الاستقامة/10

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
الاستقامة
المؤلف: ابن تيمية


كما قال تعالى في صفة المتقين الذين أعد لهم الجنة فقال وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا انفسهم ذكروا الله فآستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العالمين سورة آل عمران 133 136

وقول القائل من عرف الإشارة حل له السماع بالعبرة وقد تقدم ان الإشارة هي الاعتبار والقياس لأن يجعل المعنى الذي في القول مثلا مضروبا لمعنى حق يناسب حال المستمع ولهذا قال باطنه عبرة

يقال له هب أنه يمكن الاعتبار به لكن من أين لك ان كل ما أمكن أن يعتبر به الإنسان يكون حلالا له مع أن الاعتبار قد يكون بما يسمع ويرى من المحرمات فهل لاحد أن يعتبر بقصد النظر إلى الزينة الباطنة من المرأة الأجنبية ويعتبر بقصد الاستماع إلى اقوال المستهترين بآيات الله أو غير ذلك مما لا يجوز

قال أبو القاسم وقيل لا يصح السماع إلا لمن كانت له نفس ميتة وقلب حي فنفسه ذبحت بسيوف المجاهدة وقلبه حي بنور المشاهدة وهذا التففضيل من جنس ما تقدم الكلام عليه

قال وسئل ابو يعقوب النهرجوري عن السماع فقال حال يبدي الرجوع إلى الأسرار من حيث الإحراق

قلت وهذا وصف لما يعقب السماع من الاحوال الباطنة وقوة الحرارة والإحراق والوجودية وهذا امر يحسه المرء ويجده ويذوقه لكن ليس في ذلك مدح ولا ذم إذ مثل هذا يوجد لعباد المسيح والصليب وعباد العجل وعباد الطواغيت ويوجد للعشاق وغير ذلك فإن لم تكن هذه الأحوال مما يحبها الله ورسوله لم تكن محمودة ولا ممدوحة

قال أبو القاسم وقيل السماع لطف غذاء الأرواح لأهل المعرفة وهذا القول لم يسم قائله ولا ريب ان السماع فيه غذاء وقد قيل إنما سمى الغناء غناء لأنه يغني النفس لكن الأغذية والمطاعم منها طيب ومنها خبيث وليس كل ما استلذه الإنسان لحسنه يكون طيبا فإن أكل الخنزير يستلذه آكله وشارب الخمر يستلذها شاربها

ومما يبين ذلك أن سماع الألحان يتغذى به أهل الجهل أكثر مما يتغذى به أهل المعرفة كما يتغذى به الأطفال والبهائم والنساء وكما يكثر في أهل البوادي والأعراب وكل من ضعف عقله ومعرفته كما هو مشهود

فأما السماع الشرعي فلا إنه غذاء طيب لأهل المعرفة كما أخبر الله بذلك في قوله وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق سورة المائدة 83

ثم ذكر أبو القاسم قول ابي على الدقاق السماع طبع إلا عن شرع وخرق إلا عن حق وفتنة إلا عن عبرة وهذا كلام حسن وقد قدمنا ذكره فإنه جعل ما ليس بمشروع هو عن الطبع فلا يكون محمودا مستحسنا في الدين وطريق الله

وقوله خرق إلا عن حق وفتنة الأ عن عبرة يقتضي أنه إذا لم يكن عن حق فهو مذموم وأنه لم يكن عن عبرة فهو فتنة وهذا كلام صحيح ولا يقتضي ذلك أن يستحب كل ما يظن أن فيه عبرة أو أنه عن حق إذا لم يكن مشروعا لأنه قد قال إنه طبع إلا عن شرع

قال أبو القاسم ويقال السماع على قسمين سماع بشرط

العلم والصحو فمن شرط صاحبه معرفة الاسامي والصفات وإلا وقع في الكفر المحض وسماع بشرط الحال فمن شرط صاحبه الفناء عن احوال البشرية والتنقي من آثار الحظوظ بظهور أحكام الحقيقة

قلت قوله معرفة الأسامي والصفات يعني أسماء الحق وصفاته وذلك لأن المسموع هو المشروع من الصفات التي يوصف بها المخلوقون وهم إنما يأخذون مقصودهم منها بطريقة الإشارة والاعتبار كما تقدم فيحتاج ذلك إلى أن نفرق بين ما يوصف به الرب ويوصف به المخلوق لئلا تجعل تلك الصفات صفات لله فيكون فتنة وكفرا هذا إذا كان صاحبه صاحيا يعلم ما يقول وأما إذا كان فانيا عن الشعور بالكائنات لم يحمل القول على ذلك لعدم شعوره به فلا بد أن يكون شاعرا بالأحوال البشرية ويكون متنقيا عن الحظوظ البشرية التي تميل إلى المخلوقات وذلك بظهور سلطان التوحيد على قلبه وهو قوله ظهور أحكام الحقيقة وهذا التفصيل يحتاج إليه من يستحسن بعض أنواع السماع المحدث لأهل الطريق إلى الله

والفتنة تحصل بالسماع من وجهين من جهة البدعة في الدين ومن جهة الفجور في الدنيا

أما الأول فلما قد يحصل به من الاعتقادات الفاسدة في حق الله او الإرادات والعبادات الفاسدة التي لا تصلح لله مع ما يصد عنه من الاعتقادات الصالحة والعبادات الصالحة تارة بطريق المضادة وتارة بطريق الاشتغال فإن النفس تشتغل وتستغني بهذا عن هذا

وأما الفجور في الدنيا فلما يحصل به من دواعي الزنا والفواحش والإثم والبغي على الناس

