الانتصار لحزب الله الموحدين والرد على المجادل عن المشركين

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الانتصار لحزب الله الموحدين والرد على المجادل عن المشركين
  ► ويكي مصدر:إسلام ◄  
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ تسليما كثيرا.

أما بعد:

فقد قال الله تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } - فلما أعلمنا الله سبحانه إنما خلقنا لعبادته، وجب علينا الاعتناء بما خلقنا له علما وعملا - وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } الآية وقال تعالى: { وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا}. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل ما في القرآن من الأمر بالعبادة فالمراد به التوحيد. [1]

وبذلك أرسل الله جميع الرسل. قال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}. وقال تعالى: { وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ }.

وكل رسول أول ما يقرع به أسماع قومه أن يقول: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره.

وقال تعالى: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ } قال مالك وغير واحد من المفسرين: كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت، [2] وقال عمر بن الخطاب وابن عباس رضي الله عنهم: الطاغوت الشيطان. [3]

قال ابن كثير: وهو قول قوي جدا، فإنه يتناول كل ما كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان والتحاكم إليها والاستنصار بها [4]. ذكره على قوله: { فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ } الآية.

قال النووي: قال الليث وأبو عبيدة والكسائي وجماهير أهل اللغة: الطاغوت كل ما عبد من دون الله. [5]

وقال الجوهري: الطاغوت الشيطان وكل رأس في الضلالة، انتهى. [6]

وما تضمنته هذه الآيات ونحوها من آي القرآن - من الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة غيره - هو معنى لا إله إلا الله.

قال ابن جرير في الكلام على معنى لفظ الجلالة قال: وروي لنا، عن ابن عباس قال: أي هو ذو الألوهية والعبودية [7] على خلقه أجمعين. [8]

وقال الجوهري في الصحاح: أله - بالفتح - إلاهة، أي: عبد عبادة.

قال: ومنه قولنا الله. وأصله إلاه على وزن فعال، بمعنى مفعول؛ لأنه مألوه بمعنى معبود [9] قال: والتأليه التعبيد، والتأله التنسك والتعبد.

قال رؤبة [10]: سبحن واسترجعن من تألهي [11]. [12] انتهى. [13]

وقال في القاموس: أله إلاهة وألوهة وألوهية: عبد عبادة، ومنه لفظ الجلالة، قال: وأصله إله بمعنى مألوه، وكل ما اتخذ معبودا إله عند متخذه. قال: والتأله التنسك والتعبد. [14]

وفي المصباح: ألَه - من باب تعب - إلهة بمعنى عبد عبادة، وتأله تعبد، والإله المعبود وهو الله سبحانه. استعاره المشركون لما عبدوه من دون الله. انتهى. [15]

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الإله هو المعبود المطاع، فهو إله بمعنى مألوه.

وقال ابن القيم: الإله هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالا، وإنابة وإكراما، وتعظيما وخوفا، ورجاء وتوكلا.

وقال ابن رجب: الإله: هو الذي يطاع فلا يعصى، هيبة له وإجلالا ومحبة، وخوفا ورجاء وتوكلا عليه، وسؤالا منه ودعاء له، ولا يصلح ذلك إلا لله، فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية، كان ذلك قدحا في إخلاصه في قول: لا إله إلا الله، ونقصا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك، وهذا كله من فروع الشرك. [16]

وقال ابن هبيرة في الإفصاح قوله: شهادة أن لا إله إلا الله تقتضي أن يكون الشاهد عالما بأن لا إله إلا الله، قال تعالى: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } وينبغي أن يكون الناطق بها شاهدا فيها، فقد قال الله تعالى - ما أوضح به - أن الشاهد بالحق إذا لم يكن عالما بما شهد به، فإنه غير بالغ من الصدق به مع من شهد لك بما يعلمه في قوله تعالى: { إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.

قال: واسم الله: مرتفع بعد إلا، من حيث أنه الواجب له الإلهية، فلا يستحقها غيره سبحانه.

قال: واقتضى الإقرار بها أن تعلم أن كل ما فيه أمارة للحدث فإنه لا يكون إلها، فإذا قلت: إلا إله إلا الله. اشتمل نطقك هذا على أن ما سوى الله ليس بإله، فيلزمك إفراده سبحانه بذلك وحده.

قال: وجملة الفائدة في ذلك: أن تعلم أن هذه الكلمة هي مشتملة على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، فإنك لما نفيت الإلهية، وأثبت الإيجاب لله كنت ممن كفر بالطاغوت وآمن بالله. انتهى.

وقال أبو عبد لله القرطبي في التفسير: إلا إله إلا هو. أي: لا معبود إلا هو.

وقال الزمخشري: الإله من أسماء الأجناس كالرجل والفرس، اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق. [17]

وقال البقاعي: لا إله إلا الله. أي: انتفى انتفاءا عظيما أن يكون معبود بحق غير الملك الأعظم؛ فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما يكون علما إذا كان نافعا، وإنما يكون نافعا إذا كان مع الإذعان والعمل بما تقتضيه، وإلا فهو جهل صرف. انتهى.

وجميع المفسرين يفسرون الإله بالمعبود. والمشركون يعرفون ذلك؛ لأنهم أهل اللسان. فلما طلب منهم النبي ﷺ أن يقولوا: لا إله إلا الله. قالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب.

وهم يعترفون بأن الله هو الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور، رب كل شيء ومليكه؛ كما أخبر الله عنهم بذلك في مواضع كثيرة من كتابه.

والله سبحانه فرض على عباده معرفة معنى: لا إله إلا الله، وأن يعلموا أن لا إله إلا هو. قال تعالى: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}.

وترجم البخاري على الآية فقال: باب العلم قبل القول والعمل.

أشار إلى أن العلم بمعنى: لا إله إلا الله، أول واجب. ثم بعد ذلك القول والعمل.

وقال الله تعالى: { هَذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} لم يقل: ليقولوا: إنما هو إله واحد.


وقال: { فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} أي: واعلموا أن لا إله إلا هو.

وقال تعالى: { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} قال المفسرون: إلا من شهد بلا إله إلا الله، وهم يعلمون بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم.

وقد قال النبي ﷺ: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة". [18]

واستدل العلماء بهذه الآيات ونحوها: على أن أول واجب على الإنسان معرفة الله.

ودلت هذه الآيات: على أن آكد الفرائض العلم بمعنى لا إله إلا الله، وأن أعظم الجهل نقص العلم بمعناها؛ إذ كان معرفة معناها آكد الواجبات، فالجهل بذلك أعظم الجهل وأقبحه.

ومن العجب أن بعض الناس إذا سمع من يتكلم في معنى هذه الكلمة نفيا وإثباتا، عاب ذلك، وقال: لسنا مكلفين بالناس والقول فيهم!

فيقال له: بل أنت مكلف بمعرفة التوحيد الذي خلق الله الجن والإنس لأجله، وأرسل جميع الرسل يدعون إليه، ومعرفة ضده وهو الشرك الذي لا يغفر. ولا عذر لمكلف في الجهل بذلك.

ولا يجوز فيه التقليد؛ لأنه أصل الأصول. فمن لم يعرف المعروف وينكر المنكر فهو هالك، لاسيما أعظم المعروف وهو التوحيد، وأكبر المنكرات وهو الشرك.

قال رجل لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: هلكت إن لم آمر بالمعروف وأنه عن المنكر‍! فقال ابن مسعود: هلكت إن لم يعرف قلبك المعروف وينكر المنكر. [19]

وبمعرفة التوحيد يعرف أهله؛ كما قال علي رضي الله عنه‍: اعرف الحق تعرف أهله.

وأما الإقرار بتوحيد الربوبية: وهو أن الله سبحانه خالق كل شيء ومليكه ومدبره، فهذا يقر به المسلم والكافر، ولابد منه. لكن لا يصير به الإنسان مسلما، حتى يأتي بتوحيد الإلهية الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون، وبه يتميز المسلم عن الشرك وأهل الجنة من أهل النار.

وقد أخبر سبحانه في مواضع من كتابه عن المشركين: أنهم يقرون بتوحيد الربوبية. ويحتج عليهم سبحانه بإقرارهم بتوحيد الربوبية على إشراكهم في توحيد الإلهية، قال سبحانه: { قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ } الآية.

قال البكري الشافعي في تفسيره على هذه الآية: إن قلت: إذا أقروا بذلك فكيف عبدوا الأصنام؟. قلت: كلهم كانوا يعتقدون بعبادتهم الأصنام، عبادة الله والتقرب إليه. لكن في طرق مختلفة:

ففرقة قالت: ليس لنا أهلية عبادة الله بلا واسطة؛ لعلظمته فعبدناها لتقربنا إليه زلفى.

وفرقة قالت: الملائكة ذوو وجاهة عند الله، فاتخذنا أصناما على هيئة الملائكة لتقربنا إلى الله زلفى.

وفرقة قالت: جعلنا الأصنام قبلة لنا في العبادة؛ كما أن الكعبة قبلة في عبادته.

وفرقة اعتقدت: أن لكل صنم شيطانا موكلا بأمر الله، فمن عبد الصنم حق عبادته قضى الشيطان حوائجه بأمر الله، وإلا أصابه شيطانه بنكبة بأمر الله.

وقال ابن كثير عند قوله: { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}: إنما يحملهم على عبادتهم؛ أنهم عمدوا إلى أصنام [20] اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم،

فعبدوا تلك الصور تنزيلا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة، ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم وما ينوبهم من أمر الدنيا.

قال قتادة والسدي ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد: { إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [أي]: ليشفعوا لنا ويقربونا عنده [منزلة].

{ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ }، { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ } وقال: { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ } قال ابن عباس وغيره: إذا سألتهم من خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله. وهم يعبدون معه غيره. [21]

ففسروا الإيمان في هذه الآية: بإقرارهم بتوحيد الربوبية، والشرك - بعبادتهم غير الله - وهو توحيد الألوهية.

فلما تقرر معنى: الإله، وأنه المعبود. تعين علينا معرفة حقيقة العبادة وحدها.

فعرفها بعضهم بأنها: ما أمر به شرعا من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي.

وقال بعضهم: هي كمال الحب مع كمال الخضوع. وهذا يستلزم طاعة المحبوب والانقياد له.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة: كالصلاة والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعاء والذكر، و[قراءة] القرآن، وأمثال ذلك من العبادة. [22]

فالدين كله داخل في العبادة. فإذا علم الإنسان وتحقق معنى الإله، وأنه المعبود، وعرف حقيقة العبادة. تبين له أن من جعل شيئا من العبادة لغير الله فقد عبده واتخذه إلها، وإن فر من تسميته معبودا أو إلها، وسمى ذلك توسلا وتشفعا أو التجاء ونحو ذلك.

فالمشرك: مشرك شاء أم أبى؛ كما أن المرابي مراب شاء أم أبى، وإن لم يسم ما فعله ربا، وشارب الخمر شارب للخمر وإن سماها بغير اسمها، وفي الحديث عن النبي ﷺ: " يأتي ناس من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها". [23]

فتغيير الاسم لا يغير حقيقة المسمى ولا يزيل حكمه، كتسمية البوادي سوالفهم الباطلة حقا، وتسمية الظلمة ما يأخذونه من الناس بغير اسمه!

ولما سمع عدي بن حاتم - وهو نصراني - قول الله تعالى: { اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} قال للنبي ﷺ: إنا لسنا نعبدهم! قال: " أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه،ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟!" قال. قلت: بلى! قال: "فذلك عبادتهم"، [24] فعدي رضي الله عنه: ما كان يحسب أن موافقتهم فيما ذكر عبادة منهم لهم. فأخبره ﷺ أن ذلك عبادة منهم لهم، مع أنهم لا يعتقدونه عبادة لهم.

