقال جعيف السمرقندي الحاجب: لما جاء الخبر إلى المعتضد بموت وزيره عبيد الله بن سليمان خر ساجدا طويلا، فقيل له: يا أمير المؤمنين لقد كان عبيد الله يخدمك وينصح لك.

فقال: إنما سجدت شكرا لله أني لم أعزله ولم أوذه.

وقد كان ابن سليمان حازم الرأي قويا، وأراد أن يولي مكانه أحمد بن محمد بن الفرات، فعدل به بدر صاحب الشرطة عنه وأشار عليه بالقاسم بن عبيد الله فسفه رأيه، فألح عليه فولاه وبعث إليه يعزيه في أبيه ويهنيه بالوزارة، فما لبث القاسم بن عبيد الله حتى ولي المكتفي الخلافة من بعد أبيه المعتضد وحتى قتل بدرا.

وكان المعتضد ينظر إلى ما بينهما من العداوة من وراء ستر رقيق، وهذه فراسة عظيمة وتوسم قوي.

ورفع يوما إلى المعتضد قوما يجتمعون على المعصية، فاستشار وزيره في أمرهم فقال: ينبغي أن يصلب بعضهم ويحرق بعضهم.

فقال: ويحك لقد بردت لهب غضبي عليهم بقسوتك، أما علمت أن الرعية وديعة الله عند سلطانها، وأنه سائله عنها؟

ولم يقابلهم بما قال الوزير.

ولهذه النية لما ولي الخلافة كان بيت المال صفرا من المال، وكانت الأحوال فاسدة، والعرب تعيث في الأرض فسادا في كل جهة، فلم يزل برأيه وتسديده حتى كثرت الأموال وصلحت الأحوال في سائر الأقاليم والآفاق.

ومن شعره في جارية له توفيت فوجد عليها:

يا حبيبا لم يكن يع ** دله عندي حبيب

أنت عن عيني بعيد ** ومن القلب قريب

ليس لي بعدك في شي ** ء من اللهو نصيب

لك من قلبي على قلبي ** وإن غبت رقيب

وحياتي منك مذغب ** ت حياة لا تطيب

لو تراني كيف لي بع ** دك عول ونحيب

وفؤادي حشوه من ** حرق الحزن لهيب

ما أرى نفسي وإن طي ** بتها عنك تطيب

ليس دمع لي يعصي ** ني وصبري ما يجيب

وقال فيها: لم أبك للدار ولكن لمن ** قد كان فيها مرة ساكنا

فخانني الدهر بفقدانه ** وكنت من قبل له آمنا

ودعت صبري عنه تودعه ** وبان قلبي معه ظاعنا

وكتب إليه ابن المعتز يعزيه ويسليه عن مصيبته فيها:

يا إمام الهدى حياتك طالت ** وعشت أنت سليما

أنت علمتنا على النعم الشك ** ر وعند المصائب التسليما

فتسلى عن ما مضى وكأن التي ** كانت سرورا صارت ثوابا عظيما

قد رضينا بأن نموت وتحيى ** إن عندي في ذاك حظا جسيما

من يمت طائعا لمولاه فقد ** أعطي فوزا ومات موتا كريما

وقد رثى أبو العباس عبد الله بن المعتز العباسي بن عمر المعتضد بمرثاة حسنة يقول فيها:

يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحدا ** وأنت والد سوء تأكل الولدا

أستغفر الله بل ذا كله قدر ** رضيت بالله ربا واحدا صمدا

يا ساكن القبر في غيراء مظلة ** بالظاهرية مقصى الدار منفردا

أين الجيوش التي قد كنت تشحنها ** أين الكنوز التي لم تحصها عددا

أين السرير الذي قد كنت تملؤه ** مهابة من رأته عينه ارتعدا

أين القصور التي شيدتها فعلت ** ولاح فيها سنا الإبريز فانقدا

قد أتعبوا كل مرقال مذكرة ** وجناء تنثر من أشداقها الزبدا

أين الأعادي الألى ذللت صعبهم ** أين الليوث التي صيرتها نقدا

أين الوفود على الأبواب عاكفة ** ورد القطا صفر ما جال واطردا

أين الرجال قياما في مراتبهم ** من راح منهم ولم يطمر فقد سعدا

أين الجياد التي حجلتها بدم ** وكن يحملن منك الضيغم الأسدا

أين الرماح التي غذيتها مَهجا ** مذ مت ما وردت قلبا ولا كبدا

أين السيوف وأين النبل مرسلة ** يصبن من شئت من قرب وإن بعدا

أين المجانيق أمثال السيول إذا ** رمين حائط حصن قائم قعدا

أين الفعال التي قد كنت تبدعها ** ولا ترى أن عفوا نافعا أبدا

أين الجنان التي تجري جداولها ** ويستجيب إليها الطائر الغردا

أين الوصائف كالغزلان رائحة** يسحبن من حلل موشية جددا

أين الملاهي وأين الراح تحسبها ** ياقوتة كسيت من فضة زردا

أين الوثوب إلى الأعداء مبتغيا ** صلاح ملك بني العباس إذ فسدا

ما زلت تقسر منهم كل قسورة ** وتحطم العاتي الجبار معتمدا

ثم انقضيت فلا عين ولا أثر ** حتى كأنك يوما لم تكن أحدا

لا شيء يبقى سوى خير تقدمه ** ما دام ملك لإنسان ولا خَلدا

ذكرها ابن عساكر في تاريخه.

واجتمع ليلة عند المعتضد ندماؤه، فلما انقضى السمر وصار إلى حظاياه ونام القوم السمار، نبههم من نومهم خادم وقال: يقول لكم أمير المؤمنين: إنه أصابه أرق بعدكم، وقد عمل بيتا أعياه ثانيه، فمن عمل ثانيه فله جائزة وهو هذا البيت:

ولما انتبهنا للخيال الذي سرى ** إذا الدار قفر والمزار بعيد

قال: فجلس القوم من فرشهم يفكرون في ثانيه، فبدر واحد منهم فقال:

فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي ** لعل خيالا طارقا سيعود

قال: فلما رجع الخادم به إلى المعتضد، وقع منه موقعا جيدا وأمر له بجائزة سنية، واستعظم المعتضد يوما من بعض الشعراء قول الحسن بن منير المازني البصري:

لهفي على من أطار النوم فامتنعا ** وزاد قلبي على أوجاعه وجعا

كأنما الشمس من أعطافه طلعت ** حسنا أو البدر من أردانه لمعا

في وجه شافع يمحو إساءته ** من القلوب وجيها أين ما شفعا

ولما كان في ربيع الأول من هذه السنة اشتد وجع المعتضد، فاجتمع رؤوس الأمراء مثل يونس الخادم وغيره إلى الوزير القاسم بن عبيد الله، فأشاروا بأن يجتمع الناس لتجديد البيعة للمكتفي بالله علي بن المعتضد بالله، ففعل ذلك وتأكدت البيعة وكان في ذلك خير كثير.

وحين حضرت المعتضد الوفاة أنشد لنفسه:

تمتع من الدنيا فإنك لا تبقى ** وخذ صفوها ما إن صفت ودع الرنقا

ولا تأمنن الدهر إني ائتمنته ** فلم يبق لي حالا ولم يرع لي حقا

قتلت صناديد الرجال فلم أدع ** عدوا ولم أمهل على خلق خلقا

وأخليت دار الملك من كل نازع ** فشردتهم غربا ومزقتهم شرقا

فلما بلغت النجم عزا ورفعة ** وصارت رقاب الخلق لي أجمع رقا

رماني الردى سهما فأخمد جمرتي ** فها أنا ذا في حفرتي عاجلا ألقى

ولم يغن عني ما جمعت ولم أجد ** لدى ملك إلا حباني حبها رفقا

وأفسدت دنياي وديني سفاهة ** فمن ذا الذي مثلي بمصرعه أشقا

فياليت شعري بعد موتي هل أصر ** إلى رحمة الله أم في ناره ألقى

وكانت وفاته ليلة الاثنين لثمان بقين من ربيع الأول من هذه السنة.

ولم يبلغ الخمسين.

وكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوما.

وخلف من الأولاد الذكور: عليا المكتفي، وجعفر المقتدر، وهارون.

ومن البنات إحدى عشرة بنتا.

ويقال: سبع عشرة بنتا.

وترك في بيت المال سبعة عشر ألف ألف دينار.

وكان يمسك عن صرف الأموال في غير وجهها، فلهذا كان بعض الناس يبخله، ومن الناس من يجعله من الخلفاء الراشدين المذكورين في الحديث، حديث جابر بن سمرة فالله أعلم.

خلافة المكتفي بالله أبي محمد[عدل]

علي بن المعتضد بالله أمير المؤمنين، بويع بالخلافة عند موت أبيه في ربيع الأول من هذه السنة، وليس في الخلفاء من اسمه علي سوى هذا وعلي بن أبي طالب.

وليس فيهم من يكنى بأبي محمد إلا هو والحسن بن علي بن أبي طالب والهادي، والمستضيء بالله.

وحين ولي المكتفي كثرت الفتن وانتشرت في البلاد.

وفي رجب منها زلزلت الأرض زلزلة عظيمة جدا، وفي رمضان منها تساقط وقت السحر من السماء نجوم كثيرة، ولم يزل الأمر كذلك حتى طلعت الشمس.

ولما أفضت الخلافة إليه كان بالرقة، فكتب إليه الوزير وأعيان الأمراء فركب فدخل بغداد في يوم مشهود، وذلك يوم

الاثنين لثمان خلون من جمادى منها.

وفي هذا اليوم أمر بقتل عمرو بن الليث الصفار - وكان معتقلا في سجن أبيه - وأمر بتخريب المطامير التي كان اتخذها أبوه للمسجونين، وأمر ببناء جامع مكانها، وخلع في هذا اليوم على الوزير القاسم بن عبيد الله بن سليمان ست خلع وقلده سيفا، وكان عمره يوم ولي الخلافة خمسا وعشرين سنة وبعض أشهر.

وفيها: انتشرت القرامطة في الآفاق وقطعوا الطريق على الحجيج، وتسمى بعضهم بأمير المؤمنين.

فبعث المكتفي إليهم جيشا كثيرا، وأنفق فيهم أموالا جزيلة، فأطفأ الله بعض شرهم.

وفيها: خرج محمد بن هارون عن طاعة إسماعيل بن أحمد الساماني، وكاتب أهل الري بعد قتله محمد بن زيد الطالبي، فصار إليهم فسلموا البلد إليه فاستحوذ عليها، فقصده إسماعيل بن أحمد الساماني بالجيوش فقهره وأخرجه منها مذموما مدحورا.

قال ابن الجوزي في المنتظم: وفي يوم التاسع من ذي الحجة منها صلى الناس العصر في زمن الصيف وعليهم ثياب الصيف، فهبت ريح باردة جدا حتى احتاج الناس إلى الاصطلاء بالنار، ولبسوا الفرا والمحشوات، وجمد الماء كفصل الشتاء.

قال ابن الأثير: ووقع بمدينة حمص مثل ذلك، وهب ريح عاصف بالبصرة، فاقتلعت شيئا كثيرا من نخيلها، وخسف بموضع فيها فمات تحته سبعة آلاف نسمة.

قال ابن الجوزي، وابن الأثير: وزلزلت بغداد في رجب منها مرات متعددة ثم سكنت.

وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك.

وفيها توفي من الأعيان: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم أحد الصوفية الكبار.

قال ابن الأثير: وهو من أقران السري السقطي.

قال: لأن ترد إلى الله ذرة من همك خير لك مما طلعت عليه الشمس.

أحمد بن محمد المعتضد بالله، غلب عليه سوء المزاج والجفاف من كثرة الجماع، وكان الأطباء يصفون له ما يرطب بدنه له فيستعمل ضد ذلك حتى سقطت قوته.

بدر غلام المعتضد رأس الجيش[عدل]

كان القاسم الوزير قد عزم على أن يصرف الخلافة عن أولاد المعتضد، وفاوض بذلك بدرا هذا فامتنع عليه وأبى، فلما ولي المكتفي بن المعتضد خاف الوزير غائلة ذلك، فحسّن الوزير للمكتفي قتل بدر هذا، فبعث المكتفي فاحتاط على حواصله وأمواله وهو بواسط، وبعث الوزير إليه بالأمان، فلما قدم بدر بعث إليه من قتله يوم الجمعة لست خلون من رمضان من هذه السنة، ثم قطع رأسه وبقيت جثته أخذها أهله، فبعثوا بها إلى مكة في تابوت فدفن بها، لأنه أوصى بذلك وكان قد أعتق كل مملوك له قبل وفاته.

وحين أرادوا قتله صلى ركعتين رحمه الله.

الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن الفهم بن مجرز بن إبراهيم الحافظ البغدادي[عدل]

سمع خلف بن هشام ويحيى بن معين ومحمد بن سعد وغيرهم، وعنه الحنطبي والطوماري، وكان عسرا في التحديث إلا لمن لازمه، وكانت له معرفة جيدة بالأخبار والنسب والشعر وأسماء الرجال، يميل إلى مذهب العراقيين في الفقه، قال عنه الدارقطني: ليس بالقوي.

عمارة بن وثيمة بن موسى أبو رفاعة الفارسي، صاحب التاريخ على السنن، ولد بمصر وحدث عن أبي صالح كاتب الليث وغيره.

عمرو بن الليث الصفار أحد الأمراء الكبار، قتل في السجن أول ما قدم المكتفي بغداد.

ثم دخلت سنة تسعين ومائتين[عدل]

فيها أقبل يحيى بن زكرويه بن مهرويه أبو قاسم القرمطي المعروف بالشيخ في جحافله، فعاث بناحية الرقة فسادا فجهز إليه الخليفة جيشا نحو عشرة آلاف فارس.

وفيها: ركب الخليفة من بغداد إلى سامرا يريد الإقامة بها، فثنى رأيه عن ذلك الوزير فرجع إلى بغداد.

وفيها: قتل يحيى بن زكرويه على باب دمشق، زرقه رجل من المغاربة بمزراق نار فقتله، ففرح الناس بقتله، وتمكن منه المزراق فأحرقه، وكان هذا المغربي من جملة جيش المصريين، فقام بأمر القرامطة من بعده أخوه الحسين وتسمى بأحمد، وتكنى بأبي العباس، وتلقب بأمير المؤمنين، وأطاعه القرامطة، فحاصر دمشق فصالحه أهلها على مال، ثم سار إلى حمص فافتتحها وخطب له على منابرها، ثم سار إلى حماه ومعرة النعمان فقهر أهل تلك النواحي، واستباح أموالهم وحريمهم، وكان يقتل الدواب والصبيان في المكاتب، ويبيح لمن معه وطء النساء، فربما وطئ الواحدة الجماعة الكثيرة من الرجال، فإذا ولدت ولدا هنأ به كل واحد منهم الآخر، فكتب أهل الشام إلى الخليفة ما يلقون من هذا اللعين، فجهز إليهم جيوشا كثيفة، وأنفق فيهم أموالا جزيلة، وركب في رمضان فنزل الرقة وبث الجيوش في كل جانب لقتال القرامطة، وكان القرمطي هذا يكتب إلى أصحابه: (من عبد الله المهدي أحمد بن عبد الله المهدي المنصور، الناصر لدين الله، القائم بأمر الله، الحاكم بحكم الله، الداعي إلى كتاب الله، الذاب عن حريم الله، المختار من ولد رسول الله) وكان يدعي أنه من سلالة علي بن أبي طالب من فاطمة، وهو كاذب أفاك أثيم قبحه الله، فإنه كان من أشد الناس عداوة لقريش، ثم لبني هاشم، دخل سلمية فلم يدع بها أحدا من بني هاشم حتى قتلهم وقتل أولادهم واستباح حريمهم.

وفيها: تولى ثغر طرسوس أبو عامر أحمد بن نصر عوضا عن مظفر بن جناح لشكوى أهل الثغر منه.

وحج بالناس الفضل بن محمد العباسي.

وفيها توفي من الأعيان:

عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل[عدل]

أبو عبد الرحمن الشيباني، كان إماما ثقة حافظا ثبتا مكثرا عن أبيه وغيره.

قال ابن المنادي: لم يكن أحد أروى عن أبيه منه.

روى عنه المسند ثلاثين ألفا، والتفسير مائة ألف حديث وعشرون ألفا، من ذلك سماع ومن ذلك إجازة، ومن ذلك الناسخ والمنسوخ، والمقدم والمؤخر في كتاب الله، والتاريخ وحديث سبعة، وكرامات القراء، والمناسك الكبير، والصغير.

وغير ذلك من التصانيف، وحديث الشيوخ.

قال: وما زلنا نرى أكابر شيوخنا يشهدون له بمعرفة الرجال وعلل الحديث والأسماء والكنى والمواظبة على طلب الحديث في العراق وغيرها، ويذكرون عن أسلافهم الإقرار له بذلك، حتى أن بعضهم أرف في تقريظه له بالمعرفة وزيادة السماع للحديث عن أبيه.

ولما مرض قيل له: أين تدفن؟

فقال: صح عندي أن بالقطعية نبيا مدفونا، ولأن أكون بجوار نبي أحب إلي من أن أكون في جوار أبي.

مات في جمادى الآخرة منها عن سبع وسبعين سنة، كما مات لها أبوه، واجتمع في جنازته خلق كثير من الناس، وصلى عليه زهير ابن أخيه، ودفن في مقابر باب التين رحمه الله تعالى.

عبد الله بن أحمد بن سعيد أبو بحر الرباطي المروزي، صحب أبا تراب النخشبي، وكان الجنيد يمدحه ويثني عليه.

عمر بن إبراهيم أبو بكر الحافظ المعروف بأبي الأذان، كان ثقة ثبتا.

محمد بن الحسين بن الفرج أبو ميسرة الهمداني، صاحب المسند، كان أحد الثقات المشهورين والمصنفين.

محمد بن عبد الله أبو بكر الدقاق[عدل]

أحد أئمة الصوفية وعبادهم، روى عن الجنيد أنه قال: رأيت إبليس في المنام وكأنه عريان، فقلت: ألا تستحي من الناس؟

فقال - وهو لا يظنهم ناسا -: لو كانوا ناسا ما كنت ألعب بهم كما يلعب الصبيان بالكرة، إنما الناس جماعة غير هؤلاء.

فقلت: أين هم؟

فقال: في مسجد الشونيزي، قد أضنوا قلبي وأتعبوا جسدي، كلما هممت بهم أشاروا إلى الله عز وجل فأكاد أحترق.

قال: فلما انتبهت لبست ثيابي ورحت إلى المسجد الذي ذكر، فإذا فيه ثلاثة جلوس ورؤوسهم في مرقعاتهم، فرفع أحدهم رأسه إليّ وقال: يا أبا القاسم لا تغتر بحديث الخبيث، وأنت كلما قيل لك شيء تقبل؟

فإذا هم أبو بكر الدقاق، وأبو الحسين النوري، وأبو حمزة محمد بن علي بن علوية بن عبد الله الجرجاني الفقيه الشافعي تلميذ المزني.

ذكره ابن الأثير.

ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائتين[عدل]

فيها جرت وقعة عظيمة بين القرامطة وجند الخليفة، فهزموا القرامطة وأسروا رئيسهم الحسن بن زكرويه، ذا الشامة، فلما أسر حمل إلى الخليفة في جماعة كثيرة من أصحابه من رؤوسهم وأدخل بغداد على فيل مشهور، وأمر الخليفة بعمل دفة مرتفعة فأجلس عليها وجيء بأصحابه فجعل يضرب أعناقهم بين يديه وهو ينظر، وقد جعل في فمه خشبة معترضة مشدودة إلى قفاه، ثم أنزل فضرب مائتي سوط ثم قطعت يداه ورجلاه، وكوي، ثم أحرق وحمل رأسه على خشبة وطيف به في أرجاء بغداد، وذلك في ربيع الأول منها.

وفيها: قصدت الأتراك بلاد ما وراء النهر في حجافل عظيمة، فبيتهم المسلمون فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وسبوا منهم ما لا يحصون { وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرا } [الأحزاب: 25] .

وفيها: بعث ملك الروم عشرة صلبان مع كل صليب عشرة آلاف، فغاروا على أطراف البلاد وقتلوا خلقا وسبوا نساء وذرية.

وفيها: دخل نائب طرسوس بلاد الروم، ففتح مدينة أنطاكية - وهي مدينة عظيمة على ساحل البحر تعادل عندهم القسطنطينية - وخلّص من أسارى المسلمين خمسة آلاف أسير، وأخذ للروم ستين مركبا، وغنم شيئا كثيرا، فبلغ نصيب كل واحد من الغزاة ألف دينار.

وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشمي.

وفيها توفي من الأعيان:

أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار[عدل]

أبو العباس الشيباني مولاهم، الملقب بثعلب، إمام الكوفيين في النحو واللغة، مولده في سنة مائتين، سمع محمد بن زياد الأعرابي والزبير بن بكار والقواريري وغيرهم، وعنه ابن الأنباري وابن عرفة وأبو عمرو الزاهد، وكان ثقة حجة دينا صالحا مشهورا بالصدق والحفظ، وذكر أنه سمع من القواريري مائة ألف حديث.

توفي يوم السبت لثلاث عشرة بقيت من جمادى الأولى منها، عن إحدى وتسعين سنة.

قال ابن خلكان: وكان سبب موته أنه خرج من الجامع وفي يده كتاب ينظر فيه، وكان قد أصابه صمم شديد فصدمته فرس، فألقته في هوة فاضطرب دماغه فمات في اليوم الثاني رحمه الله.

وهو مصنف كتاب (الفصيح)، وهو صغير الحجم كثير الفائدة، وله كتاب (المصون) و(اختلاف النحويين) و(معاني القرآن) وكتاب (القراءات) و(معاني الشعر وما يلحن فيه العامة) وغير ذلك، وقد نسب إليه من الشعر قوله:

إذا كنت قوتَ النفس ثم هجرتها ** فكم تلبث النفس التي أنت قوتها

سيبقى بقاء النبت في الماء أو كما ** أقام لدى ديمومة الماء صوتها

أغرك أني قد تصبرت جاهدا ** وفي النفس مني منك ما سيميتها

فلو كان ما بي بالصخور لهدها ** وبالريح ما هبت وطال حفوفها

فصبرا لعل الله يجمع بيننا ** فأشكو هموما منك فيك لقيتها

وفيها: توفي

القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب الوزير[عدل]

تولى بعد أبيه الوزارة في آخر أيام المعتضد، ثم تولى لولده المكتفي، فلما كان رمضان من هذه السنة مرض فبعث إلى السجون فأطلق من فيها من المطلبيين، ثم توفي في ذي القعدة منها، وقد قارب ثلاثا وثلاثين سنة، وقد كان حظيا عند الخليفة، وخلف من الأموال ما يعدل سبعمائة ألف دينار.

محمد بن محمد بن إسماعيل بن شداد أبو عبد الله البصري[عدل]

القاضي بواسط، المعروف بالجبروعي، حدث عن مسدد وعن علي بن المديني وابن نمير وغيرهم، وكان من الثقات والقضاة الأجواد العدول الأمناء.

ومحمد بن إبراهيم البوشنجي.

ومحمد بن علي الصايغ.

وقنبل أحد مشاهير القراء، وأئمة العلماء.

ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين ومائتين[عدل]

فيها: دخل محمد بن سليمان في نحو عشرة آلاف مقاتل من جهة الخليفة المكتفي إلى الديار المصرية لقتال هارون بن خمارويه، فبرز إليه هارون فاقتتلا فقهره محمد بن سليمان، وجمع آل طولون وكانوا سبعة عشر رجلا فقتلهم واستحوذ على أموالهم وأملاكهم.

وانقضت دولة الطولونية على الديار المصرية، وكتب بالفتح إلى المكتفي.

وحج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمي، القائم بأمر الحجاج في السنين المتقدمة.

وممن توفي فيها من الأعيان:

إبراهيم بن عبد الله بن مسلم الكجي[عدل]

أحد المشايخ المعمرين، كان يحضر مجلسه خمسون ألفا ممن معه محبرة سوى النظارة، ويستملي عليه سبعة مستملين كل يبلغ صاحبه، ويكتب بعض الناس وهم قيام، وكان كلما حدث بعشرة آلاف حديث تصدق بصدقة، ولما فرغ من قراءة السنن عليه عمل مأدبة غرم عليها ألف دينار، وقال: شهدت اليوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلت شهادتي وحدي، أفلا أعمل شكرا لله عز وجل؟

وروى ابن الجوزي والخطيب عن أبي مسلم الكجي قال: خرجت ذات ليلة من المنزل، فمررت بحمام وعلي جنابة فدخلته فقلت للحمّامي: أدخل حمامك أحد بعد؟

فقال: لا.

فدخلت فلما فتحت باب الحمام الداخل إذا قائل يقول: أبا مسلم أسلم تسلم.

ثم أنشأ يقول:

لك الحمد إما على نعمة ** وإما على نقمة تدفع

تشاء فتفعل ما شئته ** وتسمع من حيث لا يسمع

قال: فبادرت فخرجت فقلت للحمامي: أنت زعمت أنه لم يدخل حمامك أحد.

فقال: نعم ! وما ذاك؟

فقلت: إني سمعت قائلا يقول كذا وكذا.

قال: وسمعته؟

قلت: نعم.

فقال: يا سيدي هذا رجل من الجان يتبدى لنا في بعض الأحيان فينشد الأشعار ويتكلم بكلام حسن فيه مواعظ.

فقلت: هل حفظت من شعره شيئا؟

فقال: نعم.

ثم أنشدني من شعره فقال هذه الأبيات:

أيها المذنب المفرط مهلا ** كم تمادى تكسب الذنب جهلا

كم وكم تسخط الجليل بفعل ** سمج وهو يحسن الصنع فعلا

كيف تهدا جفون من ليس يدري ** أرضيَ عنه من على العرش أم لا

عبد الحميد بن عبد العزيز أبو حاتم القاضي الحنفي، كان من خيار القضاة وأعيان الفقهاء ومن أئمة العلماء، ورعا نزها كثير الصيانة والديانة والأمانة.

وقد ذكر له ابن الجوزي في المنتظم آثارا حسنة وأفعالا جميلة رحمه الله.

ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائتين[عدل]

فيها: التف على أخي الحسين القرمطي المعروف بذي الشامة الذي قتل في التي قبلها خلائق من القرامطة بطريق الفرات، فعاث بهم في الأرض فسادا، ثم قصد طبرية فامتنعوا منه فدخلها قهرا، فقتل بها خلقا كثيرا من الرجال، وأخذ شيئا كثيرا من الأموال، ثم كرّ راجعا إلى البادية، ودخلت فرقة أخرى منهم إلى هيت فقتلوا أهلها إلا القليل، وأخذوا منها أموالا جزيلة حملوها على ثلاثة آلاف بعير، فبعث إليهم المكتفي جيشا فقاتلوهم وأخذوا رئيسهم فضربت عنقه.