ففي الجملة جميع المحرمات قد تحصل فيه وهو ما ذكرها الله في قوله قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون سورة الاعراف 33

قال أبو القاسم وحكى عن احمد بن ابي الحواري أنه قال سألت أبا سليمان عن السماع فقال من اثنين أحب إلى من الواحد

قلت هذه المقالة ذكرها مرسلة فلا يعتمد عليها وإن أريد بها السماع المحدث فهي باطلة عن ابي سليمان فإن أبا سليمان رضي الله عنه لم يكن من رجال السماع ولا معروفا بحضوره كما أن الفضيل بن عياض ومعروفا الكرخي رحمهما الله ونحوهما لم يكونا ممن يحضر هذا السماع

قال أبو القاسم سئل أبو الحسين النوري عن الصوفي فقال من سمع السماع وآثر الأسباب

قلت هذا النقل مرسل فلا يعتمد عليه ولعل المقصود بهذا هو الصوفي المذموم عندهم التصوف فإنه جمع بين إيثار السماع الذي يدل على الأهواء الباطلة وضعف الإرادة والعبادة وإيثار الأسباب التي تنقصه عندهم عن التوكل فضعف كونه يعبد الله وضعف كونه يستعينه وإلا فالنوري لا يجعل هذا شرطا في الصوفي المحقق

قال أبو القاسم وسئل أبو علي الروذباري عن السماع يوما فقال ليتنا تخلصنا منه راسا برأس

قلت هذا الكلام من مثل هذا الشيخ الذي هو أجل المشايخ الذين صحبوا الجنيد وطبقته يقرر ما قدمناه من أن حضور الشيخ السماع لا يدل على مذهبه واعتقاد حسنه فإنه يتمنى ألا يكون عليه فيه إثم بل يخلص منه لا عليه ولا له ولو كان من جنس المستحبات لم يقل ذلك فيه إلا لتقصير المستمع لا لجنس الفعل وليس له أن يقول ذلك إلا عن نفسه لا يجعل هذا حكما عاما في أهل ذلك العمل

كما يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول وددت أني انفلت من هذا الامر رأسا برأس قال هذا بعد توليه الخلافة لفرط خشيته ألا يكون قد قام بحقوق ولم يقل هذا في أبي بكر رضي الله عنه بل ما يزال يشهد له بالقيام في الخلافة بالحق ولذلك كان عمر خوفه يحمله على ذلك القول

فقول أبي علي ليس من هذا الجنس بل وصف الطائفة كلها بذلك فعلم أنه لا يعتقد فيه انه حسن وإن كان فاعلا له

وقال أبو القاسم سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول سمعت أبا عثمان المغربي يقول من ادعى السماع ولم يسمع صوت الطيور وصرير الباب وصفير الرياح فهو مفتر مدع

قلت هذا الذي قاله أبو عثمان هو مما يفصلون به بين سماع العبرة وسماع الفتنة فإن سماع العبرة الذي يحرك وجد السالكين بالحق يحصل بسماع هذه الأصوات لا يقف على السماع الذي يهواه أهل الفتن

وقال أبو القاسم سمعت أبا حاتم السجستاني يقول سمعت أبا نصر السراج الطوسي يقول سمعت أبا الطيب أحمد بن مقاتل العكي يقول قال جعفر كان ابن زيري من أصحاب الجنيد شيخا فاضلا فربما كان يحضر موضع السماع فإن استطابة فرش إزاره وجلس وقال الصوفي مع قلبه وإن لم يستطبه قال السماع لأرباب القلوب ومر وأخذ نعليه

قلت سنتكلم إن شاء الله على مثل هذه الحال وهو المشي مع طيب القلب وما يذوق الإنسان ويجد فيه صلاح القلب ونبين أن السلوك المستقيم هكذا من غير اعتبار لطيب القلب وما يجده ويذوقه من المنفعة واللذة والجمع على الله ونحو ذلك أما ذلك الحال فهو مذموم في الكتاب والسنة ضلال في الطريق وهو مبدأ ضلال من ضل من العباد والنساك والمتصوفة والفقراء ونحوهم وحقيقته اتباع الهوى بغير هدى من الله وقد تقدم من كلام المشايخ في ذم هذا ما فيه كفاية

فإن مجرد طيب القلب ليس دليلا على أنه إنما طاب لما يحبه الله ويرضاه بل قد يطيب بما لا يحبه الله ويرضاه مما يكرهه أولا يكرهه أيضا لا سيما القلوب التي أشربت حب الأصوات الملحنة فقد قال عبد الله بن مسعود الغناء ينبت النفاق في القلوب كما ينبت الماء البقل

وإطلاق القول بأن الصوفي مع قلبه هو من جنس ما ذم به هؤلاء المتصوفة حتى جعلوا من اهل البدع لأنهم أحدثوا في طريق الله أشياء لم يشرعها الله فكان لهم نصيب من قوله تعالى أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله سورة الشورى 21 مثل ما ذكره الخلال بإسناده عن عبد الرحمن بن مهدي وذكر الصوفية فقال لا تجالسوهم ولا أصحاب الكلام وعليكم بأصحاب القماطر فإنهم بمنزلة المعادن والمفاصل هذا يخرج درة وهذا يخرج قطعة ذهب ويروى عن الشافعي أنه قال لو تصوف رجل أول النهار لم يأت نصف النهار إلا وهو أحمق