وكذلك ما يفعله عباد القبور: من دعاء أصحابها، وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات، والتقرب إليهم بالذبائح والنذور. عبادة منهم للمقبورين، وإن كانوا لا يسمونه ولا يعتقدونه عبادة.

وكذلك الذين قالوا للنبي ﷺ: اجعل لنا ذات أنواط. ما كانوا يظنون أن قولهم: اجعل لنا ذات أنواط، كقول بني إسرائيل: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة.

ولم يظنوا أن هذا من التأله لغير الله الذي تنفيه: لا إله إلا الله؛ لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، ويعرفون معناها - لأنهم العرب – لكن خفيت عليهم هذه المسئلة؛ لحداثة عهدهم بالكفر. حتى قال النبي ﷺ: "الله أكبر، إنها السنن. قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون. لتركبن سنن من كان قبلكم". [25]

فإن قيل: فالنبي ﷺ لم يكفرهم بذلك!

قلنا: هذا يدل على أن من تكلم بكلمة كفر جاهلا بمعناها، ثم نبه فتنبه أنه لا يكفر.

ولا شك أن هؤلاء: لو اتخذوا ذات أنواط بعد إنكار النبي ﷺ عليهم، لكفروا.

وقال الله تعالى: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ *وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } الضمير في قوله {َجَعَلَهَا} راجع لقوله: { إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي}.

قال مجاهد وقتادة: هي شهادة أن لا إله إلا الله، فلا يزال في ذرية إبراهيم من يعبدوا الله وحده. [26]

ففي الآية والحديثين قبلها: بيان لمعنى لا إله إلا الله، وأن المراد منها البراءة من التأله والعبادة لغير الله، وإفراده سبحانه بالعبادة.

ومن أعظم المصائب: إعراض أكثر الناس عن النظر في معنى هذه الكلمة العظيمة،حتى صار كثير منهم يقول: من قال: لا إله إلا الله، ما نقول فيه شيئا وإن فعل ما فعل!؛ لعدم معرفتهم بمعنى هذه الكلمة نفيا وإثباتا.

مع أن قائل ذلك لا بد أن يتناقض، فلو قيل له: ما تقول فيمن قال: لا إله إلا الله، ولا يقر برسالة محمد بن عبد الله؟ لم يتوقف في تكفيره، أو أقر بالشهادتين وأنكر البعث؟ لم يتوقف في تكفيره! أو استحل الزنا أو اللواط أو نحوهما، أو قال: إن الصلوات الخمس ليست بفرض! أو أن صيام رمضان ليس بفرض؟

فلا بد أن يقول بكفر من قال ذلك! فكيف لا تنفعه لا إله إلا الله إذن، ولا تحول بينه وبين الكفر!

فإذا ارتكب ما يناقضها: وهو عبادة غير الله: وهو الشرك الأكبر الذي هو أكبر الكبائر. قيل: هو يقول لا إله إلا الله، ولا يجوز تكفيره؛ لأنه يتكلم بكلمة التوحيد! لكن آفة الجهل والتقليد أوجبت ذلك.

وهؤلاء ونحوهم إذا سمعوا من يقرر أمر التوحيد ويذكر الشرك، استهزأوا به وعابوه!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في أثناء كلام له: والضالون مستخفون بتوحيد الله: يعظمون دعاء غيره من الأموات، وإذا أمروا بالتوحيد ونهوا عن الشرك استخفوا به، كما قال تعالى: { وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا * إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا} الآية.

فاستهزأوا بالرسول لما نهاهم عن الشرك، وما زال المشركون يسبون الأنبياء ويصفونهم بالسفاهة والضلال والجنون إذا دعوهم إلى التوحيد؛ لما في أنفسهم من تعظيم الشرك.

وكذلك من فيه شبه منهم: إذا رأوا من يدعو إلى التوحيد، استهزأوا بذلك؛ لما عندهم من الشرك.

ومن كيد الشيطان لمبتدعة هذه الأمة - المشركين بالبشر من المقبورين وغيرهم -: لما علم عدو الله أن كل من قرأ القرآن أو سمعه، ينفر من الشرك ومن عبادة غير الله. ألقى في قلوب الجهال أن هذا الذي يفعلونه مع المقبورين وغيرهم، ليس عبادة لهم، وإنما هو توسل وتشفع بهم، والتجاء إليهم ونحو ذلك.

فسلب العبادة والشرك اسمهما من قلوبهم، وكساهما أسماء لا تنفر عنها القلوب، ثم ازداد اغترارهم وعظمت الفتنة، بأن صار بعض من ينسب إلى علم ودين يسهل عليهم ما ارتكبوه من الشرك، ويحتج

لهم بالحجج الباطلة. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

فصل

وقد أورد بعضهم أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ذكر كلاما وحكايات تدل على أن دعاء الأموات ليس بشرك، كما ذكر أنه روي أن رجلا جاء إلى قبر النبي ﷺ فشكى إليه الجدب عام الرمادة [27] فرآه وهو يأمره أن يأتي إلى عمر بن الخطاب فيأمره أن يستسقي بالناس، وغير ذلك من الحكايات.

قال بعض المجادلين: لو سُلِّم لكم في بعض الأمور أنها شرك أو كفر، فإن الشيخ ذكر في اقتضاء الصراط المستقيم أن المتأول، والمجتهد المخطئ، والمقلد، مغفور لهم ما ارتكبوه من الشرك والكفر‍!

فهذا تلبيس من الناقل، وكذب على الشيخ رحمه الله؛ لأنه إنما قال ذلك في سياق الكلام في بعض البدع: كتحري دعاء الله عند قبر النبي ﷺ، أو غيره.فقال: وقد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحا ولا يكون عالما أنه منهي عنه، فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه لعدم علمه. وهذا باب واسع، وعامة العبادات المبتدعة المنهي عنها قد يفعلها بعض الناس ويحصل له نوع من الفائدة، وذلك لا يدل على أنها مشروعة. ثم العامل قد يكون متأولا، أو مخطئا مجتهدا أو مقلدا: فيغفر له خطؤه،ويثاب على ما فعله من الخير المشروع المقرون بغير المشروع.

قال: والحاصل أن ما يقع من الدعاء المشتمل على كراهة شرعية، بمنزلة سائر العبادات. وقد علم أن العبادة المشتملة على وصف مكروه، قد تغفر تلك الكراهة لصاحبها؛ لاجتهاده، أو تقليده، أو حسناته، أو غير ذلك. ثم ذلك لا يمنع أن ذلك مكروه منهي عنه، وإن كان هذا الفاعل المعين قد زال موجب الكراهة في حقه.

قال: فإذا سمعت دعاء أو مناجاة مكروهة في الشرع قد قضيت حاجة صاحبها، فكثيرا ما يكون من هذا الباب. ولا يقال: هؤلاء لما نقصت معرفتهم سَوَّغ لهم ذلك، فإن الله لم يسوغ هذا لأحد. لكن قصور المعرفة قد يرجى معه العفو والمغفرة.

أما استحباب المكروهات، أو إباحة المحرمات: فلا. ففرق بين العفو عن الفاعل والمغفرة له، وبين إباحة فعله أو المحبة له. وإنما [يثبت] استحباب الأفعال واتخاذها دينا بكتاب الله وسنة نبيه وما كان عليه السابقون الأولون. وما سوى هذا من الأمور المحدثة: فلا تستحب، وإن اشتملت أحيانا على فوائد، لأننا نعلم أن مفاسدها راجحة على فوائدها.

ولما قرر رحمه الله: أن تحري الدعاء عند القبور منهي عنه. قال: ولا يدخل في هذا الباب أن قوما سمعوا السلام من قبر النبي ﷺ، أو قبور غيره من الصالحين، وأن سعيد بن المسيب كان يسمع الأذان من القبر ليالي الحرة. فهذا كله حق ليس مما نحن فيه، والأمر أجل من ذلك وأعظم.

قال: وكذلك أيضا ما يروى أن رجلا جاء إلى قبر النبي ﷺ، وشكا إليه الجب عام الرمادة، فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج فيستسقي بالناس. [28]

فإن هذا ليس من هذا الباب.

وكذلك سؤال بعضهم للنبي ﷺ، أو غيره حاجة فتقضى. فإن هذا قد وقع كثيرا، وليس هو مما نحن فيه.

إلى أن قال: وكل هذا لا يقتضي استحباب الصلاة عند القبور، ولا قصد الدعاء والنسك عندها؛ لما في قصد العبادات عندها من المفاسد التي علمها الشارع.

ثم قال رحمه الله: فذكرت هذه الأمور؛ لأنها مما يتوهم أنها معارضة لما قدمنا، وليس كذلك.

فإن الخلق لم ينهوا عن الصلاة عند القبور، واتخاذها مساجد استهانة بأهلها، بل لما يخاف عليهم من الافتتان، وإنما تكون الفتنة إذا انعقد سببها. فلولا أنه قد يحصل عند القبور ما يخاف الافتتان به لما نهي الناس عن ذلك. انتهى.

فانظر قوله: وليس هذا مما نحن فيه.

وليس فيه معارضة لما ذكرنا؛ لأنه قرر أن قصد القبور لدعاء الله عندها بدعة منهي عنه، وكذلك قرر أن دعاء الأموات والغائبين والاستغاثة بهم شرك، وذكر أنه ليس في جميع ما ذكره معارضة لما قرره؛ دفعا لما قد يتوهم.

واحتج بعض من يجادل عن المشركين: بقصة الذي أوصى أهله أن يحرقوه بعد موته. [29] على أن من ارتكب الكفر جاهلا لا يكفر، ولا يكفر إلا المعاند.

والجواب عن ذلك كله: أن الله سبحانه أرسل رسله مبشرين ومنذرين؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. [30]

وأعظم ما أرسلوا به، ودعوا إليه: عبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن الشرك الذي هو عبادة غيره.

فإن كان مرتكب الشرك الأكبر معذورا لجهله، فمن هو الذي لا يعذر؟

ولازم هذه الدعوى: أنه ليس لله حجة على أحد إلا المعاند. مع أن صاحب هذه الدعوى لا يمكنه طرد أصله، بل لابد أن يتناقض؛ فإنه لا يمكنه أن يتوقف في تكفير من شك في رسالة محمد ﷺ، أو شك في البعث، أو غير ذلك من أصول الدين. والشاك جاهل.

والفقهاء رحمهم الله: يذكرون في كتب الفقه حكم المرتد: وأنه المسلم الذي يكفر بعد إسلامه: نطقا، أو فعلا، أو شكا، أو اعتقادا. وسبب الشك: الجهل.

ولازم هذا: أنا لا نكفر جهلة اليهود والنصارى، ولا الذين يسجدون الشمس والقمر والأصنام لجهلهم، ولا الذين حرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار [31]؛ لأننا نقطع أنهم جهال!

وقد أجمع العلماء على كفر من لم يكفر اليهود والنصارى أو يشك في كفرهم، ونحن نتيقن أن أكثرهم جهال.

وقال الشيخ تقي الدين: من سب الصحابة و واحدا منهم، واقترن بسبه دعوى أن عليا إله أو نبي، أو أن جبرائيل غلط؛ فلا شك في كفر هذا، بل لا يُشكُّ في كفر من توقف في تكفيره.

قال: ومن زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر، أو أنهم فسقوا. فلا ريب في كفر قائل ذلك، بل من شك في كفره فهو كافر.

قال: ومن ظن أن قوله سبحانه وتعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ}. بمعنى: قدر، وأن الله ما قدر شيئا إلا وقع، وجعل عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله: فإن هذا من أعظم الناس كفرا بالكتب كلها. انتهى. [32]

ولا ريب أن أصحاب هذه المقالة: أهل علم وزهد وعبادة، وأن سبب دعواهم هذه: الجهل.