ونبغ رجل من القرامطة يقال له: الداعية باليمن، فحاصر صنعاء فدخلها قهرا، وقتل خلقا من أهلها، ثم سار إلى بقية مدن اليمن فأكثر الفساد وقتل خلقا من العباد، ثم قاتله أهل صنعاء فظفروا به وهزموه، فأغار على بعض مدنها، وبعث الخليفة إليها مظفر بن حجاج نائبا، فسار إليها فلم يزل بها حتى مات.

وفي يوم عيد الأضحى دخلت طائفة من القرامطة إلى الكوفة فنادوا: يا ثارات الحسين - يعنون المصلوب في التي قبلها ببغداد - وشعارهم: يا أحمد يا محمد - يعنون الذين قتلوا معه - فبادر الناس الدخول من المصلى إلى الكوفة فدخلوا خلفهم فرمتهم العامة بالحجارة فقتلوا منهم نحو العشرين رجلا، ورجع الباقون خاسئين.

وفيها: ظهر رجل بمصر يقال له: الخليجي، فخلع الطاعة واجتمع إليه طائفة من الجند، فأمر الخليفة أحمد بن كنغلغ نائب دمشق وأعمالها فركب إليه فاقتتلا بظاهر مصر فهزمه الخليجي هزيمة منكرة، فبعث إليه الخليفة جيشا آخر فهزموا الخليجي وأخذوه، فسلم إلى الأمير الخليفة وانطفأ خبره، واشتغل الجيش بأمر الديار المصرية، فبعث القرامطة جيشا إلى بصرى صحبة رجل يقال له: عبد الله بن سعيد، كان يعلم الصبيان، فقصد بصرى وأذرعات والبثنية فحاربه أهلها ثم أمنهم فلما أن تمكن منهم قتل المقاتلة وسبى الذرية، ورام الدخول إلى دمشق فحاربه نائب دمشق أحمد بن كنغلغ، وهو صالح بن الفضل، فهزمه القرمطي وقتل صالح فيمن قتل وحاصر دمشق فلم يمكنه فتحها، فانصرف إلى طبرية فقتلوا أكثر أهلها ونهبوا منها شيئا كثيرا كما ذكرنا.

ثم ساروا إلى هيت ففعلوا بها ذلك كما تقدم، ثم ساروا إلى الكوفة في يوم عيد الأضحى كما ذكرنا.

كل ذلك بإشارة زكرويه بن مهرويه وهو مختف في بلده بين ظهراني قوم من القرامطة، فإذا جاءه الطلب نزل بئرا قد اتخذها ليختفي فيها، وعلى بابه تنور فتقوم امرأة فتسجره وتخبز فيه فلا يشعر به أصلا، ولا يدري أحد أين هو، فبعث الخليفة إليه جيشا فقاتلهم زكرويه بنفسه ومن أطاعه فهزم جيش الخليفة، وغنم من أموالهم شيئا كثيرا جدا فتقوى به، واشتد أمره، فندب الخليفة إليه جيشا آخر كثيفا فكان من أمره وأمرهم ما سنذكره.

وفيها: خرب إسماعيل بن أحمد الساماني نائب خراسان وما وراء النهر طائفة كبيرة من بلاد الأتراك.

وفيها: أغارت الروم على بعض أعمال حلب، فقتلوا ونهبوا وسبوا.

وفيها حج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمي.

وفيها توفي من الأعيان:

أبو العباس الناشي الشاعر[عدل]

واسمه عبد الله بن محمد أبو العباس المعتزلي، أصله من الأنبار وأقام ببغداد مدة ثم انتقل إلى مصر فمات بها، وكان جيد الذهن يعاكس الشعراء ويرد على المنطقيين والفروضيين، وكان شاعرا مطيقا إلا أنه كان فيه هوس، وله قصيدة حسنة في نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرناها في السيرة.

قال ابن خلكان: كان عالما في عدة علوم، من جملتها علم المنطق، وله قصيدة في فنون من العلم على روي واحد تبلغ أربعة آلاف بيت، وله عدة تصانيف وأشعار كثيرة.

عبيد بن محمد بن خلف أبو محمد البزار[عدل]

أحد الفقهاء من أصحاب أبي ثور، وكان عنده فقه أبي ثور، وكان من الثقات النبلاء.

نصر بن أحمد بن عبد العزيز أبو محمد الكندي الحافظ المعروف بنصرك، كان أحد حفاظ الحديث المشهورين، وكان الأمير خالد بن أحمد الذهلي نائب بخارى قد ضمه إليه وصنف له المسند.

توفي ببخارى في هذه السنة.

ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائتين[عدل]

في المحرم من هذه السنة اعترض زكرويه في أصحابه إلى الحجاج من أهل خراسان وهم قافلون من مكة فقتلهم عن آخرهم، وأخذ أموالهم وسبى نساءهم فكان قيمة ما أخذه منهم ألفي ألف دينار، وعدة من قتل عشرين ألف إنسان، وكانت نساء القرامطة يطفن بين القتلى من الحجاج وفي أيديهم الآنية من الماء يزعمن أنهن يسقين الجريح العطشان، فمن كلمهن من الجرحى قتلنه وأجهزن عليه، لعنهن الله ولعن أزواجهن.

ذكر مقتل زكرويه لعنه الله[عدل]

لما بلغ الخليفة خبر الحجيج وما أوقع بهم الخبيث، جهز إليه جيشا كثيفا، فالتقوا معه فاقتتلوا قتالا شديدا جدا، قتل من القرامطة خلق كثير ولم يبق منهم إلا القليل، وذلك في أول ربيع الأول منها.

وضرب رجل زكرويه بالسيف في رأسه فوصلت الضربة إلى دماغه، وأخذ أسيرا فمات بعد خمسة أيام، فشقوا بطنه وصّبروه وحملوه في جماعة من رؤوس أصحابه إلى بغداد، واحتوى عسكر الخليفة على ما كان بأيدي القرامطة من الأموال والحواصل، وأمر الخليفة بقتل أصحاب القرمطي وأن يطاف برأسه في سائر بلاد خراسان، لئلا يمتنع الناس عن الحج.

وأطلق من كان بأيدي القرامطة من النساء والصبيان الذين أسروهم.

وفيها: غزا أحمد بن كنغلغ نائب دمشق بلاد الروم من ناحية طرسوس، فقتل منهم نحوا من أربعة آلاف، وأسر من ذراريهم نحوا من خمسين ألفا، وأسلم بعض البطارقة وصحبته ونحو من مائتي أسير كانوا في حبسه من المسلمين، فأرسل ملك الروم جيشا في طلب ذلك البطريق، فركب في جماعة من المسلمين فكبس جيش الروم فقتل منهم مقتلة عظيمة وغنم غنيمة كثيرة جدا، ولما قدم على الخليفة أكرمه وأحسن إليه وأعطاه ما تمناه عليه.

وفيها: ظهر بالشام رجل فادعى أنه السفياني، فأخذ وبعث به إلى بغداد فادعى أنه موسوس فترك.

وحج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمي.

وفيها توفي من الأعيان: الحسين بن محمد بن حاتم بن يزيد بن علي بن مروان أبو علي، المعروف بعبيد العجلي، كان حافظا مكثرا متقنا مقدما في حفظ المسندات، توفي في صفر منها.

صالح بن محمد بن عمرو بن حبيب أبو علي الأسدي[عدل]

أسد خزيمة - المعروف بجزرة لأنه قرأ على بعض المشايخ كانت له خرزة يرقأ بها المريض، فقرأها هو جزرة تصحيفا منه فغلب عليه ذلك فلقب به، وقد كان حافظا مكثرا جوّالا رحالا طاف الشام ومصر وخراسان، وسكن بغداد ثم انتقل منها إلى بخارى فسكنها، وكان ثقة صدوقا أمينا، وله رواية كثيرة عن يحيى بن معين وسؤالات كثيرة، كان مولده بالرقة سنة عشر ومائتين.

وتوفي في هذه السنة: محمد بن عيسى بن محمد بن عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس المعروف بالبياضي===

لأنه حضر مجلس الخليفة وعليه ثياب البياض، فقال الخليفة: من ذاك البياضي؟

فعُرف به.

وكان ثقة روى عن ابن الأنباري وابن مقسم.

قتله القرامطة في هذه السنة.

محمد بن الإمام إسحاق بن راهويه[عدل]

سمع أباه وأحمد بن حنبل وغيرهما، وكان عالما بالفقه والحديث، جميل الطريقة حميد السيرة قتلته القرامطة في هذه السنة في جملة من قتلوا من الحجيج.

محمد بن نصر أبو عبد الله المروزي[عدل]

ولد ببغداد ونشأ بنيسابور واستوطن سمرقند، وكان من أعلم الناس باختلاف الصحابة والتابعين فمن بعدهم من أئمة الإسلام، وكان عالما بالأحكام، وقد رحل إلى الآفاق وسمع من المشايخ الكثير النافع وصنف الكتب المفيدة الحافلة النافعة، وكان من أحسن الناس صلاة وأكثرهم خشوعا فيها، وقد صنف كتابا عظيما في الصلاة.

وقد روى الخطيب عنه أنه قال: خرجت من مصر قاصدا مكة، فركبت البحر ومعي جارية فغرقت السفينة فذهب لي في الماء ألفا جزء وسلمت أنا والجارية فلجأنا إلى جزيرة فطلبنا بها ماء فلم نجد، فوضعت رأسي على فخذ الجارية ويئست من الحياة، فبينا أنا كذلك إذا رجل قد أقبل وفي يده كوز فقال: هاه، فأخذته فشربت منه وسقيت الجارية ثم ذهب فلم أدر من أين أقبل ولا إلى أين ذهب.

ثم إن الله سبحانه أغاثنا فنجانا من ذلك الغم.

وقد كان من أكرم الناس وأسخاهم نفسا.

وكان إسماعيل بن أحمد يصله في كل سنة بأربعة آلاف، ويصله أخوه إسحاق بن أحمد بأربعة آلاف، ويصله أهل سمرقند بأربعة آلاف فينفق ذلك كله، فقيل له: لو ادخرت شيئا لنائبة.

فقال: سبحان الله أنا كنت بمصر أنفق فيها في كل سنة عشرين درهما فرأيت إذا لم يحصل لي شيء من هذا المال لا يتهيأ لي في السنة عشرون درهما.

وكان محمد بن نصر المروزي إذا دخل على إسماعيل بن أحمد الساماني ينهض له ويكرمه، فعاتبه يوما أخوه إسحاق، فقال له: تقوم لرجل في مجلس حكمك، وأنت ملك خراسان؟

قال إسماعيل: فبت تلك الليلة وأنا مشتت القلب من قول أخي - وكانوا هم ملوك خراسان وما وراء النهر - قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول: يا إسماعيل ثبت ملكك وملك بنيك بتعظيمك محمد بن نصر، وذهب ملك أخيك باستخفافه بمحمد بن نصر. وقد اجتمع بالديار المصرية محمد بن نصر.

محمد بن جرير الطبري[عدل]

ومحمد بن المنذر، فجلسوا في بيت يكتبون الحديث ولم يكن عندهم في ذلك اليوم شيء يقتاتونه، فاقترعوا فيما بينهم أيهم يخرج يسعى لهم في شيء يأكلونه، فوقعت القرعة على محمد بن نصر هذا، فقام إلى الصلاة فجعل يصلي ويدعو الله عز وجل، وذلك وقت القائلة، فرأى نائب مصر - وهو طولون وقيل: أحمد بن طولون - في منامه في ذلك الوقت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول له:

أدرك المحدثين فإنهم ليس عندهم ما يقتاتونه.

فانتبه من ساعته فسأل من: ها هنا من المحدثين؟

فذكر له هؤلاء الثلاثة، فأرسل إليهم في الساعة الراهنة بألف دينار، فدخل الرسول بها عليهم وأزال الله ضررهم ويسر أمرهم.

واشترى طولون تلك الدار وبناها مسجدا وجعلها على أهل الحديث، وأوقف عليها أوقافا جزيلة.

وقد بلغ محمد بن نصر سنا عالية وكان يسأل الله ولدا فأتاه يوما إنسان فبشره بولد ذكر، فرفع يديه فحمد الله وأثنى عليه وقال: الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل، فاستفاد الحاضرون من ذلك عدة فوائد: منها أنه قد ولد له على الكبر ولد ذكر بعد ما كان يسأل الله عز وجل، ومنها أنه سمي يوم مولده كما سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولده إبراهيم يوم مولده قبل السابع، ومنها اقتداؤه بالخليل أول ولد له إسماعيل.

موسى بن هارون بن عبد الله أبو عمران[عدل]

المعروف والده بالحمال، ولد سنة أربع عشرة ومائتين، وسمع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما، وكان إمام عصره في حفظ الحديث ومعرفة الرجال، وكان ثقة متقنا شديد الورع عظيم الهيبة، قال عبد الغني بن سعيد الحافظ المصري: كان أحسن الناس كلاما على الحديث، أثنى عليه علي بن المديني ثم موسى بن هارون ثم الدارقطني.

ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائتين[عدل]

فيها: كانت المفاداة بين المسلمين والروم، وكان من جملة من استنقذ من أيدي الروم من نساء ورجال نحوا من ثلاثة آلاف نسمة، وفي المنتصف من صفر منها كانت وفاة إسماعيل بن أحمد الساماني أمير خراسان وما وراء النهر، وقد كان عاقلا عادلا حسن السيرة في رعيته حليما كريما.

وهو الذي كان يحسن إلى محمد بن نصر المروزي ويعظمه ويكرمه ويحترمه ويقوم له في مجلس ملكه، فلما مات تولى بعده ولده أحمد بن إسماعيل بن أحمد الساماني وبعث إليه الخليفة تشريفة.

وقد ذكر الناس يوما عند إسماعيل بن أحمد هذا الفخر بالأنساب فقال: إنما الفخر بالأعمال وينبغي أن يكون الإنسان عصاميا لا عظاميا - أي ينبغي أن يفتخر بنفسه لا بنسبه وبلده وجده - كما قال بعضهم: (وبجدِّي سموت لا بجدودي).

وقال آخر:

حسبي فخارا وشيمتي أدبي ** ولست من هاشم ولا العرب

إنّ الفتى من يقولُ ها أنا ذا ** وليس الفتى من يقولُ كانَ أبي

وفي ذي القعدة منها كانت وفاة الخليفة المكتفي بالله أبو محمد.

وفاة الخليفة المكتفي بالله أبو محمد ابن المعتضد[عدل]

وهذه ترجمته وذكر وفاته، وهو أمير المؤمنين المكتفي بالله بن المعتضد بن الأمير أبي أحمد الموفق بن المتوكل على الله، وقد ذكرنا أنه ليس من الخلفاء من اسمه علي سواه بعد علي بن أبي طالب، وليس من الخلفاء من يكنى بأبي محمد سوى الحسن بن علي بن أبي طالب وهو، وكان مولده في رجب سنة أربع وستين ومائتين، وبويع له بالخلافة بعد أبيه وفي حياته يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين، وعمره نحوا من خمس وعشرين سنة، وكان ربعة من الرجال جميلا رقيق الوجه حسن الشعر، وافر اللحية عريضها.

ولما مات أبوه المعتضد وولي هو الخلافة دخل عليه بعض الشعراء فأنشده:

أجلُ الرزايا أن يموتَ إمام ** وأسنى العطايا أن يقومَ إمامُ

فأسقى الذي مات الغمام وجوده ** ودامت تحيات له وسلامُ.

وأبقى الذي قامَ الآله وزاده ** مواهبُ لا يفنى لهنَّ دوام

وتمت له الآمالُ واتصلت بها ** فوائد موصول بهنَّ تمتم

هو المكتفي بالله يكفيه كلما ** عناهُ بركنٍ منه ليسَ برام

فأمر له بجائزة سنية وقد كان يقول الشعر، فمن ذلك قوله:

من لي بأن أعلم ما ألقى ** فتعرف مني الصبابة والعشقا

ما زال لي عبدا وحبي له ** صيرني عبدا له رقا

العتق من شأني ولكنني ** من حبِّه لا أملكُ العتقا

وكان نقش خاتمه: علي المتوكل على ربه.

وكان له من الولد محمد وجعفر وعبد الصمد وموسى و عبد الله وهارون والفضل وعيسى والعباس وعبد الملك.

وفي أيامه فتحت أنطاكية وكان فيها من أسارى المسلمين بشر كثير وجم غفير، ولما حضرته الوفاة سأل عن أخيه أبي الفضل جعفر بن المعتضد وقد صح عنده أنه بالغ، فأحضره في يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة منها وأحضر القضاة وأشهدهم على نفسه بأنه قد فوض أمر الخلافة إليه من بعده، ولقبه بالمقتدر بالله.

وتوفي بعد ثلاثة أيام وقيل: آخر يوم السبت بعد المغرب، وقيل: بين الظهر والعصر، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، ودفن في دار محمد بن عبد الله بن طاهر، عن ثنتين وقيل: ثلاث وثلاثين سنة، وكانت خلافته ست سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوما.

وأوصى بصدقة من خالص ماله ستمائة ألف دينار، وكان قد جمعها وهو صغير، وكان مرضه بداء الخنازير رحمه الله.

خلافة المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد[عدل]

جددت له البيعة بعد موت أخيه وقت السحر لأربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة من هذه السنة - أعني سنة خمس وتسعين ومائتين - وعمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة وشهر واحد وإحدى وعشرون يوما، ولم يل الخلافة أحد قبله أصغر منه، ولما جلس في منصب الخلافة صلى أربع ركعات ثم سلم ورفع صوته بالدعاء والاستخارة، ثم بايعه الناس بيعة العامة، وكتب اسمه على الرقوم وغيرها: المقتدر بالله، وكان في بيت مال الخاصة خمسة عشر ألف ألف دينار، وفي بيت مال العامة ستمائة ألف دينار ونيف، وكانت الجواهر الثمينة في الحواصل من لدن بني أمية وأيام بني العباس قد تناهى جمعها، فما زال يفرقها في حظاياه وأصحابه حتى أنفذها، وهذا حال الصبيان وسفهاء الولاة، وقد استوزر جماعة من الكتاب يكثر تعدادهم، منهم أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات، ولاّه ثم عزله بغيره، ثم أعاده ثم عزله ثم قتله، وقد استقصى ذكرهم ابن الجوزي.

وكان له من الخدم والحشمة التامة والحجّاب شيء كثير جدا، وكان كريما وفيه عبادة مع هذا كله كان كثير الصلاة كثير الصيام تطوعا، وفي يوم عرفة في أول ولايته فرق من الأغنام والأبقار ثلاثين ألف رأس، ومن الإبل ألفي بعير، وردّ الرسوم والأرزاق والكلف إلى ما كانت عليه في زمن الأوائل من بني العباس، وأطلق أهل الحبوس الذين يجوز إطلاقهم، فوكل أمر ذلك إلى القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، وكان قد بنيت له أبنية في الرحبة صرف عليها في كل شهر ألف دينار، فأمر بهدمها ليوسع على المسلمين الطرقات، وسيأتي ذكر شيء من أيامه في ترجمته.

وفيها توفي من الأعيان:

أبو إسحاق المزكي[عدل]

إبراهيم بن محمد بن يحيى بن سختويه بن عبد الله أبو إسحاق المزكي، الحافظ الزاهد، إمام أهل عصره بنيسابور في معرفة الحديث والرجال والعلل، وقد سمع خلقا من المشايخ الكبار، ودخل على الإمام أحمد وذاكره، وكان مجلسه مهيبا ويقال: إنه كان مجاب الدعوة، وكان لا يملك الإداره التي يسكنها وحانوتا يستغله كل شهر سبعة عشر درهما ينفقها على نفسه وعياله، وكان لا يقبل من أحد شيئا، وكان يطبخ له الجزر بالخل فيأتدم به طول الشتاء، وقد قال أبو علي الحسين بن علي الحافظ: لم ترَ عيناي مثله.

أبو الحسين النوري[عدل]

أحد أئمة الصوفية اسمه أحمد بن محمد، ويقال: محمد بن محمد، والأول أصح ويعرف بابن البغوي، أصله من خراسان وحدّث عن سرى السقطي ثم صار هو من أكابر أئمة القوم، قال أبو أحمد المغازلي: ما رأيت أحدا قط أعبد من أبي الحسين النوري، قيل له: ولا الجنيد؟

قال: ولا الجنيد ولا غيره.

وقال غيره: صام عشرين سنة لا يعلم به أحد لا من أهله ولا من غيره.

وتوفي في مسجد وهو مقنّع فلم يعلم به أحد إلا بعد أربعة أيام.

إسماعيل بن أحمد بن سامان[عدل]

أحد ملوك خراسان وهو الذي قتل عمرو بن الليث الصفار الخارجي، وكتب بذلك إلى المعتضد فولاّه خراسان ثم ولاّه المكتفي الري وما وراء النهر وبلاد الترك، وقد غزا بلادهم وأوقع بهم بأسا شديدا، وبنى الربط في الطرقات يسع الرباط منها ألف فارس، وأوقف عليهم أوقافا جزيلة، وقد أهدى إليه طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث هدايا جزيلة منها ثلاث عشرة جوهرة زنة كل جوهرة منها ما بين السبع مثاقيل إلى العشرة، وبعضها أحمر وبعضها أزرق قيمتها مائة ألف دينار، فبعث بها إلى الخليفة المعتضد وشفع في طاهر فشفعه فيه.

ولما مات إسماعيل بن أحمد وبلغ المكتفي موته تمثّل بقول أبي نواس:

لن يخلفَ الدهر مثلهم أبدا ** هيهاتِ هيهاتِ شأنهُ عجبُ

المعمري الحافظ[عدل]

صاحب عمل اليوم والليلة، وهو الحسن بن علي بن شبيب أبو علي المعمري الحافظ، رحل وسمع من الشيوخ وأدرك خلقا منهم علي بن المديني ويحيى بن معين، وعنه ابن صاعد والنجاد والجلدي، وكان من بحور العلم وحفاظ الحديث، صدوقا ثبتا، وقد كان يشبك أسنانه بالذهب من الكبر، لأنه جاوز الثمانين، وكان يكنى أولا بأبي القاسم، ثم بأبي علي، وقد ولي القضاء للبرتي على القصر وأعمالها وإنما قيل له المعمري بأمه أم الحسن بنت أبي سفيان صاحب معمر بن راشد.

وقد صنف المعمري كتابا جيدا في عمل يوم وليلة، واسمه الحسن بن علي بن شبيب أبو علي المعمري، توفي ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من المحرم.

عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب واسم أبي شعيب عبد الله بن مسلم أبو شعيب الأموي الحرَّاني المؤدب المحدث ابن المحدث، تولد سنة ست وثمانين ومائتين، سمع أباه وجده وعفان بن مسلم وأبا خيثمة، كان صدوقا ثقة مأمونا، توفي في ذي الحجة منها.

علي بن أحمد المكتفي بالله تقدم ذكره.

أبو جعفر الترمذي محمد بن محمد بن نصر أبو جعفر الترمذي الفقيه الشافعي[عدل]

كان من أهل العلم والزهد، ووثقه الدارقطني، كان مأمونا ناسكا.

وقال القاضي أحمد بن كامل: لم يكن لأصحاب الشافعي بالعراق أرأس منه، ولا أورع: كان متقللا في المطعم على حالة عظيمة فقرا وورعا وصبرا، وكان ينفق في كل شهر أربعة دراهم، وكان لا يسأل أحدا شيئا، وكان قد اختلط في آخر عمره، توفي في المحرم منها.

ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائتين[عدل]

في ربيع الأول منها اجتمع جماعة من القواد والجند والأمراء على خلع المقتدر وتولية عبد الله بن المعتز الخلافة، فأجابهم على أنه لا يُسفك بسببه دم، وكان المقتدر قد خرج يلعب بالصولجان فقصد إليه الحسين بن حمدان يريد أن يفتك به، فلما سمع المقتدر الصيحة بادر إلى دار الخلافة فأغلقها دون الجيش، واجتمع الأمراء والأعيان والقضاة في دار المخرمي، فبايعوا عبد الله بن المعتز، وخوطب بالخلافة ولقب بالمرتضى بالله.

وقال الصولي: إنما لقبوه المنتصف بالله، واستوزر أبا عبيد الله محمد بن داود، وبعث إلى المقتدر يأمره بالتحول من دار الخلافة إلى دار ابن طاهر لينتقل إليها، فأجابه بالسمع والطاعة، فركب الحسين بن حمدان من الغد إلى دار الخلافة ليتسلمها، فقاتله الخدم ومن فيها، ولم يسلموها إليه، وهزموه فلم يقدر على تخليص أهله وماله إلا بالجهد.

ثم ارتحل من فوره إلى الموصل، وتفرق نظام ابن المعتز وجماعته فأراد ابن المعتز أن يتحول إلى سامرا لينزلها، فلم يتبعه أحد من الأمراء، فدخل دار ابن الجصاص فاستجار به فأجاره، ووقع النهب في البلد واختبط الناس وبعث المقتدر إلى أصحاب ابن المعتز فقبض عليهم وقتل أكثرهم وأعاد ابن الفرات إلى الوزارة، فجدد البيعة إلى المقتدر، وأرسل إلى دار ابن الجصاص فتسلمها.

وأحضر ابن المعتز وابن الجصاص فصادر ابن الجصاص بمال جزيل جدا، نحو ستة عشر ألف ألف درهم ثم أطلقه، واعتقل ابن المعتز، فلما دخل في ربيع الآخر ليلتان ظهر للناس موته وأخرجت جثته فسلمت إلى أهله فدفن، وصفح المقتدر عن بقية من سعى في هذه الفتنة حتى لا تفسد نيات الناس.

قال ابن الجوزي: ولا يعرف خليفة خلع ثم أعيد إلا الأمين والمقتدر.

وفي يوم السبت لأربع بقين من ربيع الأول سقط ببغداد ثلج عظيم، حتى اجتمع على الأسطحة منه نحو أربعة أصابع، وهذا غريب في بغداد جدا، ولم تخرج السنة حتى خرج الناس يستسقون لأجل تأخر المطر عن إبانة.

وفي شعبان منها خلع على مونس الخادم، وأمر بالمسير إلى طرسوس لأجل غزو الروم.

وفيها: أمر المقتدر بأن لا يستخدم أحد من اليهود والنصارى في الدواوين، وألزموا بلزومهم بيوتهم، وأن يلبسوا المساحي ويضعوا بين أكتافهم رقاعا ليعرفوا بها، وألزموا بالذلِّ حيث كانوا.

وحج بالناس فيها الفضل ابن عبد الملك الهاشمي، ورجع كثير من الناس من قلة الماء بالطريق.

وفيها توفي من الأعيان:

أحمد بن محمد بن زكريا بن أبي عتاب أبو بكر البغدادي[عدل]

الحافظ، ويعرف بأخي ميمون.

روى عن نصر بن علي الجهضمي وغيره، وروى عنه الطبراني، وكان يمتنع من أن يحدث وإنما يسمع منه في المذاكرة.

