الإيمان والرد على أهل البدع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
كتاب
الإيمان والرد على أهل البدع
  ► ويكي مصدر:إسلام مطبوع ضمن امجموعة الرسائل والمسائل النجدية، الجزء الثاني ◄  

محتويات

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه أستعين وعليه أتوكل

الفائدة الأولى

الكلام في الإسلام والإيمان في مقامات (الأول) فيما دل عليه حديث عمر رضي الله عنه في سؤال جبريل عليه السلام للنبي ﷺ بقوله: "أخبرني عن الإسلام، فقال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" … الحديث "قال: أخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره". [1]

فأخبر أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان يفسر بالأعمال الباطنة، وبذلك يفسر كل منهما عند الاقتران، فإذا أُفْرِدَ الإيمان -كما في كثير من آيات القرآن- دخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة كما دل على ذلك كثير من الآيات والأحاديث، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ} … الآية.

فتناولت الآية جميع الأعمال الباطنة والظاهرة لدخولها في مسمى الإيمان. وأما الأركان الخمسة فهي جزء مسمى الإيمان، ولا يحصل الإسلام على الحقيقة إلا بالعمل بهذه الأركان والإيمان بالأصول الستة المذكورة في الحديث.

وأصول الإيمان المذكورة تتضمن الأعمال الباطنة والظاهرة؛ فإن الإيمان بالله يقتضي محبته وخشيته وتعظيمه وطاعته بامتثال أمره وترك نهيه، وكذلك الإيمان بالكتب يقتضي العمل بما فيها من الأمر والنهي؛ فدخل هذا كله في الأصول الستة.

ومما يدل على ذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} إلى قوله {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا}.

فدلت هذه الآيات على أن الأعمال الظاهرة والباطنة داخلة في مسمى الإيمان كقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} فانتفاء الشك والريب من الأعمال الباطنة، والجهاد من الأعمال الظاهرة، فدل على أن الكل إيمان.

ومما يدل على أن الأعمال من الإيمان قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة إلى الكعبة. ونظائر هذه الآية في الكتاب والسنة كثيرة كقوله ﷺ في حديث وفد عبد القيس: "آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة ألا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتؤدوا خمس ما غنمتم"، [2] ففسر الإيمان بالأعمال الظاهرة، لأنها جزء مسماه كما تقدم.

إذا عرفت أن كلا من الأعمال الظاهرة والباطنة من مسمى الإيمان شرعا، فكل ما نقص من الأعمال التي لا يخرج نقصها من الإسلام، فهو نقص في كمال الإيمان الواجب كما في حديث أبي هريرة: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب النهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن". [3] وقوله ﷺ: "لا إيمان لمن لا أمانة له"، [4] ونفي الإيمان عمن لا يأمن جاره بوائقه. فالمنفي في هذه الأحاديث كمال الإيمان الواجب فلا يطلق الإيمان على مثل هذه الأعمال إلا مقيدًا بالمعصية أو بالفسوق، فيكون معه من الإيمان بقدر ما معه من الأعمال الباطنة والظاهرة، فيدخل في جملة أهل الإيمان على سبيل إطلاق أهل الإيمان كقوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}.

الفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان

وأما المؤمن الإيمان المطلق الذي لا يتقيَّد بمعصية ولا بفسوق وبنحو ذلك، فهو الذي أتى بما يستطيعه من الواجبات مع تركه لجميع المحرمات، فهذا هو الذي يطلق عليه اسم الإيمان من غير تقييد، فهذا هو الفرق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق؛ والثاني هو الذي لا يصر صاحبه على ذنب، والأول هو المصر على بعض الذنوب. وهذا الذي ذكرته هنا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة في الفرق بين الإسلام والإيمان، وهو الفرق بين مطلق الإيمان. والإيمان المطلق فمطلق الإيمان هو وصف المسلم الذي معه أصل الإيمان الذي لا يتم إسلامه إلا به، بل لا يصح إلا به؛ فهذا في أدنى مراتب الدين، إذا كان مصرا على ذنب أو تاركا لما وجب عليه مع القدرة عليه.