وقد أخبر الله سبحانه عن الكفار أنهم في شك مما تدعوهم إليه الرسل، وأنهم في شك من البعث، فقالوا لرسلهم: {وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} وقال: { وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} وقال إخبارا عنهم: { إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}.

وقال عن الكفار: { إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ}.

وقال تعالى: { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}.

ووصفهم بغاية الجهل، كما في قوله تعالى: { لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ }.

وقد ذم الله المقلدين بقوله عنهم: { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} الآيتين، ومع ذلك كفرهم سبحانه وتعالى.

واستدل العلماء بهذه الآية ونحوها: على أنه لا يجوز التقليد في معرفة الله والرسالة.

وحجة الله سبحانه قائمة على الناس بإرسال الرسل إليهم، وإن لم يفهموا حجج الله وبيناته.

قال الشيخ موفق الدين أبو محمد بن قدامة رحمه الله لما انجر كلامه في مسألة هل كل مجتهد مصيب ورجح قول الجمهور إنه ليس كل مجتهد مصيبا بل الحق في قول واحد من أقوال المجتهدين؛

قال: وزعم الجاحظ أن مخالف ملة الإسلام إذا نظر فعجز عن درك الحق: فهو معذور غير آثم.

إلى أن قال: أما ما ذهب إليه الجاحظ فباطل يقينا، وكفر بالله، ورد عليه وعلى رسوله؛ فإنا نعلم قطعا أن النبي ﷺ أمر اليهود والنصارى بالإسلام واتباعه، وذمهم على إصرارهم، وقاتل جميعهم، يقتل البالغ.

ونعلم أن المعاند العارف ممن يقل، وإنما الأكثر مقلدة: اعتقدوا دين آبائهم تقليدا،ولم يعرفوا معجزة النبي وصدقه.والآيات الدالة في القرآن على هذا كثيرة، كقوله: { ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ}. وقال: { وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ } { إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}، وقوله: { وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ } { وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} { الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ }الآية.

وفي الجملة: ذم المكذبين للرسول مما لا ينحصر في الكتاب والسنة. انتهى. [33]

والعلماء يذكرون: أن من أنكر وجوب عبادة من العبادات الخمس، أو قال في واحدة منها: إنها سنة لا واجبة، أو جحد حل الخبز ونحوه، أو جحد تحريم الخمر أو نحوه، أو شك في ذلك ومثله لا يجهله: كفر، وإن كان مثله يجهله: عرف ذلك، فإن أصر بعد التعريف كفر وقتل، ولم يقولوا: فإذا تبين له الحق وعاند: كفر.

وأيضا، فنحن لا نعرف أنه معاند حتى يقول: أنا أعلم أن ذلك حق ولا ألتزمه، أو لا أقوله، وهذا لا يكاد يوجد.

وقد ذكر العلماء من أهل كل مذهب: أشياء كثيرة لا يمكن حصرها من الأقوال والأفعال والاعتقادات: أنه يكفر صاحبها، ولم يقيدوا ذلك بالمعاند.

فالمدعي أن مرتكب الكفر متأولا، أو مجتهدا مخطئا، أو مقلدا، أو جاهلا: معذور. مخالف للكتاب والسنة والإجماع بلا شك، مع أنه لا بد أن ينقض أصله: فلو طرد أصله كفر بلا ريب، كما لو توقف في تكفير من شك في رسالة محمد ﷺ ونحو ذلك.

وأما الرجل الذي أوصى أهله أن يحرقوه، وأن الله غفر له، مع شكه في صفة من صفات الرب سبحان: فإنما غفر له لعدم بلوغ الرسالة له. كذا قال غير واحد من العلماء. [34]

ولهذا قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: من شك في صفة من صفات الرب ومثله لا يجهلها كفر، وإن كان مثله يجهلها لم يكفر.

قال: ولهذا لم يكفر النبي ﷺ الرجل الشاك في قدرة الله؛ لأنه لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة. [35] وكذا قال ابن عقيل، وحمله على أنه لم تبلغه الدعوة.

واختيار الشيخ تقي الدين في الصفات: أنه لا يكفر الجاهل، وأما في الشرك ونحوه: فلا، كما ستقف على بعض كلامه إن شاء الله. وقد قدمنا بعض كلامه في الإتحادية وغيرهم، وتكفيره من شك في كفرهم.

قال صاحب اختياراته [36]: والمرتد: من أشرك بالله، أو كان مبغضا لرسوله أو لما جاء به، أو ترك إنكار كل منكر بقلبه، أو توهم أن من الصحابة من قاتل مع الكفار أو أجاز ذلك، أو أنكر مجمعا عليه إجماعا قطعيا، أو جعله بينه وبين الله وسائط: يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم، [37] ومن شك في صفة من صفات الله ومثله لا يجهلها: فمرتد. وإن كان مثله يجهلها: فليس بمرتد؛ ولهذا لم يكفر النبي ﷺ الرجل الشاك في قدرة الله تعالى. [38]

فأطلق فيما تقدم من المفكرات، وفرق في الصفة بين الجاهل وغيره، مع أن رأي الشيخ رحمه الله تعالى - في التوقف عن تكفير الجهمية ونحوهم - خلاف نصوص الإمام أحمد وغيره من أئمة الإسلام. [39]

قال المجد [40] رحمه الله: كل بدعة كفرنا فيها الداعية، فإنا نفسق المقلد فيها، كمن يقول بخلق القرآن، أو أن علم الله مخلوق، أو أن أسماءه مخلوقة، أو أنه لا يرى في الآخرة، أو يسب الصحابة تدينا، أو أن الإيمان مجرد الاعتقاد، وما أشبه ذلك.

فمن كان عالما في شيء من هذه البدع: يدعو إليه ويناظر عليه، فهو محكوم بكفره. نص أحمد على ذلك في مواضع.انتهى.

فانظروا كيف حكموا بكفرهم مع جهلهم.

فصل

ومما يتعين الاعتناء به: معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله؛ لأن الله سبحانه ذم من لا يعرف حدود ما أنزل الله على رسوله، فقال تعالى: { الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ}.

قال شيخ الإسلام: ومعرفة حدود الأسماء واجبة؛ لأن بها قيام مصلحة الآدميين في المنطق الذي جعله الله رحمة لهم، لاسيما حدود ما أنزل الله على رسوله من الأسماء: كالخمر،والربا. فهذه الحدود هي المميزة بين ما يدخل في المسمى وما يدل عليه من الصفات،وبين ما ليس كذلك.

وقد ذم الله سبحانه من لم يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله. انتهى. [41]

ففرض على المكلف: معرفة حد العبادة وحقيقتها التي خلقنا الله لأجلها، ومعرفة حد الشرك وحقيقته الذي هو أكبر الكبائر.

وتجد كثيرا ممن يشتغل بالعلم لا يعرف حقيقة الشرك الأكبر، وإن قال: إنه الشرك في العبادة؛ لقوله تعالى: { وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} { وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا }، وقوله ﷺ: " حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" [42]!.

فإنه - مع اعترافه بأن الشرك الذي حرمه الله: هو الشرك في العبادة - لا يعرف حد العبادة وحقيقتها، وربما قال: العبادة التي صرفها لغير الله شرك: الصلاة والسجود.

فإذا طلب منه الدليل على أن الله سمى الصلاة لغيره أو السجود لغيره شركا، لم يجده. وربما قال: لأن ذلك خضوع، والخضوع لغير الله شرك.

فيقال له: هل تجد في القرآن أو السنة تسمية هذا الخضوع شركا؟ فلا يجده.

فيلزمه أن يقول: لأنه عبادة لغير الله.

فيقال: وكذلك الدعاء، والذبح والنذر: عبادات، مع ما يلزم هذه العبادات من أعمال القلوب: من الذل والخضوع، والحب والتعظيم،والتوكل والخوف، والرجاء وغير ذلك.

وفي الحديث: "الدعاء مخ العبادة". [43]

وقد قرن الله سبحانه بين الصلاة والذبح في قوله: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} أي: أخلص له صلاتك وذبيحتك، فكما أن الصلاة لغير الله: شرك، فكذا قرين الصلاة، وهو الذبح لغيره: شرك.

وقال تعالى: { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}.

ومن العجب: قول بعض من يحتج للمشركين بالأموات: إنهم لا يرجون قضاء حاجاتهم من الميت ونحوه.

فنقول: هذا مكابرة ومغالطة؛ لأنه من المعلوم عند كل ذي عقل: أنهم ما دعوهم وتذللوا وخضعوا لهم، وبذلوا أموالهم بالنذور والذبائح؛ إلا لأنهم يرجون حصول مطلوبهم، وقضاء حاجاتهم من جهتهم.

فكيف يتصور عند عاقل أن يسمع من يسأل الميت والغائب حاجة بأن يقول: اعطني كذا، أو أنا في حسبك، ويستغيث به في دفع عدو أو كشف ضر، ويتذلل ويخضع له، ثم يقول: إنه لا يرجو حصول مطلوبه ودفع مرهوبه من جهته!

وكيف يتصور أن يبذل ماله بالنذر والذبح - مع أن المال عزيز عند أهله - لمن لا يرجوه، ويعتقد أنه لا يحصل له من جهته نفع ولا دفع ضر! فهذا من أبين المحال وأبطل الباطل.

كيف وهم يفتخرون بقضاء حاجاتهم، وكشف كرباتهم من جهتهم: فبعض منهم يعتقد أن الميت ونحوه يفعل ذلك أصالة، وبعضهم يقول: هم وسيلتنا إلى الله، يعنون: واسطة بينهم وبين الله، كما عليه المشركون الأولون؛ كما أخبر الله عنهم أنهم يقولون: { هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ } { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}.

بل كثير من مبتدعة هذه الأمة: أعظم غلوا واعتقادا في ولائجهم من المشركين الأولين؛ لأن الله سبحانه وتعالى أخبر عن المشركين الموجودين حين نزول القرآن: أنهم يخلصون لله الدعاء في حال الشدة، وينسون آلهتهم.

وكثير من غلاة أهل هذا الزمان: يخلصون الدعاء عند الأمور المهمة والشدائد لولائجهم، كما هو مستفيض عنهم.

قال الله تعالى إخبارا عن المشركين الأولين { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}.

وقال تعالى: { قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ }.

وقال: { وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ}.

وقال: { قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}.

ومن العجب: قول بعض من ينسب إلى علم ودين: إن طلبهم من المقبورين والغائبين ليس دعاء لهم بل هو نداء!

أفلا يستحي هذا القائل من الله إذا لم يستح من الناس: من هذه الدعوى الفاسدة السامجة، التي يروج بها على رعاع الناس، والله سبحانه قد سمى الدعاء: نداء في قوله تعالى: { إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا} وقوله: { فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}.

وأي فرق بين ما إذا سأل العبد ربه حاجة، وبين ما إذا طلبها من غيره: ميت أو غائب؟! بأن الأول يسمى دعاء والثاني نداء!.

ما أسمج هذا القول وأقبحه، وهو قول يستحيا من حكايته؛ لولا أنه يروج على الجهال، لا سيما إذا سمعوه ممن يعتقدون علمه ودينه، وأي فرق بين سؤال الميت حاجة، وبين سؤالها من صنم ونحوه! بأن الثاني يسمى دعاء والأول نداء؟

فإن قال: الكل يسمى نداء لا دعاء، فهذا مشاقة للقرآن، ومحادة لله ورسوله، ولا يحتاج في بيان بطلانه إلى أكثر من حكايته.

وما أظن عاقلا يحيك هذا في نفسه، وإنما هو عناد ومكابرة، إنما تروج على أشباه البهائم.

أما يخاف هذا أن يتناول قوله: { وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ } والله سبحانه وتعالى سمى سؤال غيره دعاء في غير موضع من كتابه { إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ}.