توفي في شوال منها.

أبو بكر الأثرم[عدل]

أحمد بن محمد بن هاني الطائي الأثرم تلميذ الإمام أحمد، سمع عفان وأبا الوليد والقعنبي وأبا نعيم وخلقا كثيرا، وكان حافظا صادقا قوي الذاكرة، كان ابن معين يقول عنه: كان أحد أبويه جنيّا لسرعة فهمه وحفظه، وله كتب مصنفة في العلل والناسخ والمنسوخ، وكان من بحور العلم.

عبد الحميد بن عبد العزيز أبو حاتم القاضي الحنفي، كان من خيار القضاة وأعيان الفقهاء، ومن أئمة العلماء ورعا نزها كثير الصيانة والديانة والأمانة، وقد ذكر له ابن الجوزي في المنتظم:

خلف بن عمرو بن عبد الرحمن بن عيسى[عدل]

أبو محمد العكبري، سمع الحديث وكان ظريفا وكان له ثلاثون خاتما وثلاثون عكازا، يلبس في كل يوم من الشهر خاتما ويأخذ في يده عكازا، ثم يستأنف ذلك في الشهر الثاني، وكان له سوط معلق في منزله، فإذا سئل عن ذلك قال: ليرهب العيال منه.

ابن المعتز الشاعر والخليفة[عدل]

عبد الله بن المعتز بالله محمد بن المتوكل على الله جعفر بن المعتصم بالله محمد بن الرشيد، يكنى أبو العباس الهاشمي العباسي، كان شاعرا مطيقا فصيحا بليغا مطبقا، وقريش قادة الناس في الخير ودفع الشر.

وقد سمع المبرد وثعلبا، وقد روي عنه من الحكم والآداب شيء كثير، فمن ذلك قوله: أنفاس الحي خطايا.

أهل الدنيا ركب يسار بهم وهو نيام، ربما أورد الطمع ولم يصدر، ربما شرق شارب الماء قبل ريه، من تجاوز الكفاف لم يغنه الإكثار، كلما عظم قدر المتنافس فيه عظمت الفجيعة به، من ارتحله الحرص أضناه الطلب.

وروي انضاه الطلب أي: أضعفه، والأول معناه أمرضه.

الحرص نقص من قدر الإنسان ولا يزيد في حظه شيئا، أشقى الناس أقربهم من السلطان، كما أن أقرب الأشياء إلى النار أقربها حريقا.

من شارك السلطان في عزِّ الدنيا شاركه في ذلِّ الآخرة، يكفيك من الحاسد أنه يغتم وقت سرورك.

الفرصة سريعة الفوت بعيدة العود، الأسرار إذا كثرت خزانها ازدادت ضياعا، العزل نصحك من تيه الولاة.

الجزع أتعب من الصبر، لا تشن وجه العفو بالتقريع، تركة الميت عزّ للورثة وذلّ له.

إلى غير ذلك من كلامه وحكمه.

ومن شعره مما يناسب المعنى قوله:

بادر إلى مالكٍ ورِّثه ** ما المرءُ في الدنيا بلباث

كم جامعٍ يخنق أكياسه ** قد صارَفي ميزانِ ميراث

وله أيضا:

ياذا الغنى والسطوة القاهرة ** والدولة الناهية الآمرة

ويا شياطين بني آدمٍ ** ويا عبيدَ الشهوةِ الفاجرة

انتظرو الدنيا وقد أدبرت ** وعن قليل تلدُ الآخرة

وله أيضا:

ابكِ يانفسُ وهاتي ** توبةً قبلَ الممات

قبل أن يفجعنا الده ** رُ ببينٍ وشتات

لا تخونيني إذا متُ ** وقامت بي نعاتي

إنما الوفي بعهدي ** من وفى بعد وفاتي

قال الصولي: نظر ابن المعتز في حياة أبيه الخليفة إلى جارية فأعجبته، فمرض من حبها، فدخل أبوه عليه عائدا فقال له: كيف تجدك؟

فأنشأ يقول:

أيها العاذلون لا تعذلوني ** وانظروا حسنَ وجهها تعذروني

وانظروا هل ترونَ أحسنَ منها ** إن رأيتم شبيهها فاعذلوني

قال: ففحص الخليفة عن القصة واستعلم خبر الجارية، ثم بعث إلى سيدها فاشتراها منه بسبعة آلاف دينار، وبعث بها إلى ولده.

وقد تقدم أن في ربيع الأول من هذه السنة اجتمع الأمراء والقضاة على خلع المقتدر وتولية عبد الله بن المعتز هذا، ولقب بالمرتضى والمنتصف بالله، فما مكث بالخلافة إلا يوما أو بعض يوم، ثم انتصر المقتدر وقتل غالب من خرج عليه واعتقل ابن المعتز عنده في الدار ووكل به مونس الخادم فقتل في أوائل ربيع الآخر لليلتين خلتا منه، ويقال: إنه أنشد في آخر يوم من حياته وهو معتل:

يانفسُ صبرا لعل الخرً عقباكِ ** خانتكِ من بعد طولِ الأمن دنياك

مرت بنا سحرا طير فقلتُ لها ** طوباكِ ياليتني إياكِ طوباك

إن كانَ قصدك شرقا فالسلامُ على ** شاطي الصراة أبلغي إن كان مسراك

من موثقٍ بالمنايا لا فكاكَ له ** يبكي الدماءَ على إلفٍ له باكي

فربَّ آمنة جاءت منيتها ** وربَّ مفلتة من بين أشراك

أظنه آخرَ الأيام من عمري ** وأوشكَ اليومَ أن يبكيَ لي الباكي

ولما قدم ليقتل أنشأ يقول:

فقل للشامتينَ بنا رُوَيدا ** أمامكمُ المصائبُ والخطوبُ

هو الدهرُ لا بد من أن ** يكونَ إليكم منهُ ذنوبُ

ثم كان ظهور قتله لليلتين من ربيع الآخر منها.

وقد ذكر له ابن خلكان مصنفات كثيرة، منها (طبقات الشعراء) وكتاب (أشعار الملوك) وكتاب (الآداب)وكتاب (البديع)، وكتاب في الغناء وغير ذلك.

وذكر أن طائفة من الأمراء خلعوا المقتدر وبايعوه بالخلافة يوما وليلة، ثم تمزق شمله واختفى في بيت ابن الجصاص الجوهري، ثم ظهر عليه فقتل، وصودر ابن الجصاص بألفي دينار، وبقي معه ستمائة ألف دينار.

وكان ابن المعتز أسمر اللون مدور الوجه يخضب بالسواد، عاش خمسين سنة، وذكر شيئا من كلامه وأشعاره رحمه الله.

محمد بن الحسين بن حبيب[عدل]

أبو حصين الوادعي القاضي، صاحب المسند، من أهالي الكوفة، قدم بغداد وحدث بها عن أحمد بن يونس اليربوعي ويحيى بن عبد الحميد، وجندل بن والق، وعنه ابن صاعد والنجاد والمحاملي.

قال الدارقطني: كان ثقة، توفي بالكوفة.

محمد بن داود بن الجراح أبو عبد الله الكاتب[عدل]

عم الوزير علي بن عيسى، كان من أعلم الناس بالأخبار وأيام الخلفاء، له مصنفات في ذلك روى عن عمر بن شيبة وغيره، كانت وفاته في ربيع الأول منها عن ثلاث وخمسين سنة.

ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائتين[عدل]

فيها: غزا القاسم بن سيما الصائفة، وفادى يونس الخادم الأسارى الذين بأيدي الروم، وحكى ابن الجوزي عن ثابت بن سنان: أنه رأى في أيام المقتدر ببغداد امرأة بلا ذراعين ولا عضدين، وإنما كفاها ملصقان بكتفيها، لاتسطيع أن تعمل بهما شيئا، وإنما كانت تعمل برجليها ما تعمله النساء بأيديهن: الغزل والفتل ومشط الرأس وغير ذلك.

وفيها: تأخرت الأمطار عن بغداد، وارتفعت الأسعار بها، وجاءت الأخبار بأن مكة جاءها سيل عظيم غرق أركان البيت، وفاضت زمزم، ولم ير ذلك قبل هذه السنة.

وحج بالناس الفضل الهاشمي.

وفيها توفي من الأعيان:

محمد بن داود بن علي[عدل]

أبو بكر الفقيه ابن الفقيه الظاهري، كان عالما بارعا أديبا شاعرا فقيها ماهرا، له كتاب (الزهرة) اشتغل على أبيه وتبعه في مذهبه ومسلكه وما اختاره من الطرائق وارتضاه، وكان أبوه يحبه ويقربه ويدنيه.

قال رويم بن محمد: كنا يوما عند داود إذ جاء ابنه هذا باكيا فقال: مالك؟

فقال: إن الصبيان يلقبونني عصفور الشوك.

فضحك أبوه فاشتد غضب الصبي وقال لأبيه: أنت أضر علي منهم، فضمه أبوه إليه وقال: لا إله إلا الله، ما الألقاب إلا من السماء ما أنت يابني إلا عصفور الشوك.

ولما توفي أبوه أجلس في مكانه في الحلقة، فاستصغره الناس عن ذلك، فسأله سائل يوما عن حد السُّكر فقال: إذا غربت عنه الفهوم وباح بسره المكتوم.

فاستحسن الحاضرون منه ذلك، وعظم في أعين الناس.

قال ابن الجوزي في المنتظم: وقد ابتلي بحب صبي اسمه محمد بن جامع، ويقال: محمد بن زحرف، فاستعمل العفاف والدين في حبه، ولم يزل ذلك دأبه فيه حتى كان سبب وفاته في ذلك.

قلت: فدخل في الحديث المروي عن ابن عباس موقوفا عليه ومرفوعا عنه: من عشق فكتم فعف فمات مات شهيدا.

وقد قيل عنه: إنه كان يبيح العشق بشرط العفاف.

وحكى هو عن نفسه أنه لم يزل يتعشق منذ كان في الكتَّاب، وأنه صنف كتاب (الزهرة) في ذلك من صغره، ورد ما وقف أبوه داود على بعض ذلك، وكان يتناظر هو وأبو العباس بن شريح كثيرا بحضرة القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، فيعجب الناس من مناظرتهما وحسنها.

وقد قال له ابن شريح يوما في مناظرته: أنت بكتاب الزهرة أشهر منك بهذا.

فقال له: تعيرنى بكتاب الزهرة وأنت لا تحسن تشتم قراءته، وهو كتاب جمعناه هزلا فاجمع أنت مثله جدا.

وقال القاضي أبوعمر: كنت يوما أنا وأبو بكر بن داود راكبين فإذا جارية تغني بشيء من شعره:

أشكو إليك فؤادا أنت متلفهُ ** شكوى عليلٍ إلى إلفٍ يعلله

سُقمي تزيد على الأيام كثرتهُ ** وأنت في عظم ما ألقى تقلِّلهُ

الله حرمَ قتلي في الهوى أسفا ** وأنت يا قاتلي ظلما تحلِّلهُ

فقال أبو بكر: كيف السبيل إلى استرجاع هذا؟

فقلت: هيهات سار به الركبان.

كانت وفاة محمد بن داود رحمه الله في رمضان من هذه السنة، وجلس ابن شريح لعزاه وقال: ما أثني إلا على التراب الذي أكل لسان محمد بن داود رحمه الله.

محمد بن عثمان بن أبي شيبة[عدل]

أبو جعفر، حدث عن يحيى بن معين وعلي بن المديني وخلق، وعنه ابن صاعد والخلدي والباغندي وغيرهم، وله كتاب في التاريخ وغيره من المصنفات، وقد وثقه صالح بن محمد جزرة وغيره، وكذبه عبد الله بن الإمام أحمد وقال: هو كذاب بينِّ الأمر، وتعجب ممن يروي عنه، توفي في ربيع الأول منها.

محمد بن طاهر بن عبد الله بن الحسن بن مصعب من بيت الإمارة والحشمة، باشر نيابة العراق مدة ثم خراسان، ثم ظفر به يعقوب بن الليث في سنة ثمان وخمسين فأسره، وبقي معه يطوف به الآفاق أربع سنين، ثم تخلص منه في بعض الوقعات ونجا بنفسه، ولم يزل مقيما ببغداد إلى أن توفي في هذه السنة.

موسى بن إسحاق[عدل]

ابن موسى بن عبد الله أبو بكر الأنصارى الخطمي، مولده سنة عشر ومائتين، سمع أباه وأحمد ابن حنبل وعلي بن الجعد وغيرهم، وحدث عنه الناس وهو شاب وقرؤوا عليه القرآن، وكان ينتحل مذهب الشافعي، وولي قضاء الأهواز، وكان ثقة فاضلا عفيفا فصيحا كثير الحديث.

توفي في المحرم منها.

يوسف بن يعقوب[عدل]

ابن إسماعيل بن حماد بن زيد، والد القاضي أبي عمر، وهو الذي قتل الحلاج، كان يوسف هذا من أكابر العلماء وأعيانهم، ولد سنة ثمان ومائتين، وسمع سليمان بن حرب وعمرو بن مرزوق وهدبة ومسددا، وكان ثقة، ولي قضاء البصرة وواسط والجانب الشرقي من بغداد، وكان عفيفا شديد الحرمة نزها، جاءه يوما بعض خدم الخليفة المعتضد، فترفع في المجلس على خصمه، فأمره حاجب القاضي أن يساوي خصمه، فامتنع إدلالا بجاهه عند الخليفة، فزبره القاضي وقال: ائتوني بدلال النخس حتى أبيع هذا العبد وأبعث بثمنه إلى الخليفة، وجاء حاجب القاضي فأخذه بيده وأجلسه مع خصمه، فلما انقضت الحكومة رجع الخادم إلى المعتضد فبكى بين يديه فقال له: مالك؟

فأخبره بالخبر وما أراد القاضي من بيعه، فقال: والله لو باعك لأجزت بيعه ولما استرجعتك أبدا، فليس خصوصيتك عندي تزيل مرتبة الشرع فإنه عمود السلطان وقوام الأديان، كانت وفاته في رمضان منها.

ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائتين[عدل]

فيها قدم القاسم بن سيما من بلاد الروم، فدخل بغداد ومعه الأسارى والعلوج، بأيديهم أعلام عليها صلبان من الذهب وخلق من الأسارى.

وفيها: قدمت هدايا نائب خراسان أحمد بن إسماعيل ابن أحمد الساماني، من ذلك مائة وعشرون غلاما بحرابهم وأسلحتهم وما يحتاجون إليه، وخمسون بازا وخمسون جملا تحمل من مرتفع الثياب وخمسون رطلا من مسك وغير ذلك.

وفيها: فلج القاضي عبد الله بن علي بن محمد بن عبد الملك بن أبى الشوارب، فقلد مكانه على الجانب الشرقي والكرخ ابنه محمد.

وفيها: في شعبان أخذ رجلان يقال: لأحدهما أبو كبيرة والآخر يعرف بالسمري، فذكروا أنهما من أصحاب رجل يقال له: محمد بن بشر، وأنه يدعى الربوبية.

وفيها: وردت الأخبار بأن الروم قصدت اللاذقية.

وفيها: وردت الأخبار بأن ريحا صفراء هبت بمدينة الموصل، فمات من حرها بشر كثير.

وفيها حج بالناس الفضل الهاشمي.

وفيها توفى من الأعيان:

ابن الراوندي[عدل]

أحد مشاهير الزنادقة، كان أبوه يهوديا فأظهر الإسلام، ويقال: إنه حرف التوراة، كما عادى ابنه القرآن بالقرآن وألحد فيه، وصنف كتابا في الرد على القرآن سماه (الدامغ)، وكتابا في الرد على الشريعة والإعتراض عليها سماه (الزمردة)، وكتابا يقال له: التاج في معنى ذلك، وله كتاب (الفريد)، وكتاب (إمامة المفضول الفاضل).

وقد انتصب للرد على كتبه هذه جماعة، منهم الشيخ أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي شيخ المعتزلة في زمانه، وقد أجاد في ذلك. وكذلك ولده أبو هاشم عبد السلام ابن أبى علي، قال الشيخ أبو علي: قرأت كتاب هذا الملحد الجاهل السفيه ابن الراوندى، فلم أجد فيه إلا السفه والكذب والافتراء. قال: وقد وضع كتابا في قدم العالم، ونفي الصانع، وتصحيح مذهب الدهرية، والرد على أهل التوحيد، ووضع كتابا في الرد على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعة عشر موضعا، ونسبه إلى الكذب - يعنى النبي صلى الله عليه وسلم - وطعن على القرآن، ووضع كتابا لليهود والنصارى، وفضل دينهم على المسلمين والإسلام، يحتج لهم فيها على إبطال نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك من الكتب التي تبين خروجه عن الإسلام.

نقل ذلك ابن الجوزي عنه.

وقد أورد ابن الجوزي في منتظمه طرفا من كلامه وزندقته وطعنه على الآيات والشريعة، ورد عليه في ذلك وهو أقل وأخس وأذل من أن يلتفت إليه وإلى جهله وكلامه وهذيانه وسفهه وتمويهه.

وقد أسند إليه حكايات من المسخرة والاستهتار والكفر والكبائر، منها ما هو صحيح عنه، ومنها ماهو مفتعل عليه ممن هو مثله وعلى طريقه ومسلكه في الكفر والتستر في المسخرة، يخرجونها في قوالب مسخرة وقلوبهم مشحونة بالكفر والزندقة، وهذا كثير موجود فيمن يدّعي الإسلام وهو منافق، يتمسخرون بالرسول ودينه وكتابه.

وهؤلاء ممن قال الله تعالى فيهم: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ** لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ... } الآية [التوبة:65-66] .

وقد كان أبو عيسى الوراق مصاحبا لابن الراوندي قبحهما الله، فلما علم الناس بأمرهما طلب السلطان أبا عيسى فأودع السجن حتى مات.

وأما ابن الراوندي فهرب فلجأ إلى ابن لاوي اليهودي، وصنف له في مدة مقامه عنه كتابه الذي سماه (الدامغ للقرآن) فلم يلبث بعده إلا أياما يسيرة حتى مات لعنه الله.

ويقال: إنه أخذ وصلب.

قال أبو الوفاء بن عقيل: ورأيت في كتاب محقق أنه عاش ستا وثلاثين سنة مع ما انتهى إليه من التوغل في المخازي في هذا العمر القصير لعنه الله وقبحه ولا رحم عظامه.

وقد ذكره ابن خلكان في الوفيات وقلس عليه ولم يخرجه بشيء، ولا كأن الكلب أكل له عجينا، على عادته في العلماء والشعراء، فالشعراء يطيل تراجمهم، والعلماء يذكر لهم ترجمة يسيرة، والزنادقة يترك ذكر زندقتهم.

وأرخ ابن خلكان تاريخ وفاته في سنة خمس وأربعين ومائتين، وقد وهم وهما فاحشا، والصحيح أنه توفي في هذه السنة كما أرخه ابن الجوزي وغيره.

وفيها توفي:

الجنيد بن محمد بن الجنيد[عدل]

أبو القاسم الخزاز، ويقال له: القواريري، أصله من نهاوند، ولد ببغداد ونشأ بها.

وسمع الحديث من الحسين بن عرفة.

وتفقه بأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، وكان يفتي بحضرته وعمره عشرون سنة، وقد ذكرناه في طبقات الشافعية، واشتهر بصحبة الحارث المحاسبي، وخاله سري السقطي، ولازم التعبد، ففتح الله عليه بسبب ذلك علوما كثيرة، وتكلم على طريقة الصوفية.

وكان ورده في كل يوم ثلاثمائة ركعة، وثلاثين ألف تسبيحة.

ومكث أربعين سنة لا يأوي إلى فراش، ففتح عليه من العلم النافع والعمل الصالح بأمور لم تحصل لغيره في زمانه، وكان يعرف سائر فنون العلم، وإذا أخذ فيها لم يكن له فيها وقفة ولا كبوة، حتى كان يقول في المسألة الواحدة وجوها كثيرة لم تخطر للعلماء ببال، وكذلك في التصوف وغيره.

ولما حضرته الوفاة جعل يصلي ويتلو القرآن، فقيل له: لورفقت بنفسك في مثل هذا الحال؟

فقال: لا أحد أحوج إلى ذلك مني الآن، وهذا أوان طي صحيفتي.

قال ابن خلكان: أخذ الفقه عن أبي ثور، ويقال: كان يتفقه على مذهب سفيان الثوري، وكان ابن سريح يصحبه ويلازمه، وربما استفاد منه أشياء في الفقه لم تخطر له ببال، ويقال: إنه سأله مرة عن مسألة.

فأجابه فيها بجوابات كثيرة، فقال: يا أبا القاسم ألم أكن أعرف فيها سوى ثلاثة أجوبة مما ذكرت فأعدها عليّ.

فأعادها بجوابات أخرى كثيرة.

فقال: والله ما سمعت هذا قبل اليوم، فأعده فأعاده بجوابات أخرى غير ذلك.

فقال له: لم أسمع بمثل هذا فأمله عليّ حتى أكتبه.

فقال الجنيد: لئن كنت أجريه فأنا أمليه، أي: إن الله هو الذي يجري ذلك على قلبي وينطق به لساني، وليس هذا مستفاد من كتب ولا من تعلم، وإنما هذا من فضل الله عز وجل يلهمنيه ويجريه على لساني.

فقال: فمن أين استفدت هذا العلم؟

قال: من جلوسي بين يدي الله أربعين سنة.

والصحيح أنه كان على مذهب سفيان الثوري وطريقه، والله أعلم.

وسئل الجنيد عن العارف؟

فقال: من نطق عن سرك وأنت ساكت.

وقال: مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في مذهبنا وطريقتنا.

ورأى بعضهم معه مسبحة فقال له: أنت مع شرفك تتخذ مسبحة؟

فقال: طريق وصلت به إلى الله لا أفارقه.

وقال له خاله السري: تكلم على الناس.

فلم ير نفسه موضعا.

فرأى في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: تكلم على الناس.

فغدا على خاله، فقال له: لم تسمع مني حتى قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فتكلم على الناس، فجاءه يوما شاب نصراني في صورة مسلم، فقال له: يا أبا القاسم ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله»؟.

فأطرق الجنيد، ثم رفع رأسه إليه وقال: أسلم فقد آن لك أن تسلم.

قال: فأسلم الغلام.

وقال الجنيد: ما انتفعت بشيء انتفاعي بأبيات سمعتها من جارية تغني بها في غرفة وهي تقول:

إذا قلتُ: أهدى الهجرُ لي حِللَ البِلى ** تقولين: لولا الهجرُ لم يطب الحبُّ

وإن قلتُ: هذا القلبُ أحرقه الجوى ** تقولين لي: إنَّ الجوى شرف القلب

وإن قلت: ما أذنبت، قالت مجيبة: ** حياتك ذنب لا يقاس به ذنب

قال: فصعقت وصحت، فخرج صاحب الدار فقال: ياسيدي مالك؟

قلت: مما سمعت.

قال: هي هبة مني إليك.

فقلت: قد قبلتها وهي حرة لوجه الله، ثم زوجتها لرجل فأولدها ولدا صالحا، حج على قدميه ثلاثين حجة.

وفيها توفي:

سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور أبو عثمان الواعظ[عدل]

ولد بالري، ونشأ بها، ثم انتقل إلى نيسابور فسكنها إلى أن مات بها، وقد دخل بغداد.

وكان يقال: إنه مجاب الدعوة.

قال الخطيب: أخبرنا عبد الكريم بن هوازن قال: سمعت أبا عثمان يقول: منذ أربعين سنة ما أقامني الله في حالة فكرهتها، ولا نقلني إلى غيرها فسخطتها.

وكان أبو عثمان ينشد:

أسأت ولم أحسن، وجئتك هاربا ** وأين لعبد عن مواليه مهرب؟

يؤمل غفرانا، فإن خاب ظنه ** فما أحد منه على الأرض أخيب

وروى الخطيب أنه سئل: أي أعمالك أرجى عندك؟

فقال: إني لما ترعرعت وأنا بالري وكانوا يريدونني على التزويج فأمتنع، فجائتني امرأة فقالت: يا أبا عثمان قد أحببتك حبا أذهب نومي وقراري، وأنا أسألك بمقلب القلوب وأتوسل به إليه لما تزوجتني.

فقلت: ألك والد؟

فقالت: نعم.

فأحضرته فاستدعى بالشهود فتزوجتها، فلما خلوت بها إذا هي عوراء عرجاء شوهاء -مشوهة الخلق - فقلت: اللهم لك الحمد على ما قدرته لي، وكان أهل بيتي يلومونني على تزويجي بها، فكنت أزيدها برا وإكراما، وربما احتبستني عندها ومنعتني من الحضور إلى بعض المجالس، وكأني كنت في بعض أوقاتي على الجمر وأنا لا أبدي لها من ذلك شيئا.

فمكثت كذلك خمس عشرة سنة، فما شيء أرجى عندي من حفظي عليها ما كان في قلبها من جهتي.

وفيها توفي:

سمنون بن حمزة[عدل]

ويقال ابن عبد الله، أحد مشايخ الصوفية، كان ورده في كل يوم وليلة خمسمائة ركعة، وسمى نفسه سمنونا الكذاب لقوله:

فليس لي في سواك حظ ** فكيفما شئت فامتحني

فابتلي بعسر البول فكان يطوف على المكاتب ويقول للصبيان: ادعوا لعمكم الكذاب.

وله كلام متين في المحبة، ووسوس في آخر عمره، وله كلام في المحبة مستقيم.

وفيها توفي:

صافي الحربي[عدل]

كان من أكابر أمراء الدولة العباسية، أوصى في مرضه أن ليس له عند غلامه القاسم شيء، فلما مات حمل غلامه القاسم إلى الوزير ألف دينار وسبعمائة وعشرين منطقة من الذهب مكللة، فاستمروا به على إمرته ومنزلته.

إسحاق بن حنين بن إسحاق[عدل]

أبو يعقوب العبادي - نسبة إلى قبائل الجزيرة - الطبيب ابن الطبيب، له ولأبيه مصنفات كثيرة في هذا الفن، وكان أبوه يعرب كلام إرسططاليس وغيره من حكماء اليونان، توفي في هذه السنة.

الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا[عدل]

أبو عبد الله الشيعي، الذي أقام الدعوة للمهدي، وهو عبد الله بن ميمون الذي يزعم أنه فاطمي وقد زعم غير واحد من أهل التاريخ أنه كان يهوديا صباغا بسلمية، والمقصود الآن: أن أبا عبد الله الشيعي دخل بلاد إفريقيا وحدهم فقيرا لا مال له ولا رجال، فلم يزل يعمل الحيلة حتى انتزع الملك من يد أبي مضر زيادة الله، آخر ملوك بني الأغلب على بلاد إفريقية، واستدعى حينئذ مخذومه المهدي من بلاد المشرق، فقدم فلم يخلص إليه إلا بعد شدائد طوال، وحبس في أثناء الطريق، فاستنقذه هذا الشيعي وسلمه من الهلكة، فندمه أخوه أحمد وقال له: ماذا صنعت؟وهلا كنت استبددت بالأمر دون هذا؟

فندم وشرع يعمل الحيلة في المهدي، فاستشعر المهدي بذلك فدس إليهما من قتلهما في هذه السنة بمدينة رقادة من بلاد القيروان، من إقليم إفريقية.