قال ابو القاسم سمعت محمد بن الحسين رحمه الله تعالى يقول سمعت عبد الواحد بن بكر يقول سمعت عبد الله بن عبد المجيد الصوفي يقول سئل رويم عن وجود الصوفية عند السماع فقال يشهدون المعاني التي تعزب عن غيرهم فتشير إليهم إلي إلي فيتنعمون بذلك من الفرح ثم يقع الحجاب فيعود ذلك الفرح بكاء فمنهم من يخرق ثيابه ومنهم من يصيح ومنهم من يبكي كل إنسان على قدره

قلت هذا وصف لما يعتريهم من الحال ليس في ذلك مدح ولا ذم إذ مثل هذه الحال يكون للمشركين وأهل الكتاب إذ قد يشهدون بقلوبهم مع انهم يفرحون بها فتتبع ذلك المحبة فإن الفرح يتبع المحبة فمن أحب شيئا فرح بوجوده وتألم لفقده والمحبوب قد يكون حقا وقد يكون باطلا

قال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله سورة البقرة 165 وقال تعالى وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم سورة البقرة 93

فقد يكون المرء محبا لله صادقا في ذلك لكن يكون ما يشهده من المعاني السارة خيالات لا حقيقة لها فيفرح بها ويكون فرحه لغير الحق وذلك مذموم

قال تعالى ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون

وقد علم أن سماع المكاء والتصدية إنما ذكره الله في القرأن عن المشركين ولا يخلو من نوع شرك جلي أو خفي ولهذا يحكي عنهم تلك الأمور الباطلة التي بدت لهم أولا كما قال تعالى كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئأ ووجد الله عنده سورة النور 39

ومع هذا فقد يكون في تلك المعاني التي تشاهد وتحتجب من حقائق الإيمان ما يفرح به المؤمنون أيضا ولولا ما فيه من ذلك لما التبس على فريق من المؤمنين لكن قد لبس الحق فيه بالباطل هذا الأمر منه ليس بحق محض أصلا وبالحق الذي فيه نفق على من نفق عليه من المؤمنين وزهادهم وصوفيتهم وفقرائهم وعبادهم ولكن لضعف إيمانهم نفق عليهم ولو تحققوا بكمال الإيمان لتبين لهم ما فيه من الشرك ولبس الحق بالباطل

ولهذا تبين ذلك لمن أراد الله أن يكمل إيمانه منهم فيتوبون منه كما هو المأثور عن عامة المشايخ الكبار الذين حضروه فإنهم تابوا منه كما تاب كثير من كبار العلماء مما دخلوا فيه من البدع الكلامية

قال أبو القاسم سمعت محمد بن أحمد بن محمد التميمي يقول سمعت عبد الله بن علي يقول سمعت الحصري يقول في بعض كلامه إيش أعمل بسماع ينقطع إذا انقطع من يستمع منه ينبغي أن يكون سماعك سماعا متصلا غير منقطع

وقال الحصري ينبغي أن يكون ظمأ دائم وشرب دائم فكلما ازداد شربه ازداد ظمؤه

قلت هذا الكلام فيه عيب لأهل هذا السماع وبيان أن المؤمن عمله دائم ليس بمنقطع كما قال النبي أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه فيكون اجتماع قلبه لمعاني القرآن دائما غير منقطع لا يزال عطشانا طالبا شاربا كما قال تعالى لنبيه واعبد ربك حتى يأتيك اليقين سورة الحجر 99 وقال الحسن البصري لم يجعل الله لعبده المؤمن أجلا دون الموت وقد اعتقد بعض الغالطين من هؤلاء ان المعنى اعبد ربك حتى تحصل لك المعرفة ثم اترك العبادة وهذا جهل وضلال بأجماع الأمة بل اليقين هنا كاليقين في قوله حتى أتانا اليقين سورة المدثر 47

في الصحيح لما مات عثمان بن مظعون قال النبي أما عثمان فقد أتاه اليقين من ربه والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي

فأما اليقين الذي هو صفة العبد فذاك قد فعله من حين عبد ربه ولا تصح العبادة إلا به وإن كان له درجات متفاوتة

قال تعالى الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين إلى قوله وبالآخرة هم يوقنون سورة البقرة 1 4

وقال وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بأياتنا يوقنون سورة السجدة 24

وقال عن الكفار وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندرى ما الساعة إن تظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين سورة الجاثية 32

قال أبو القاسم وجاء عن مجاهد في تفسير قوله تعالى فهم في روضة يحبرون سورة الروم 15 أنه السماع من الحور العين بأصوات شهية نحن الخالدات فلا نموت أبدا ونحن الناعمات فلا نبأس أبدا

وهذا فيه أنهم ينعمون في الآخرة بالسماع وقد تقدم الكلام على هذا وأن التنعم بالشئ في الآخرة لا يقتضي أن يكون عملا حسنا أو مباحا في الدنيا

وقال وقيل السماع نداء والوجد قصد

وهذا كلام مطلق فإن المستمع يناديه ما يستمعه بحق تارة وبباطل أخرى والواجد هو قاصد يجيب المنادي الذي قد يدعو إلى حق وقد يدعو إلى باطل فإن الواجد تجد في نفسه إرادة وقصدا

قال وسمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا عثمان المغربي يقول قلوب أهل الحق قلوب حاضرة وأسماعهم أسماع مفتوحة

وهذا كلام حسن قال تعالى إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد سورة ق 37 قالوا وهو حاضر القلب ليس بغائبه ووصف الله الكفار بأنهم صم بكم عمي لا يسمعون ولا يعقلون وأن في آذانهم وقرا وأنه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم

قال وسمعته يعني أبا عبد الرحمن يقول سمعت الأستاذ أبا سهل الصعلوكي يقول المستمع بين استتار وتجل فالاستتار يوجب التلهيب والتجلي يورث الترويح والاستتار يتولد منه حركات المريدين وهو محل الضعف والعجز والتجلي يتولد منه سكون الواصلين وهو محل الاستقامة والتمكن وذلك

صفة الحضرة ليس فيها إلا الذبول تحت موارد الهيبة قال تعالى فلما حضروه قالوا أنصتوا سورة الأحقاف 29

قلت هذا كلام على أحوال أهل السماع وهو مطلق في السماع الشرعي والبدعي لكنه إلى وصف حال المحدث أقرب وهو وصف لبعض أحوالهم فإن أحوالهم أضعاف ذلك وأما الاستدلال بالآية ففيه كلام ليس هذا موضعه

قال وقال أبو عثمان الحيري السماع على ثلاثة أوجه فوجه منها للمريدين والمبتدئين يستدعون بذلك الأحوال الشريفة ويخشى عليهم في ذلك الفتنة والمراءاة

والثاني للصادقين يطلبون الزيادة في أحوالهم ويستمعون من ذلك ما يوافق أوقاتهم

والثالث لأهل الاستقامة من العارفين وهؤلاء لا يختارون على الله فيما يرد على قلوبهم من الحركة والسكون

قلت هذا الكلام مطلق في السماع يتناول القسمين

فصل في محبة الجمال[عدل]

ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي أنه قال لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبر

وفي رواية لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال رجل إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا فقال إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس

فقوله إن الله جميل يحب الجمال قد أدرج فيه حسن الثياب التي هي المسئول عنها فعلم أن الله يحب الجمال و الجميل من اللباس ويدخل في عمومه وبطريق الفحوي الجميل من كل شئ هذا كقوله في الحديث الذي رواه الترمذي إن الله نظيف يحب النظافة

وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال إن الله طيب يحب الأطيباء وهذا مما يستدل به على التجمل في الجمع والأعياد كما في الصحيح أن عمر بن الخطاب رأى حلة تباع في السوق فقال يا رسول الله لو اشتريت هذه تلبسها فقال إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة

وهذا يوافقه في حسن الثياب ما في السنن عن ابي الأحوص الجشمي قال رآني النبي وعلى أطمار فقال هل لك من مال قلت نعم قال من أي المال قلت من كل ما أتى الله من الإبل والشاء قال فلتر نعمة الله وكرامته عليك

وفي السنن أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده لكن هذا الظهور لنعمة الله وما في ذلك من شكره والله يحب أن يشكر وذلك لمحبته الجمال

وهذا الحديث قد ضل قوم بما تأولوه عليه وآخرون رأوه معارضا لغيره من النصوص ولم يهتدوا للجمع

فالاولون قد يقولون كل مصنوع الرب جميل لقوله الذي أحسن كل شئ خلقه سورة السجدة 7 فنحب كل شئ وقد يستدلون بقول بعض المشايخ المحبة نار تحرق في القلب كل ما سوى مراد المحبوب والمخلوقات كلها مراده وهو لا يقوله قائلهم فصرح بإطلاق الجمال وأقل ما يصيب هؤلاء أنهم يتركون الغيرة لله والنهي عن المنكر والبغض في الله والجهاد في سبيله وإقامة حدوده وهم في ذلك متناقضون إذ لا يتمكنون من الرضا بكل موجود فإن المنكرات هي أمور مضرة لهم ولغيرهم ويبقى أحدهم مع طبعة وذوقه وهواه ينكر ما يكره ذوقه دون ما لا يكره ذوقه وينسلخون عن دين الله وربما دخل أحدهم في الاتحاد والحلول المطلق ومنهم من يحض الحلول أو الاتحاد ببعض المخلوقات كالمسيح أو علي بن أبي طالب أو غيرهما من المشايخ والملوك والمردان فيقولون بحلوله في الصور الجميلة ويعبدونها

ومنهم من لا يرى ذلك لكن يتدين يحب الصور الجميلة من النساء الأجانب والمردان وغير ذلك ويرى هذا من الجمال الذي يحبه الله ويحبه هو ويلبس المحبة الطبيعية المحرمة بالمحبة الدينية ويجعل ما حرمه الله مما يقرب إليه وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء سورة الأعراف 28

والآخرون قالوا ثبت في صحيح مسلم عن ابي هريرة عن النبي أنه قال إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ومعلوم أنه لم ينف نظر الإدراك لكن نظر المحبة

وقد قال تعالى عن المنافقين وإذا رأيتهم تعجبك اجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة سورة المنافقون 4

وقال تعالى وكم اهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا سورة مريم 74 والأثاث المال من اللباس ونحوه والرئي المنطر فأخبر ان الذين أهلكهم قبلهم كانوا أحسن صورا وأموالا لنتبين أن ذلك لا ينفع عنده ولا يعبأ به

وقال النبي لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى

وفي السنن عنه أنه قال البذاذة من الايمان

وأيضا فقد حرم علينا من لباس الحرير والذهب وآنية الذهب والفضة ما هو أعظم الجمال في الدنيا وحرم الله الفخر والخيلاء واللباس الذي فيه الفخر والخيلاء كإطالة الثياب حتى ثبت في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله قال لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا

وفي الصحيح عن ابن عمر أن النبي قال من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة

وفي الصحيح أيضا قال بينما رجل يجر أزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة

وقد قال تعالى في حق قارون فخرج على قومه في زينته سورة القصص 79 قالوا ثياب الأرجوان