والدعاء في القرآن يتناول دعاء العبادة ودعاء المسألة.

فصل

ويقال لمن ادعى أن الشرك هو الصلاة والسجود لغير اله فقط: مع أن هذا مكابرة من مدعيه، فكما أن السجود عبادة، فكذلك الدعاء والنذر والذبح وغيرها؛ كما تقدم تعريفه.

وقد نهى الله عن دعاء غيره، وذم فاعل ذلك، وأمرنا بإخلاص الدعاء له أكثر مما ذكر في خصوصية السجود، مع أن الدعاء في القرآن: يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة، الذي يدخل فيه السجود وغيره من أنواع العبادة قال الله تعالى: { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} وقال: { فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} وقال: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ }. وقال: { وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ }. وقال: { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ}. وقال: { وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ}.

وفي القرآن من ذلك ما لا يحصى.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الكلام على دعوة ذي النون: لفظ الدعاء والدعوة في القرآن يتناول دعاء العبادة ودعاء المسألة. وفسر قوله تعالى: { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} بالوجهين.

وفي حديث النزول: " من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" [44] والمستغفر سائل، والسائل داع، لكن ذكر السائل لدفع الشر بعد السائل للخير، وذكرهما بعد الداعي الذي يتناولهما وغيرهما: من عطف الخاص على العام.

وسماها دعوة لتضمنها النوعين، فقوله: لا إله إلا أنت. اعتراف بتوحيد الألوهية، وهو يتضمن النوعين؛ فإن الإله هو المستحق لأن يدعى بالنوعين. [45]

وقال ابن القيم في البدائع - بعد آيات ذكرها - قال: وهذا في القرآن كثير، يبين أن المعبود لابد أن يكون مالكا للنفع والضر، فهو يدعى للنفع والضر: دعاء المسألة، ويدعى رجاء وخوفا: دعاء العبادة.

فعلم أن النوعين متلازمان، فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة.

إلى أن قال: وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما، ولا استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، بل هذا استعمال له في حقيقته الواحدة المتضمنة للأمرين جميعا. انتهى. [46]

فعلى هذا يكون النهي عن دعاء غيره سبحانه نصا في دعاء العبادة، و دعاء المسألة حقيقة. فهو نهي عن كل منهما حقيقة.

فصل

وقد ذكرنا أن الشيخ تقي الدين: إنما قال: ترجى المغفرة لمن فعل بعض البدع مجتهدا أو جاهلا.

لم يقل ذلك فيمن ارتكب الشرك الأكبر والكفر الظاهر.

بل قد قال رحمه الله تعالى: إن الشرك لا يغفر وإن كان أصغر. وقد قدمنا بعض كلامه في ذلك.

ونذكر هنا ما اطلعنا عليه من كلامه، وكلام غيره من العلماء.

قال رحمه الله تعالى في شرح العمدة لما تكلم في كفر تارك الصلاة قال: وفي الحقيقة فكل رد لخبر الله أو أمره: فهو كفر دق أو جل، لكن قد يعفى عما خفيت فيه طرق العلم، وكان أمرا يسيرا في الفروع. بخلاف ما ظهر أمره، وكان من دعائم الدين من الأخبار والأوامر.

وقال رحمه الله - في أثناء كلام له في ذم أصحاب الكلام -: والرازي من أعظم الناس في باب الحيرة، لكن هو مسرف فيه، له نهمة في التشكيك. والشك في الباطل خير من الثبات على اعتقاده.

لكن قل أن يثبت أحد على باطل محض، بل لابد فيه من نوع من الحق، وتوجد الردة منهم كثيرا كالنفاق.

وهذا إذا كان في المقالات الخفية، فقد يقال: لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، لكن يقع ذلك في طوائف منهم في أمور يعلم العامة والخاصة، بل اليهود والنصارى يعلمون أن محمدا ﷺ بُعث بها وكفَّر من خالفها: مثل عبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة غيره. فإن هذا أظهر شرائع الإسلام.

ومثل أمره بالصلوات الخمس، وتعظيم شأنها. ومثل معاداة المشركين، وأهل الكتاب. ومثل تحريم الفواحش والربا والميسر، ونحو ذلك.

إلى أن قال: وصنف الرازي كتابه في عبادة الأصنام والكواكب، [47] وأقام الأدلة على حسنه، ورغَّب فيه. وهذه ردة عن الإسلام إجماعا. انتهى.

فقوله رحمه الله: بل اليهود والنصارى يعلمون ذلك. هو كما قال؛ فقد سمعنا عن غير واحد من اليهود: أنهم يعيبون على المسلمين ما يفعل عند هذه المشاهد. يقولون: إن كان نبيكم أمركم بهذا فليس بنبي، وإن كان نهاكم عنه فقد عصيتموه.

فيا سبحان الله: ما أعجب هذا! اليهود ينكرون هذه الأمور الشركية ويقولون: ما يأتي بها نبي. وكثير من علماء هذا الزمان يجوِّزون ذلك، ويوردون الشبه الباطلة عليه [48]، وينكرون على من أنكر.

وانظر قول الشيخ: لكن قد يعفى عما قد خفيت فيه طرق العلم، وكان أمرا يسيرا في الفروع.

وقوله أيضا: وهذا [إذا كان] في المقالات الخفية، فقد يقال: لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها.

وقال الشيخ رحمه الله في الرسالة السنية - لما ذكر حديث الخوارج -: فإذا كان في زمن رسول الله ﷺ وخلفائه من قد مرق من الدين مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام في هذا الزمان قد يمرق أيضا؛ وذلك بأمور: منها الغلو الذي ذمه الله تعالى: كالغلو في بعض المشايخ، مثل الشيخ عدي، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح.

فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية: مثل أن يدعوه من دون الله، بأن يقول: يا سيدي فلان اغثني، أو اجبرني أو توكلت عليك، أو أنا في حسبك. فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل.

فإن الله أرسل الرسل، وأنزل الكتب؛ ليعبد وحده ولا يجعل معه إله آخر.

والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى: مثل الملائكة، والمسيح وعزير، والصالحين أو قبورهم.لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق وترزق، وإنما كانوا يدعونهم، يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله.

فبعث الله الرسل تنهى أن يدعا أحد من دونه: لا دعاء عبادة ولا دعاء استعانة. [49]

وقال أيضا رحمه الله - وقد سئل عن رجلين تنازعا، فقال أحدهما: لابد لنا من واسطة بيننا وبين الله؛ فإنا لا نقدر أن نصل إليه إلا بذلك، فأجاب الشيخ رحمه الله بقوله -: إن أراد بذلك أنه لابد لنا من واسطة تبلغنا أمر الله، فهذا حق؛ فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما يأمر به وينهى عنه، إلا بواسطة الرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده.

وهذا مما أجمع عليه أهل الملل: من المسلمين، واليهود، والنصارى؛ فإنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده: وهم الرسل الذين بلغوا عن الله أوامره ونواهيه، قال تعالى: { اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ } ومن أنكر هذه الوسائط، فهو كافر بإجماع أهل الملل.

وإن أراد بالواسطة: أنه لابد من واسطة يتخذها العباد بينهم وبين الله، في جلب المنافع ودفع المضار - مثل أن يكونوا واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم - يسألونه بذلك ويرجعون إليه فيه.

فهذا من أعظم الشرك الذي كفَّر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء: يجتلبون بهم المنافع، ويدفعون بهم المضار.

إلى أن قال: من جعل الأنبياء والملائكة وسائط، يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنوب وهداية القلوب وتفريج الكربات وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين.

إلى أن قال: فمن أثبت وسائط بين الله وبين خلقه - كالحُجَّاب الذين بين الملك وبين رعيته - بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه.

وأن الله إنما يهدي عباده وينصرهم ويرزقهم، بتوسطهم: بمعنى أن الخلق يسألونهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس؛ لقربهم منهم، والناس يسألونهم: أدبا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائل أنفع لهم من طلبهم من الملك؛ لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب.

فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه: فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل.

وهؤلاء مشبهون، شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أندادا. وفي القرآن من الرد على هؤلاء: ما لا تتسع له هذه الفتوى. فإن هذا دين المشركين عباد الأوثان، كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وأنها وسائل يتقربون بها إلى الله، وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى حيث قال: { اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} الآية. انتهى. [50]

فقد جزم رحمه الله في مواضع كثيرة: بكفر من فعل ما ذكره من أنواع الشرك، (وحكى إجماع المسلمين على ذلك)، ولم يستثن الجاهل ونحوه. وقال تعالى: { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ}.

وقال عن المسيح إنه قال: ({إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ}.

فمن خص ذلك الوعيد ) بالمعاند فقط، وأخرج الجاهل والمتأول والمقلد: فقد شاقَّ الله ورسوله، وخرج عن سبيل المؤمنين.

والفقهاء يصدِّرون باب حكم المرتد: بمن أشرك بالله. ولم يقيِّدوا ذلك بالمعاند.

وهذا أمر واضح ولله الحمد.

وقد قال الله تعالى: { رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}.

وقال الشيخ أيضا: وهذه الأمور المبتدعة عند القبور أنواع: أبعدها عن الشرع: أن يسأل الميت حاجة، كما يفعله كثير من الناس.

وهؤلاء من جنس عُبَّاد الأصنام؛ ولهذا قد يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت والغائب، كما يتمثل لعباد الأصنام.

ومن تقريره رحمه الله في هذا الأصل: ما ذكره في اقتضاء الصراط المستقيم، حيث قال: إن الدعاء المتضمن شركا: كدعاء غيره أن يفعل، أو دعائه أن يدعو، ونحو ذلك: لا يُحصِّل غرض صاحبه، ولا يورث حصول الغرض شبهة إلا في الأمور الحقيرة، وأما الأمور العظيمة: كإنزال الغيث عند القحوط، وكشف العذاب النازل. فلا ينفع فيه هذا الشرك، قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ }.

وقال: { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ }. وقال: { وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ }. وقال: { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} الآيات.

فكون هذه المطالب العظيمة لا يستجيب فيها إلا هو سبحانه: دل على توحيده، وقطع شبهة من أشرك به، وعُلم بذلك أن ما دون هذا أيضا من الإجابات، إنما فعلها هو سبحانه وحده لا شريك له، وإن كانت تجري بأسباب محرمة أو مباحة؛ كما أن خلقه السموات والأرض والسحاب والرياح،وغير ذلك من الأجسام العظيمة: دال على

وحدانيته، وأنه خالق كل شيء، وأن ما دون هذا بأن يكون خلقا له أولى؛ إذ هو منفعل عن مخلوقاته العظيمة، فخالق السبب التام، خالق للمسبب لا محالة.

وجماع ذلك: بأن الشرك نوعان:

شرك في ربوبيته: بأن يجعل معه لغيره تدبير ما، كما قال تعالى: { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ }.

فبين أنهم لا يملكون ذرة استقلالا، ولا يشركونه في شيء من ذلك، ولا يعينونه على ملكه. فمن لم يكن مالكا ولا شريكا ولا عونا، فقد انقطعت علاقته.

وشرك في الألوهية: بأن يدعا غيره: دعاء عبادة، أو دعاء مسألة. كما قال تعالى: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فكما أن إثبات المخلوقات أسبابا: لا يقدح في توحيد الربوبية، ولا يمنع أن يكون الله خالق كل شيء، ولا يوجب (أن يدعا المخلوق دعاء عبادة أو دعاء استعانة.

كذلك إثبات بعض الأفعال المحرمة من شرك أو غيره، أسبابا: لا يقدح في توحيد الألوهية، ولا تمنع) أن يكون الله هو الذي يستحق الدين الخالص، ولا يوجب أن تستعمل الكلمات والأفعال التي فيها شرك إذا كان الله يسخط ذلك ويعاقب العبد عليه، وتكون مضرة ذلك على العبد أكثر من منفعته؛ إذ قد جعل الخير كله في: أنا لا نعبد إلا إياه، ولا نستعين إلا إياه.