والمرتبة الثانية من مراتب الدين مرتبة أهل الإيمان المطلق الذين كمل إسلامهم وإيمانهم بإتيانهم بما وجب عليهم، وتركهم ما حرمه الله عليهم، وعدم إصرارهم على الذنوب؛ فهذه هي المرتبة الثانية التي وعد الله أهلها بدخول الجنة، والنجاة من النار كقوله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} الآية. فهؤلاء اجتمعت لهم الأعمال الظاهرة والباطنة، ففعلوا ما أوجبه الله عليهم وتركوا ما حرم الله عليهم، وهم السعداء أهل الجنة. والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

الفائدة الثانية معنى لا إله إلا الله

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم رحمك الله: أن كلمة الإخلاص "لا إله إلا الله" لا تنفع قائلها إلا بمعرفة معناها، وهو نفي الإلهية عما سوى الله تعالى والبراءة من الشرك في العبادة، وإفراد الله بالعبادة بجميع أنواعها كما قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} ومعنى {سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} أي: نستوي نحن وأنتم في قصر العبادة، وترك الشرك كله.

وقال الخليل عليه السلام: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} فهذا هو حقيقة معنى لا إله إلا الله، وهو البراءة من كل ما يعبد من دون الله، وإخلاص العبادة له وحده، وهذا هو معناها الذي دلَّت عليه هذه الآيات، وما في معناها. فمن تحقق ذلك وعلمه، فقد حصل له العلم بها المنافي لما عليه أكثر الناس حتى من ينتسب إلى العلم من الجهل بمعناها.

فإذا عرفت ذلك، فلا بد من القبول لما دلت عليه، وذلك ينافي الرد؛ لأن كثيرا ممن يقولها ويعرف معناها لا يقبلها، كحال مشركي قريش والعرب وأمثالهم، فإنهم عرفوا ما دلت عليه من البراءة، لكن لم يقبلوه؛ فصارت دماؤهم وأموالهم حلال لأهل التوحيد، فإنهم كما قال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ}، عرفوا أن لا إله إلا الله توجب ترك ما كانوا يعبدونه من دون الله. ولا بد أيضا من الإخلاص المنافي للشرك كما قال تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} إلى قوله: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ} وفي حديث عتبان: "من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله". [5]

ولا بد أيضا من المحبة المنافية لضدها، فلا يحصل لقائلها معرفة إلا بقبول ما دلت عليه من الإخلاص، ونفي الشرك؛ فمن أحب الله أحب دينه، ومن لا فلا، كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ}، فصارت محبتهم لله ولدينه، فأحبوا من أحبه الله، وأبغضوا ما أبغضه الله، وفي الحديث: "وهل الدين إلا الحب والبغض"؛ ولهذا وجب أن يكون الرسول ﷺ أحب إلى العبد من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين، فإن شهادة لا إله إلا الله تستلزم أن محمدا رسول الله، وتقتضي متابعته كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}.

حب الله يستلزم الانقياد لأوامره ونواهيه

ولا بد أيضا من الانقياد لحقوق لا إله إلا الله بالعمل بما فرضه الله، وترك ما حرمه، والتزام ذلك وهو ينافي الترك، فإن كثيرا ممن يدعي الدين يستخف بالأمر والنهي ولا يبالي بذلك، وحقيقة الإسلام أن يسلم العبد بقلبه وجوارحه لله، ويتأله له بالتوحيد والطاعة كما قال تعالى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ}، وقال تعالى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى}.

وإحسان العمل لا بد فيه من الإخلاص، ومتابعة ما شرعه الله ورسوله. ولا بد أيضا لقائل هذه الكلمة من اليقين بمعناها المنافي للشك والريب كما في الحديث الصحيح: "مستيقنا بها قلبه غير شاكٍ فيها"؛ [6] ومن لم يكن كذلك فإنها لا تنفعه كما دل عليه حديث سؤال الميت في قبره. ولا بد أيضا من الصدق المنافي للكذب كما قال تعالى عن المنافقين: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ}. والصادق يعرف معنى هذه الكلمة، ويقبله ويعمل بما يقتضيه، وما يلزم قائلها من واجبات الدين، ويصدق قلبه لسانه. فلا تصح هذه الكلمة إلا إذا استجمعت هذه الشروط؛ وبالله التوفيق، آخره، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

الفائدة الثالثة النهي عن مفارقة الجماعة

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد الرحمن بن حسن إلى من يصل إليه من الإخوان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

(وبعد):

تفهمون أن الجماعة فرض على الإسلام وعلى من دان بالإسلام، كما قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا}. ولا تحصل الجماعة إلا بالسمع والطاعة لمن ولاه الله أمر المسلمين، وفي الحديث الصحيح عن العرباض بن سارية قال: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا. قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا. فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي. تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ".