هذا ملخص ما ذكره ابن خلكان.

ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائتين[عدل]

قال ابن الجوزي: وفيها ظهرت ثلاث كواكب مذنبة، أحدها في رمضان، واثنان في ذي القعدة تبقى أياما ثم تضمحل.

وفيها: وقع طاعون بأرض فارس مات فيه سبعة آلاف إنسان.

وفيها: غضب الخليفة على الوزير علي بن محمد بن الفرات، وعزله عن الوزارة، وأمر بنهب داره فنهبت أقبح نهب، واستوزر أبا علي محمد بن عبد الله بن يحيى بن خاقان، وكان قد التزم لأم ولد المعتضد بمائة ألف دينار حتى سعت في ولايته.

وفيها: وردت هدايا كثيرة من الأقاليم من ديار مصر وخراسان وغيرها، من ذلك خمسمائة ألف دينار من مصر استخرجت من كنز وجد هناك من غير موانع كما يدعيه كثير من جهلة العوام وغيرهم من ضعيفي الأحلام، مكرا وخديعة ليأكلوا أموال الطغام والعوام أهل الطمع والآثام، وقد وجد في هذا الكنز ضلع إنسان طوله أربعة أشبار وعرضه شبر، وذكر أنه من قوم عاد فالله أعلم.

وكان من جملة هدية مصر تيس له ضرع يحلب لبنا.

ومن ذلك بساط أرسله ابن أبي الساج في جملة هداياه، طوله سبعون ذراعا وعرضه ستون ذراعا، عمل في عشر سنين لا قيمة له، وهدايا فاخرة أرسلها أحمد بن إسماعيل بن أحمد الساماني من بلاد خراسان كثيرة جدا.

وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك العباسي، أمير الحجيج من مدة طويلة.

وفيها توفي من الأعيان:

أحمد بن نصر بن إبراهيم أبو عمرو الخفاف[عدل]

الحافظ، كان يذاكر بمائة ألف حديث، سمع إسحاق بن راهويه وطبقته، وكان كثير الصيام سرده نيفا وثلاثين سنة، وكان كثير الصدقة، سأله سائل فأعطاه درهمين فحمد الله فجعلها خمسة، فحمد الله فجعلها عشرة، ثم ما زال يزيده ويحمد السائل الله حتى جعلها مائة.

فقال: جعل الله عليك واقية باقية.

فقال للسائل: والله لو لزمت الحمد لأزيدنك ولو إلى عشرة آلاف درهم.

البهلول بن إسحاق بن البهلول[عدل]

ابن حسان بنم سنان أبو محمد التنوخي، سمع إسماعيل بن أبي أويس، وسعيد بن منصور ومصعبا الزبيري وغيرهم، وعنه جماعة آخرهم أبو بكر الإسماعيلي الجرجاني الحافظ، وكان ثقة حافظا ضابطا بليغا فصيحا في خطبه.

توفي فيها عن خمس وتسعين سنة.

الحسين بن عبد الله بن أحمد أبو علي الخرقي[عدل]

صاحب المختصر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، كان خليفة للمروذي.

توفي يوم عيد الفطر ودفن عند قبر الإمام أحمد بن حنبل.

محمد بن إسماعيل أبو عبد الله المغربي[عدل]

حج على قدميه سبعا وتسعين حجة، وكان يمشي في الليل المظلم حافيا كما يمشي الرجل في ضوء النهار، وكان المشاة يأتمون به فيرشدهم إلى الطريق، وقال: ما رأيت ظلمة منذ سنين كثيرة، وكانت قدماه مع كثرة مشيه كأنهما قدما عروس مترفة، وله كلام مليح نافع، ولما مات أوصى أن يدفن إلى جانب شيخه علي بن رزين، فهما على جبل الطور.

قال أبو نعيم: كان أبو عبد الله المغربي من المعمرين، توفي عن مائة وعشرين سنة، وقبره بجبل طور سينا عند قبر أستاذه علي بن رزين.

قال أبو عبد الله: أفضل الأعمال عمارة الأوقاف.

وقال: الفقير هو الذي لا يرجع إلى مستند في الكون غير الإلتجاء إلى من إليه فقره ليعينه بالاستعانة كما عزره بالافتقار إليه.

وقال: أعظم الناس ذلا فقير داهن غنيا وتواضع له، وأعظم الناس عزا غني تذلل لفقير أو حفظ حرمته.

محمد بن أبي بكر بن أبي خيثمة[عدل]

أبو عبد الله الحافظ بن الحافظ كان أبوه يستعين به في جمع التاريخ، وكان فهما حاذقا حافظا، توفي في ذي القعدة منها.

محمد بن أحمد بن كيسان النحوي[عدل]

أحد حفاظه والمكثرين منه، كان يحفظ طريقة البصريين والكوفيين معا.

قال ابن مجاهد: كان ابن كيسان أنحى من الشيخين المبرّد وثعلب.

محمد بن يحيى[عدل]

أبو سعيد، سكن دمشق، روى عن إبراهيم بن سعد الجوهري، وأحمد بن منيع، وابن أبي شيبة وغيرهم، روى عنه أبو بكر النقاش وغيره، وكان محمد بن يحيى هذا يدعى بحامل كفنه، وذلك ما ذكره الخطيب قال: بلغني أنه توفي فغسل وكفن وصلي عليه ودفن، فلما كان الليل جاء نباش ليسرق كفنه ففتح عليه قبره.

فلما حل عنه كفنه استوى جالسا، وفر النباش هاربا من الفزع، ونهض محمد بن يحيى هذا فأخذ كفنه معه، وخرج من القبر وقصد منزله فوجد أهله يبكون عليه، فدق عليهم الباب فقالوا: من هذا؟

فقال: أنا فلان.

فقالوا: يا هذا لا يحل لك أن تزيدنا حزنا إلى حزننا.

فقال: افتحوا والله أنا فلان.

فعرفوا صوته، فلما رأوه فرحوا به فرحا شديدا، وأبدل الله حزنهم سرورا، ثم ذكر لهم ما كان من أمره وأمر النباش.

وكأنه قد أصابته سكتة، ولم يكن قد مات حقيقة فقدر الله بحوله وقوته أن بعث له هذا النباش ففتح عليه قبره، فكان ذلك سبب حياته، فعاش بعد ذلك عدة سنين، ثم كانت وفاته في هذه السنة.

فاطمة القهرمانة[عدل]

غضب عليها المقتدر مرة فصادرها، وكان في جملة ما أخذ منها مائتي ألف دينار، ثم غرقت في طيارة لها في هذه السنة.

ثم دخلت سنة ثلاثمائة من الهجرة[عدل]

فيها: كثر ماء دجلة وتراكمت الأمطار ببغداد، وتناثرت نجوم كثيرة في ليلة الأربعاء لسبع بقين من جمادى الآخرة.

وفيها: كثرت الأمراض ببغداد والأسقام وكلبت الكلاب حتى الذئاب بالبادية.

وكانت تقصد الناس بالنهار فمن عضته أكلبته.

وفيها: انحسر جبل بالدينور يعرف بالتل فخرج من تحته ماء عظيم غرّق عدة من القرى.

وفيها: سقطت شرذمة - أي: قطعة - من جبل لبنان إلى البحر.

وفيها: حملت بغلة ووضعت مهرة.

وفيها: صلب الحسين بن منصور الحلاج وهو حي أربعة أيام، يومين في الجانب الشرقي ويومين في الجانب الغربي، وذلك في ربيع الأول منها.

وحج بالناس أمير الحجيج المتقدم ذكره في السنين قبلها وهو الفضل بن عبد الملك الهاشمي العباسي أثابه الله وتقبل منه.

وفيها توفي من الأعيان:

الأحوص بن الفضل[عدل]

ابن معاوية بن خالد بن غسان، أبو أمية الغلابي القاضي بالبصرة وغيرها، روى عن أبيه التاريخ، استتر مرة عنده ابن الفرات، فلما أعيد إلى الوزارة ولاه قضاء البصرة والأهواز وواسط.

وكان عفيفا نزها، فلما نكب ابن الفرات قبض عليه نائب البصرة فأودعه السجن فلم يزل به حتى مات فيه فيها.

قال ابن الجوزي: ولا نعلم قاضيا مات في السجن سواه.

عبيد الله بن عبد الله بن طاهر[عدل]

ابن الحسين بن مصعب أبو أحمد الخزاعي، ولي إمرة بغداد.

وحدث عن الزبير بن بكار وعنه الصولي والطبراني، وكان أديبا فاضلا، ومن شعره:

حق التنائي بين أهل الهوى ** تكاتب يسخن عين النوى

وفي التداني لا انقضى عمره ** تزاور يشفى غليل الجوى

واتفق له مرة أن جارية له مرضت فاشتهت ثلجا، وكان حظية عنده، فلم يوجد الثلج إلا عند رجل، فساومه وكيله على رطل منه فامتنع من بيعه إلا كل رطل بالعراقي بخمسة آلاف درهم -وذلك لعلم صاحب الثلج بحاجتهم إليه - فرجع الوكيل ليشاوره فقال: ويحك اشتره ولو بما عساه أن يكون، فرجع إلى صاحب الثلج فقال: لا أبيعه إلا بعشرة آلاف. فاشتراه بعشرة آلاف ثم اشتهت الجارية ثلجا أيضا - وذلك لموافقته لها - فرجع فاشترى منه رطلا آخر بعشرة آلاف.

ثم آخر بعشرة آلاف وبقي عند صاحب الثلج رطلان فنطفت نفسه إلى أكل رطل منه ليقول: أكلت رطلا من الثلج بعشرة آلاف، فأكله وبقي عنده رطل فجاءه الوكيل فامتنع أن يبيعه الرطل إلا بثلاثين ألفا فاشتراه منه فشفيت الجارية وتصدقت بمال جزيل فاستدعى سيدها صاحب الثلج فأعطاه من تلك الصدقة مالا جزيلا فصار من أكثر الناس مالا بعد ذلك، واستخدمه ابن طاهر عنده والله أعلم.

ومن توفي في حدود الثلاثمائة من الهجرة:

الصنوبري الشاعر[عدل]

وهو محمد بن أحمد بن محمد بن مراد أبو بكر الضبي الصنوبري الحنبلي.

قال الحافظ ابن عساكر: كان شاعرا محسنا.

وقد حكى عن علي بن سليمان الأخفش، ثم ذكر أشياء من لطائف شعره فمن ذلك قوله:

لا النوم أدرى به ولا الأرق ** يدري بهذين من به رمق

إن دموعي من طول ما استبقت ** كلّت فما تستطيع تستبق

ولي مَلك لم تبد صورته ** مذ كان إلا صلّت له الحدق

نويت تقبيل نار وجنته ** وخفت أدنو منها فأحترق

وله أيضا:

شمس غدا يشبه شمسا غدت **وخدها في النور من خده

تغيب في فيه ولكنها ** من بعد ذا تطلع في خده

وقد روى الحافظ البيهقي عن شيخه الحاكم عن أبي الفضل نصر بن محمد الطوسي قال: أنشدنا أبو بكر الصنوبري فقال:

هدم الشيب ما بناه الشباب ** والغواني ما عصين خضاب

قلب الآبنوس عاجا ** فللأعين منه والقلوب انقلاب

وضلال في الرأي أن يشنأ الـ ** ـبازي على حسنه ويهوى الغراب

وله أيضا وقد أورده ابن عساكر في ابن له فطم فجعل يبكي على ثديه:

منعوه أحب شيء إليه ** من جميع الورى ومن والديه

منعوه غذاه ولقد كان ** مباحا له وبين يديه

عجبا له على صغر السن ** هوى فاهتدى الفراق إليه

إبراهيم بن أحمد بن محمد[عدل]

ابن المولد، أبو إسحاق الصوفي الواعظ الرقي أحد مشايخها، روى الحديث وصحب أبا عبد الله ابن الجلاء الدمشقي، والجنيد وغير واحد.

وروى عنه تمام بن محمد وأبو عبد الرحمن السلمي.

وقد أورد ابن عساكر من شعره قوله:

لكِ مني على البعاد نصيب ** لم ينله على الدنو حبيب

وعلى الطرف من سواكِ حجاب ** وعلى القلب من هواكِ رقيب

زين في ناظري هواك وقلبي ** والهوى فيه رائع ومشوب

كيف يغني قرب الطبيب عليلا ** أنت أسقمته وأنت الطبيب

وقوله:

الصمت آمن من كل نازلة ** من ناله نال أفضل الغنم

ما نزلت بالرجال نازلة ** أعظم ضرا من لفظة نعم

عثرة هذا اللسان مهلكة ** ليست لدينا كعثرة القدم

احفظ لسانا يلقيك في تلف ** فرب قول أذل ذا كرم

ثم دخلت سنة إحدى وثلاثمائة[عدل]

فيها: غزا الحسين بن حمدان الصائفة، ففتح حصونا كثيرة من بلاد الروم، وقتل منها أمما لا يحصون كثرة.

وفيها: عزل المقتدر محمد بن عبيد الله عن وزارته، وقلدها عيسى بن علي، وكان من خيار الوزراء وأقصدهم للعدل والإحسان واتباع الحق.

وفيها: كثرت الأمراض الدموية ببغداد في تموز وآب، فمات من ذلك خلق كثير من أهلها.

وفيها: وصلت هدايا صاحب عمان، ومن جملتها بغلة بيضاء، وغزال أسود.

وفي شعبان منها: ركب المقتدر إلى باب الشماسية على الخيل ثم انحدر إلى داره في دجلة - وكانت أول ركبة ركبها جهرة للعامة -.

وفيها: استأذن الوزير علي بن عيسى الخليفة المقتدر في مكاتبة رأس القرامطة أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي، فأذن له، فكتب كتابا طويلا، يدعوه فيه إلى السمع والطاعة، ويوبخه على ما يتعاطاه من ترك الصلاة، والزكاة، وارتكاب المنكرات، وإنكارهم على من يذكر الله ويسبحه ويحمده، واستهزائهم بالدين واسترقاقهم الحرائر، ثم توعده بالحرب وتهدده بالقتل، فلما سار بالكتاب نحوه قتل أبو سعيد قبل أن يصله قتله بعض خدمه، وعهد بالأمر من بعده لولده سعيد فغلبه على ذلك أخوه أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد، فلما قرأ كتاب الوزير أجابه بما حاصله: إن هذا الذي تنسب إلينا مما ذكرتم لم يثبت عندكم إلا من طريق من يشنع علينا، وإذا كان الخليفة ينسبنا إلى الكفر بالله فكيف يدعونا إلى السمع والطاعة له؟

وفيها: جيء بالحسين بن منصور الحلاج إلى بغداد، وهو مشهور على جمل وغلام له راكب جملا آخر، ينادي عليه: أحد دعاة القرامطة فاعرفوه، ثم حبس ثم جيء به إلى مجلس الوزير فناظره، فإذا هو لا يقرأ القرآن، ولا يعرف في الحديث ولا الفقه شيئا ولا في اللغة ولا في الأخبار ولا في الشعر شيئا.

وكان الذي نقم عليه: أنه وجدت له رقاع يدعو فيها الناس إلى الضلالة والجهالة بأنواع من الرموز، يقول في مكاتباته كثيرا: تبارك ذو النور الشعشعاني.

فقال له الوزير: تعلمك الطهور والفروض أجدى عليك من رسائل لا تدري ما تقول فيها، وما أحوجك إلى الأدب.

ثم أمر به فصلب حيا صلب الإشتهار لا القتل، ثم أنزل فأجلس في دار الخلافة، فجعل يظهر لهم أنه على السنة، وأنه زاهد، حتى اغتر به كثير من الخدام وغيرهم من أهل دار الخلافة من الجهلة، حتى صاروا يتبركون به ويتمسحون بثيابه.

وسيأتي ما صار إليه أمره حين قتل بإجماع الفقهاء وأكثر الصوفية.

ووقع في هذه السنة في آخرها: ببغداد وباء شديد جدا مات بسببه بشر كثير، ولا سيما بالحربية غلقت عامة دورها. وحج بالناس فيها الأمير المتقدم ذكره.

وفيها توفي من الأعيان:

إبراهيم بن خالد الشافعي[عدل]

جمع العلم والزهد، وهو من تلاميذ أبى بكر الإسماعيلي.

جعفر بن محمد[عدل]

ابن الحسين بن المستفاض أبو بكر الفريابي، قاضي الدينور، طاف البلاد في طلب العلم، وسمع الكثير من المشايخ الكثيرين، مثل قتيبة وأبى كريب وعلي بن المديني، وعنه أبو الحسين بن المنادي والنجاد وأبو بكر الشافعي وخلق، واستوطن بغداد وكان ثقة حافظا حجة، وكان عدة من يحضر مجلسه نحوا من ثلاثين ألفا، والمستملون عليه منهم فوق الثلاثمائة، وأصحاب المحابر نحوا من عشرة آلاف.

توفي في المحرم منها عن أربع وتسعين سنة، وكان قد حفر لنفسه قبرا قبل وفاته بخمس سنين، وكان يأتيه فيقف عنده.

ثم لم يقض له الدفن فيه بل دفن بمكان آخر.

رحمه الله حيث كان.

أبو سعيد الجنابي القرمطي[عدل]

وهو الحسن بن بهرام قبحه الله رأس القرامطة، والذي يعول عليه في بلاد البحرين وما والاها.

(علي بن أحمد الراسبي)كان يلي بلاد واسط إلى شهر زور وغير ذلك، وقد خلف من الأموال شيئا كثيرا، فمن ذلك ألف ألف دينار، ومن آنيه الذهب والفضة نحو مائة ألف دينار، ومن البقر ألف ثور، ومن الخيل والبغال والجمال ألف رأس.

محمد بن عبد الله بن علي بن محمد بن أبي الشوارب[عدل]

يعرف بالأحنف، كان قد ولي قضاء مدينة المنصور نيابة عن أبيه حين فلج، مات في جمادى الأولى منها.

وتوفي أبوه في رجب منها، بينهما ثلاثة وسبعون يوما، ودفنا في موضع واحد.

أبو بكر محمد بن هارون البردعي[عدل]

الحافظ بن ناجية والله سبحانه وتعالى أعلم.

ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثمائة[عدل]

فيها: ورد كتاب مؤنس الخادم بأنه قد أوقع بالروم بأسا شديدا، وقد أسر منهم مائة وخمسين بطريقا -أي: أميرا -ففرح المسلمون بذلك.

وفيها: ختن المقتدر خمسة من أولاده، فغرم على ختانهم ستمائة ألف دينار، وقد ختن قبلهم ومعهم خلقا من اليتامى، وأحسن إليهم بالمال والكساوي، وهذا صنيع حسن إن شاء الله.

وفيها: صادر المقتدر أبا علي بن الجصاص بستة عشر ألف ألف دينار، غير الآنية والثياب الثمينة.

وفيها: أدخل الخليفة أولاده إلى المكتب، وكان يوما مشهودا.

وفيها: بنى الوزير المارستان بالحربية من بغداد، وأنفق عليه أموالا جزيلة، جزاه الله خيرا.

وحج بالناس فيها الفضل الهاشمي.

وقطعت الأعراب وطائفة من القرامطة الطريقين على الراجعين من الحجيج، وأخذوا منهم أموالا كثيرة وقتلوا منهم خلقا وأسروا أكثر من مائتي امرأة حرة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وفيها توفي من الأعيان:

بشر بن نصر بن منصور[عدل]

أبو القاسم الفقيه الشافعي، من أهل مصر يعرف بغلام عَرَق، وعرق خادم من خدام السلطان كان يلي البريد، فقدم معه بهذا الرجل مصر فأقام بها حتى مات بها.

بدعة جارية غريب المغنية، بذل لسيدتها فيها مائة ألف دينار وعشرون ألف دينار من بعض من رغب فيها من الخلفاء فعرض ذلك عليها فكرهت مفارقة سيدتها، فأعتقتها سيدتها في موتها، وتأخرت وفاتها إلى هذه السنة، وقد تركت من المال العين والأملاك مالم يملكه رجل.

القاضي أبو زرعه محمد بن عثمان الشافعي[عدل]

قاضي مصر ثم دمشق، وهو أول من حكم بمذهب الشافعي بالشام وأشاعه بها وقد كان أهل الشام على مذهب الأوزاعي من حين مات إلى هذه السنة.

وثبت على مذهب الأوزاعي بقايا كثيرون لم يفارقوه، وكان ثقة عدلا من سادات القضاة، وكان أصله من أهل الكتاب من اليهود، ثم أسلم وصار إلى ما صار إليه.

وقد ذكرنا ترجمته في طبقات الشافعية.

ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثمائة[عدل]

فيها: وقف المقتدر بالله أموالا جزيلة وضياعا على الحرمين الشريفين، واستدعى بالقضاة والأعيان، وأشهدهم على نفسه بما وقفه من ذلك.

وفيها: قدم إليه بجماعة من الأسارى من الأعراب الذين كانوا قد اعتدوا على الحجيج، فلم يتمالك العامة أن اعتدوا عليهم فقتلوهم، فأخذ بعضهم فعوقب لكونه افتات على السلطان.

وفيها: وقع حريق شديد في سوق النجارين ببغداد فأحرق السوق بكامله، وفي ذي الحجة منها مرض المقتدر ثلاثة عشر يوما، ولم يمرض في خلافته مع طولها إلا هذه المرضة.

وحج بالناس فيها الفضل الهاشمي ولما خاف الوزير على الحجاج القرامطة كتب إليهم رسالة ليشغلهم بها، فاتهمه بعض الكتاب بمراسلته القرامطة، فلما انكشف أمره وما قصده حظي بذلك عند الناس جدا.

وممن توفي من الأعيان:

النسائي[عدل]

أحمد بن علي ابن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار، أبو عبد الرحمن النسائي صاحب السنن، الإمام في عصره والمقدم على أضرابه وأشكاله وفضلاء دهره، رحل إلى الآفاق، واشتغل بسماع الحديث والاجتماع بالأئمة الحذاق، ومشايخه الذين روى عنهم مشافهة قد ذكرناهم في كتابنا التكميل وترجمناه أيضا هنالك، وروى عنه خلق كثير، وقد جمع السنن الكبير وانتخب منه ما هو أقل حجما منه بمرات.

وقد وقع لي سماعهما.

وقد أبان في تصنيفه عن حفظ وإتقان وصدق وإيمان وعلم وعرفان.

قال الحاكم عن الدارقطني: أبو عبد الرحمن النسائي مقدم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره، وكان يسمي كتابه الصحيح.

وقال أبو علي الحافظ: للنسائي شرط في الرجال أشد من شرط مسلم بن الحجاج، وكان من أئمة المسلمين.

وقال أيضا: هو الإمام في الحديث بلا مدافعة.

وقال أبو الحسين محمد بن مظفر الحافظ سمعت مشايخنا بمصر يعترفون له بالتقدم والإمامة، ويصفون من اجتهاده في العبادة بالليل والنهار ومواظبته على الحج والجهاد.

وقال غيره كان يصوم يوما ويفطر يوما، وكان له أربع زوجات وسريتان، وكان كثير الجماع، حسن الوجه مشرق اللون.

قالوا: وكان يقسم للإماء كما يقسم للحرائر.

وقال الدارقطني: كان أبو بكر بن الحداد كثير الحديث ولم يرو عن أحد سوى النسائي وقال: رضيت به حجة فيما بيني وبين الله عز وجل.

وقال ابن يونس: كان النسائي إماما في الحديث ثقة ثبتا حافظا، كان خروجه من مصر في سنة ثنتين وثلاثمائة.

وقال ابن عدي: سمعت منصورا الفقيه وأحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي يقولان: أبو عبد الرحمن النسائي إمام من أئمة المسلمين، وكذلك أثنى عليه غير واحد من الأئمة وشهدوا له بالفضل والتقدم في هذا الشأن.

وقد ولي الحكم بمدينة حمص.

سمعته من شيخنا المزي عن رواية الطبراني في معجمه الأوسط حيث قال: حدثنا أحمد بن شعيب الحاكم بحمص وذكروا أنه كان له من النساء أربع نسوة، وكان غاية الحسن، وجهه كأنه قنديل، وكان يأكل في كل يوم ديكا ويشرب عليه نقيع الزبيب الحلال، وقد قيل عنه: إنه كان ينسب إليه شيء من التشيع.

قالوا: ودخل إلى دمشق فسأله أهلها أن يحدثهم بشيء من فضائل معاوية فقال: أما يكفي معاوية أن يذهب رأسا برأس حتى يروى له فضائل؟

فقاموا إليه فجعلوا يطعنون في خصيتيه حتى أخرج من المسجد الجامع، فسار من عندهم إلى مكة فمات بها في هذه السنة، وقبره بها هكذا حكاه الحاكم عن محمد بن إسحاق الأصبهاني عن مشايخه.

وقال الدارقطني: كان أفقه مشايخ مصر في عصره، وأعرفهم بالصحيح من السقيم من الآثار، وأعرفهم بالرجال، فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه فخرج إلى الرملة، فسئل عن فضائل معاوية فأمسك عنه فضربوه في الجامع، فقال: أخرجوني إلى مكة، فأخرجوه وهو عليل، فتوفي بمكة مقتولا شهيدا مع ما رزق من الفضائل رزق الشهادة في آخر عمره، مات مكة سنة ثلاث وثلاثمائة.

قال الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الغنى بن نقطة في تقييده ومن خطه نقلت ومن خط أبي عامر محمد بن سعدون العبدري الحافظ: مات أبو عبد الرحمن النسائي بالرملة مدينة فلسطين يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاثمائة، ودفن ببيت المقدس.

وحكى ابن خلكان أنه توفي في شعبان من هذه السنة، وأنه إنما صنف الخصائص في فضل علي وأهل البيت، لأنه رأى أهل دمشق حين قدمها في سنة ثنتين وثلاثمائة عندهم نفرة من علي وسألوه عن معاوية فقال ما قال، فدققوه في خصيتيه فمات.

وهكذا ذكر ابن يونس وأبو جعفر الطحاوي: إنه توفي بفلسطين في صفر من هذه السنة، وكان مولده في سنة خمس عشرة أو أربع عشرة ومائتين تقريبا عن قوله، فكان عمره ثمانيا وثمانين سنة.

الحسن بن سفيان[عدل]

ابن عامر بن عبد العزيز بن النعمان بن عطاء، أبو العباس الشيباني النسوي، محدث خراسان، وقد كان يضرب إليه آباط الإبل في معرفة الحديث والفقه.

رحل إلى الآفاق وتفقه على أبي ثور، وكان يفتي بمذهبه، وأخذ الأدب عن أصحاب النضر بن شميل، وكانت إليه الرحلة بخراسان.