وعامة آيات القرآن تثبت هذا الأصل، حتى أنه سبحانه قطع اثر الشفاعة بدون إذنه.

فذكر رحمه الله آيات كثيرة في هذا المعنى. ثم قال: والقرآن عامته إنما هو في تقرير هذا الأصل العظيم، الذي هو أصل الأصول. [51]

وقال رحمه الله في موضع آخر: ونحن نعلم بالضرورة، أن النبي ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعو أحدا من الأحياء والأموات، لا الأنبياء ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بلفظ الاستعانة، ولا بغيرهما. كما لم يشرع السجود لميت، ولا إلى ميت ونحو ذلك.

بل نعلم أنه نهى عن ذلك كله، وأنه من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، لكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين: لم يمكن تكفيرهم، حتى يبين لهم ما جاء به الرسول.

قال: ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل دين الإسلام، إلا تفطن لها، وقال: هذا أصل دين الإسلام.

وكان بعض أكابر الشيوخ العارفين من أصحابنا يقول: هذا أعظم ما بينته لنا؛ لعلمه بأن هذا أصل الدين. انتهى.

فقوله رحمه الله: لم يمكن تكفيرهم حتى يبين لهم ما جاء به الرسول - (لم يقل: حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول) - أي: لم يمكن تكفيرهم بأشخاصهم وأعيانهم: بأن يقال: فلان كافر ونحوه.

بل يقال: هذا كفر، ومن فعله كفر؛ كما أطلق رحمه الله الكفر على فاعل هذه الأمور ونحوها في مواضع لا تحصى، وحكى إجماع المسلمين على كفر فاعل هذه الأمور الشركية.

وصرَّح بذلك رحمه الله في مواضع، كما قال في أثناء جواب له في الطائفة القلندرية. [52]

قال بعد كلام كثير: وأصل ذلك، أن المقالة التي هي كفر في الكتاب والسنة والإجماع، يقال: هي كفر مطلقا؛ كما دل على ذلك الدليل الشرعي.

فإن الإيمان والكفر من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، ليس ذلك مما يحكم الناس فيه بظنونهم، ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك: بأنه كافر، حتى يثبت في حقه شروط التكفير، وتنتفي موانعه. مثل من قال: إن الزنا أو الخمر حلال؛ لقرب عهده بالإسلام أو نشوئه ببادية بعيدة. [53]

وقال رحمه الله في موضع آخر - في أثناء كلام له على هذه المسألة -: وحقيقة الأمر في ذلك: أن القول يكون كفرا، فيطلق القول بتكفير صاحبه فيقال: من قال كذا فهو كافر.

لكن الشخص المعين الذي قاله: لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها.

فهذا كما في نصوص الوعيد، فإن الله يقول: { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا}. الآية.

فهذا ونحوه من نصوص الوعيد، حق. لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد، فلا نشهد لمعين من أهل القبلة بالنار؛ لجواز ألا يلحقه الوعيد لفوات شرطه أو بثبوت مانع. فقد لا يكون بلغة التحريم، وقد يتوب من فعله المحرم، وقد يكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم، وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه.

وقال ابن القيم في شرح المنازل: ومن أنواعه - أي: الشرك - طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم.

وأصل أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا لمن استغاث به وسأله أن يشفع له. [54]

وقال في أثناء كلام له: فما أسرع أهل الشرك إلى إتخاذ الأوثان من دون الله ولو كانت ما كانت!

ويقولون: إن هذا الحجر وهذه الشجرة وهذه العين تقبل النذر. أي: تقبل العبادة من دون الله تعالى؛ فإن النذر عبادة وقربة يتقرب بها الناذر إلى المنذور له.

وقال في الهدي في فوائد غزوة الطائف [55]: ومنها: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت، بعد القدرة على هدمها وإبطالها، يوما واحدا.

فإنها شعائر الكفر والشرك، وهي من أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها بعد القدرة البتة، وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد بالتعظيم، والتبرك والنذر والتقبيل.

فلا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالتها، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، بل أعظم شركا عندها وبها. والله المستعان.

ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق وتحيي وتميت، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم، فأتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، وأخذوا مأخذهم شبرا بشبر وذراعا بذراع.

وغلب الشرك على أكثر النفوس؛ لظهور الجهل وخفاء العلم، فصار المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام واشتدت غربة الإسلام، وقل العلماء وغلبت السفهاء، وتفاقم الأمر واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس.

ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن

يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. انتهى. [56]

والأمر كما قال رحمه الله: أن سبب حدوث الشرك وظهوره: ظهور الجهل وخفاء العلم، وقلة العلماء وغلبة السفهاء.

فيستبين لطالب الحق: أن من جادل عن المشركين، وسهل عليهم ما ارتكبوه من الشرك، واحتج لهم بالحجج الباطلة: أنه فاقد أهل العلم وأفرضه، فيستحق أن يوصف بالجهل، وإن كان له اشتغال بأنواع من العلوم القليل نفعها.

ففي هذا مصداق قول النبي ﷺ: " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة" [57].

وما أحسن ما قال ابن المبارك:

وهل أفسد الدين إلا الملوك... وأحبار سوء ورهبانها [58]

ويروى: أن هلاك من قبلنا كان على يد قرائهم وفقهائهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

قال ابن القيم: ومن ذبح للشيطان ودعاه، واستعاذ به، وتقرب إليه بما يحب، فقد عبده وإن لم يسم ذلك عبادة، ويسميه استخداما وصدق! هو استخدام من الشيطان له.

وقال:

والشرك فاحذره فشرك ظاهر... ذا القسم ليس بقابل الغفران

ثم قال:

لقد رتع القوم في جيفة... يبين لذي العقل أنتانها!

وهو اتخاذ الند للرحمن أيا... كان من شجر [59] ومن إنسان

يدعوه أو يرجوه ثم يخافه... ويحبه كمحبة الديان

والله ما ساووهم بالله في... خلق ولا رزق ولا إحسان

لكنهم ساووهم بالله في... حب وتعظيم وفي إيمان

جعلوا محبتهم مع الرحمن ما... جعلوا المحبة قط للرحمن

وقال شيخ الإسلام: وأما ما نذره لغير الله: كالنذر للأصنام والشمس، والقمر والقبور، ونحو ذلك. فهو بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات.

والحالف بالمخلوقات لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوق ليس عليه وفاء ولا كفارة؛ لأن كليهما شرك، والشرك ليس له حرمة، بل عليه أن يستغفر الله من العقد، ويقول ما قال النبي ﷺ: " من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله" [60]. انتهى. [61]

قوله: فهو بمنزلة أن يحلف بغير الله. أي: في عدم الانعقاد؛ لأن حقيقته كحقيقته؛ لأن النذر عبادة بخلاف الحلف.

وقال أيضا: قوله: { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ} ظاهره: أنه ما ذبح لغير الله، مثل أن يقول: هذه ذبيحة لكذا.

وإذا كان هذا المقصود: فسواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبح للحم، وقيل فيه: باسم المسيح ونحوه؛ لأن ما ذبحناه متقربين به إلى الله، كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم، وقلنا فيه: بسم الله. فإن عبادة الله بالصلاة له، والنسك: أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور.

فإذا حرم ما قيل فيه: باسم المسيح أو الزهرة، فلأن يحرم ما قيل فيه: لأجل المسيح أو الزهرة، أو قصد به ذلك أولى. فإن العبادة لغير الله، أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله.

فعلى هذا: فلو ذبح لغير الله متقربا إليه لحرُم، وإن قال فيه: بسم الله، كما يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، الذين يتقربون إلى الكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك.

وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان. ومن هذا الباب: ما يفعله الجاهلون بمكة من الذبح للجن.

قال: ولهذا كان عُباد الشياطين والأصنام، يذبحون لها الذبائح، فالذبح للمعبود غاية الذل والخضوع؛ ولهذا لم يجز للذبح لغير الله.

وقال في موضع آخر: والمسلم إذا ذبح لغير الله، أو ذبح بغير اسمه لم تبح ذبيحتهن وإن كان يكفر بذلك.

إلى أن قال: ولأن الذبح لغير الله، وباسم غيره: قد علم أنه ليس من دين الإسلام، بل هو من الشرك الذي أحدثوه.

قال: وقول الشيخ: انذروا لي لتقضى حاجتكم أن استعينوا بي. إن أصر ولم يتب، قتل. [62]

وقال أبو محمد البربهاري - شيخ الحنابلة في وقته - في عقيدته: ولا نخرج أحدا من أهل القبلة من الإسلام، حتى يرد آية من كتاب الله أو يرد شيئا من آثار رسول الله، أو يصل لغير الله، أو يذبح لغير الله.[وإذا فعل شيئا من ذلك] فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام - في كلام كثير - انتهى. [63]

سمع البربهاري من المروذي وغيره. [64]

وقال ابن القيم: رأيت لأبي الوفاء بن عقيل فصلا حسنا، فذكرته بلفظه.

قال: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم؛ إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم.

قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى عنه الشرع: مثل إيقاد السرج وتقبيلها وتخليقها، وخطاب أهلها بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل لي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبركا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى.

والويل عندهم: لمن لم يقبل مشهد الكف، ولم يتمسح بالآجر يوم الأربعاء، ولم يقل الحمالون على جنازته: أبو بكر الصديق ومحمد وعلي، أو لم يعقد على قبر أبيه أزجا [65] بالجص والآجر، ولم يخرق ثيابه، ولم يرق ماء الورد على القبر.انتهى. [66]

فانظر إلى تكفير ابن عقيل لهم، مع إخباره بجهلهم.

وقال الشيخ قاسم الحنفي في شرح درر البحار: النذر الذي ينذره أكثر العوام، على ما هو مشاهد الآن: كأن يكون لإنسان غائب أو مريض، أو له حاجة ضرورية، فيأتي إلى قبر بعض الصلحاء، ويجعل على رأسه سترة، ويقول: يا سيدي فلان! إن رد الله غائبي أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي. فلك من الذهب كذا، أو من الفضة كذا، أومن الطعام كذا، أو من الماء كذا، أو من الشمع كذا. فهذا باطل بالإجماع لوجوه منها: أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز؛ لأنه عبادة، والعبادة لا تكون لمخلوق.

ومنها: أن المنذور له ميت، والميت لا يملك.

ومنها: أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقاد ذلك كفر.

إلى أن قال: إذا علمت ذلك. فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها، وينقل إلى ضرائح الأولياء تقربا إليهم، فحرام بإجماع المسلمين.

وقال النووي في شرح مسلم على قول النبي ﷺ "لعن الله من ذبح لغير الله" [67]: المراد به أن يذبح بغير اسم الله، كم يذبح للصنم أو للصليب، أو لموسى أو لعيسى، أو للكعبة، ونحو ذلك. وكل هذا حرام، ولا تحل هذه الذبيحة، وسواء كان الذابح مسلما أو نصرانيا.

إلى أن قال: فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له - غير الله - والعبادة له. كان كفرا، فإن كان الذابح مسلما. صار بالذبح مرتدا. انتهى. [68]

وقال الشيخ صنع الله الحنفي - في الرد على من أجاز النذر والذبح للأولياء، وأثبت الأجر في ذلك -: فهذا الذبح والنذر، إن كان على اسم فلان وفلان، لغير الله. فيكون باطلا.

وفي التنزيل{ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ } { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ } أي: صلاتي وذبحي لله، كما فسر به قوله: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ }.

قال: والنذر لغير الله إشراك مع الله.