وقد جمع الله أوائل الأمة على نبيه ﷺ وذلك بسبب الجهاد، وكذلك الخلفاء ردَّ الله بهم إلى الجماعة من خرج عنها، وأقاموا الجهاد في سبيل الله؛ فأظهر الله بهم دينه، وفتح الله لهم الفتوح، وجمع الله عليهم. وتفهمون أن الله سبحانه وتعالى جمعكم على إمامكم عبد الله بن فيصل بعد وفاة والده فيصل رحمه الله فاللي بايع بايع وهم الأكثرون، واللي ما بايع بايعوا لهم كبارهم، واجتمعوا عليه أهل نجد باديهم وحاضرهم، وسمعوا وأطاعوا، ولا اختلف عليه أحد منهم حتى سعود بن فيصل بايع أخوه. وهو ما صار له مدخال في أمر المسلمين لا في حياة والده ولا بعده، ولا التفت له أحد من المسلمين، ونقض البيعة وتبين لكم أمره أنه ساع في شق العصا، واختلاف المسلمين على إمامهم، وسعى في نقض بيعة الإمام، وقد قال تعالى: {وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}.

وسعود سعى في ثلاثة أمور كلها منكر: نقض البيعة بنفسه، وفارق الجماعة، ودعا الناس إلى نقض بيعة الإسلام؛ فعلى هذا يجب قتاله، وقتال من أعانه، وفي الحديث: "من فارق الجماعة قيد شبر فمات، فميتته جاهلية" [7] وفي الحديث الآخر: "فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه"، [8] فإن كان أحد مشكل عليه وجوب قتاله لما في الحديث: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار". [9]

فظاهر الحديث أن المراد ما يجري بين القبائل من العصبية، أما عند ضربة عصا من قبيلتين أو فخذين أو طعنة، فكل قبيلة أو فخذ يكون منهم حمية لمن كان منهم غير خروج على الإمام، ونقض لبيعة الإسلام، ولا شق عصا المسلمين. وأهل العلم من الفقهاء وغيرهم ذكروا قتال العصبية وحكمه، وقتال الباغي وحكمه؛ فذكروا أنه يجب على الإمام في قتال العصبية أن يحملهم على الشريعة، وأما البغاة فحكمهم أنهم يقاتلون حتى يفيئوا أو يرجعوا ويدخلوا في جماعة المسلمين. فالفرق ظاهر بين ولله الحمد، فاستعينوا بالله على قتال من بغى وطغى وسعى في البلاد بالفساد، وهذا أمر فساده ظاهر ما يخفى على من له عقل، واحتسبوا جهادكم وأجركم على الله، وأنتم سالمون، والسلام، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، سنة 1330 هجرية.

قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن أحسن الله إليه.

الفائدة الرابعة العقود التي وقعت فاسدة وتقابضوا بها

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فقد ورد علينا أسئلة من الأخ جمعان بن ناصر منها:

إذا وقع عقد فاسد في معاملة في الإسلام قد انقضت بالتقابض في أكثرها، فهل يحكم بفساد العقد من أوله ورده؟ أو نقول لا يرد ما تقابضوه من تلك المعاملة الفاسدة؟

فأقول: الجواب يظهر مما قاله شيخ الإسلام رحمه الله في آية الربا في قوله تعالى: {فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ}، فاقتضى أن السالف للقابض، وأن أمره إلى الله ليس للغريم فيه أمر، وذلك أنه لما {جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى} كان مغفرة ذلك الذنب، والعقوبة عليه إلى الله تعالى، إن علم من قلبه صحة التوبة غفر له، وإلا عاقبه. ثم قال: {اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فأمر بترك الباقي ولم يأمر برد المقبوض وقال: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ} إلا أنه يستثنى منها ما قبض. وهذا الحكم ثابت في حق الكافر إذا عامل كافرا بالربا، وأسلما بعد القبض وتحاكما إلينا، فإن ما قبضه يحكم له به كسائر ما قبضه الكفار بالعقود التي يعتقدون حلها.