ولهذا ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمرو قال رآني رسول الله وعلى ثوبين معصفرين فقال إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها قلت أغسلهما قال احرقهما

ولهذا كره العلماء المحققون الأحمر المشبع حمرة كما جاء النهي عن الميثرة الحمراء وقال عمر بن الخطاب دعوا هذه الرايات للنساء وقد بسطنا القول في هذه المسألة في موضعها

وأيضا فقد قال الله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم ويحفظوا فروجهم إلى قوله وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنين سورة النور 30 31

وقال النبي في الحديث الصحيح عن ابي هريرة العينان تزينان وزناهما النظر

وفي الصحيح عن جرير بن عبد الله قال سألت النبي عن نظر الفجأة فقال اصرف بصرك

وفي السنن أنه قال لعلي يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة

وقد قال تعالى ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى سورة طه 131

وقال ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ازواجنا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين سورة الحجر 88 وقال زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد سورة آل عمران 13 15

وقد قال مع ذمه لمذامه من هذه الزينة قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة سورة الأعراف 32

فنقول أعلم أن ما يصفه به النبي من محبة الأجناس المحبوبة من الأعيان والصفات والأفعال وما يبغضه من ذلك هو مثل ما يأمر به من الأفعال وينهى عنه من ذلك فإن الحب والبغض هما أصل الامر والنهى وذلك نظير ما يعده على الاعمال الحسنة من الثواب ويتوعد به على الأعمال السيئة من العقاب

فأمره ونهيه ووعده وحبه وبغضه وثوابه وعقابه كل ذلك من جنس واحد والنصوص النبوية تأتي مطلقة عامة من الجانبين فتتعارض في بعض الأعيان والأفعال التي تندرج في نصوص المدح والذم والحب والبغض والأمر والنهي والوعد والوعيد وقد بسطنا الكلام على ما يتعلق بهذه القاعدة في غير موضع لتعلقها بأصول الدين وفروعه

فإن من أكبر المسائل التي تتبعها مسألة الأسماء والأحكام في فساق اهل الملة وهل يجتمع في حق الشخص الواحد الثواب والعقاب كما يقوله أهل السنة والجماعة أم لا يجتمع ذلك وهل يكون الشئ الواحد محبوبا من وجه مبغوضا من وجه محمودا من وجه مذموما من وجه كما يقوله جمهور الخوارج والمعتزلة وهل يكون الفعل الواحد مأمورا به من وجه منهيا عنه من وجه

وقد تنازع في ذلك أهل العلم من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم

والتعارض بين النصوص إنما هو لتعارض المتعارض المقتضى للحمد والذم من الصفات القائمة بذاته تعالى ولهذا كان هذا الجنس موجبا للكفر أو الفتنة فأول مسألة فرقت بين الأمة مسألة الفاسق الملي فأدرجته الخوراج في نصوص الوعيد والخلود في النار وحكموا بكفره ووافقتهم المعتزلة على دخوله في نصوص الوعيد وخلوده في النار لكن لم يحكموا بكفره فلو كان الشئ خيرا محضا لم يوجب فرقة ولو كان شرا محضا لم يخف أمره لكن لاجتماع الأمرين فيه أوجب الفتنة

وكذلك مسالة القدر التي هي من جملة فروع هذا الأصل فإنه اجتمع في الأفعال الواقعة التي نهى الله عنها أنها مرادة له لكونها من الموجودات وأنها غير محبوبة له ولا مرضية بل ممقوتة مبغوضة لكونها من المنهيات

فقال طوائف من اهل الكلام الإرادة والمحبة والرضا واحدة أو متلازمة ثم قالت القدرية والله لم يحب هذه الافعال ولم يرضها فلم يردها فأثبتوا وجود الكائنات بدون مشيئة

ولهذا لما قال غيلان القدري لربيعة بن عبد الرحمن يا ربيعة نشدتك بالله أترى الله يحب أن يعصى فقال له ربيعة أفترى الله يعصى قسرا فكأنه ألقمه حجرا يقول له نزهته عن محبة المعاصي فسلبته الإرادة والقدرة وجعلته مقهورا مقسورا

وقال من عارض القدرية بل كل ما أراده فقد أحبه ورضيه ولزمهم ان يكون الكفر والفسوق والعصيان محبوبا لله مرضيا

وقالوا أيضا يأمر بما لا يريده وكل ماأمر به من الحسنات فإنه لم يرده وربما قالوا ولم يحبه ولم يرضه إلا إذا وجد ولكن أمر به وطلبه

فقيل لهم هل يكون طلب وإرادة واستدعاء بلا إرادة ولا محبة ولا رضا هذا جمع بين النقيضين فتحيروا

فأولئك سلبوا الرب خلقه وقدرته وإرادته وهؤلاء سلبوا محبته ورضاه وإرادته الدينية وما يصحبه أمره ونهيه من ذلك فكما أن الأولين لم يثبتوا أن الشخص الواحد يكون مثابا معاقبا بل إما مثاب وإما معاقبه فهؤلاء لم يبينوا أن الفعل الواحد يكون مرادا من وجه دون وجه مرادا غير محبوب بل إما مراد محبوب وإما غير مراد ولا محبوب ولم يجعلوا الإرادة إلا نوعا واحدا والتحقيق أنه يكون مرادا غير محبوب ولا مرضى ويكون مرادا من وجه دون وجه ويكون محبوبا مرضيا غير مراد الوقوع