إلى أن قال: والنذر لغير الله. كالذبح لغيره.

وقال الفقهاء: خمسة لغير الله شرك: الركوع، والسجود، والذبح، والنذر، واليمين.

قال: والحاصل. أن النذر لغير الله: فجور، فمن أين تحصل لهم الأجور!.

وقال ابن النحاس في كتاب الكبائر: ومنها: إيقاد السرج عند الأحجار والأشجار، والعيون والآبار، ويقولون: إنها تقبل النذر! وهذه كلها بدع ومنكرات قبيحة، تجب إزالتها ومحو أثرها؛ فإن أكثر الجهال يعتقدون أنها تنفع وتضر، وتجلب وتدفع، وتشفي المرضي، وترد الغائب إذا نذر لها. وهذا شرك ومحادة لله ورسوله. [69]

وقال أبو محمد، عبد الرحمن بن إسماعيل الشافعي، المعروف بأبي شامة [70] في كتاب البدع والحوادث: ومن هذا القسم أيضا ما قد عم الابتلاء به، من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان [71] والعمد، وسرج مواضع مخصوصة، يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدا ممن شهر بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك، ويحافظون عليه، مع تضييعهم فرائض الله وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك.

ثم يتجاوزون هذا، إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، فيعظمونها، ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لهم،وهي من بين عيون وشجر وحائط!.

وفي مدينة دمشق صانها الله من ذلك مواضع متعددة: كعوينة الحمى خارج باب توما، والعمود المخلق داخل باب الصغير، والشجرة الملعونة اليابسة خارج باب النصر في نفس قارعة الطريق - سهل الله قطعها واجتثاثها من أصلها - فما أشبهها بذات أنواط الواردة في الحديث - وذكر الحديث.

ثم قال: قال أبو بكر الطرطوشي: فانظروا رحمكم الله. أينما وجدتم: سدرة أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمونها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، وينوطون [72] بها المسامير والخرق: فهي ذات أنواط فاقطعوها.

ثم قال [73]: ولقد أعجبني ما صنعه الشيخ أبو إسحاق الجبيناني [74] رحمه الله - أحد الصالحين ببلاد إفريقيه في المائة الرابعة -: حكى عنه صاحبه الصالح أبو عبد الله محمد بن أبي العباس المؤدب: أنه كان إلى جانبه عين تسمى عين العافية، كان العامة قد افتتنوا بها، يأتونها من الآفاق، من تعذر عليها نكاح أو ولد قالت: امضوا بي إلى العافية، فتعرف بها الفتنة.

قال أبو عبد الله: فأنا في السحر ذات ليلة، إذ سمعت أذان أبي إسحاق نحوها، فخرجت فوجدته قد هدمها، وأذن الصبح عليها!. ثم قال: اللهم إني هدمتها لك فلا ترفع لها رأسا، فما رفع لها رأس إلى الآن. انتهى. [75]

وكان الإمام أبو محمد بن أبي زيد [76] يعظم شأن أبي إسحاق هذا، ويقول: طريقة أبي إسحاق خالية لا يسلكها أحد في الوقت. [77]

وقال الشيخ صنع الله الحنفي - في كتابه الذي ألفه في الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفات في الحياة وبعد الممات، على سبيل الكرامة -: هذا وإنه قد ظهر الآن - فيما بين المسلمين - جماعات يدعون أن للأولياء تصرفا في حياتهم وبعد الممات، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات.

وبهم تكشف المهمات. فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات؛ مستدلين على أن ذلك منهم كرامات.

وقالوا: منهم أبدال ونقباء وأوتاد ونجباء، وسبعون وسبعة وأربعون وأربعة، والقطب هو الغوث للناس وعليه المدار بلا التباس!

وجوَّزوا لهم الذبائح والنذور، وأثبتوا لهم فيهما الأجور!

قال: وهذا كلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي؛ لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومضادة الكتاب العزيز المصدق، ومخالف لعقائد الأئمة، ما اجتمعت عليه الأمة. وفي التنزيل: { وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا}.

إلى أن قال: الفصل الأول: فيما انتحلوه من الإفك الوخيم، والشرك العظيم.

إلى أن قال: فأما قولهم: إن للأولياء تصرفا في حياتهم وبعد الممات، فيرده قول الله تعالى: { أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ } { أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ } { وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } ونحوه من الآيات الدالة على أنه المنفرد بالخلق والتدبير والتصرف والتقدير، ولا شيء لغيره في شيء ما بوجه من الوجوه. والكل تحت ملكه وقهره: تصرفا وملكا، وإحياء وإماتة، وخلقا. وتمدح الرب سبحانه بانفراده في ملكه بآيات من كتابه كقوله: { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} و { وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} وذكر آيات في هذا المعنى.

ثم قال: فقوله في الآيات كلها: من دونه. أي: من غيره، فإنه عام يدخل فيه من اعتقدته من ولي وشيطان تستمده؛ فإن لم يقدر على نصر نفسه كيف يمد غيره؟

إلى أن قال: فكيف يتصور لغيره - من ممكن - أن يتصرف؟

إن هذا من السفاهة لقول وخيم، وشرك عظيم.

إلى أن قال: وأما القول بالتصرف بعد الممات: فهو أقبح وأشنع وأبدع من القول بالتصرف في الحياة، قال جل ذكره { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ } { اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ} { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}.

وفي الحديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث" [78] الحديث.

فجميع ذلك وما هو نحوه، دال على انقطاع الحس والحركة من الميت، وأن أرواحهم ممسكة، وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة ونقصان.

فدل ذلك: أن ليس للميت تصرف في ذاته - فضلا عن غيره - بحركة، وأن روحه محبوسة مرهونة بعملها من خير وشر، فإذا عجز عن حركته لنفسه فكيف يتصرف لغيره؟

فالله سبحانه: يخبر أن الأرواح عنده، وهؤلاء الملحدون يقولون: إن الأرواح مطلقة متصرفة! قل أأنتم أعلم أم الله؟.

قال: وأما اعتقادهم أن هذه التصرفات لهم من الكرامات: فهو من المغالطة؛ لأن الكرامة شيء من عند الله، يكرم بها أولياءه، لا قصد لهم فيه ولا تحد، ولا قدرة ولا علم، كما في قصة مريم ابنة عمران، وأسيد بن حضير، وأبي مسلم الخولاني.

قال: وأما قولهم: ويستغاث بهم في الشدائد. فهذا أقبح مما قبله وأبدع؛لمضادة قوله تعالى: { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ} { قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} وذكر آيات في هذا المعنى.

ثم قال: إنه جل ذكره: قرر أنه الكاشف للضر لا غيره، وأنه المتعين لكشف الشدائد والكرب، وأنه المتفرد بإجابة المضطرين، وأنه المستغاث لذلك كله، وأنه القادر على دفع الضير وعلى إيصال الخير، فهو المنفرد بذلك. فإذا تعين جل ذكره، خرج غيره من ملك ونبي وولي.

قال: والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية، من الأمور الحسية: في قتال، أو إدراك عدو أو سبع ونحوه. كقولهم: يالَزَيدٍ، يالقومي ياللمسلمين؛ كما ذكروا في كتب النحو، [79] بحسب الأسباب الظاهرة بالفعل.

وأما الاستغاثة بالقوة والتأثير، أو في الأمور المعنوية من الشدائد: كالمرض وخوف الغرق والضيق، والفقر وطلب الرزق، ونحوه. فمن خصائص الله، فلا يطلب فيها غيره.

قال: وأما كونهم معتقدين التأثير منهم في قضاء حاجاتهم؛ كما تفعله الجاهلية العرب، والصوفية الجهال، وينادونهم ويستنجدون بهم: فهذا من المنكرات.

إلى أن قال: فمن اعتقد أن لغير الله - من نبي أو ولي أو روح أو غير ذلك - في كشف كربة أو قضاء حاجة تأثيرا. فقد وقع في وادي جهل خطير، فهو على شفا حفرة من السعير.

وأما كونهم مستدلين على أن ذلك منهم كرامات: فحاشا أولياء الله أن يكونوا بهذه المثابة، فهذا ظن أهل الأوثان كذا أخبر الرحمن { هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ} { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} { أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ}.

فإن ذكر ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر من نبي وولي وغيره، على وجه الإمداد منه. إشراك مع الله؛ إذ لا قادر على الدفع غيره ولا خير إلا خيره.

وأما ما قالوه: إن فيهم أبدالا ونقباء، وأوتادا ونجباء، وسبعين وسبعة، وأربعين وأربعة، والقطب هو الغوث للناس.

فهذا من موضوعات إفكهم؛ كما ذكره القاضي المحدث ابن العربي في: سراج المريدين، وابن الجوزي، وابن تيمية. انتهى باختصار.

وكلام العلماء في ذلك كثير، واكتفينا بما ذكرنا.

فصل

وتقدم في كلام الشيخ، الإشارة إلى أنه: لولا أنه يخشى من الفتنة بالقبور، لما نهي عن الصلاة عندها، وغير ذلك.

وتأكدت الفتنة بقضاء بعض حوائج قاصديها والمشركين بها، وذكر الشيخ رحمه الله من ذلك أشياء كثيرة ذكرها في: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وغيره من كتبه.

قال: والشيطان يضل بني آدم بحسب قدرته، فمن عبد الشمس والقمر والكواكب ودعاها، كما يفعله أهل دعوى الكواكب. فإنه ينزل عليه شيطان يخاطبه ويحدثه ببعض الأمور، يسمون ذلك روحانيات الكواكب. وهو شيطان.

وكذلك عباد الأصنام: قد تخاطبهم الشياطين، وكذلك من استغاث بميت أو غائب، وكذلك من دعا الميت، أو دعا عنده وظن أن الدعاء عند قبره أفضل منه في البيوت والمساجد.

وللنصارى والضُلَّال من المسلمين أحوال عند المشاهد يظنونها كرامات، وهي من الشيطان: مثل أن يضعوا سراويل عند القبر، فيجدونه قد عقد. أو يوضع عنده مصروع فيبصرون شيطانه قد فارقه، فيفعل هذا الشيطان؛ليضلهم. ومثل أن يرى أحدهم أن القبر قد انشق، فيخرج منه إنسان، فيظنه الميت.

ومن هؤلاء: من يستغيث بمخلوق حيٍ أو ميتٍ، سواء كان ذلك الحي مسلما أو نصرانيا أو مشركا.

فيتصور الشيطان بصورة ذلك المستغاث به،ويقضي بعض حاجة ذلك المستغيث. فيظن أنه ذلك الشخص، أو أنه ملَكٌ على صورته، وإنما هو شيطان أضله؛ لما أشرك بالله، كما كانت الشياطين تدخل الأصنام وتكلم المشركين.

ومن هؤلاء من يتصور له الشيطان ويقول له: أنا الخضر! وربما أخبره ببعض الأمور، وأعانه على بعض مطالبه.

ومنهم من يطير به الجني إلى مكة أو بيت المقدس أو غيرهما، ومنهم من يحمله عشية عرفة ثم يعيده من ليلته. [80]

ومنهم من كان يؤتى بمال مسروق تسرقه الشياطين وتأتيه به، ومنهم من كانت تدله على السرقات.

قال رحمه الله: حتى إني أعرف من هؤلاء جماعات، يأتون إلى الشيخ نفسه الذي استغاثوا به - وقد رأوا أتاهم في الهواء - فيذكرون ذلك له.

وهؤلاء يأتون إلى هذا الشيخ: فتارة يكون الشيخ نفسه لم يعلم بتلك القضية. فإن كان يحب الرياسة سكت، وأوهمهم أنه نفسه أتاهم وأعانهم. وإن كان فيه صدق مع جهل وضلال، قال: هذا ملك صوره الله على صورتي! وجعل هذا من كرامات الصالحين، وجعله عمدة لمن يستغيث بالصالحين ويتخذهم أربابا؛ وأنهم إذا استغاثوا بهم بعث الله ملائكته على صورهم تغيث المستغيثين بهم.