وأما المسلم فله ثلاثة أحوال: تارة يعتقد حل الأنواع باجتهاد أو تقليد، وتارة يعامل بجهل ولا يعلم أن ذلك ربا محرم، وتارة يقبض مع علمه بأن ذلك محرم.

أما الأول والثاني ففيه قولان إذا تبين له فيما بعد أن ذلك ربا محرم، قيل: يرد ما قبض كالغاصب، وقيل: لا يرده، وهو أصح، لأنه إذا كان معتقدا أن ذلك حلال، والكلام فيما إذا كان مختلفا فيه مثل الحيل الربوية. فإذا كان الكافر إذا تاب يغفر له ما استحله، ويباح له ما قبضه، فالمسلم إذا تاب أولى أن يغفر الله، إذا كان أخذ بأحد قولي العلماء في حل ذلك، فهو في تأويله أعذر من الكافر في تأويله.

الجهل بالأحكام

وأما المسلم الجاهل فهو أبعد، لكن ينبغي أن يكون كذلك، فليس هو شر من الكافر، وقد ذكرنا فيما يتركه من الواجبات التي لم يعرف وجوبها هل عليه قضاء؟ قولان، أظهرهما الاقتضاء عليه. وأصل ذلك أن أصل الخطاب هل يثبت في حق المسلم قبل بلوغ الخطاب؟ فيه قولان في مذهب أحمد وغيره، ولأحمد روايتان فيما إذا صلى في معاطن الإبل أو صلى وقد أكل لحم الجزور، ثم صلى، وقد تبين له النص هل يعيد؟ على روايتين، وقد نصرت في موضع أنه لا يعيد، وذكرت على ذلك أدلة متعددة، منها:

قصة عمر وعمار لما كانا جنبين فصلى عمار ولم يصل عمر، ولم يأمره النبي ﷺ بإعادة.

ومنها: المستحاضة التي قالت: منعني الصوم والصلاة.

ومنها الإعرابي المسيء الذي قال: والله ما أحسن غير هذا، أمره أن يعيد الصلاة الحاضرة لأن وقتها باق وهو مأمور بها، ولم يأمره بإعادة ما صلى قبل ذلك.

ومنها الذين أكلوا حتى تبين الحبل الأبيض والأسود ولم يؤمروا بالإعادة. والشريعة أمر ونهي، فإذا كان حكم الأمر لا يثبت إلا بعد بلوغ الخطاب، فكذلك النهي. فمن فعل شيئا لم يعلم أنه محرم ثم علم لم يعاقب. وإذا عامل معاملات ربوية يعتقدها جائزة وقبض منها ما قبض، ثم جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف، ولا يكون شرا من الكافر إذا غفر له قبضه لكونه قد تاب، فالمسلم بطريق الأولى. والقرآن يدل على هذا بقوله: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ}، وهذا عام في كل من جاءه موعظة من ربه فانتهى، فقد جعل الله له ما سلف. انتهى ملخصا من كلامه رحمه الله، وبه يظهر للسائل تفصيل ما أجمله في السؤال فليتأمل.

العبد كالحر في كفارة الظهار

وسأل أيضا عن ظهار المملوك هل هو كالحرام؟

فالجواب: أن العبد كالحر في كفارة الظهار، غير أن العبد لا يكفر إلا بالصوم بناء على المشهور في مذهبنا وغيره، لأنه لا يملك، قال في "المنتهى": فإن لم يجد صام حرا وقنا شهرين. انتهى.

أكثر مدة الحمل

وسأل عن أكثر مدة الحمل إذا كانت أربع سنين على المشهور في مذهبنا، فهل إذا انقضت أن تتزوج ولو ارتابت أم لا؟

وجوابه: أن العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى قد ذكر في "تحفة الودود" أنه قد وجد لخمس سنين، وأكثر منها إلى سبع، فعليه لا تمكن من التزويج إلا بعد تيقن براءة رحمها، والله أعلم.

وسأل عن حكم الدم المحتقن في جوف الذبيحة.