ومن غريب ما اتفق له: أنه كان هو وجماعة من أصحابه بمصر في رحلتهم إلى الحديث، فضاق عليهم الحال حتى مكثوا ثلاثة أيام لا يأكلون فيها شيئا، ولا يجدون ما يبيعونه للقوت، واضطرهم الحال إلى تجشم السؤال، وأنفت أنفسهم من ذلك وعزت عليهم وامتنع كل الامتناع، والحاجة تضطرهم إلى تعاطي ذلك، فاقترعوا فيما بينهم أيهم يقوم بأعباء هذا الأمر، فوقعت القرعة على الحسن بن سفيان هذا

فقام عنهم فاختلى في زاوية المسجد الذي هم فيه فصلى ركعتين أطال فيهما واستغاث بالله عز وجل، وسأله بأسمائه العظام، فما انصرف من الصلاة حتى دخل عليهم المسجد شاب حسن الهيئة مليح الوجه فقال: أين الحسن بن سفيان؟

فقلت: أنا.

فقال: الأمير طولون يقرأ عليكم السلام ويعتذر إليكم في تقصيره عنكم، وهذه مائة دينار لكل واحد منكم.

فقلنا له: ما الحامل له على ذلك؟

فقال: إنه أحب أن يختلي اليوم بنفسه، فبينما هو الآن نائم إذ جاءه فارس في الهواء بيده رمح فدخل عليه منزله ووضع عقب الرمح في خاصرته فوكزه وقال: قم فأدرك الحسن بن سفيان وأصحابه، قم فأدركهم، قم فأدركهم، فإنهم منذ ثلاث جياع في المسجد الفلاني.

فقال له: من أنت؟

فقال: أنا رضوان خازن الجنة.

فاستيقظ الأمير وخاصرته تؤلمه ألما شديدا، فبعث بالنفقة في الحال إليكم.

ثم جاء لزيارتهم واشترى ما حول ذلك المجلس ووقفه على الواردين عليه من أهل الحديث، جزاه الله خيرا.

وقد كان الحسن بن سفيان رحمه الله من أئمة هذا الشأن وفرسانه وحفاظه، وقد اجتمع عنده جماعة من الحفاظ منهم ابن جرير الطبري وغيره، فقرؤوا عليه شيئا من الحديث وجعلوا يقلبون الأسانيد ليستعلموا ما عنده من العلم، فما قلبوا شيئا من الإسناد إلا ردّهم فيه إلى الصواب، وعمره إذ ذاك سبعون سنة، وهو في هذا السن حافظ ضابط لا يشذ عنه شيء من حديثه.

ومن فوائده: العبسي كوفي، والعيشي بصري، والعنسي مصري.

رويم بن أحمد[عدل]

ويقال: ابن محمد بن رويم بن يزيد، أبو الحسن، ويقال: أبو محمد، أحد أئمة الصوفية، كان عالما بالقرآن ومعانيه، وكان يتفقه على مذهب داود بن علي الظاهري، قال بعضهم: كان رويم يكتم حب الدنيا أربعين سنة، ومعناه أنه تصوف أربعين سنة، ثم لما ولي إسماعيل بن إسحاق القضاء ببغداد جعله وكيلا في بابه، فترك التصوف ولبس الخز والقصب والديبقى وركب الخيل وأكل الطيبات وبنى الدور.

زهير بن صالح بن الإمام أحمد بن حنبل

روى عن أبيه وعنه أبو بكر أحمد بن سليمان النجاد، كان ثقة، مات وهو شاب، قاله الدارقطني.

أبو علي الجبائي[عدل]

شيخ المعتزلة، واسمه محمد بن عبد الوهاب أبو علي الجبائي شيخ طائفة الاعتزال في زمانه، وعليه اشتغل أبو الحسن الأشعري ثم رجع عنه، وللجبائي تفسير حافل مطول، له فيه اختيارات غريبة في التفسير، وقد رد عليه الأشعري فيه وقال: وكأن القرآن نزل في لغة أهل جباء.

كان مولده في سنة خمس وثلاثين ومائتين، ومات في هذه السنة.

أبو الحسن بن بسام الشاعر[عدل]

واسمه علي بن أحمد بن منصور بن نصر بن بسام البسامي الشاعر المطبق للهجاء، فلم يترك أحدا حتى هجاه حتى أباه وأمه أمامة بنت حمدون النديم.

وقد أورد له ابن خلكان أشياء كثيرة من شعره، فمن ذلك قوله في تخريب المتوكل قبر الحسن بن علي وأمره بأن يزرع ويمحي رسمه، وكان شديد التحامل على علي وولده.

فلما وقع ما ذكرناه سنة ست وثلاثين ومائتين.

قال ابن بسام هذا في ذلك:

تالله إن كانت أمية قد أتت ** قتل ابن بنت نبيها مظلوما

فلقد أتاه بنو أبيه بمثله ** هذا لعمرك قبره مهدوما

أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا ** في قتله فتتبعوه رميما

ثم دخلت سنة أربع وثلاثمائة[عدل]

فيها عزل المقتدر وزيره أبا الحسن علي بن عيسى بن الجراح، وذلك لأنه وقعت بينه وبين أم موسى القهرمانة نفرة شديدة، فسأل الوزير أن يُعفى من الوزارة فعزل ولم يتعرضوا لشيء من أملاكه.

وطلب أبو الحسن بن الفرات فأعيد إلى الوزارة بعد عزله عنها خمس سنين، وخلع عليه الخليفة يوم التروية سبع خلع، وأطلق إليه ثلاثمائة ألف درهم، وعشرة تخوت ثياب، ومن الخيل والبغال والجمال شيء كثير، وأقطع الدار التي بالحريم فسكنها، وعمل فيها ضيافة تلك الليلة فسقى فيها أربعين ألف رطل من الثلج.

وفي نصف هذه السنة اشتهر ببغداد أن حيوانا يقال له: الزرنب، يطوف بالليل يأكل الأطفال من الأسرّة ويعدو على النيام فربما قطع يد الرجل وثدي المرأة وهو نائم.

فجعل الناس يضربون على أسطحتهم على النحاس من الهواوين وغيرها ينفرونه عنهم، حتى كانت بغداد بالليل ترتج من شرقها وغربها، واصطنع الناس لأولادهم مكبات من السعف وغيرها، واغتنمت اللصوص هذه الشوشة فكثرت النقوب وأخذت الأموال، فأمر الخليفة بأن يؤخذ حيوان من كلاب الماء فيصلب على الجسر ليسكن الناس عن ذلك، ففعلوا فسكن الناس ورجعوا إلى أنفسهم واستراح الناس من ذلك.

وفيها: قلد ثابت بن سنان الطبيب أمر المارستان ببغداد في هذه السنة، وكانت خمسا، وكان هذا الطبيب مؤرخا.

وفيها: ورد كتاب من خراسان بأنهم وجدوا قبور شهداء قد قتلوا في سنة سبعين من الهجرة مكتوبة أسماؤهم في رقاع مربوطة في آذانهم، وأجسادهم طرية كما هي، رضي الله عنهم.

وفيها توفي من الأعيان:

لبيد بن محمد بن أحمد بن الهيثم بن صالح[عدل]

ابن عبد الله بن الحصين بن علقمة بن نعيم بن عطارد بن حاجب، أبو الحسن التميمي الملقب فروجة، قدم بغداد وحدث بها، وكان ثقة حافظا.

يوسف بن الحسين بن علي[عدل]

أبو يعقوب الرازي، سمع أحمد بن حنبل وصحب ذا النون، وكان قد بلغه أن ذا النون يحفظ اسم الله الأعظم فقصده ليعلمه إياه، قال: فلما وردت عليه استهان بي وكانت لي لحية طويلة ومعي ركوة طويلة.

فجاء رجل يوما فناظر ذا النون فأسكت ذا النون، فقلت له: دع الشيخ وأقبل عليّ.

فأقبل فناظرته فأسكته، فقام ذو النون فجلس بين يدي وهو شيخ وأنا شاب، ثم اعتذر إلي.

فخدمته سنة ثم سألته أن يعلمني الاسم الأعظم، فلم يبعد مني ووعدني، فمكثت عنده بعد ذلك ستة أشهر، ثم أخرج إلي طبقا عليه مكبة مستورا بمنديل، فقال لي: اذهب بهذا الطبق إلى صاحبنا فلان.

قال: فجعلت أفكر في الطريق ما هذا الذي أرسلني به؟

فلما وصلت الجسر فتحته فإذا فأرة ففرت وذهبت، فاغتظت غيظا شديدا، وقلت: ذو النون سخر بي، فرجعت إليه وأنا حنق فقال لي: ويحك إنما اختبرتك، فإذا لم تكن أمينا على فأرة فإن لا تكون أمينا على الاسم الأعظم بطريق الأولى، اذهب عني فلا أراك بعدها.

وقد رُئي أبو الحسين الرازي هذا في المنام بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك؟

فقال: غفر لي بقولي عند الموت: اللهم إني نصحت الناس قولا وخنت نفسي فعلا، فهب خيانة فعلي لنصح قولي.

يموت بن المزرع بن يموت[عدل]

أبو بكر العبدي من عبد القيس، وهو ثوري، وهو ابن أخت الجاحظ.

قدم بغداد وحدث بها عن أبي عثمان المازني وأبي حاتم السجستاني، وأبي الفضل الرياشي، وكان صاحب أخبار وآداب وملح، وقد غير اسمه بمحمد فلم يغلب عليه إلا الأول، وكان إذا ذهب يعود مريضا فدق الباب فقالوا: من؟

فيقول: ابن المزرّع ولا يذكر اسمه لئلا يتفاءلوا به.

ثم دخلت سنة خمسة وثلاثمائة[عدل]

فيها قدم رسول ملك الروم في طلب المفاداة والهدنة، وهو شاب حدث السن ومعه شيخ منهم وعشرون غلاما، فلما قدم بغداد شاهد أمرا عظيما جدا، وذلك أن الخليفة أمر الجيش والناس بالاحتفال بذلك ليشاهد ما فيه إرهاب الأعداء، فركب الجيش بكماله وكان مائة ألف وستين ألفا، ما بين فارس وراجل، غير العساكر الخارجة في سائر البلاد مع نوابها، فركبوا في الأسلحة والعدد التامة، وغلمان الخليفة سبعة آلاف، أربعة آلاف بيض، وثلاثة آلاف سود، وهم في غاية الملابس والعدد والحلي، والحجبة يومئذ سبعمائة حاجب، وأما الطيارات التي بدجلة والزيارب والسمريات فشيء كثير مزينة، فحين دخل الرسول دار الخلافة انبهر وشاهد أمرا أدهشه، ورأى من الحشمة والزينة والحرمة ما يبهر الأبصار.

وحين اجتاز بالحاجب ظن أنه الخليفة فقيل له: هذا الحاجب، فمر بالوزير في أبهته فظنه الخليفة فقيل له: هذا الوزير.

وقد زينت دار الخلافة بزينة لم يسمع بمثلها، كان فيها من الستور يومئذ ثمانية وثلاثون ألف ستر، منها عشرة آلاف وخمسمائة ستر مذهبة، وقد بسط فيها اثنان وعشرون ألف بساط لم ير مثلها، وفيها من الوحوش قطعان متآنسة بالناس، تأكل من أيديهم ومائة سبع من السباعة.

ثم أدخل إلى دار الشجرة، وهي عبارة عن بركة فيها ماء صاف وفي وسط ذلك الماء شجرة من ذهب وفضة لها ثمانية عشر غصنا أكثرها من ذهب، وفي الأغصان الشماريخ والأوراق الملونة من الذهب والفضة واللآلئ واليواقيت، وهي تصوت بأنواع الأصوات من الماء المسلط عليها، والشجرة بكمالها تتمايل كما تتمايل الأشجار بحركات عجيبة تدهش من يراها.

ثم أدخل إلى مكان يسمونه الفردوس فيه من أنواع المفارش والآلات ما لا يحد ولا يوصف كثرة وحسنا.

وفي دهاليزه ثمانية عشرة ألف جوشن مذهبة.

فما زال كلما مر على مكان أدهشه وأخذ ببصره حتى انتهى إلى المكان الذي فيه الخليفة المقتدر بالله، وهو جالس على سرير من آبنوس، قد فرش بالديبقى المطرز بالذهب، وعن يمين السرير سبعة عشر عنقود معلقة، وعن يساره مثلها وهي جوهر من أفخر الجواهر، كل جوهرة يعلو ضوؤها على ضوء النهار، ليس لواحدة منها قيمة ولا يستطاع ثمنها، فأوقف الرسول والذين معه بين يدي الخليفة على نحو من مائة ذراع، والوزير علي بن محمد بن الفرات واقف بين يدي الخليفة، والترجمان دون الوزير، والوزير يخاطب الترجمان والترجمان يخاطبهما، فلما فرغ منها خلع عليهما وأطلق لهما خمسين سقرقا في كل سقرق خمسة آلاف درهم، وأخرجا من بين يديه وطيف بهما في بقية دار الخلافة، وعلى حافات دجلة الفيلة والزرافات والسباع والفهود وغير ذلك، ودجلة داخلة في دار الخلافة، وهذا من أغرب ما وقع من الحوادث في هذه السنة.

وحج بالناس فيها الفضل الهاشمي.

وفيها توفي من الأعيان:

محمد بن أحمد أبو موسى[عدل]

النحوي الكوفي المعروف بالجاحظ، صحب ثعلبا أربعين سنة وخلفه في حلقته، وصنف غريب الحديث، وخلق الإنسان، والوحوش والنبات، وكان دينا صالحا، روى عنه أبو عمر الزاهد.

توفي ببغداد في ذي الحجة منها، ودفن بباب التين.

وعبد الله شيرويه الحافظ، وعمران بن مجاشع، وأبو خليفة الفضل بن الحباب.

وقاسم بن زكريا ابن يحيى المطرز المقري أحد الثقات الأثبات، سمع أبا كريب، وسويد بن سعيد، وعنه الخلدي وأبو الجعابي، توفي ببغداد.

ثم دخلت سنة ست وثلاثمائة[عدل]

في أول يوم من المحرم فتح المارستان الذي بنته السيدة أم المقتدر وجلس فيه سنان بن ثابت ورتبت فيه الأطباء والخدم والقومة، وكانت نفقته في كل شهر ستمائة دينار، وأشار سنان على الخليفة ببناء مارستان، فقبل منه وبناه وسماه المقتدري.

وفيها: وردت الأخبار عن أمراء الصوائف بما فتح الله عليهم من الحصون في بلاد الروم.

وفيها: رجفت العامة وشنعوا بموت المقتدر، فركب في الجحافل حتى بلغ الثريا ورجع من باب العامة ووقف كثيرا ليراه الناس، ثم ركب إلى الشماسية وانحدر إلى دار الخلافة في دجلة فسكنت الفتن.

وفيها: قلد المقتدر حامد بن العباس الوزارة وخلع عليه وخرج من عنده وخلفه أربعمائة غلام لنفسه، فمكث أياما ثم تبين عجزه عن القيام بالأمور فأضيف إليه علي بن عيسى لينفذ الأمور وينظر معه في الأعمال، وكان أبو علي بن مقلة ممن يكتب أيضا بحضرة حامد بن العباس الوزير، ثم صارت المنزلة كلها لعلي بن عيسى واستقل بالوزارة في السنة الآتية.

وفيها: أمرت السيدة أم المقتدر قهرمانة لها تعرف بتملي أن تجلس بالتربة التي بنتها بالرصافة في كل يوم جمعة، وأن تنظر في المظالم التي ترفع إليها في القصص، ويحضر في مجلسها القضاة والفقهاء.

وحج بالناس فيها الفضل الهاشمي.

وفيها توفي:

إبراهيم بن أحمد بن الحارث[عدل]

أبو القاسم الكلابي الشافعي، سمع الحارث بن مسكين وغيره، وكان رجلا صالحا، تفقه على مذهب الشافعي وكان يحب الخلوة والانقباض، توفي في شعبان منها.

أحمد بن الحسن الصوفي أحد مشايخ الحديث المكثرين المعمرين.

أحمد بن عمر بن سريج[عدل]

أبو العباس القاضي بشيراز، صنف نحو أربعمائة مصنف، وكان أحد أئمة الشافعية، ويلقب بالباز الأشهب، أخذ الفقه عن أبي قاسم الأنماطي وعن أصحاب الشافعي، كالمزني وغيره، وعنه انتشر مذهب الشافعي في الآفاق، وقد ذكرنا ترجمته في الطبقات.

توفي في جمادى الأولى منها عن سبع وخمسين سنة وستة أشهر.

قال ابن خلكان: توفي يوم الاثنين الخامس والعشرين من ربيع الأول وعمره سبع وخمسون سنة وثلاثة أشهر، وقبره يزار.

أحمد بن يحيى[عدل]

أبو عبد الله الجلاء بغدادي، سكن الشام وصحب أبا التراب النخشبي، وذا النون المصري، روى أبو نعيم بسنده عنه قال: قلت لأبوي وأنا شاب: إني أحب أن تهباني لله عز وجل.

فقالا: قد وهبناك لله.

فغبت عنهما مدة طويلة ثم رجعت إلى بلدنا عشاء في ليلة مطيرة، فانتهيت إلى الباب فدفعته فقالا: من هذا؟

فقلت: أنا ولدكما فلان.

فقالا: إنه قد كان لنا ولد ووهبناه لله عز وجل، ونحن من العرب لا نرجع فيما وهبنا.

ولم يفتحا لي الباب.

الحسن بن يوسف بن إسماعيل بن حماد بن زيد[عدل]

القاضي أبو يعلى، وهو أخو القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، كان إليه ولاية القضاء بالأردن.

عبد الله بن أحمد بن موسى بن زياد[عدل]

أبو محمد الجواليقي القاضي، المعروف بعبدان، الأهوازي، ولد سنة ست عشرة ومائتين، كان أحد الحفاظ الأثبات، يحفظ مائة ألف حديث، جمع المشايخ والأبواب، روى عن هدبة وكامل بن طلحة وغيرهم، وعنه ابن صاعد والمحاملي وغيرهم.

محمد بن بابشاذ أبو عبيد الله البصري[عدل]

سكن بغداد وحدث بها عن عبيد الله بن معاذ العنبري وبشر بن معاذ العقدي وغيرهما، وفي حديثه غرائب ومناكير.

توفي في شوال منها.

محمد بن الحسين بن شهريار[عدل]

أبو بكر القطان البلخي الأصل، روى عن الفلاس وبشر بن معاذ.

وعنه أبو بكر الشافعي ومحمد بن عمر بن الجعاني.

كذبه ابن ناجية.

وقال الدارقطني: ليس به بأس.

محمد بن خلف بن حيان بن صدقة بن زياد

أبو بكر الضبي القاضي المعروف بوكيع، كان عالما فاضلا عارفا بأيام الناس، فقيها قارئا نحويا، له مصنفات منها: كتاب (عدد آي القرآن)، ولي القضاء بالأهواز.

وحدث عن الحسن بن عرفة والزبير بن بكار وغيرهما، وعنه أحمد بن كامل وأبو علي الصواف وغيرهما.

ومن شعره الجيد:

إذا ما غدت طلابة العلم تبتغي ** من العلم يوما ما يخلد في الكتب

غدوت بتشمير وجد عليهم ** ومحبرتي أذني ودفترها قلبي

منصور بن إسماعيل بن عمر[عدل]

أبو الحسن الفقير، أحد أئمة الشافعية، وله مصنفات في المذهب، وله الشعر الحسن.

قال ابن الجوزي: ويظهر في شعره التشيع، وكان جنديا ثم كفّ بصره وسكن الرملة، ثم قدم مصر ومات بها.

أبو نصر المحب[عدل]

أحد مشايخ الصوفية، كان له كرم وسخاء ومروءة، ومر بسائل سأل وهو يقول: شفيعي إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشق أبو نصر إزاره وأعطاه نصفه، ثم مشى خطوتين ثم رجع إليه فأعطاه النصف الآخر وقال: هذا نذالة.

ثم دخلت سنة سبع وثلاثمائة[عدل]

في صفر منها وقع حريق بالكرخ في الباقلانتين، هلك فيه خلق كثير من الناس.

وفي ربيع الآخر منها دخل بأسارى من الكرخ نحو مائة وخمسين أسيرا، أنقذهم الأمير بدر الحماني.

وفي ذي القعدة منها انقضّ كوكب عظيم غالب الضوء وتقطع ثلاث قطع، وسمع بعد انقضاضه صوت رعد شديد هائل من غير غيم.

ذكره ابن الجوزي.

وفيها: دخلت القرامطة إلى البصرة فأكثروا فيها الفساد.

وفيها: عزل حامد بن العباس عن الوزارة وأعيد إليها أبو الحسن بن الفرات المرة الثالثة.

وفيها: كسرت العامة أبواب السجون فأخرجوا من كان بها، وأدركت الشرطة من أخرجوا من السجن فلم يفتهم أحد منهم، بل ردوا إلى السجون.

وحج بالناس فيها أحمد بن العباس أخو أم موسى القهرمانة.

وفيها توفي من الأعيان:

أحمد بن علي بن المثنى[عدل]

أبو يعلى الموصلي صاحب المسند المشهور، سمع الإمام أحمد بن حنبل وطبقته، وكان حافظا خيرا حسن التصنيف عدلا فيما يرويه، ضابطا لما يحدث به.

إسحاق بن عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله بن سلمة[عدل]

أبو يعقوب البزار الكوفي، رحل إلى الشام ومصر وكتب الكثير وصنف المسند، واستوطن بغداد، وكان من الثقات، روى عنه ابن المظفر الحافظ، قدم بغداد وروى عنه الطبراني والأزدي وغيرهما من الحفاظ، وكان ثقة حافظا عارفا.

توفي بحلب في هذه السنة.

زكريا بن يحيى الساجي[عدل]

الفقيه المحدث شيخ أبي الحسن الأشعري في السنّة والحديث.

علي بن سهل بن الأزهر أبو الحسن الأصبهاني، كان أولا مترفا ثم صار زاهدا عابدا، يبقى الأيام لا يأكل فيها شيئا، وكان يقول: ألهاني الشوق إلى الله عن الطعام والشراب.

وكان يقول: أنا لا أموت كما يموتون بالأعلال والأسقام، إنما هو دعاء وإجابة، أدعي فأجيب.

فكان كما قال: بينما هو جالس في جماعة إذ قال: لبيك ووقع ميتا.

محمد بن هارون الروياني صاحب المسند.

وابن دريج العكبري.

والهيثم بن خلف.

ثم دخلت سنة ثمان وثلاثمائة[عدل]

فيها: غلت الأسعار في هذه السنة ببغداد، فاضطربت العامة وقصدوا دار حامد بن العباس الذي ضمن براثى من الخليفة فغلت الأسعار بسبب ذلك، وعدوا في ذلك اليوم - وكان يوم الجمعة - على الخطيب، فمنعوه الخطبة وكسروا المنابر وقتلوا الشرط وحرقوا جسورا كثيرة، فأمر الخليفة بقتال العامة ثم نقض الضمان الذي كان حامد بن العباس ضمنه فانحطت الأسعار، وبيع الكر بناقص خمسة دنانير، فطابت أنفس الناس بذلك وسكنوا.

وفي تموز منها وقع برد شديد جدا حتى نزل الناس عن الأسطحة وتدثروا باللحف والأكسية، ووقع في شتاء هذه السنة بلغم عظيم، وكان فيها برد شديد جدا بحيث أضر ذلك ببعض النخيل.

وحج بالناس فيها أحمد بن العباس أخو القهرمانة.

وفيها توفي من الأعيان:

إبراهيم بن سفيان الفقيه، راوي صحيح مسلم عنه.

أحمد بن الصلت[عدل]

أحمد بن الصلت ابن المغلس أبو العباس الحماني أحد الوضاعين للأحاديث، روى عن خاله جبارة بن المغلس وأبي نعيم ومسلم بن إبراهيم، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي عبيد القاسم بن سلام وغيرهم: أحاديث كلها وضعها هو في مناقب أبي حنيفة وغير ذلك.

وحكى عن يحيى بن معين وعلي بن المديني وبشر بن الحارث أخبارا كلها كذب.

قال أبو الفرج بن الجوزي: قال لي محمد بن أبي الفوارس: كان أحمد بن الصلت يضع الحديث.

إسحاق بن أحمد الخزاعي.

والمفضل الجندي.

و عبد الله بن محمد بن وهب الدينوري.

و عبد الله بن ثابت بن يعقوب

أبو عبد الله المقري النحوي التوزي[عدل]

سكن بغداد، وروى عن عمرو بن شبة، وعنه أبو عمرو بن السماك.

ومن شعره الجيد:

إذا لم تكن حافظا واعيا ** فعلمك في البيت لا ينفع

وتحضر بالجهل في مجلس ** وعلمك في الكتب مستودع

ومن يك في دهره هكذا ** يكن دهره القهقرى يرجع

ثم دخلت سنة تسع وثلاثمائة[عدل]

فيها: وقع حريق كثير في نواحي بغداد بسبب زنديق قتل فألقى من كان من جهته الحريق في أماكن كثيرة، فهلك بسبب ذلك خلق كثير من الناس.

وفي جمادى الأولى منها قلد المقتدر مؤنس الخادم بلاد مصر والشام ولقبه المظفر.

وأمر بكتب ذلك في المراسلات إلى الآفاق.

وفي ذي القعدة منها أحضر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري إلى دار الوزير عيسى بن علي لمناظرة الحنابلة في أشياء نقموها عليه، فلم يحضروا ولا واحد منهم.

وفيها: قدم الوزير حامد بن العباس للخليفة بستانا بناه وسماه الناعورة قيمته مائة ألف دينار، وفرش مساكنه بأنواع المفارش المفتخرة.

وفيها: كان مقتل الحسين بن منصور الحلاج ولنذكر شيئا من ترجمته وسيرته، وكيفية قتله على وجه الإيجاز وبيان المقصود بطريق الإنصاف والعدل، من غير تحمل ولا هوى ولا جور.

ترجمة الحلاج[عدل]

ونحن نعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يكن قاله، أو نتحمل عليه في أقواله وأفعاله، فنقول: هو الحسين بن منصور بن محمى الحلاج أبو مغيث، ويقال: أبو عبد الله، كان جده مجوسيا اسمه محمى من أهل فارس من بلدة يقال لها: البيضاء، ونشأ بواسط، ويقال: بتستر، ودخل بغداد وتردد إلى مكة وجاور بها في وسط المسجد في البرد والحر، مكث على ذلك سنوات متفرقة، وكان يصابر نفسه ويجاهدها، ولا يجلس إلا تحت السماء في وسط المسجد الحرام، ولا يأكل إلا بعض قرص ويشرب قليلا من الماء معه وقت الفطور مدة سنة كاملة.

وكان يجلس على صخرة في شدة الحر في جبل أبي قبيس، وقد صحب جماعة من سادات المشايخ الصوفية، كالجنيد بن محمد، وعمرو بن عثمان المكي، وأبي الحسين النوري.