والإرادة نوعان إرادة دينية وهي المقارنة الأمر والنهي والحب والبغض والرضا والغضب

وإرادة كونية وهي المقارنة للقضاء والقدر والخلق والقدرة

وكما تفرقوا في صفات الخالق تفرقوا في صفات المخلوق فأولئك لم يثبتوا له إلا قدرة واحدة تكون قبل الفعل وهؤلاء لم يثبتوا له إلا قدرة واحدة تكون مع الفعل

أولئك نفوا القدرة الكونية التي بها يكون الفعل وهؤلاء نفوا القدرة الدينية التي بها يأمر الله العبد وينهاه

وهذا من أصول تفرقهم في مسألة تكليف ما لا يطاق وانقسموا إلى قدرية مجوسية تثبت الأمر والنهي وتنفى القضاء والقدر وإلى قدرية مشركية شر منهم تثبت القضاء والقدر وتكذب بالأمر والنهي أو ببعض ذلك

وإلى قدرية إبليسية تصدق بالأمرين لكن ترى ذلك تناقضا مخالف للحق والحكمة

وهذا شأن عامة ما تتعارض فيه الأسباب والدلائل تجد فريقا يقولون بهذا دون هذا وفريقا بالعكس وفريقا رأوا الأمرين واعتقدوا تناقضهما فصاروا متحيرين أو معرضين عن التصديق بهما جميعا أو متناقضين مع هذا تارة ومع هذا تارة

وهذا تجده في مسائل الكلام والاعتقادات ومسائل الإرادة والعبادات كمسألة السماع الصوتي ومسألة الكلام ومسأئل الصفات وكلام الله وغير ذلك من المسائل

وجماع القول في ذلك أن كل أمرين تعارضا فلا بد أن يكون أحدهما راجحا أو يكونا متكافئين فيحكم بينهما بحسب الرجحان ويحسب التكافؤ فالعملان والعاملان إذا امتاز كل منهما بصفات فإن ترجح أحدهما فهو الراجح وإن تكافئا سوى بينهما في الفضل والدرجة وكذلك أسباب المصالح والمفاسد وكذلك الأدلة بأنه يعطى كل دليل حقه ولا يجوز أن تتكافأ الأدلة في نفس الأمر عند الجمهور لكن تتكافأ في نظر الناظر وأما كون الشئ الواحد من الوجه الواحد ثابتا منتفيا فهذا لا يقوله عاقل

وأصل هذا كله العدل بالتسوية بين المتماثلين فإن الله تعالى يقول لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط سورة الحديد 25 وقد بسطنا القول في ذلك وبينا أن العدل جماع الدين والحق والخير كله في غير موضع

والعدل الحقيقي قد يكون متعذرا إما عمله وإما العمل به لكن التماثل من كل وجه غير ممكن أو غير معلوم فيكون الواجب في مثل ذلك ما كان أشبه بالعدل وأقرب إليه وهي الطريقة المثلى

وقال سبحانه وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها سورة الأنعام 152

وعلى هذا فالحق الموجود وهو الثابت الذي يقابله المنفي والحق المقصود وهو المأمور به المحبوب الذي يقابله المنهى عنه المبغوض ثلاثة أقسام

فإنها في الحق المقصود إما أمر ترجحت المصلحة المحبوبة فيه وهذا يؤمر به

وإما أمر ترجحت فيه المفسدة المكروهة فهذا ينهى عنه

وإما أمر استوى فيه هذا وهذا فهذا لا يؤمر به ولا ينهى عنه ولا يترجح فيه الحب ولا يترجح فيه البغض بل يكون عفوا

وما دون هذا إن كان مثل هذا موجودا فإن الناس يتنازعون في وجوده فقيل هو موجود وقيل بل هو يقدر في الفعل لا وجود له بل لا بد من الرجحان كما قيل مثل ذلك في تكافؤ الأدلة

وعلى هذا فالأمر الذي ترجحت فيه المصلحة وأمر به غلب فيه جانب المحبة مع أن الذي فيه المفسدة مبغض لكنه مراد فهو مراد بغيض والأمر الذي ترجح فيه جانب المصلحة محبوب لكنه مراد الترك محبوب فهو محبوب في نفسه لكن لملازمته لما هو بغيض وجب أن يراد تركه تبعا لكراهة لازمة فإنه بغض اللازم ونفى الملزوم

فحاصله أن المراد إرادة جازمة هو أحد الأمرين إما الفعل وإما الترك والأول هو المأمور به والثاني هو المنهى عنه لكن مع هذا فقد يشتمل المفعول على بغيض محتمل ويشتمل المتروك على حبيب مرفوض فهذا أصل نافع

فهذا في الفعل الواحد وأما الفاعل الواحد الذي يعمل الحسنة والسيئة معا وهو وإن كان التفريق بينهما ممكنا لكنه هو يعملهما جميعا أو يتركهما جميعا لكون محبته لأحدهما مستلزمة لمحبته للاخرى وبغضه لأحدهما مستلزما لبغضه للأخرى فصار لا يؤمر إلا بالحسن من الفعلين ولا ينهى إلا عن السئ منهما وإن لزم ترك الحسنة لا ينبغي أن يأمره في مثل هذا بالحسنة المرجوحة فإنه يكون أمرا بالسيئة ولا ينهاه عن السيئة المرجوحة فإنه يكون نهيأ عن الحسنة الراجحة وهكذا المعين يعين على الحسنة الراجحة وعلى ترك السيئة المرجوحة