ولهذا: أعرف غير واحد منهم ممن فيه صدق وزهد وعبادة، لما ظنوا أن هذا من كرامات الصالحين، صار أحدهم يوصي مريديه، يقول: إذا كانت لأحدكم حاجة فليستغث بي وليستنجدني!

ويقول: أنا أفعل بعد موتي ما كنت أفعل في حياتي! وهو لا يعرف أن تلك شياطين تُصوَّر على صورته؛ لتضله، وتضل أتباعه. فيحسِّن لهم الإشراك بالله ودعاء غير الله، والاستغاثة بغير الله.

وأنها قد تُلقي في قبله: أَنَّا نفعل بأصحابك بعد موتك، ما كنا نفعل بهم في حياتك.

فيظن هذا: من خطابٍ إلهي ألقي إليه، فيأمر أصحابه بذلك - وذكر أشياء كثيرة من هذا الجنس وأعظم منه -.

والمقصود: أن الإنسان إذا سمع بوقوع مثل ذلك: لا يستعبد به ولا يغتر به؛ إذا عرف أن مثل هذه الأمور، تقع لعُبَّاد الأصنام والقبور. والأمر كله لله: ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

فصل

يتعين على من نصح نفسه، وعلم أنه مسئول عما قال وفعل، ومحاسب على اعتقاده وقوله وفعله: أن يُعِدَّ لذلك جوابا، ويخلع ثوبي الجهل والتعصب، ويخلص القصد في طلب الحق، قال الله تعالى: { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا}.

وليعلم: أنه لا يخلصه إلا اتباع كتاب الله وسنة نبيه، قال الله تعالى: { اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} وقال تعالى: { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}.

ولما كان قد سبق في علم الله وقضائه: أنه سيقع الاختلاف بين الأمة. أمرهم وأوجب عليهم عند التنازع، الرد إلى كتابه وسنة نبيه، قال تعالى: { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}.

قال العلماء: الرد إلى الله: الرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله: الرد إليه في حياته، والرد إلى سنته بعد وفاته. [81]

ودلت الآية: أن من لم يرد عند التنازع إلى كتاب الله وسنة نبيه. فليس بمؤمن؛ لقوله تعالى: { إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} فهذا شرط ينتفي المشروط بانتفائه.

ومحال أن يأمر الله الناس بالرد إلى ما لا يفصل النزاع، لاسيما في أصول الدين: التي لا يجوز فيها التقليد عند عامة العلماء.

وقال الله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}.

ولما أخبر النبي ﷺ بوقوع الاختلاف الكثير بعده - بين أمته -: أمرهم عند وجود الاختلاف بالتمسك بسنته، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، فقال ﷺ: " إنه من يعش منكم سيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة". [82]

ولم يأمرنا الله ولا رسوله: بالرد - عند التنازع والاختلاف - إلى ما عليه أكثر الناس، ولم يقل الله ولا رسوله: لينظر أهل كل زمان إلى ما عليه أكثر أهل زمانهم، فيتبعونهم. ولا إلى أهل مصر معين، أو إقليم.

وإنما الواجب على الناس: الرد إلى كتاب الله وسنة نبيه، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وما مضى عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان. فيجب على الإنسان الالتفات إلى كتاب الله وسنة نبيه، وطريقة أصحابه والتابعين، وأئمة الإسلام.

ولا يعبأ بكثرة المخالفين بعدهم. فإذا علم الله من العبد الصدق في طلب الحق، ترك التعصب، ورغب على الله في سؤاله هداية الصراط المستقيم: فهو جدير بالتوفيق.

فإن على الحق نورا، لا سيما التوحيد: الذي هو أصل الأصول، الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو توحيد الألوهية؛ فإن أدلته وبراهينه في القرآن ظاهرة، وعامة القرآن إنما هو في تقرير هذا الأصل العظيم.

ولا يستوحش الإنسان لقلة الموافقين، وكثرة المخالفين؛ فإن أهل الحق أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، لاسيما في هذه الأزمنة المتأخرة، التي قد صار الإسلام فيها غريبا.

والحق لا يعرف بالرجال؛ كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لمن قال له: أترانا نرى أن الزبير وطلحة كانا مخطئين وأنت المصيب؟!.

فقال له علي: ويحك! يا فلان: إن الحق لا يعرف بالرجال. اعرف الحق تعرف أهله.

وأيضا: فالحق ضالة المؤمن.

وليحذر العاقل من مشابهة الذين قال الله عنهم: { لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} { أَهَؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا}.

وقد قال بعض السلف: ما ترك أحد حقا إلا لكبر في نفسه؛ ومصداق ذلك قول النبي ﷺ، حين قال: " لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر" [83] ثم فسر الكبر بأنه: بطر الحق، وأي: رده، وغمط الناس: وهو احتقارهم وازدراؤهم.

ولقد أحسن القائل:

وتعرَّ من ثوبين من يلبسهما... يلقى الردى بمذمةٍ وهوان

ثوبٌ من الجهل المركب فوقه... ثوب التعصب بئست الثوبان

وتحلَّ بالإنصاف أفخر حلية... زينت بها الأعطاف والكتفان

واجعل شعارك خشية الرحمن مع... نصح الرسول فحبذا الأمران [84]

وقال أيضا رحمه الله:

والجهل داء قاتل وشفاؤه... أمران في التركيب متفقان

نص من القرآن أو من سنة... وطبيب ذاك العالم الرباني [85]

قال ابن القيم: وما أحسن ما قال الحافظ أبو محمد، عبد الرحمن المعروف بأبي شامة في كتاب الحوادث والبدع: حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة، فالمراد به: لرزم الحق واتباعه،وإن كان المتمسك به قليلا، والمخالف له كثيرا؛ لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى، من عهد النبي ﷺ وأصحابه، ولا نظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم.

قال عمرو بن ميمون الأودي: صحبت معاذا فما فارقته حتى وأريته في التراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس: عبد الله بن مسعود فسمعته يقول: عليكم بالجماعة؛ فإن يد الله على الجماعة. ثم سمعته يوما من الأيام وهو يقول: سيلي عليكم ولاةٌ يؤخرون الصلاة من مواقيتها: فصلوا الصلاة لميقاتها فهي الفريضة، وصلوا معهم فإنها لكم نافلة.

قال: قلت: يا أصحاب محمد! ما أدري ما تحدثون؟.قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة، وتحضني عليها، ثم تقول: صل الصلاة وحدك! وهي الفريضة، وصل الجماعة وهي لك نافلة.

قال: يا عمرو بن ميمون، قد كنت أظن أنك من أفقه أهل هذه القرية. تدري ما الجماعة؟ قلت: لا

قال: إن جمهور الجماعة: الذين فارقوا الجماعة! الجماعة: ما وافق الحق، وإن كنت وحدك.

وفي طريق آخر: فضرب على فخذي، وقال: ويحك! إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة: ما وافق طاعة الله عز وجل. [86]

قال نعيم بن حماد: يعني إذا فسدت الجماعة، فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن يفسدوا، وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ. ذكره البيهقي [87] وغيره.

وروى مبارك بن فضالة عن الحسن البصري قال: لو أن رجلا أدرك السلف الأول، ثم بُعث اليوم. ما عرف من الإسلام شيئا - قال: ووضع يده على خده - ثم قال: إلا هذه الصلاة.

ثم قال: أما - والله على ذلك - لمن عاش في هذه النكراء، أو لم يُدرك هذا السلف الصالح. فرأى مبتدعا يدعو إلى بدعته، ورأى صاحب دنيا يدعو إلى دنياه، فعصمه الله من ذلك، وجعل قلبه يحن إلى ذلك السلف الصالح. يسأل عن سبيلهم، ويقتصُّ آثارهم، ويتتبع سبيلهم. ليعوَّض أجرا عظيما، فكذلك فكونوا إن شاء الله. [88]

وروى محمد بن وضاح، عن أبي الطفيل: أن حذيفة بن اليمان، أخذ حصاة بيضاء، فوضعها في كفه، ثم قال: إن هذا الدين قد استضاء إضاءة هذه الحصاة. ثم أخذ كفا من تراب، فجعل يذرُّه على الحصاة حتى واراها، ثم قال: والذي نفسي بيده، ليجيئنَّ أقوام يدفنون الدين هكذا، كما دفنتُ هذه الحصاة، ولتسلُكُنَّ طريق الذين كانوا قبلكم حذو القذة بالقذة وحذو النعل بالنعل. [89]

قال محمد بن وضاح: الخير بعد الأنبياء ينقص، والشر يزيد.

قال ابن وضاح: إنما هلكت بنو إسرائيل، على يدي قُرَّائهم وفقهائهم. [90]

وروى ابن وضاح عن عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن حبان [91] بن أبي جبلة، [92] عن أبي الدرداء قال: لو خرج رسول الله ﷺ عليكم اليوم، ما عرف شيئا مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة!

قال الأوزاعي: فكيف لو كان اليوم!

قال عيسى بن يونس: فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان؟ [93]

وروى ابن وضاح عن الأعمش [94] قال: قال لي شقيق أبو وائل [95]: يا سليمان، ما شبَّهتُ قراء زمانك إلا بغنم رعت حمضا، فمن رآها ظن أنها سمينة، وإذا ذبحها لم يجد فيها شاة سمينة. [96]

وروى ابن وضاح عن أبي الدرداء قال: لو أن رجلا تعلم الإسلام وأتمه، ثم تفقده ما عرف منه شيئا. [97]

وروى ابن وضاع عن عبد الله بن المبارك، قال: اعلم - أي أخي - أن الموت اليوم كرامة لكل مسلم لقي الله على السنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون!. فإلى الله نشكوا وحشتنا، وذهاب الإخوان، وقلة الأعوان، وظهور البدع. وإلى الله نشكوا عظيم ما حل بهذه الأمة: من ذهاب العلماء وأهل السنة، وظهور البدع. انتهى. [98]

فكيف لو رأى من تقدم ذكرهم هذه الأزمنة. التي ظهر فيها الشرك الأكبر والأصغر، والبدع التي لا تعد ولا تحصى: في الاعتقادات والأقوال والأعمال.

وظهرت جميع الفواحش في أكثر أمصار المسلمين، وضيعت الصلوات واتبعت الشهوات،و ظهر مصداق قول حذيفة: ليجيئن أقوام يدفنون الدين كما دفنت هذه الحصاة.

وأبلغ من ذلك قول النبي ﷺ: " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن!".

وقال: " لتأخذن هذه الأمة مأخذ الأمم قبلها، شبرا بشبر وذراعا بذراع. قالوا: فارس والروم؟ قال: فمن الناس إلا أولئك". [99]

وظهر مصداق قول النبي ﷺ: " بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء". [100]

واعتبر هذا، بما عاب به سبحانه اليهود من تبديلهم رجم الثيب الزاني بالجلد والتحميم، فقال سبحانه في شأنهم: { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ}.

يقولون: إن أفتاكم محمد بالجلد والتحميم فاقبلوا، وإن أفتاكم بالرجم فلا تقبلوا. [101]

وقال سبحانه عنهم: { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.

وقال النبي ﷺ لما رجم الزاني: "اللهم إني أول من أحيى أمرك إذ أماتوه". [102]

فكيف حال الذين عطلوا الحدود بالكلية.

ثم زاد الشر، إلى أن آل الأمر ببعض الولاة: أنهم يضربون على البغايا الخراج!، وتعدوا حدود الله في السارق بالصلب والقتل؛ صيانة لأموالهم،ولم يعبأوا بانتهاك حرمات مولاهم، فإنا لله وإليه راجعون.