قال الخطيب البغدادي: والصوفية مختلفون فيه، فأكثرهم نفى أن يكون الحلاج منهم، وأبى أن يعده فيهم، وقبله من متقدميهم أبو العباس بن عطاء البغدادي، ومحمد بن خفيف الشيرازي، وإبراهيم بن محمد النصراباذي النيسابوري، وصححوا له حاله، ودونوا كلامه، حتى قال ابن خفيف: الحسين بن منصور عالم رباني.

وقال أبو عبد الرحمن السلمي - واسمه محمد بن الحسين - سمعت إبراهيم بن محمد النصراباذي وعوتب في شيء حكي عن الحلاج في الروح فقال للذي عاتبه: إن كان بعد النبيين والصديقين موحد فهو الحلاج.

قال أبو عبد الرحمن: وسمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت الشبلي يقول: كنت أنا والحسين بن منصور شيئا واحدا إلا أنه أظهر وكتمت.

وقد روي عن الشبلي من وجه آخر أنه قال، وقد رأى الحلاج مصلوبا: ألم أنهك عن العالمين؟

قال الخطيب: والذين نفوه من الصوفية نسبوه إلى الشعبذة في فعله، وإلى الزندقة في عقيدته وعقده.

قال: وله إلى الآن أصحاب ينسبون إليه ويغالون فيه ويغلون.

وقد كان الحلاج في عبارته حلو المنطق، وله شعر على طريقة الصوفية.

قلت: لم يزل الناس منذ قتل الحلاج مختلفين في أمره، فأما الفقهاء فحكي عن غير واحد من العلماء والأئمة: إجماعهم على قتله، وأنه قتل كافرا، وكان كافرا ممخرقا مموها مشعبذا، وبهذا قال أكثر الصوفية فيه.

ومنهم طائفة كما تقدم أجملوا القول فيه، وغرهم ظاهره ولم يطلعوا على باطنه ولا باطن قوله، فإنه كان في ابتداء أمره فيه تعبد وتأله وسلوك، ولكن لم يكن له علم ولا بنى أمره وحاله على تقوى من الله ورضوان.

فلهذا كان ما يفسده أكثر مما يصلحه.

وقال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى، ولهذا دخل على الحلاج الحلول والاتحاد، فصار من أهل الانحلال والانحراف.

وقد روى من وجه: أنه تقلبت به الأحوال وتردد إلى البلدان، وهو في ذلك كله يظهر للناس أنه من الدعاة إلى الله عز وجل.

وصح أنه دخل إلى الهند وتعلم بها السحر وقال: أدعو به إلى الله وكان أهل الهند يكاتبونه بالمغيث - أي: أنه من رجال المغيث - ويكاتبه أهل سركسان بالمقيت.

ويكاتبه أهل خراسان بالمميز، وأهل فارس بأبي عبد الله الزاهد.

وأهل خوزستان بأبي عبد الله الزاهد حلاج الأسرار.

وكان بعض البغاددة حين كان عندهم يقولون له: المصطلم، وأهل البصرة يقولون له: المحير، ويقال: إنما سماه الحلاج أهل الأهواز لأنه كان يكاشفهم عن ما في ضمائرهم، وقيل: لأنه مرة قال لحلاج: اذهب لي في حاجة كذا وكذا.

فقال: إني مشغول بالحلج.

فقال: اذهب فأنا أحلج عنك، فذهب ورجع سريعا فإذا جميع ما في ذلك المخزن قد حلجه، يقال: إنه أشار بالمرود فامتاز الحب عن القطن، وفي صحة هذا ونسبته إليه نظر، وإن كان قد جرى مثل هذا، فالشياطين تعين أصحابها ويستخدمونهم.

وقيل: لأن أباه كان حلاجا.

ومما يدل على أنه كان ذا حلول في بدء أمره أشياء كثيرة، منها: شعره في ذلك فمن ذلك قوله:

جبلت روحك في روحي كما ** يجبل العنبر بالمسك الفنق

فإذا مسك شيء مسني ** وإذا أنت أنا لا نفترق

وقوله:

مزجت روحك في روحي كما ** تمزج الخمرة بالماء الزلال

فإذا مسك شيء مسني ** فإذا أنت أنا في كل حال

وقوله أيضا:

قد تحققتك في سر ** ي فخاطبك لساني

فاجتمعنا لمعان ** وافترقنا لمعان

إن يكن غيبتك التعظي ** م عن لحظ العيان

فلقد صيرك الوج ** د من الأحشاء دان

وقد أنشد لابن عطاء قول الحلاج:

أريدك لا أريدك للثواب ** ولكني أريدك للعقاب

وكل مآربي قد نلت منها ** سوى ملذوذ وجدي بالعذاب

فقال ابن عطاء: قال: هذا ما تزايد به عذاب الشغف وهيام الكلف، واحتراق الأسف، فإذا صفا ووفا علا إلى مشرب عذب وهاطل من الحق دائم سكب.

وقد أنشد لأبي عبد الله بن خفيف قول الحلاج:

سبحان من أظهر ناسوته ** سرَّسنا لاهوته الثاقب

ثم بدا في خلقه ظاهرا ** في صورة الآكل والشارب

حتى قد عاينه خلقه ** كلحظة الحاجب بالحاجب

فقال ابن خفيف: علا من يقول هذا لعنه الله؟

فقيل له: إن هذا من شعر الحلاج.

فقال: قد يكون مقولا عليه.

وينسب إليه أيضا:

أوشكت تسأل عني كيف كنت ** وما لاقيت بعدك من هم وحزن

لا كنت إن كنت إن كنت أدري كيف كنت ** ولا لا كنت أدري كيف لم أكن

قال ابن خلكان: ويروى لسمنون لا للحلاج.

ومن شعره أيضا قوله:

متى سهرت عيني لغيرك أو بكت ** فلا أعطيت ما أملت وتمنت

وإن أضمرت نفسي سواك فلا زكت ** رياض المنى من وجنتيك وجنت

ومن شعره أيضا:

دنيا تغالطني كأن ** ني لست أعرف حالها

حظر المليك حرامها ** وأنا احتميت حلالها

فوجدتها محتاجة ** فوهبت لذتها لها

وقد كان الحلاج يتلّون في ملابسه، فتارة يلبس لباس الصوفية، وتارة يتجرد في ملابس زرية، وتارة يلبس لباس الأجناد ويعاشر أبناء الأغنياء والملوك والأجناد.

وقد رآه بعض أصحابه في ثياب رثة وبيده ركوة وعكازة وهو سائح فقال له: ما هذه الحالة يا حلاج؟

فأنشأ يقول:

لئن أمسيت في ثوبي عديم ** لقد بليا على حرّ كريم

فلا يغررك أن أبصرت حالا ** مغيرة عن الحال القديم

فلي نفس ستتلف أو سترقى ** لعمرك بي إلى أمر جسيم

ومن مستجاد كلامه وقد سأله رجل أن يوصيه بشيء ينفعه الله به.

فقال: عليك نفسك إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك عن الحق.

وقال له رجل: عظني.

فقال: كن مع الحق بحكم ما أوجب.

وروى الخطيب بسنده إليه أنه قال: علم الأولين والآخرين مرجعه إلى أربع كلمات: حب الجليل وبغض القليل، واتباع التنزيل، وخوف التحويل.

قلت: وقد أخطأ الحلاج في المقامين الأخيرين، فلم يتبع التنزيل ولم يبق على الاستقامة، بل تحول عنها إلى الإعوجاج والبدعة والضلالة، نسأل الله العافية.

وقال أبو عبد الرحمن السلمي عن عمرو بن عثمان المكي: أنه قال: كنت أماشي الحلاج في بعض أزقة مكة وكنت أقرأ القرآن فسمع قراءتي فقال: يمكنني أن أقول مثل هذا، ففارقته.

قال الخطيب: وحدثني مسعود بن ناصر أنبأنا ابن باكوا الشيرازي سمعت أبا زرعة الطبري يقول: الناس فيه - يعني حسين بن منصور الحلاج - بين قبول ورد.

ولكن سمعت محمد بن يحيى الرازي يقول: سمعت عمرو بن عثمان يلعنه ويقول: لو قدرت عليه لقتلته بيدي.

فقلت له: إيش الذي وجد الشيخ عليه؟

قال: قرأت آية من كتاب الله فقال: يمكنني أن أؤلف مثله وأتكلم به.

قال أبو زرعة الطبري: وسمعت أبا يعقوب الأقطع يقول

زوجت ابنتي من الحسين الحلاج لما رأيت من حسن طريقته واجتهاده، فبان لي منه بعد مدة يسيرة أنه ساحر محتال، خبيث كافر.

قلت: كان تزويجه إياها بمكة، وهي أم الحسين بنت أبي يعقوب الأقطع فأولدها ولده أحمد بن الحسين بن منصور، وقد ذكر سيرة أبيه كما ساقها من طريق الخطيب.

وذكر أبو القاسم القشيري في رسالته في باب حفظ قلوب المشايخ: أن عمرو بن عثمان دخل على الحلاج وهو بمكة وهو يكتب شيئا في أوراق فقال له: ما هذا؟

فقال: هو ذا أعارض القرآن.

قال: فدعا عليه فلم يفلح بعدها.

وأنكر على أبي يعقوب الأقطع تزويجه إياه ابنته.

وكتب عمرو بن عثمان إلى الآفاق كتبا كثيرة يلعنه فيها ويحذر الناس منه، فشرد الحلاج في البلاد فعاث يمينا وشمالا، وجعل يظهر أنه يدعو إلى الله ويستعين بأنواع من الحيل، ولم يزل ذلك دأبه وشأنه حتى أحل الله به بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، فقتله بسيف الشرع الذي لا يقع إلا بين كتفي زنديق، والله أعدل من أن يسلطه على صديق.

كيف وقد تهجم على القرآن العظيم، وقد أراد معارضته في البلد الحرام حيث نزل به جبريل، وقد قال تعالى: { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } [الحج: 25] .

ولا إلحاد أعظم من هذا.

وقد أشبه الحلاج كفار قريش في معاندتهم، كما قال تعالى عنهم: { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ } [الأنفال: 31] .

أشياء من حيل الحلاج[عدل]

روى الخطيب البغدادي: أن الحلاج بعث رجلا من خاصة أصحابه وأمره أن يذهب بين يديه إلى بلد من بلاد الجبل، وأن يظهر لهم العبادة والصلاح والزهد، فإذا رآهم قد أقبلوا عليه وأحبوه واعتقدوه أظهر لهم أنه قد عمي، ثم يظهر لهم بعد أيام أنه قد تكسح، فإذا سعوا في مداواته، قال لهم: يا جماعة الخير، إنه لا ينفني شيء مما تفعلون.

ثم يظهر لهم بعد أيام أنه قد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول له: إن شفاءك لا يكون إلا على يديّ القطب، وإنه سيقدم عليك في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني، وصفته كذا وكذا.

وقال له الحلاج: إني سأقدم عليك في ذلك الوقت.

فذهب ذلك الرجل إلى تلك البلاد فأقام بها يتعبد، ويظهر الصلاح والتنسك ويقرأ القرآن.

فأقام مدة على ذلك فاعتقدوه وأحبوه، ثم أظهر لهم أنه قد عمي فمكث حينا على ذلك، ثم أظهر لهم أنه قد زمن، فسعوا بمداواته بكل ممكن فلم ينتج فيه شيء، فقال لهم: يا جماعة الخير هذا الذي تفعلونه معي لا ينتج شيئا وأنا قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول لي: إن عافيتك وشفاءك إنما هو على يديّ القطب، وإنه سيقدم عليك في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني، وكانوا أولا يقودونه إلى المسجد ثم صاروا يحملونه ويكرمونه كان في الوقت الذي ذكر لهم، واتفق هو والحلاج عليه، أقبل الحلاج حتى دخل البلد مختفيا وعليه ثياب صوف بيض، فدخل المسجد ولزم سارية يتعبد فيه لا يلتفت إلى أحد، فعرفه الناس بالصفات التي وصف لهم ذلك العليل، فابتدروا إليه يسلمون عليه ويتمسحون به.

ثم جاؤوا إلى ذلك الزمن المتعافى فأخبره بخبره، فقال: صفوه لي.

فوصفوه له فقال: هذا الذي أخبرني عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وأن شفائي على يديه، اذهبوا بي إليه.

فحملوه حتى وضعوه بين يديه فكلمه فعرفه فقال: يا أبا عبد الله إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام.

ثم ذكر له رؤياه، فرفع الحلاج يديه فدعا له ثم تفل من ريقه في كفيه ثم مسح بهما على عينيه ففتحهما كأن لم يكن بهما داء قط فأبصر، ثم أخذ من ريقه فمسح على رجليه فقام من ساعته، فمشى كأنه لم يكن به شيء والناس حضور، وأمراء تلك البلاد وكبراؤهم عنده، فضج الناس ضجة عظيمة وكبروا الله وسبحوه، وعظموا الحلاج تعظيما زائدا على ما أظهر لهم من الباطل والزور.

ثم أقام عندهم مدة يكرمونه ويعظمونه ويودون لو طلب منهم ما عساه أن يطلب من أموالهم.

فلما أراد الخروج عنهم أرادوا أن يجمعوا له مالا كثيرا فقال: أما أنا فلا حاجة لي بالدنيا، وإنما وصلنا إلى ما وصلنا إليه بترك الدنيا، ولعل صاحبكم هذا أن يكون له إخوان وأصحاب من الأبدال الذين يجاهدون بثغر طرسوس، ويحجون ويتصدقون، محتاجين إلى ما يعينهم على ذلك.

فقال ذلك الرجل المتزامن المتعافى: صدق الشيخ، قد ردّ الله عليّ بصري ومنّ الله عليّ بالعافية، لأجعلن بقية عمري في الجهاد في سبيل الله، والحج إلى بيت الله مع إخواننا الأبدال والصالحين الذين نعرفهم، ثم حثهم على إعطائه من المال ما طابت به أنفسهم.

ثم إن الحلاج خرج عنهم ومكث ذلك الرجل بين أظهرهم مدة إلى أن جمعوا له مالا كثيرا ألوفا من الذهب والفضة، فلما اجتمع له ما أراد ودعهم وخرج عنهم فذهب إلى الحلاج فاقتسما ذلك المال.

وروي عن بعضهم قال: كنت أسمع أن الحلاج له أحوال وكرامات، فأحببت أن أختبر ذلك فجئته فسلمت عليه فقال لي: تشتهي على الساعة شيئا؟

فقلت أشتهي سمكا طريا.

فدخل منزله فغاب ساعة ثم خرج علي ومعه سمكة تضطرب ورجلاه عليهما الطين.

فقال: دعوت الله فأمرني أن آتي البطائح لآتيك بهذه السمكة، فخضت الأهواز وهذا الطين منها.

فقلت: إن شئت أدخلتني منزلك حتى أنظر ليقوى يقيني بذلك، فإن ظهرت على شيء وإلا آمنت بك.

فقال: ادخل، فدخلت فأغلق علي الباب وجلس يراني.

فدرت البيت فلم أجد فيه منفذا إلى غيره، فتحيرت في أمره ثم نظرت فإذا أنا بتأزيرة - وكان مؤزرا بازار ساج - فحركتها فانفلقت فإذا هي باب منفذ فدخلته فأفضى بي إلى بستان هائل، فيه من سائر الثمار الجديدة والعتيقة، قد أحسن إبقاءها.

وإذا أشياء كثيرة معدودة للأكل، وإذا هناك بركة كبيرة فيها سمك كثير صغار وكبار، فدخلتها فأخرجت منها واحدة فنال رجلي من الطين مثل الذي نال رجليه، فجئت إلى الباب فقلت: افتح قد آمنت بك.

فلما رآني على مثل حاله أسرع خلفي جريا يريد أن يقتلني.

فضربته بالسمكة في وجهه وقلت: يا عدو الله أتعبتني في هذا اليوم.

ولما خلصت منه لقيني بعد أيام فضاحكني وقال: لا تفش ما رأيت لأحد، وإلا بعثت إليك من يقتلك على فراشك.

قال: فعرفت أنه يفعل إن أفشيت عليه فلم أحدث به أحدا حتى صلب.

وقال الحلاج يوما لرجل: آمن بي حتى أبعث لك بعصفورة تأخذ من ذرقها وزن حبة، فتضعه على كذا منا من نحاس فيصير ذهبا.

فقال له الرجل: آمن أنت بي حتى أبعث إليك بفيل إذا استلقى على قفاه بلغت قوائمه إلى السماء، وإذا أردت أن تخفيه وضعته في إحدى عينيك.

قال: فبهت وسكت.

ولما ورد بغداد جعل يدعو إلى نفسه ويظهر أشياء من المخاريق والشعوذة وغيرها من الأحوال الشيطانية، وأكثر ما كان يروج على الرافضة لقلة عقولهم وضعف تمييزهم بين الحق والباطل.

وقد استدعى يوما برئيس من الرافضة فدعاه إلى الإيمان به، فقال له الرافضي: إني رجل أحب النساء، وإني أصلع الرأس، وقد شبت، فإن أنت أذهبت عني هذا وهذا، آمنت بك وأنك الإمام المعصوم، وإن شئت قلت إنك نبي، وإن شئت قلت أنك أنت الله.

قال: فبهت الحلاج ولم يحر إليه جوابا.

قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي: كان الحلاج متلونا تارة يلبس المسوح، وتارة يلبس الدراعة، وتارة يلبس القباء، وهو مع كل قوم على مذهبهم: إن كانوا أهل سنة أو رافضة أو معتزلة أو صوفية أو فساقا أو غيرهم، ولما أقام بالأهواز جعل ينفق من دراهم يخرجها يسميها دراهم القدرة، فسئل الشيخ أبو علي الجبائي عن ذلك فقال: إن هذا كله مما يناله البشر بالحيلة، ولكن أدخلوه بيتا لا منفذ له ثم سلوه أن يخرج لكم جرزتين من شوك.

فلما بلغ ذلك إلى الحلاج تحول من الأهواز.

قال الخطيب: أنبأ إبراهيم بن مخلد أنبأ إسماعيل بن علي الخطيب في تاريخه قال: وظهر أمر رجل يقال له: الحلاج الحسين بن منصور، وكان في حبس السلطان بسعاية وقعت به، وذلك في وزارة علي بن عيسى الأولى، وذكر عنه ضروب من الزندقة ووضع الحيل على تضليل الناس، من جهات تشبه الشعوذة والسحر، وادعاء النبوة، فكشفه علي بن عيسى عند قبضه عليه وأنهى خبره إلى السلطان - يعني الخليفة المقتدر بالله - فلم يقر بما رمي به من ذلك فعاقبه وصلبه حيا أياما متوالية في رحبة الجسر، في كل يوم غدوة، وينادى عليه بما ذكر عنه، ثم ينزل به ثم يحبس.

فأقام في الحبس سنين كثيرة ينقل من حبس إلى حبس، خوفا من إضلاله أهل كل حبس إذا طالت مدته عندهم، إلى أن حبس آخر حبسة في دار السلطان، فاستغوى جماعة من غلمان السلطان وموه عليهم واستمالهم بضروب من الحيل، حتى صاروا يحمونه ويدفعون عنه ويرفهونه بالمآكل المطيبة، ثم راسل جماعة من الكتاب وغيرهم ببغداد وغيرها، فاستجابوا له وترقى به الأمر إلى أن ادعى الربوبية، وسعى بجماعة من أصحابه إلى السلطان فقبض عليهم ووجد عند بعضهم كتب تدل على تصديق ما ذكر عنه، وأقر بعضهم بذلك بلسانه، وانتشر خبره وتكلم الناس في قتله.

فأمر الخليفة بتسليمه إلى حامد بن العباس، وأمره أن يكشفه بحضرة القضاة والعلماء ويجمع بينه وبين أصحابه، فجرى في ذلك خطوب طوال، ثم استيقن السلطان أمره ووقف على ما ذكر عنه، وثبت ذلك على يد القضاة وأفتى به العلماء فأمر بقتله وإحراقه بالنار.

فأحضر مجلس الشرطة بالجانب الغربي في يوم الثلاثاء لتسع بقين من ذي القعدة سنة تسع وثلاثمائة، فضرب بالسياط نحوا من ألف سوط، ثم قطعت يداه ورجلاه، ثم ضربت عنقه، وأحرقت جثته بالنار، ونصب رأسه للناس على سور الجسر الجديد وعلقت يداه وجلاه.

وقال أبو عبد الرحمن بن الحسن السلمي: سمعت إبراهيم بن محمد الواعظ يقول: قال أبو القاسم الرازي، قال أبو بكر بن ممشاذ: حضر عندنا بالدينور رجل ومعه مخلاة فما كان يفارقها ليلا ولا نهارا، فأنكروا ذلك من حاله ففتشوا مخلاته فوجدوا فيها كتابا للحلاج، عنوانه: (من الرحمن الرحيم إلى فلان ابن فلان) - يدعوه إلى الضلالة والإيمان به - فبعث بالكتب إلى بغداد فسئل الحلاج عن ذلك فأقر أنه كتبه فقالوا له: كنت تدعي النبوة فصرت تدعي الألوهية والربوبية؟

فقال: لا ولكن هذا عين الجمع عندنا.

هل الكاتب إلا الله وأنا واليد آلة؟

فقيل له: معك على ذلك أحد؟

قال: نعم ابن عطاء وأبو محمد الحريري وأبو بكر الشبلي.

فسئل الحريري عن ذلك فقال: من يقول بهذا كافر.

وسئل الشبلي عن ذلك فقال: من يقول بهذا يمنع.

وسئل ابن عطاء عن ذلك فقال: القول ما يقول الحلاج في ذلك.

فعوقب حتى كان سبب هلاكه.

ثم روى أبو عبد الرحمن السلمي عن محمد بن عبد الرحمن الرازي: أن الوزير حامد بن العباس لما أحضر الحلاج سأله عن اعتقاده فأقر به فكتبه، فسأل عن ذلك فقهاء بغداد فأنكروا ذلك وكفروا من اعتقده، فكتبه.

فقال الوزير: إن أبا العباس بن عطاء يقول بهذا.

فقالوا: من قال بهذا فهو كافر.

ثم طلب الوزير ابن عطاء إلى منزله فجاء فجلس في صدر المجلس، فسأله عن قول الحلاج فقال: من لا يقول بهذا القول فهو بلا اعتقاد.

فقال الوزير لابن عطاء: ويحك تصوب مثل هذا القول وهذا الاعتقاد؟

فقال ابن عطاء: ما لك ولهذا، عليك بما نصبت له من أخذ أموال الناس وظلمهم وقتلهم، فما لك ولكلام هؤلاء السادة من الأولياء.

فأمر الوزير عند ذلك بضرب شدقيه ونزع خفيه وأن يضرب بهما على رأسه، فما زال يفعل به ذلك حتى سال الدم من منخريه، وأمر بسجنه.

فقالوا له: إن العامة تستوحش من هذا ولا يعجبها.

فحمل إلى منزله، فقال ابن عطاء: اللهم اقتله واقطع يديه ورجليه.

ثم مات ابن عطاء بعد سبعة أيام، ثم بعد مدة قتل الوزير شر قتلة، وقطعت يداه ورجلاه وأحرقت داره.

وكان العوام يرون ذلك بدعوة ابن عطاء على عادتهم في مرائيهم فيمن أوذي ممن لهم معه هوى: بل قد قال ذلك جماعة ممن ينسب إلى العلم فيمن يؤذي ابن عربي أو يحط على حسين الحلاج أو غيره: هذا بخطيئة فلان.

وقد اتفق علماء بغداد على كفر الحلاج وزندقته، وأجمعوا على قتله وصلبه، وكان علماء بغداد إذ ذاك هم الدنيا.

قال أبو بكر محمد بن داود الظاهري حين أحضر الحلاج في المرة الأولى قبل وفاة أبو بكر هذا وسئل عنه فقال: إن كان ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم حقا وما جاء به حقا، فما يقوله الحلاج باطل.

وكان شديدا عليه.

وقال أبو بكر الصولي: قد رأيت الحلاج وخاطبته فرأيته جاهلا يتعاقل، وغبيا يتبالغ، وخبيثا مدعيا، وراغبا يتزهد، وفاجرا يتعبد.

ولما صلب في أول مرة ونودي عليه أربعة أيام سمعه بعضهم وقد جيء به ليصلب وهو راكب على بقرة يقول: ما أنا بالحلاج، ولكن ألقي علي شبهه وغاب عنكم، فلما أدني إلى الخشبة ليصلب عليها سمعته وهو مصلوب يقول: يا معين الفنا علي أعني على الفنا.

وقال بعضهم: سمعته وهو مصلوب يقول: إلهي أصبحت في دار الرغائب، أنظر إلى العجائب، إلهي إنك تتودد إلى من يؤذيك فكيف بمن يؤذى فيك.

صفة مقتل الحلاج[عدل]

قال الخطيب البغدادي وغيره: كان الحلاج قد قدم آخر قدمة إلى بغداد فصحب الصوفية وانتسب إليهم، وكان الوزير إذ ذاك حامد بن العباس، فبلغه أن الحلاج قد أضل خلقا من الحشم والحجاب في دار السلطان، ومن غلمان نصر القشوري الحاجب، وجعل لهم في جملة ما ادعاه أنه يحيي الموتى، وأن الجن يخدمونه ويحضرون له ما شاء ويختار ويشتهيه.

وقال: إنه أحيا عدة من الطير.

وذكر لعلي بن عيسى: أن رجلا يقال له: محمد بن علي القنائي الكاتب، يعبد الحلاج ويدعو الناس إلى طاعته، فطلبه فكبس منزله فأخذه فأقر أنه من أصحاب الحلاج، ووجد في منزله أشياء بخط الحلاج مكتوبة بماء الذهب في ورق الحرير مجلدة بأفخر الجلود.

ووجد عنده سفطا فيه من رجيع الحلاج وعذرته وبوله وأشياء من آثاره، وبقية خبز من زاده.

فطلب الوزير من المقتدر أن يتكلم في أمر الحلاج ففوض أمره إليه، فاستدعى بجماعة من أصحاب الحلاج فتهددهم، فاعترفوا له أنه قد صح عندهم أنه إله مع الله، وأنه يحيي الموتى، وأنهم كاشفوا الحلاج بذلك ورموه به في وجهه، فجحد ذلك وكذبهم.

وقال: أعوذ بالله أن أدعي الربوبية أو النبوة، وإنما أنا رجل أعبد الله وأكثر له الصوم والصلاة وفعل الخير، لا أعرف غير ذلك.

وجعل لا يزيد على الشهادتين والتوحيد ويكثر أن يقول: سبحانك لا إله إلا أنت، عملت سوءا وظلمت نفسي، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

وكانت عليه مدرعة سوداء وفي رجليه ثلاثة عشر قيدا، والمدرعة واصلة إلى ركبتيه، والقيود واصلة إلى ركبتيه أيضا، وكان مع ذلك يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة.