وهذا أصل عظيم تدخل فيه أمورا عظيمة مثل الطاعة لأئمة الجور وترك الخروج عليهم وغير ذلك من المسائل الشرعية وهكذا حكم الطائفة المشتملة أفعالها على حسنات وسيئات بمنزلة الفاعل في ذلك وبما ذكرناه في الفعل الواحد والفاعل الواحد تظهر أمور كثيرة إما الحق الموجود وإما أن يكون الشئ في نفسه ثابتا ومنتفيا لكن كثيرا ما تحصل المقابلة بين إثبات عام ونفي عام ويكون الحق في التفصيل وهو ثبوت بعض ذلك العام وانتفاء بعضه وهذا هو الغالب على المسائل الكبار التي يتنازع فيها أحزاب الكلام والفلسفة ونحوهم

والدليل إما أن يكون دليلا معلوما فهذا لا يكون إلا حقا لكن كثيرا ما يظن الإنسان أن الشئ معلوم ولا يكون معلوما وحينئذ فإذا ظن ظان تعارض الأدلة المعلومة كان غالطا في تعارضها بل يكون أحد الأمرين لازما إما كلها أو بعضها غير معلوم وإما أن موجب الدليل حق من غير تعارض وإن ظنه الظان تعارضا فالحق الموجود لا ينافى الحق الموجود بل يكون منهما موجودا بخلاف الحق المقصود فإنه قد يقصد الضدان لما في كل منهما من المصالح المقصودة لكن لا يوجد الضدان وإن كان الدليل مغلبا للظن اعتقد فيه موجبه وإذا تعارضت هذه الأدلة رجح راجحها وسوى بين متكافيها

إذا تقرر ذلك فنقول قول النبي إن الله جميل يحب الجمال كقوله للذي علمه الدعاء اللهم إنك عفو تحب العفو فأعف عني وقوله تعالى إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين سورة البقرة 222 وإن الله نظيف يحب النظافة

فهو سبحانه إذا كان يحب العفو لم يوجب هذا ألا يكون في بعض أنواع العفو من المعارض الراجح ما يعارض ما فيه من محبة العفو ولولا ذلك لكان ينبغي أن يعفو عن كل محرم فلا يعاقب مشركا ولا فاجرا لا في الدنيا ولا في الآخرة وهذا خلاف الواقع ولوجب أن يستحب لنا العفو عن كل كافر وفاجر فلا نعاقب أحدا على شئ وهذا خلاف ما أمرنا به وخلاف ما هو صلاح لنا ونافع في الدنيا والآخرة

وكذلك محبته للمتطهرين ومحبته للنظافة لا تمنع حصول المعارض الراجح مثل أن يكون الماء محتاجا إليه للعطش فمحبته لسقي العطشان راجحة على محبته للطهارة والنظافة

وكذلك سائر ما يتزاحم من الواجبات والمستحبات فإنها جميعها محبوبة لله وعند التزاحم يقدم أحبها إلى الله والتقرب إليه بالفرائض أحب إليه من التقرب إليه بالنوافل وبعض الواجبات والمستحبات إليه من بعض

وكذلك إذا تعارض المأمور والمحظور فقد تعارض حبيبه وبغيضه فيقدم أعظمهما في ذلك فإن كان محبته لهذا أعظم من بغضه لهذا قدم وإن كان بغضه لهذا أعظم من حبه لهذا قدم

كما قال تعالى يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما سورة البقرة 219 وعلى هذا استقرت الشريعة بترجيح خير الخيرين ودفع شر الشرين وترجيح الراجح من الخير والشر المجتمعين

والله سبحانه يحب صفات الكمال مثل العلم والقدرة والرحمة ونحو ذلك ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير وفي الصحيح عنه انه قال لا يرحم الله من لا يرحم الناس

وفي الصحيح أيضا عنه إنما يرحم الله من عباده الرحماء

وفي السنن حديث ثابت عنه الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء

ومع هذا فقد قال تعالى في حد الزاني والزانية ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر سورة النور 2

وقال تعالى يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم سورة التوبة 73

وهذا في الحقيقة من رحمة الله بعباده فإن الله إنما أرسل محمدا رحمة للعالمين وهو سبحانه أرحم بعباده من الوالدة بولدها لكن قد تكون الرحمة المطلوبة لا تحصل إلا بنوع من ألم وشدة تلحق بعض النفوس كما ورد في الأثر إذا قالوا للمريض اللهم ارحمه يقول الله كيف أرحمه من شئ به أرحمه

وكذلك كون الفعل عفوا وصف يقتضي محبة الله له فإذا عارضه ما هو احب إلى الله منه او اشتمل على بغض الله له أعظم من محبته لذلك العفو قدم الراجح

فكون الشئ جميلا يقتضي محبة الله له وهو سبحانه أحسن كل شئ خلقه إذ كل موجود فلا بد فيه من وجه الحكمة التي خلقه الله لها ومن ذلك الوجه يكون حسنا محبوبا وإن كان من وجه آخر يكون مستلزما شيئا يحبه الله ويرضاه أعظم مما فيه نفسه من البغض

فهذا موجود فينا فقد يفعل الشخص الفعل كشرب الدواء الكرية الذي بغضه له أعظم من حبه له وهذا لما تضمن ما هو محبته له أعظم من بغضه للدواء أراده وشاءه وفعله فأراد بالإرادة الجازمة المقارنة للقدرة فعلا فيه مما يبغضه أكثر مما يحبه لكونه مستلزما لدفع ما هو إليه أبغض ولحصول ما محبته له أعظم من بغضه لهذا فإن بغضه للمرض ومحبته للعافية أعظم من بغضه للدواء

فالأعيان التي نبغضها كالشياطين والكافرين وكذلك الأفعال التي نبغضها من الكفر والفسوق والعصيان خلقها وأراد وجودها لما تستلزمه من الحكمة التي يحبها ولما في وجودها من دفع ما هو إليه أبغض فهي مرادة له وهي مبغضة له مسخوطة كما بينا هذا في غير هذا الموضع