وليجتهد المسلم في تحقيق العلم والإيمان.

وليتخذ الله هاديا ونصيرا، وحاكما ووليا؛ فإنه نعم المولى ونعم النصير: { وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا}.

وينبغي أن يكثر الدعاء بما رواه مسلم وغيره، عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ كان إذا قام يصلي من الليل، يقول: " اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" [103].آخره.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على أشرف المرسلين: سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

هامش

  1. ذكره البغوي في "التفسير"1/55
  2. أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور 2/22.
  3. علقه البخاري في صحيحه 8/251 (فتح) قال الحافظ: وإسناده قوي، وأخرجه الطبري في التفسير 5834، 5835، وأبو القاسم البغوي كما في تفسير ابن كثير 1/553، والفريابي، وسعيد بن منصور كما في الدر المنثور 2/22.
  4. تفسير القرآن العظيم1/553.
  5. "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" 3/18.
  6. تاج اللغة وصحاح العربية 6/2413.
  7. في تفسير الطبري والسيوطي: المعبودية.
  8. أخرجه الطبري في التفسير رقم 141، وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور 1/23.
  9. "الصحاح"6/2223.
  10. علق في هامش الأصل ما نصه: رؤبة هو ابن العجاج التميمي الراجز من فصحاء العرب (البصرة) أخذ عن أبيه وغيره، وعنه أخذ يحيى القطان وطائفة كثيرة، وكان لغويا علامة وقته، توفي سنة خمس وأربعين ومائة من هجرة الرسول اهـ
  11. علق في هامش الأصل: صدره: لله در الغانيات المده.
  12. "الديوان"/165.
  13. "الصحاح" 6/2224
  14. "القاموس" 4/280.
  15. "المصباح المنير" للمقري1/24.
  16. كلمة الإخلاص للحافظ ابن رجب 23.
  17. الكشاف 1/36.
  18. صحيح مسلم
  19. أخرجه أبو نعيم في الحلية 1/135 عن طارق بن شهاب قال: جاء عتريس ابن عرقوب الشيباني إلى عبد الله، فذكره وهو عنده بلفظ: هلك من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر. قال: بل هلك من لم يعرف قلبه المعروف، وينكر قلبه المنكر.
  20. في جميع النسخ: عبدوا الأصنام. والمثبت من التفسير.
  21. أخرجه الطبري في "التفسير" 16/286 - 289.
  22. مجموعة فتاوى ابن تيمية 10/149.
  23. سنن أبي داود وابن ماجه وأحمد
  24. جامع الترمذي
  25. الترمذي
  26. تفسير ابن كثير 7/212.
  27. وكانت في السنة الثامنة عشرة من الهجرة، أصاب الناس فيها مجاعة شديدة، فأجرى عمر بن الخطاب رضي الله عنه الأقوات على المسلمين. ينظر السيرة النبوية لابن حبان 476، وتاريخ الطبري 4/222.
  28. أخرجه البيهقي بإسناد صحيح كما قال ابن كثير في البداية والنهاية 7/92.
  29. متفق عليه
  30. قال تعالى: { رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}
  31. وهم أتباع ابن سبأ اليهودي، أخرج أبو عاصم وأبو عمر الطلمنكي وابن شاهين والطبري في شرح أصول السنة، من وجوه متعددة يصدق بعضها بعضا، عن عبد الرحمن بن مالك ابن مغول عن أبيه قال: قلت لعامر الشعبي: ما ردك عن هؤلاء القوم وقد كنت فيهم رأسا؟ قال: رأيتهم يأخذون بأعجاز لا صدور لها. يا مالك، إني قد درست الأهواء فلم أر فيها أحمق من الرافضة! فلو كانوا من الطير لكانوا رخما، ولو كانوا من الدواب لكانوا حمرا! قال: وقد حرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار، ونفاهم من البلاد. منهم عبد الله بن سبأ اليهودي.. وحرق منهم قوما أتوه. فقالوا: أنت هو! فقال: من أنا؟ قالوا: أنت ربنا! فأمر بنار أججت فألقوا فيها. وفيه قال: قيل لليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى. وقيل للنصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: حواري عيسى. وقيل للرافضة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: حواري محمد! ينظر منهاج السنة النبوية1/28، 307، والفصل في الملل والنحل لابن حزم5/47، والفرق بين الفرق للبغدادي 18.
  32. ينظر مجموع فتاوى ابن تيمية 2/124.
  33. روضة الناظر وجنة المناظر 362 - 363.
  34. ينظر فتح الباري 6/523.
  35. ينظر مجموع فتاوى ابن تيمية 7/538.
  36. أبو الحسن علي بن محمد البعلي المعروف بان اللحام، تلميذ الحافظ ابن رجب، من فقهاء الحنابلة.ت803 "الضوء اللامع" 5/320.
  37. الأصل (ع): ويسألهم اجماعا (ط) ويسألهم كفر إجماعا. والمثبت ما في "الاختيارات".
  38. الاختيارات الفقهية 307.
  39. أخرج طرفا منها عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة 1/102 - 132.
  40. أبو البركات عبد السلام بن عبد الله بن تيمية النميري، محدث أصولي فقيه.ت652. "تاريخ ابن رجب " (الذيل2/249).
  41. ينظر مجموع فتاوى ابن تيمية 19/235 - 259.
  42. متفق عليه
  43. الترمذي. وعند أبي داود والترمذي وابن ماجه وأحمد حديث بلفظ "الدعاء هو العبادة" جود الحافظ إسناده في الفتح.
  44. جزء من حديث النزول المشهور: صحيح البخاري رقم 1145، 6321، 7494، وصحيح مسلم برقم 778، وسنن الترمذي رقم 446، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم 485، 486، ومسند أحمد 2/419، 504، وكتاب التوحيد لابن خزيمة رقم 188 - 194، وسنن الدارمي 1/346 من حديث أبي هريرة، وأخرجه أحمد في "المسند"4/16، وابن خزيمة في "التوحيد" رقم 196، والدارقطني في "النزول" رقم 147، والآجري في "الشريعة" 310، والدارمي في الرد على الجهمية رقم 37، واللالكائي في السنة 3/441 من حديث رفاعة الجهني، وأخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة " رقم 487، وأحمد في "المسند" 4/81، والطبراني في المعجم الكبير رقم 1566، وأبو يعلى في "مسنده" 1/349، والدارمي في "السنن"1/347، والآجري في "الشريعة" 312،و ابن أبي عاصم في "السنة" 222، 507، والدارقطني في "النزول" رقم 93، والبيهقي في الأسماء والصفات 566 من حديث جبير بن مطعم.
  45. ينظر مجموع فتاوى ابن تيمية 10/235 - 244.
  46. بدائع الفوائد 3/2 - 3.
  47. "السر المكتوم في دعوة الكواكب والنجوم والسحر والطلاسم والعزائم" ينظر درء تعارض العقل والنقل 1/111، 311 ومجموع الفتاوى 13/180.
  48. علق في هامش الأصل على هذا ما نصه: كما قال بعضهم - وأظنه أبو الخطاب - شبه تهافت كالزجاج تخالها وكل كاسر مكسور
  49. ينظر مجموع فتاوى ابن تيمية 11/499 - 502.
  50. الواسطة بين الخلق والحق، مجموع فتاوى ابن تيمية 1/135.
  51. اقتضاء الصراط المستقيم 2/702 - 705.
  52. أصل هذا الصنف: أنهم كانوا قوما من نساك الفرس، يدورون على ما فيه راحة قلوبهم بعد أداء الفرائض واجتناب المحرمات،ثم إنهم بعد ذلك تركوا الواجبات وفعلوا المحرمات، وسيماهم حلق اللحى، وكثير منهم أكفر من اليهود والنصارى. ينظر مجموع فتاوى ابن تيمية 35/163.
  53. مجموع فتاوى ابن تيمية 35/165.
  54. مدارج السالكين 1/346.
  55. كانت في شوال سنة ثمان من الهجرة، بعد منصرفه من غزاة حنين. ينظر جوامع السيرة لابن حزم 242 و"الدر" لابن عبد البر 272.
  56. زاد المعاد في هدي خير العباد 3/506 - 507.
  57. متفق عليه
  58. أخرجه أبو نعيم في الحلية 8/279 وابن عبد البر في جامع بيان العلم 1/200 في جملة أبيات مطلعها: رأيت الذنوب تميت القلوب... ويتبعها الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب... وخير لنفسك عصيانها
  59. (ط) والقصيدة الكافية: حجر
  60. متفق عليه
  61. ينظر "مجموع فتاوى ابن تيمية " 11/504، 27/146، 33/123.
  62. ينظر مجموع فتاوى ابن تيمية 17/484، 486، 23/125.
  63. كتاب "شرح السنة" 31.
  64. مناقب الإمام أحمد (المختارون من الطبقة الثانية)618.
  65. الأزج: ضرب من الأبنية. "التاج"5/404.
  66. إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان 1/214.
  67. مسلم
  68. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي 13/141.
  69. "تنبيه الغافلين" للنحاس 403
  70. حافظ أصولي، وداعية إلى السنة. ت665. شذرات الذهب 5/318.
  71. خلَّقه تخليقا: طيبه فتخلق به. ترتيب القاموس 2/100.
  72. في جميع النسخ: يضربون. والمثبت من كتاب الحوادث والبدع للطرطوشي 37.
  73. أبو شامة
  74. إبراهيم بن أحمد بن علي بن مسلم، البكري الوائلي. ت369 "الديباج المذهب" 1/264.
  75. الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة 23 - 24.
  76. الأصل: بن زيد (ط) بن أبي زيد. تحريف. وهو عبد الله بن عبد الرحمن النفزي، حافظ فقيه، ورع، ت386 "المدارك" 2/492.
  77. نقله القاضي عياض في المدارك 2/500.
  78. مسلم
  79. ينظر" شرح عمدة الحافظ" لابن مالك 286.
  80. الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان
  81. ينظر تفسير الطبري 8/495 - 504.
  82. أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد
  83. مسلم
  84. الكافية الشافية لابن القيم 19.
  85. "الكافية الشافية" 189.
  86. أخرجه أحمد في المسند 5/231 بغير هذا اللفظ، وأبو داود في "السنن" رقم 432.
  87. في كتاب "المدخل" كما في "الباعث على إنكار البدع والحوادث" 19 - 20.
  88. أخرجه ابن وضاح القرطبي في البدع والنهي عنها 67.
  89. أخرجه ابن وضاح في البدع 58.
  90. البدع 59.
  91. في النسخ: حسان، تصحيف، والمثبت من "البدع".
  92. المصري، مولى قريش، ثقة، ت122 تقريب التهذيب 149.
  93. "البدع " 61.
  94. في النسخ: الأوزاعي. تصحيف، والمثبت من "البدع" وهو أبو محمد، سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، ثقة حافظ، عارف بالقراءات ورع، لكنه يدلس. ت147 "تقريب" 254
  95. ابن سلمة الأسدي، مخضرم أدرك النبي ﷺ ولم يره. ت82 سير أعلام النبلاء 4/161.
  96. ما كان سوى (أحرار النقل) و(ذكوره) و(عرفجه) فهو حمض، وهو من العشب عند الإبل بمنزلة اللحم، وإذا أكلت الحموض اندلقت بطونها وأسرعت السقوط. "النبات" للأصمعي 17.
  97. البدع 68.
  98. البدع 39.
  99. أخرجه ابن جرير الطبري في التفسير 10/121 من حديث أبي هريرة. قال: الحافظ ابن كثير في التفسير 2/368: وهذا الحديث له شاهد في الصحيح.
  100. مسلم
  101. ينظر الطبري 10/313.
  102. مسلم
  103. مسلم