وكان قبل احتياط الوزير حامد بن العباس عليه في حجرة من دار نصر القشوري الحاجب، مأذونا لمن يدخل إليه وكان يسمي نفسه تارة بالحسين بن منصور، وتارة محمد بن أحمد الفارسي، وكان نصر الحاجب هذا قد افتتن به وظن أنه رجل صالح، وكان قد أدخله على المقتدر بالله فرقاه من وجع حصل فاتفق زواله عنه، وكذلك وقع لوالدة المقتدر السيدة رقاها فزالت عنها.

فنفق سوقه وحظي في دار السلطان فلما انتشر الكلام فيه سلم إلى الوزير حامد بن العباس فحبسه في قيود كثيرة في رجليه، وجمع له الفقهاء فأجمعوا على كفره وزندقته، وأنه ساحر ممخرق.

ورجع عنه رجلان صالحان ممن كان اتبعه، أحدهما أبو علي هارون بن عبد العزيز الأوارجي، والآخر يقال له: الدباس، فذكرا من فضائحه وما كان يدعو الناس إليه من الكذب والفجور والمخرفة والسحر شيئا كثيرا، وكذلك أحضرت زوجة ابنه سليمان فذكرت عنه فضائح كثيرة.

من ذلك: أنه أراد أن يغشاها وهي نائمة فانتبهت فقال: قومي إلى الصلاة، وإنما كان يريد أن يطأها.

وأمر ابنتها بالسجود له فقالت: أو يسجد بشر لبشر؟

فقال: نعم إله في السماء وإله في الأرض.

ثم أمرها أن تأخذ من تحت بارية هنالك ما أرادت، فوجدت تحنها دنانير كثيرة مبدورة.

ولما كان معتقلا في دار حامد بن العباس الوزير دخل عليه بعض الغلمان ومعه طبق فيه طعام ليأكل منه، فوجده قد ملأ البيت من سقفه إلى أرضه، فذعر ذلك الغلام وفزع فزعا شديدا، وألقى ما كان في يده من ذلك الطبق والطعام، ورجع محموما فمرض عدة أيام.

ولما كان آخر مجلس من مجالسه أحضر القاضي أبو عمر محمد بن يوسف، وجيء بالحلاج وقد أحضر له كتاب من دور بعض أصحابه وفيه: من أراد الحج ولم يتيسر له، فليبن في داره بيتا لا يناله شيء من النجاسة، ولا يمكن أحدا من دخوله، فإذا كان في أيام الحج فليصم ثلاثة أيام وليطف به كما يطاف بالكعبة، ثم يفعل في داره ما يفعله الحجيج بمكة.

ثم يستدعي بثلاثين يتيما فيطعمهم من طعامه، ويتولى خدمتهم بنفسه، ثم يكسوهم قميصا قميصا، ويعطي كل واحد منهم سبعة دراهم - أو قال: ثلاثة دراهم - فإذا فعل ذلك قام له مقام الحج.

وإن من صام ثلاثة أيام لا يفطر إلا في اليوم الرابع على ورقات هندبا، أجزأه ذلك عن صيام رمضان.

ومن صلى في ليلة ركعتين من أول الليل إلى آخره، أجزأه ذلك عن الصلاة بعد ذلك.

وأن من جاور بمقابر الشهداء وبمقابر قريش عشرة أيام يصلي ويدعو ويصوم، ثم لا يفطر إلا على شيء من خبز الشعير والملح الجريش أغناه ذلك عن العبادة في بقية عمره.

فقال له القاضي أبو عمر: من أين لك هذا؟

فقال: من كتاب الإخلاص للحسن البصري.

فقال له: كذبت يا حلال الدم، قد سمعنا كتاب الإخلاص للحسن بمكة ليس فيه شيء من هذا.

فأقبل الوزير على القاضي فقال له: قد قلت يا حلال الدم فاكتب ذلك في هذه الورقة، وألح عليه وقدم له الدواة فكتب ذلك في تلك الورقة، وكتب من حضر خطوطهم فيها وأنفذها الوزير إلى المقتدر، وجعل الحلاج يقول لهم: ظهري حمى ودمي حرام، وما يحل لكم أن تتأولوا عليّ ما يبيحه، واعتقادي الإسلام، ومذهبي السنة، وتفضيل أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن ابن عوف وأبي عبيدة بن الجراح، ولي كتب في السنة موجودة في الوارقين، فالله الله في دمي.

فلا يلتفتون إليه ولا إلى شيء مما يقول.

وجعل يكرر ذلك وهم يكتبون خطوطهم بما كان من الأمر.

ورد الحلاج إلى محبسه، وتأخر جواب المقتدر ثلاثة أيام حتى ساء ظن الوزير حامد بن العباس، فكتب إلى الخليفة يقول له: إن أمر الحلاج قد اشتهر ولم يختلف فيه اثنان، وقد افتتن كثير من الناس به.

فجاء الجواب: بأن يسلم إلى محمد بن عبد الصمد صاحب الشرطة، وليضربه ألف سوط، فإن مات وإلا ضربت عنقه.

ففرح الوزير بذلك وطلب صاحب الشرطة، فسلمه إليه وبعث معه طائفة من غلمانه، يصلونه معه إلى محل الشرطة من الجانب الغربي خوفا من أن يستنقذ من أيديهم.

وذلك بعد عشاء الآخرة في ليلة الثلاثاء لست بقين من ذي القعدة من هذه السنة، وهو راكب على بغل عليه إكاف وحوله جماعة من أعوان السياسة على مثل شكله، فاستقر منزله بدار الشرطة في هذه الليلة، فذكر أنه بات يصلي تلك الليلة ويدعو دعاء كثيرا.

قال أبو عبد الرحمن السلمي: سمعت أبا بكر الشاشي يقول: قال أبو الحديد - يعني المصري -: لما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها الحلاج قام يصلي من الليل فصلى ما شاء الله، فلما كان آخر الليل قام قائما فتغطى بكسائه ومد يده نحو القبلة، فتكلم بكلام جائز الحفظ، فكان مما حفظت منه قوله: نحن شواهدك فلو دلتنا عزتك لتبدى ما شئت من شأنك ومشيئتك.

وأنت الذي في السماء إله وفي الأرض إله تتجلى لما تشاء مثل تجليك في مشيئتك كأحسن الصورة، والصورة فيها الروح الناطقة بالعلم والبيان والقدرة، ثم إني أوعزت إلى شاهدك لأني في ذاتك الهوى كيف أنت إذا مثلت بذاتي عند حلول لذاتي، ودعوت إلى ذاتي بذاتي، وأبديت حقائق علومي ومعجزاتي، صاعدا في معارجي إلى عروش أزلياتي عند التولي عن برياتي، إني احتضرت وقتلت وصلبت وأحرقت واحتملت سافيات الذاريات.

ولججت في الجاريات، وأن ذرة من ينجوج مكان هالوك متجلياتي، لأعظم من الراسيات.

ثم أنشأ يقول:

أنعى إليك نفوسا طاح شاهدها ** فيما ورا الحيث بل في شاهد القدم

أنعى إليك قلوبا طالما هطلت ** سحائب الوحى فيها أبحر الحكم

أنعى إليك لسان الحق منك ومن ** أودى وتذكاره في الوهم كالعدم

أنعي إليك بيانا يستكين له ** أقوال كل فصيح مقول فهم

أنعى إليك إشارات العقول معا ** لم يبق منهن إلا دارس العلم

أنعى وحبك أخلاقا لطائفة ** كانت مطاياهم من مكمد الكظم

مضى الجميع فلا عين ولا أثر ** مضى عاد وفقدان الأولى إرم

وخلفوا معشرا يحذون لبستهم ** أعمى من البهم بل أعمى من النعم

قالوا: ولما أخرج الحلاج من المنزل الذي بات فيه ليذهب به إلى القتل أنشد:

طلبت المستقر بكل أرض ** فلم أر لي بأرض مستقرا

وذقت من الزمان وذاق مني ** وجدت مذاقه حلوا ومرا

أطعت مطامعي فاستعبدتني ** ولو أني قنعت لعشت حرا

وقيل: إنه قالها حين قدم إلى الجذع ليصلب، والمشهور الأول.

فلما أخرجوه للصلب مشى إليه وهو يتبختر في مشيته، وفي رجليه ثلاثة عشر قيدا وجعل ينشد ويتمايل:

نديمي غير منسوب ** إلى شيء من الحيف

فلما دارت الكأس ** دعا بالنطع والسيف

سقاني مثل ما يشر ** ب قعل الضيف الضيف

كذا من يشرب الراح ** مع التنين في الصيف

ثم قال: { يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ } [الشورى: 18] .

ثم لم ينطق بعد ذلك حتى فعل به ما فعل.

قالوا: ثم قدم فضرب ألف سوط ثم قطعت يداه ورجلاه وهو في ذلك كله ساكت ما نطق بكلمة، ولم يتغير لونه، ويقال: إنه جعل يقول مع كل سوط أحد أحد.

قال أبو عبد الرحمن: سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت عيسى القصار يقول: آخر كلمة تكلم بها الحلاج حين قتل أن قال: حسب الواحد إفراد الواحد له.

فما سمع بهذه الكلمة أحد من المشايخ إلا رق له، واستحسن هذا الكلام منه.

وقال السلمي: سمعت أبا بكر المحاملي يقول: سمعت أبا الفاتك البغدادي - وكان صاحب الحلاج - قال: رأيت في النوم بعد ثلاث من قتل الحلاج كأني واقف بين يدي ربي عز وجل، وأنا أقول: يا رب ما فعل الحسين بن منصور؟

فقال: كاشفته بمعنى فدعا الخلق إلى نفسه فأنزلت به ما رأيت.

ومنهم من قال: بل جزع عند القتل جزعا شديدا وبكى بكاء كثيرا، فالله أعلم.

وقال الخطيب: ثنا عبد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي قال: قال لنا أبو عمر بن حيوية: لما أخرج الحسين بن منصور الحلاج ليقتل مضيت في جملة الناس، ولم أزل أزاحم حتى رأيته فدنوت منه فقال لأصحابه: لا يهولنكم هذا الأمر، فإني عائد إليكم بعد ثلاثين يوما.

ثم قتل فما عاد.

وذكر الخطيب أنه قال وهو يضرب لمحمد بن عبد الصمد والي الشرطة: أدع بي إليك فإن عندي نصيحة تعدل فتح القسطنطينية.

فقال له: قد قيل لي إنك ستقول مثل هذا، وليس إلى رفع الضرب عنك سبيل.

ثم قطعت يداه ورجلاه وحز رأسه وأحرقت جثته وألقى رمادها في دجلة، ونصب الرأس يومين ببغداد على الجسر، ثم حمل إلى خراسان وطيف به في تلك النواحي، وجعل أصحابه يعدون أنفسهم برجوعه إليهم بعد ثلاثين يوما.

وزعم بعضهم أنه رأى الحلاج من آخر ذلك اليوم وهو راكب على حمار في طريق النهروان فقال: لعلك من هؤلاء النفر الذين ظنوا أني أنا هو المضروب المقتول، إني لست به، وإنما ألقي شبهي على رجل ففعل به ما رأيتم.

وكانوا بجهلهم يقولون: إنما قتل عدو من أعداء الحلاج.

فذكر هذا لبعض علماء ذلك الزمان فقال: إن كان هذا الرأي صادقا، فقد تبدى له شيطان على صورة الحلاج ليضل الناس به، كما ضلت فرقة النصارى بالمصلوب.

قال الخطيب: واتفق له أن دجلة زادت في هذا العام زيادة كثيرة.

فقال: إنما زادت لأن رماد جثة الحلاج خالطها.

وللعوام في مثل هذا وأشباهه ضروب من الهذيانات قديما وحديثا.

ونودي ببغداد: أن لا تشترى كتب الحلاج ولا تباع.

وكان قتله يوم الثلاثاء لست بقين من ذي القعدة من سنة تسع وثلاثمائة ببغداد.

وقد ذكره ابن خلكان في الوفيات، وحكى اختلاف الناس فيه، ونقل عن الغزالي أنه ذكره في مشكاة الأنوار، وتأول كلامه وحمله على ما يليق.

ثم نقل ابن خلكان عن إمام الحرمين أنه كان يذمه ويقول: إنه اتفق هو والجنابي وابن المقفع على إفساد عقائد الناس، وتفرقوا في البلاد فكان الجنابي في هجر والبحرين، وابن المقفع ببلاد الترك، ودخل الحلاج العراق، فحكم صاحباه عليه بالهلكة لعدم انخداع أهل العراق بالباطل.

قال ابن خلكان: وهذا لا ينتظم، فإن ابن المقفع كان قبل الحلاج بدهر في أيام السفاح والمنصور، ومات سنة خمس وأربعين ومائتين أو قبلها.

ولعل إمام الحرمين أراد ابن المقفع الخراساني الذي ادعى الربوبية وأوتي العمر واسمه عطاء، وقد قتل نفسه بالسم في سنة ثلاث وستين ومائة، ولا يمكن اجتماعه مع الحلاج أيضا، وإن أردنا تصحيح كلام إمام الحرمين فنذكر ثلاثة قد اجتمعوا في وقت واحد على إضلال الناس وإفساد العقائد كما ذكر، فيكون المراد بذلك الحلاج وهو الحسين بن منصور الذي ذكره، وابن السمعاني - يعني أبا جعفر محمد بن علي - وأبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي القرمطي الذي قتل الحجاج، وأخذ الحجر الأسود وطم زمزم ونهب أستار الكعبة.

فهؤلاء يمكن اجتماعهم في وقت واحد كما ذكرنا ذلك مبسوطا، وذكره ابن خلكان ملخصا.

وفيها توفي من الأعيان:

أبو العباس بن عطاء أحد أئمة الصوفية[عدل]

وهو أحمد بن محمد بن عطاء الأدمي.

حدث عن يوسف بن موسى القطان، والمفضل بن زياد وغيرهما، وقد كان موافقا للحلاج في بعض اعتقاده على ضلاله، وكان أبو العباس هذا يقرأ في كل يوم ختمة، فإذا كان شهر رمضان قرأ في كل يوم وليلة ثلاث ختمات، وكان له ختمة يتدبرها ويتدبر معاني القرآن فيها.

فمكث فيها سبعة عشرة سنة، ومات ولم يختمها، وهذا الرجل ممن كان اشتبه عليه أمر الحلاج وأظهر موافقته فعاقبه الوزير حامد بن العباس بالضرب البليغ على شدقيه، وأمر بنزع خفيه وضربه بهما على رأسه حتى سال الدم من منخريه، ومات بعد سبعة أيام من ذلك، وكان قد دعا على الوزير بأن تقطع يداه ورجلاه ويقتل شر قتلة.

فمات الوزير بعد مدة كذلك.

وفيها: توفي أبو إسحاق إبراهيم بن هارون الطبيب الحراني.

وأبو محمد عبد الله بن حمدون النديم.

ثم دخلت سنة عشر وثلاثمائة[عدل]

فيها: أطلق يوسف بن أبي الساج من الضيق، وكان معتقلا، وردت إليه أمواله وأعيد إلى عمله وأضيف إليه بلدان أخرى، ووظف عليه في كل سنة خمسمائة ألف دينار يحملها إلى الحضرة، فبعث حينئذ إلى مؤنس الخادم يطلب منه أبا بكر بن الأدمي القارئ، وكان قد قرأ بين يديه حين اعتقل في سنة إحدى وستين ومائتين { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ } [هود: 102] .

فخاف القارئ من سطوته واستعفى من مؤنس الخادم فقال له مؤنس: اذهب وأنا شريكك في الجائزة.

فلما دخل عليه قرأ بين يديه: { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي } [يوسف: 54] .

فقال: بل أحب أن تقرأ ذلك العشر الذي قرأته عند سجني وإشهاري { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ } [هود: 102] .

فإن ذلك كان سبب توبتي ورجوعي إلى الله عز وجل، وكان ذلك على يديك.

ثم أمر له بمال جزيل وأحسن إليه.

وفيها: مرض علي بن عيسى الوزير فجاءه هارون بن المقتدر ليعوده ويبلغه سلام أبيه عليه، فبسط له الطريق، فلما اقترب من داره تحامل وخرج إليه فبلغه سلام الخليفة، وجاء مؤنس الخادم معه، ثم جاء الخبر بأن الخليفة قد عزم على عيادته فاستعفى من مؤنس الخادم، ثم ركب على جهد عظيم حتى سلم على الخليفة لئلا يكلفه الركوب إليه.

وفيها: قبض على القهرمانة أم موسى ومن ينسب إليها، وكان حاصل ما حمل إلى بيت المال من جهتها ألف ألف دينار.

وفي يوم الخميس منها لعشر بقين من ربيع الآخر ولى المقتدر منصب القضاء أبا الحسين عمر بن الحسين بن علي الشيباني المعروف بابن الاشناني - وكان من حفاظ الحديث وفقهاء الناس - ولكنه عزل بعد ثلاثة أيام، وكان قبل ذلك محتسبا ببغداد.

وفيها: عزل محمد بن عبد الصمد عن شرطة بغداد ووليها نازوك وخلع عليه.

وفيها: في جمادى الآخرة فيها ظهر كوكب له ذنب طوله ذراعان في برج السنبلة.

وفي شعبان منه وصلت هدايا نائب مصر وهو الحسين بن المادراني، وفي جملتها بغلة معها فلوها، وغلام يصل لسانه إلى طرف أنفه.

وفيها: قرئت الكتب على المنابر بما كان من الفتوح على المسلمين ببلاد الروم.

وفيها: ورد الخبر بأنه انشق بأرض واسط فلوع في الأرض في سبعة عشر موضعا أكبرها طوله ألف ذراع، وأقلها مائتا ذراع، وأنه غرق من أمهات القرى ألف وثلاثمائة قرية.

وحج بالناس إسحاق بن عبد الملك الهاشمي.

وممن توفي فيها من الأعيان:

أبو بشر الدولابي[عدل]

محمد بن أحمد بن حماد أبو سعيد أبو بشر الدولابي، مولى الأنصار، ويعرف بالوراق، أحد الأئمة من حفاظ الحديث، وله تصانيف حسنة في التاريخ وغير ذلك، وروى عن جماعة كثيرة.

قال ابن يونس: كان يصعق، توفي وهو قاصد الحج بين مكة والمدينة بالعرج في ذي القعدة.

أبو جعفر بن جرير الطبري[عدل]

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الإمام أبو جعفر الطبري، وكان مولده في سنة أربع وعشرين ومائتين، وكان أسمر أعين مليح الوجه مديد القامة فصيح اللسان، وروى الكثير عن الجم الغفير، ورحل إلى الآفاق في طلب الحديث، وصنف التاريخ الحافل، وله التفسير الكامل الذي لا يوجد له نظير، وغيرهما من المصنفات النافعة في الأصول والفروع.

ومن أحسن ذلك (تهذيب الآثار) ولو كمل لما احتيج معه إلى شيء، ولكان فيه الكفاية لكنه لم يتمه.

وقد روي عنه أنه مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم أربعين ورقة.

قال الخطيب البغدادي: استوطن ابن جرير بغداد وأقام بها إلى حين وفاته، وكان من أكابر أئمة العلماء، ويحكم بقوله ويرجع إلى معرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظا لكتاب الله، عارفا بالقراءات كلها، بصيرا بالمعاني، فقيها في الأحكام، عالما بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم، عارفا بأيام الناس وأخبارهم.

وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم والملوك، وكتاب في التفسير لم يصنف أحد مثله.

وكتاب سماه (تهذيب الآثار)لم أر سواه في معناه، إلا أنه لم يتمه.

وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة واختيارات، وتفرد بمسائل حفظت عنه.

قال الخطيب: وبلغني عن الشيخ أبي حامد أحمد بن أبي طاهر الفقيه الأسفرائيني أنه قال: لو سافر رجل إلى الصين حتى ينظر في كتاب تفسير ابن جرير الطبري لم يكن ذلك كثيرا، أو كما قال.

وروى الخطيب عن إمام الأئمة أبي بكر بن خزيمة أنه طالع تفسير محمد بن جرير في سنين من أوله إلى آخره، ثم قال: ما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير، ولقد ظلمته الحنابلة.

وقال محمد لرجل رحل إلى بغداد يكتب الحديث عن المشايخ -ولم يتفق له سماع من ابن جرير لأن الحنابلة كانوا يمنعون أن يجتمع به أحد - فقال ابن خزيمة: لو كتبت عنه لكان خيرا لك من كل من كتبت عنه.

قلت: وكان من العبادة والزهادة والورع والقيام في الحق لا تأخذه في ذلك لومة لائم، وكان حسن الصوت بالقراءة مع المعرفة التامة بالقراءات على أحسن الصفات، وكان من كبار الصالحين، وهو أحد المحدثين الذين اجتمعوا في مصر في أيام ابن طولون، وهم محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن هارون الروياني، ومحمد بن جرير الطبري هذا.

وقد ذكرناهم في ترجمة محمد بن نصر المروزي، وكان الذي قام فصلى هو محمد بن إسحاق بن خزيمة، وقيل: محمد بن نصر، فرزقهم الله.

وقد أراد الخليفة المقتدر في بعض الأيام أن يكتب كتاب وقف تكون شروطه متفقا عليها بين العلماء، فقيل له: لا يقدر على استحضار ذلك إلا محمد بن جرير الطبري، فطلب منه ذلك فكتب له، فاستدعاه الخليفة إليه وقرب منزلته عنده.

وقال له: سل حاجتك.

فقال: لا حاجة لي.

فقال: لا بد أن تسألني حاجة أو شيئا.

فقال: أسأل من أمير المؤمنين أن يتقدم أمره إلى الشرطة حتى يمنعوا السؤَّال يوم الجمعة أن يدخلوا إلى مقصورة الجامع.

فأمر الخليفة بذلك.

وكان ينفق على نفسه من مغل قرية تركها له أبوه بطبرستان.

ومن شعره:

إذا أعسرت لم يعلم رفيقي ** وأستغني فيستغني صديقي

حيائي حافظ لي ماء وجهي ** ورفقي في مطالبتي رفيقي

ولو أني سمحت ببذل وجهي ** لكنت إلى الغنى سهل الطريق

ومن شعره أيضا:

خُلُقان لا أرضى طريقهما ** بطر الغنى ومذلة الفقر

فإذا غنيت فلا تكن بطرا ** وإذا افتقرت فته على الدهر

وقد كانت وفاته وقت المغرب عشية يوم الأحد ليومين بقيا من شوال من سنة عشر وثلاثمائة.

وقد جاوز الثمانين بخمس سنين أو ست سنين، وفي شعر رأسه ولحيته سواد كثير، ودفن في داره لأن بعض عوام الحنابلة ورعاعهم منعوا من دفنه نهارا ونسبوه إلى الرفض، ومن الجهلة من رماه بالإلحاد، وحاشاه من ذلك كله.

بل كان أحد أئمة الإسلام علما وعملا بكتاب الله وسنة رسوله، وإنما تقلدوا ذلك عن أبي بكر محمد بن داود الفقيه الظاهري، حيث كان يتكلم فيه ويرميه بالعظائم وبالرفض.

ولما توفي اجتمع الناس من سائر أقطار بغداد وصلوا عليه بداره ودفن بها، ومكث الناس يترددون إلى قبره شهورا يصلون عليه، وقد رأيت له كتابا جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين، وكتابا جمع فيه طريق حديث الطير.

ونسب إليه أنه كان يقول بجواز مسح القدمين في الوضوء وأنه لا يوجب غسلهما، وقد اشتهر عنه هذا.

فمن العلماء من يزعم أن ابن جرير اثنان أحدهما شيعي وإليه ينسب ذلك، وينزهون أبا جعفر هذا عن هذه الصفات.

والذي عول عليه كلامه في التفسير أنه يوجب غسل القدمين ويوجب مع الغسل دلكهما، ولكنه عبر عن الدلك بالمسح، فلم يفهم كثير من الناس مراده، ومن فهم مراده نقلوا عنه أنه يوجب الغسل والمسح وهو الدلك والله أعلم.

وقد رثاه جماعة من أهل العلم منهم ابن الأعرابي حيث يقول:

حدث مفظع وخطب جليل ** دق عن مثله اصطبار الصبور

قام ناعي العلوم اجمع لما ** قام ناعي محمد بن جرير

فهوت أنجم لها زاهرات ** مؤذنات رسومها بالدثور

وتغشى ضياها النير الإشـ ** ـراق ثوب الدّجنّة الديجور

وغدا روضها الأنيق هشيما ** ثم عادت سهولها كالوعور

يا أبا جعفر مضيت حميدا ** غير وانٍ في الجد والتشمير

بين أجر على اجتهادك موفو ** ر وسعي إلى التقى مشكور

مستحقّا به الخلود لدى جن ** ة عدن في غبطة وسرور

ولأبي بكر بن دريد رحمه الله فيه مرثاة طويلة، وقد أوردها الخطيب البغدادي بتمامها.

والله سبحانه أعلم.

ثم دخلت سنة إحدى عشرة وثلاثمائة[عدل]

فيها دخل أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي أمير القرامطة في ألف وسبعمائة فارس إلى البصرة ليلا، نصب السلالم الشعر في سورها فدخلها قهرا وفتحوا أبوابها وقتلوا من لقوه من أهلها، وهرب أكثر الناس فألقوا أنفسهم في الماء فغرق كثير منهم، ومكث بها سبعة عشر يوما يقتل ويأسر من نسائها وذراريها، ويأخذ ما يختار من أموالها.

ثم عاد إلى بلده هجر، كلما بعث إليه الخليفة جندا من قبله فرّ هاربا وترك البلد خاويا، إنا لله وإنا إليه راجعون.

وفيها: عزل المقتدر عن الوزارة حامد بن العباس وعلي بن عيسى وردها إلى أبي الحسن بن الفرات مرة ثالثة، وسلم إليه حامدا وعلي بن عيسى، فأما حامد فإن المحسن بن الوزير ضمنه من المقتدر بخمسمائة ألف ألف دينار، فتسلمه فعاقبه بأنواع العقوبات، وأخذ منه أموالا جزيلة لا تحصى ولا تعد كثرة، ثم أرسله مع موكلين عليه إلى واسط ليحتاطوا على أمواله وحواصله هناك، وأمرهم أن يسقوه سما في الطريق فسقوه ذلك في بيض مشوي كان قد طلبه منهم، فمات في رمضان من هذه السنة.

وأما علي بن عيسى فإنه صودر بثلاثمائة ألف دينار وصودر قوم آخرون من كتابه، فكان جملة ما أخذ من هؤلاء مع ما كان صودرت به القهرمانة من الذهب شيئا كثيرا جدا آلاف ألف من الدنانير، وغير ذلك من الأثاث والأملاك والدواب والآنية من الذهب والفضة.