وأما الجمال الخاص فهو سبحانه جميل يحب الجمال والجمال الذي للخلق من العلم والإيمان والتقوى أعظم من الجمال الذي للخلق وهو الصورة الظاهرة

وكذلك الجميل من اللباس الظاهر فلباس التقوى أعظم واكمل وهو يحب الجمال الذي للباس التقوى أعظم مما يحب الجمال الذي للباس الرياش ويحب الجمال للخلق أعظم مما يحب الجمال الذي للخلق

كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا

وفي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان قال سألت رسول الله عن البر والإثم فقال البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس

وفي السنن عنه انه قال أثقل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن

وروى عنه أنه قال لأم سلمة يا ام سلمة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة

ومن المعلوم أن أحب خلقه إليه المؤمنون فإذا كان أكملهم إيمانا أحسنهم خلقا كان أعظمهم محبة له أحسنهم خلقا والخلق الدين كما قال الله تعالى وإنك لعلى خلق عظيم سورة القلم 4 قال ابن عباس على دين عظيم وبذلك فسره سفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل وغيرهما كما قد بيناه في غير هذا الموضع

وهو سبحانه يبغض الفواحش ولا يحبها ولا يأمر بها كما قال تعالى إن الله لا يأمر بالفحشاء سورة الأعراف 28

فإذا كان الجمال متضمنا لعدم ما هو أحب إليه أو لوجوده ما هو أبغض له لزم من ذلك فوات ما في الجمال المحبوب فإذا كان في جمال الثياب بطر وفخر وخيلاء وسرف فهو سبحانه لا يحب كل مختال فخور وقال تعالى والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا سورة الفرقان 67 بل هو يبغض البطر الفخور المختال والمسرف وقال إن المسرفين هم أصحاب النار سورة غافر 43 فلهذا قال لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر أزاره خيلاء و بطرا فإنه ببغضه فلا ينظر إليه و إن كان فيه جمال فإن ذلك غرق في جانب ما يبغضه الله من الخيلاء و البطر

و كذلك الحرير فيه من السرف و الفخر و الخيلاء ما يبغضه الله و ينافي التقوى التي هي محبوب الله كما ثبت في الصحيحين عنه أنه نزع فروج الحرير و قال لا ينبغي هذا للمتقين

و كذلك سائر ما حرمه الله و كرهه مما فيه جمال فإن ذلك لاشتماله على مكروه ألحق على ما فيه مما يبغضه الله أعظم مما فيه من محبوبه و لتفويته ما هو أحب إليه منه

وكذلك الصور الجميلة من الرجال و النساء فإن أحدهم إذا كان خلقه سيئا بأن يكون فاجرا أو كافرا معلنا أو منافقا كان البغض أو المقت لخلقه و دينه مستعليا على ما فيه من الجمال

كما قال تعالى عن المنافقين و إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم سورة المنافقون 4

وقال و من الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا سورة البقرة 204 فهؤلاء إنما أعجبه صورهم الظاهرة للبصر و أقوالهم الظاهرة للسمع لما فيه من الأمر المعجب لكن لما كانت حقائق أخلاقهم التي هي أملك بهم مشتملة على ما هو أبغض الأشياء و أمقتها إليه لم ينفعهم حسن الصورة و الكلام

وقال النبي إن الله لا ينظر إلى صوركم و لا إلى أموالكم و إنما ينظر إلى قلوبكم و أعمالكم

و كذلك المرأة والصبي إذا كان فاجرا فإن ذلك يفوت حسن الخلق و التقوى التي هي أحب إلى الله من ذلك و يوجب بغض الله للفاحشة و لصاحبها و لسئ الخلق و مقته و غضبه عليه ما هو أعظم بكثير مما فيه من الجمال المقتضى للمحبة

وكذلك القوة وإن كانت من صفات الكمال التي يحبها الله فإذا كانت الإعانة على الكفر والفجور الذي بغض الله له ومقته عليه وتفويته لما يحبه من الإيمان والعمل الصالح أعظم بكثير من مجرد ما في القوة من الامر المحبوب ترجح جانب البغض بقدر ذلك

فإذا كانت القوة في الإيمان كان الأمر كما قال النبي المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ومن المعلوم أن الله يحب الحسنات وأهلها ويبغض السيئات وأهلها فهو يحب كل ما أمر به أمر إيجاب أو أمر استحباب وكل ما حمده وأثنى عليه من الصفات مثل العلم والإيمان والصدق والعدل والتقوى والإحسان وغير ذلك ويحب المقسطين ويحب التوابين ويحب المتطهرين ويحب المحسنين والذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ويبغض الكفر وأنواعه والظلم والكذب والفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أغير منه وكل ما حرمه يبغضه

فإذا كان مع الجمال أو غيره مما فيه وجه محبة ما هو بغيض من الفواحش أو الكذب أو الظلم أو غير ذلك كما ذكره في قوله قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون سورة الأعراف 33 فإن ذلك يفوت ما هو أحب إلى الله من الجمال بكثير ويوجب من مقت الله وبغضه ما هو أعظم بكثير مما لمجرد الجمال من الحب ويوجب النهي عما يوجب هذه السيئات الكثيرة ويفوت الجمال الأفضل وهو كمال الخلق وحسنه وما في ذلك من الحسنات وكان ما في ذلك من المبغضات وترك المحبوبات راجحا على الحب الذي للجمال