وأشار الوزير ابن الفرات على الخليفة المقتدر بالله أن يبعد عنه مؤنس الخادم إلى الشام - وكان قد قدم من بلاد الروم من الجهاد، وقد فتح شيئا كثيرا من حصون الروم وبلدانهم، وغنم مغانم كثيرة جدا - فأجابه إلى ذلك، فسأل مؤنس الخليفة أن ينظره إلى سلخ شهر رمضان، وكان مؤنس من أعلم بما يعتمده ابن الوزير من تعذيب الناس ومصادرتهم بالأموال، فأمر الخليفة مؤنسا بالخروج إلى الشام.

وفيها: كثر الجراد وأفسد كثيرا من الغلات.

وفي رمضان منها أمر الخليفة برد ما فضل من المواريث على ذوي الأرحام.

وفي رمضان أحرق بالنار على باب العامة مائتين وأربعة أعدال من كتب الزنادقة، منها ما كان صنفه الحلاج وغيره، فسقط منها ذهب كثير كانت محلاة به.

وفيها: اتخذ أبو الحسن بن الفرات الوزير مرستانا في درب الفضل، وكان ينفق عليه من ماله في كل شهر مائتي دينار.

وفيها توفي من الأعيان:

الخلال أحمد بن محمد بن هاون[عدل]

أبو بكر الخلال، صاحب الكتاب الجامع لعلوم الإمام أحمد، ولم يصنف في مذهب الإمام أحمد مثل هذا الكتاب، وقد سمع الخلال الحديث من الحسن بن عرفة وسعدان بن نصر وغيرهما.

توفي يوم الجمعة قبل الصلاة ليومين مضتا من هذه السنة.

أبو محمد الجريري[عدل]

أحد أئمة الصوفية أحمد بن محمد بن الحسين أبو محمد الجريري أحد كبار الصوفية، صحب سريا السقطي، وكان الجنيد يكرمه ويحترمه.

ولما حضرت الجنيد الوفاة أوصى أن يجالس الجريري، وقد اشتبه على الجريري هذا شأن الحلاج فكان ممن أجمل القول فيه، على أن الجريري هذا مذكور بالصلاح والديانة وحسن الأدب.

الزجاج صاحب معاني القرآن[عدل]

إبراهيم بن السري بن سهل أبو إسحاق الزجاج، كان فاضلا دينا حسن الاعتقاد، وله المصنفات الحسنة، منها كتاب (معاني القرآن) وغيره من المصنفات العديدة المفيدة، وقد كان أول أمره يخرط الزجاج فأحب علم النحو فذهب إلى المبرّد، وكان يعطي المبرّد كل يوم درهما، ثم استغنى الزجاج وكثر ماله ولم يقطع عن المبرد ذلك الدرهم حتى مات.

وقد كان الزجاج مؤدبا للقاسم بن عبيد الله، فلما ولي الوزارة كان الناس يأتونه بالرقاع ليقدمها إلى الوزير، فحصل له بسبب ذلك ما يزيد على أربعين ألف دينار.

توفي في جمادى الأولى منها.

وعنه أخذ أبو علي الفارسي النحوي، وابن القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، نسب إليه لأخذه عنه، وهو صاحب كتاب (الجمل في النحو).

بدر مولى المعتضد[عدل]

وهو بدر الحمامي، ويقال له: بدر الكبير، كان في آخر وقت على نيابة فارس، ثم وليها من بعده ولده محمد.

حامد بن العباس[عدل]

الوزير استوزره المقتدر في سنة ست وثلاثمائة، وكان كثير المال والغلمان، كثير النفقات كريما سخيا، كثير المروءة.

له حكايات تدل على بذله وإعطائه الأموال الجزيلة، ومع هذا كان قد جمع شيئا كثيرا، وجد له في مطمورة ألوف من الذهب، كان كل يوم إذا دخلها ألقى فيها ألف دينار، فلما امتلأت طمها، فلما صودر دل عليها فاستخرجوا منها مالا كثيرا جدا.

ومن أكبر مناقبه أنه كان من السعاة في قتل الحسين الحلاج كما ذكرنا ذلك.

توفي الوزير حامد بن العباس في رمضان منها مسموما.

وفيها توفي: عمر بن محمد بجير البجيري صاحب الصحيح.

ابن خزيمة[عدل]

محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي، مولى محسن بن مزاحم الإمام أبو بكر بن خزيمة الملقب بإمام الأئمة، كان بحرا من بحور العلم، طاف البلاد ورحل إلى الآ فاق في الحديث وطلب العلم، فكتب الكثير وصنف وجمع، وكتابه الصحيح من أنفع الكتب وأجلها، وهو من المجتهدين في دين الإسلام، حكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الشافعية عنه أنه قال: ما قلدت أحدا منذ بلغت ستة عشر سنة، وقد ذكرنا له ترجمة مطولة في كتابنا طبقات الشافعية.

وهو أحد المحمدين الذين أرملوا بمصر ثم رزقهم الله ببركة صلاته.

وقد ذكرنا نحو ذلك في ترجمة الحسن بن سفيان.

وفيها توفي: محمد بن زكريا الطبيب صاحب المصنف الكبير في الطب.

ثم دخلت سنة ثنتي عشرة وثلاثمائة[عدل]

في المحرم منها اعترض القرمطي أبو طاهر الحسين بن أبي سعيد الجنابي لعنه الله ولعن أباه للحجيج وهم راجعون من بيت الله الحرام، قد أدوا فرض الله عليهم، فقطع عليهم الطريق فقاتلوه دفعا عن أموالهم وأنفسهم وحريمهم، فقتل منهم خلقا كثيرا لا يعلمهم إلا الله، وأسر من نسائهم وأبنائهم ما اختاره، واصطفى من أموالهم ما أراد، فكان مبلغ ما أخذه من أموال ما يقاوم ألف ألف دينار، ومن الأمتعة والمتاجر نحو ذلك، وترك بقية الناس بعد ما أخذ جمالهم وزادهم وأموالهم ونساءهم وأبناءهم على بعد الديار في تلك الفيافي والبرية بلا ماء ولا زاد ولا محمل.

وقد جاحف عن الناس نائب الكوفة أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان فهزمه وأسره.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

وكان عدة من مع القرمطي ثمانمائة مقاتل، وعمره إذ ذاك سبع عشرة سنة قصمه الله.

ولما انتهى خبرهم إلى بغداد قام نساؤهم وأهاليهم في النياحة ونشرن شعورهن ولطمن خدودهن، وانضاف إليهن نساء الذين نكبوا على يد الوزير وابنه، وكان ببغداد يوم مشهود بسبب ذلك في غاية البشاعة والشناعة، فسأل الخليفة عن الخبر فذكروا له أنهم نسوة الحجيج ومعهن نساء الذين صادرهم ابن الفرات، وجاءت على يد الحاجب نصر بن القشوري على الوزير فقال: يا أمير المؤمنين إنما استولى هذا القرمطي على ما استولى عليه بسبب إبعادك مؤنس الخادم المظفر، فطمع هؤلاء في الأطراف، وما أشار عليك بإبعاده إلا ابن الفرات.

فبعث الخليفة إلى ابن الفرات يقول له: إن الناس يتكلمون فيك لنصحك إياي.

وأرسل يطيب قلبه، فركب هو وولده إلى الخليفة فدخلا عليه فأكرمهما وطيب قلوبهما، فخرجا من عنده فنالهما أذى كثير من نصر الحاجب وغيره من كبار الأمراء، وجلس، الوزير في دسته فحكم بين الناس كعادته، وبات ليلته تلك مفكرا في أمره، وأصبح كذلك وهو ينشد:

فأصبح لا يدري وإن كان حازما ** أقدامه خير له أم داره؟

ثم جاءه في ذلك اليوم أميران من جهة الخليفة، فدخلا عليه داره إلى بين حريمه وأخرجوه مكشوفا رأسه وهو في غاية الذل والصغار، والإهانة والعار، فأركبوه في حراقة إلى الجانب الآخر.

وفهم الناس ذلك فرجموا ابن الفرات بالآجر، وتعطلت الجوامع وخربت العامة المحاريب، ولم يصلِّ الناس الجمعة فيها، وأخذ خط الوزير بألفي ألف دينار، وأخذ خط ابنه بثلاثة آلاف ألف دينار، وسلما إلى نازوك أمير الشرطة، فاعتقلا حينا حتى خلصت منهما الأموال، ثم أرسل الخليفة خلف مؤنس الخادم، فلما قدم سلمهما إليه فأهانهما غاية الإهانة بالضرب والتقريع له ولولده المجرم الذي ليس بمحسن، ثم قتلا بعد ذلك.

واستوزر عبد الله بن محمد بن عبيد الله بن محمد بن يحيى بن خاقان أبو القاسم، وذلك في تاسع ربيع الأول منها.

ولما دخل مؤنس بغداد دخل في تجمل عظيم، وشفع عند ابن خاقان في أن يرسل إلى علي بن عيسى - وكان قد صار إلى صنعاء اليمن مطرودا - فعاد إلى مكة وبعث إليه الوزير أن ينظر في أمر الشام ومصر، وأمر الخليفة مؤنس الخادم بأن يسير إلى الكوفة لقتال القرامطة، وأنفق على خروجه ألف ألف دينار، وأطلق القرمطي من كان أسره من الحجيج، وكانوا ألفي رجل وخمسمائة امرأة، وأطلق أبا الهيجاء نائب الكوفة معهم أيضا.

وكتب إلى الخليفة يسأل منه البصرة والأهواز فلم يجب إلى ذلك، وركب المظفر مؤنس في جحافل إلى بلاد الكوفة فسكن أمرها، ثم انحدر منها إلى واسط واستناب على الكوفة ياقوت الخادم، فتمهدت الأمور وانصلحت.

وفي هذه السنة ظهر رجل بين الكوفة وبغداد فادعى أنه محمد بن إسماعيل بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وصدقه على ذلك طائفة من الأعراب والطغام، والتفوا عليه وقويت شوكته في شوال، فأرسل إليه الوزير جيشا فقاتلوه فهزموه وقتلوا خلقا من أصحابه، وتفرق بقيتهم.

وهذا المدعي المذكور هو رئيس الإسماعيلية وهو أولهم.

وظفر نازوك صاحب الشرطة بثلاثة من أصحاب الحلاج: وهم حيدرة، والشعراني، وابن منصور، فطالبهم بالرجوع عن اعتقادهم فيه فلم يرجعوا، فضرب رقابهم وصلبهم في الجانب الشرقي.

ولم يحج في هذه السنة أحد من أهل العراق لكثرة خوف الناس من القرامطة.

وفيها توفي من الأعيان:

إبراهيم بن خميس[عدل]

أبو إسحاق الواعظ الزاهد، كان يعظ الناس، فمن جملة كلامه الحسن قوله: يضحك القضاء من الحذر، ويضحك الأجل من الأمل، ويضحك التقدير من التدبير، وتضحك القسمة من الجهد والعناء.

علي بن محمد بن الفرات[عدل]

ولاه المقتدر الوزارة ثم عزله ثم ولاه ثم عزله ثم ولاه ثم عزله ثم ولاه ثم عزله ثم ولاه ثم قتله في هذه السنة، وقتل ولده، وكان ذا مال جزيل: ملك عشرة آلاف ألف دينار، وكان يدخل له من ضياعه كل سنة ألف ألف دينار، وكان ينفق على خمسة آلاف من العباد والعلماء، تجري عليهم نفقات في كل شهر ما فيه كفايتهم، وكان له معرفة بالوزارة والحساب، يقال: إنه نظر يوما في ألف كتاب ووقع على ألف رقعة، فتعجب من حضره من ذلك، وكانت فيه مروءة وكرم وحسن سيرة في ولاياته، غير هذه المرة فإنه ظلم وغشم وصادر الناس وأخذ أموالهم، فأخذه الله أخذ القرى وهي ظالمة، أخذ عزيز مقتدر.

وقد كان ذا كرم وسعة في النفقة، ذاكر عنده ذات ليلة أهل الحديث والصوفية وأهل الأدب، فأطلق من ماله لكل طائفة عشرين ألفا.

وكتب رجل على لسانه إلى نائب مصر كتابا فيه وصية به منه إليه، فلما دفع المكتوب إلى نائب مصر استراب منه وقال: ما هذا خط الوزير.

وأرسل به إلى الوزير، فلما وقف عليه عرف أنه كذب وزور، فاستشار الحاضرين عنده فيما يفعل بالذي زور عليه، فقال بعضهم: تقطع يديه.

وقال آخر: تقطع إبهاميه.

وقال آخر: يضرب ضربا مبرحا.

فقال الوزير: أوَ خير من ذلك كله؟

ثم أخذ الكتاب وكتب عليه: نعم هذا خطي وهو من أخص أصحابي، فلا تتركن من الخير شيئا مما تقدر عليه إلا أوصلته إليه.

فلما عاد الكتاب أحسن نائب مصر إلى ذلك الرجل إحسانا بالغا، ووصله بنحو من شعرين ألف دينار.

واستدعى ابن الفرات يوما ببعض الكتّاب فقال له: ويحك إن نيتي فيك سيئة، وإني في كل وقت أريد أن أقبض عليك وأصادرك، فأراك في المنام تمنعني برغيف، وقد رأيتك في المنام من ليالٍ، وإني أريد القبض عليك، فجعلت تمتنع مني، فأمرت جندي أن يقاتلوك، فجعلوا كلما ضربوك بشيء من سهام وغيرها تتقي الضرب برغيف في يدك، فلا يصل إليك شيء، فأعلمني ما قصة هذا الرغيف.

فقال: أيها الوزير إن أمي منذ كنت صغيرا كل ليلة تضع تحت وسادتي رغيفا، فإذا أصبحت تصدقت به عني، فلم يزل كذلك دأبها حتى ماتت.

فلما ماتت فعلت أنا ذلك مع نفسي، فكل ليلة أضع تحت وسادتي رغيفا ثم أصبح فأتصدق به.

فعجب الوزير من ذلك وقال: والله لا ينالك مني بعد اليوم سوء أبدا، ولقد حسنت نيتي فيك، وقد أحببتك.

وقد أطال ابن خلكان ترجمته فذكر بعض ما أوردنا في ترجمته.

محمد بن محمد بن سليمان بن الحارث بن عبد الرحمن[عدل]

أبو بكر الأزدي الواسطي، المعروف بالباغندي، سمع محمد بن عبد الله بن نمير، وابن أبي شيبة وشيبان بن فروخ، علي بن المديني، وخلقا من أهل الشام ومصر والكوفة والبصرة وبغداد، ورحل إلى الأمصار البعيدة، وعني بهذا الشأن واشتغل فيه فأفرط، حتى قيل: إنه ربما سرد بعض الأحاديث بأسانيدها في الصلاة والنوم وهو لا يشعر، فكانوا يسبحون به حتى يتذكر أنه في الصلاة، وكان يقول: أنا أجيب في ثلاثمائة ألف مسألة من الحديث لا أتجاوزه إلى غيره.

وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه فقال له: يا رسول الله أيما أثبت في الأحاديث منصور أو الأعمش؟

فقال له: منصور.

وقد كان يعاب بالتدليس حتى قال الدارقطني: هو كثير التدليس، يحدث بما لم يسمع، وربما سرق بعض الأحاديث والله أعلم.

ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة[عدل]

قال ابن الجوزي: في ليلة بقيت من المحرم انقض كوكب من ناحية الجنوب إلى الشمال قبل مغيب الشمس، فأضاءت الدنيا منه وسمع له صوت كصوت الرعد الشديد.

وفي صفر منها بلغ الخليفة أن جماعة من الرافضة يجتمعون في مسجد براثى فينالون من الصحابة ولا يصلون الجمعة، ويكاتبون القرامطة ويدعون إلى محمد بن إسماعيل الذي ظهر بين الكوفة وبغداد، ويدّعون أنه المهدي، ويتبرؤون من المقتدر وممن تبعه.

فأمر بالاحتياط عليهم واستفتى العلماء بالمسجد فأفتوا بأنه مسجد ضرار، فضرب من قدر عليه منهم الضرب المبرح ونودي عليهم.

وأمر بهدم ذلك المسجد المذكور فهدم هدمه نازوك، وأمر الوزير الخاقاني فجعل مكانه مقبرة فدفن فيها جماعة من الموالي.

وخرج الناس للحج في ذي القعدة فاعترضهم أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي القرمطي، فرجع أكثر الناس إلى بلدانهم، ويقال: إن بعضهم سأل منه الأمان ليذهبوا فأمنهم.

وقد قاتله جند الخليفة فلم يفد ذلك شيئا لتمرده وشدة بأسه، فانزعج أهل بغداد من ذلك، وترحل أهل الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي خوفا منهم، ودخل القرمطي إلى الكوفة فأقام بها شهرا يأخذ من أموالها ونسائها ما يختار.

قال ابن الجوزي: وكثر الرطب في هذه السنة ببغداد حتى بيع كل ثمانية أرطال بحبة، وعمل منه تمر وحمل إلى البصرة.

وعزل المقتدر وزيره الخاقاني بعد أن ولاه سنة وستة أشهر ويومين، وولى مكانه أبا القاسم أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن الخطيب الخصيبي، لأجل مال بذله من جهة زوجة للحسن بن الفرات، وكان ذلك المال سبعمائة ألف دينار، فأمر الخصيبي علي بن عيسى على أن يكون مشرفا على ديار مصر وبلاد الشام، وهو مقيم بمكة يسير إلى تلك البلاد في بعض الأوقات فيعمل ما ينبغي ثم يرجع إلى مكة.

وفيها توفي من الأعيان:

علي بن عبد الحميد بن عبد الله بن سليمان[عدل]

أبو الحسن الغضائري، سمع القواريري وعباسا العنبري، وكان من العباد الثقات.

قال: جئت يوما إلى السري السقطي فدققت عليه بابه، فخرج إلي ووضع يده على عضادتي الباب وهو يقول: اللهم اشغل من شغلني عنك بك.

قال: فنالتني بركة هذه الدعوة فحججت على قدميّ من حلب إلى مكة أربعين حجة ذاهبا وآيبا.

أبو العباس السراج الحافظ[عدل]

محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران بن عبد الله الثقفي مولاهم، أبو العباس السراج، أحد الأئمة الثقات الحفاظ، مولده سنة ثمان عشرة ومائتين، سمع قتيبة واسحق بن راهوية وخلقا كثيرا من أهل خراسان وبغداد والكوفة والبصرة والحجاز، وقد حدث عنه البخاري ومسلم، وهما أكبر منه وأقدم ميلادا ووفاة.

وله مصنفات كثيرة نافعة جدا، وكان يعد من مجابي الدعوة.

وقد رأى في منامه كأنه يرقى في سلم فصعد فيه تسعا وتسعين درجة، فما أولها على أحد إلا قال له: تعيش تسعا وتسعين سنة، فكان كذلك.

وقد ولد له ابنه أبو عمر وعمره ثلاث وثمانون سنة.

قال الحاكم: فسمعت أبا عمرو يقول: كنت إذا دخلت المسجد على أبي والناس عنده يقول لهم: هذا عملته في ليلة ولي من العمر ثلاث وثمانون سنة.

ثم دخلت سنة أربع عشرة وثلاثمائة[عدل]

فيها كتب ملك الروم، وهو الدمستق لعنه الله، إلى أهل السواحل أن يحملوا إليه الخراج، فأبوا عليه فركب إليهم في جنوده في أول هذه السنة، فعاث في الأرض فسادا، ودخل ملطية فقتل من أهلها خلقا وأسر وأقام بها ستة عشر يوما، وجاء أهلها إلى بغداد يستنجدون الخليفة عليه.

ووقع في بغداد حريق في مكانين، مات فيهما خلق كثير، وأحرق في أحدهما ألف دار ودكان، وجاءت الكتب بموت الدمستق ملك النصارى فقرئت الكتب على المنابر.

وجاءت الكتب من مكة أنهم في غاية الانزعاج بسبب اقتراب القرامطة إليهم وقصدهم إياهم، فرحلوا منها إلى الطائف وتلك النواحي.

وفيها: هبت ريح عظيمة بنصيبين اقتلعت أشجارا كثيرة وهدمت البيوت.

قال ابن الجوزي: وفي يوم الأحد لثمان مضين من شوال منها - وهو سابع كانون الأول - سقط ببغداد ثلج عظيم جدا حصل بسببه برد شديد، بحيث أتلف كثيرا من النخيل والأشجار، وجمدت الأدهان حتى الأشربة، وماء الورد والخل والخلجان الكبار، ودجلة.

وعقد بعض مشايخ الحديث مجلسا للتحديث على متن دجلة من فوق الجمد، وكتب هنالك، ثم انكسر البرد بمطر وقع فأزال ذلك كله ولله الحمد.

وفيها: قدم الحجاج من خراسان إلى بغداد فاعتذر إليهم مؤنس الخادم بأن القرامطة قد قصدوا مكة، فرجعوا ولم يتهيأ الحج في هذه السنة من ناحية العراق بالكلية.

وفي ذي القعدة عزل الخليفة وزيره أبا العباس الخصيبي بعد سنة وشهرين، وأمر بالقبض عليه وحبسه، وذلك لإهماله أمر الوزارة والنظر في المصالح، وذلك لاشتغاله بالخمر في كل ليلة فيصبح مخمورا لا تمييز له، وقد وكل الأمور إلى نوابه فخانوا وعلموا مصالحهم.

وولى أبا القاسم عبيد الله بن محمد الكلوذاني نيابة عن علي بن عيسى، حتى يقدم، ثم أرسل في طلب علي بن عيسى وهو بدمشق فقدم بغداد في أبهة عظيمة، فنظر في المصالح الخاصة والعامة، ورد الأمور إلى السداد، وتمهدت الأمور.

واستدعى بالخصيبي فتهدده ولامه وناقشه على ما كان يعتمده ويفعله في خاصة نفسه من معاصي الله عز وجل، وفي الأمور العامة، وذلك بحضرة القضاة والأعيان، ثم رده إلى السجن.

وفيها: أخذ نصر بن أحمد الساماني الملقب بالسعيد بلاد الري وسكنها إلى سنة ست عشرة وثلاثمائة.

وفيها: غزت الصائفة من طرسوس بلاد الروم فغنموا وسلموا.

ولم يحج ركب العراق خوفا من القرامطة.

وفيها توفي من الأعيان: سعد النوبي صاحب باب النوبى من دار الخلافة ببغداد في صفر، وأقيم أخوه مكانه في حفظ هذا الباب الذي صار ينسب بعد إليه.

ومحمد بن محمد الباهلي.

ومحمد بن عمر ابن لبابة القرطبي.

ونصر بن القاسم الفرائضي الحنفي أبو الليث، سمع القواريري وكان ثقة عالما بالفرائض على مذهب أبي حنيفة، مقربا جليلا.

ثم دخلت سنة خمس عشرة وثلاثمائة[عدل]

في صفر منها كان قدوم علي بن عيسى الوزير من دمشق، وقد تلقاه الناس إلى أثناء الطريق، فمنهم من لقيه إلى الأنبار، ومنهم دون ذلك.

وحين دخل إلى الخليفة خاطبه الخليفة فأحسن مخاطبته ثم انصرف إلى منزله، فبعث الخليفة وراءه بالفرش والقماش وعشرين ألف دينار، واستدعاه من الغد فخلع عليه فأنشد وهو في الخلعة:

ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها ** فكيف ما انقلبت به انقلبوا

يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت ** يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا

وفيها: جاءت الكتب بأن الروم دخلوا شميساط وأخذوا جميع ما فيها، ونصبوا فيها خيمة الملك، وضربوا الناقوس في الجامع بها، فأمر الخليفة مؤنس الخادم بالتجهيز إليهم، وخلع عليه خلعة سنية.

ثم جاءت الكتب بأن المسلمين وثبوا على الروم فقتلوا منهم خلقا كثيرا جدا فلله الحمد والمنة.

ولما تجهز مؤنس للمسير جاءه بعض الخدم فأعلمه أن الخليفة يريد أن يقبض عليه إذ دخل لوداعه، وقد حضرت له ريبة في دار الخلافة مغطاة ليقع فيها، فأحجم عن الذهاب وجاءت الأمراء إليه من كل جانب ليكونوا معه على الخليفة، فبعث إليه الخليفة رقعة فيها خطه يحلف له أن هذا الأمر الذي بلغه ليس بصحيح.

فطابت نفسه وركب إلى دار الخلافة في غلمانه فلما دخل على الخليفة خاطبه مخاطبة عظيمة، وحلف أنه طيب القلب عليه وله عنده الصفاء الذي يعرفه.

ثم خرج من بين يديه معظما مكرما، وركب العباس بن الخليفة والوزير ونصر الحاجب في خدمته لتوديعه، وكبر الأمراء بين يديه مثل الحجبة، وكان خروجه يوما مشهودا قاصدا بلاد الثغور لقتال الروم.

وفي جمادى الأولى منها قبض على رجل خناق قد قتل خلقا من النساء، وكان يدّعي لهن أنه يعرف العطف والتنجيم، فقصده النساء لذلك فإذا انفرد بالمرأة قام إليها ففعل الفاحشة وخنقها بوتر وأعانته امرأته وحفر لها في داره فدفنها، فإذا امتلأت تلك الدار من القتلى انتقل إلى دار أخرى.

ولما ظهر عليه وجد في داره التي هو فيها أخيرا سبع عشرة امرأة قد خنقهن، ثم تتبعت الدور التي سكنها فوجدوه قد قتل شيئا كثيرا من النساء، فضرب ألف سوط ثم خنق حتى مات.

وفيها: كان ظهور الديلم قبحهم الله ببلاد الري، وكان فيهم ملك غلب على أمرهم يقال له: مرداويج، يجلس على سرير من ذهب وبين يديه سرير من فضة، ويقول: أنا سليمان بن داود.

وقد سار في أهل الري وقزوين وأصبهان سيرة قبيحة جدا، فكان يقتل النساء والصبيان في المهد، ويأخذ أموال الناس، وهو في غاية الجبروت والشدة والجرأة على محارم الله عز وجل، فقتلته الأتراك وأراح الله المسلمين من شره.

وفيها: كانت بين يوسف بن أبي الساج وبين أبي طاهر القرمطي عند الكوفة موقعة، فسبقه إليها أبو طاهر فحال بينه وبينها، فكتب إليه يوسف بن أبي الساج: اسمع وأطع وإلا فاستعد للقتال يوم السبت تاسع شوال منها، فكتب إليه: هلم.

فسار إليه، فلما تراءا الجمعان استقل يوسف الجيش القرمطي، وكان مع يوسف بن أبي الساج عشرون ألفا، ومع القرمطي ألف فارس وخمسمائة رجل.

فقال يوسف: وما قيمة هؤلاء الكلاب؟

وأمر الكاتب أن يكتب بالفتح إلى الخليفة قبل اللقاء، فلما اقتتلوا ثبت القرامطة ثباتا عظيما، ونزل القرمطي فحرَّض أصحابه، وحمل بهم حملة صادقة، فهزموا جند الخليفة، وأسروا يوسف بن أبي الساج أمير الجيش، وقتلوا خلقا كثيرا من جند الخليفة، واستحوذوا على الكوفة، وجاءت الأخبار بذلك إلى بغداد.

وشاع بين النا