فالجواب وبالله التوفيق: قال في "الإنصاف" وغيره نقلا عن القاضي: أن الدم الذي يبقى في خلال اللحم بعد الذبح وفي العروق مباح، قال الشيخ تقي الدين: لا أعلم خلافا في العفو عنه، وأنه لا ينجس المرقة بل يؤكل معها، والله أعلم. قالوا: فظاهر كلام القاضي في الخلاف وابن الجوزي أن المحرم هو الدم المسفوح كما دلت الآية الكريمة، قال المفسرون في معنى قوله: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} أي: مهراقا سائلا، قال ابن عباس رضي الله عنه ما يريد ما يخرج من الحيوانات وهي حية، وما يخرج من الأوداج عند الذبح. وممن قال بطهارة بقية الدم وإن ظهرت حمرته المجد في شرحه، والناظم وصاحب الفائق وغيرهم، والله أعلم.

ذبيحة الكافر والمرتد إذا ذبحت وذكر اسم الله عليها

وسأل عن ذبيحة الكافر والمرتد إذا ذبحت وذكر اسم الله عليها، فهل هناك نص بتحريمها غير الإجماع؟ ومفهوم قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} … الآية.

فالجواب: الإجماع دليل شرعي بالاتفاق، ولا بد أن يستند الإجماع إلى دليل من الكتاب والسنة، وقد يخفى ذلك الدليل على بعض العلماء. فإذا كان قد وقع الإجماع على تحريم ذبيحة الكافر والمشرك غير الكتابي فحسبك به، ودلت الآية الكريمة على التحريم كما قد عرفتم.

والجواب عن قوله: "وذكر اسم الله عليها" أن يقال: التسمية من الكافر الأصلي

ومن المرتد غير معتبرة لبطلان أعمالهما، فوجودها كعدمها، كما أن التهليل إذا صدر منه حال استمراره على شركه غير معتبر فوجوده كعدمه، وإنما ينفع إذا قاله عالما بمعناه ملتزما لمقتضاه كما قال تعالى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} قال ابن جرير كغيره: وهم يعلمون حقيقة ما شهدوا به.

عدة المسلمة بعد موت زوجها الكافر

وسأل أرشدنا الله وإياه عن زوجة الكافر إذا كانت مسلمة ومات، هل عليها عدة؟ …إلخ.

أقول وبالله التوفيق: إن كان تزوجها في حال كفره، فالنكاح باطل لقوله تعالى: {وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا}، وقوله: {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}. وإن كان كفره طارئا على النكاح أو كانا كافرين فأسلمت قبله، فإن كان قبل الدخول انفسخ نكاحها، وإن كان بعد الدخول وقف على انقضاء العدة على الصحيح عند متأخري الأصحاب.

واستدلوا بحديث مالك في إسلام صفوان بن أمية بعد إسلام زوجته بنحو شهر، والحديث مشهور عند أهل العلم قالوا: فإن أسلم الثاني قبل انقضاء العدة فهما على نكاحهما، وإلا تبينا فسخه منذ أسلم الأول، والمرتد كغيره؛ والذي اختاره ابن القيم رحمه الله عدم مراعاة زمن العدة، واستدل بأحاديث وآثار، منها ما روى أبو داود في سننه عن ابن عباس قال: "ردَّ رسول الله ﷺ زينب ابنته على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول، ولم يحدث شيئا بعد ست سنين".

وفي لفظ لأحمد: لم يحدث شهادة ولا صداقا ولم يحدث نكاحا، وقال في حديث عمرو بن شعيب: "أن النبي ﷺ ردَّها على أبي العاص بن الربيع بنكاح جديد" إن الإمام أحمد قال: هذا حديث ضعيف، والصحيح أنه أقرهما على النكاح الأول. وقال الترمذي: في إسناد هذا الحديث مقال، وقال الدارقطني: هذا حديث لا يثبت، والصواب حديث ابن عباس.

وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: "كان المشركون على منزلتين من رسول الله ﷺ: أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، وأهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه. فكان إذا هاجرت امرأة من دار الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حل لها النكاح، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه"، وذكر ابن أبي شيبة عن معمر بن سليمان عن معمر عن الزهري: إذا أسلمت ولم يسلم زوجها فهما على نكاحهما إلا أن يفرِّق بينهما سلطان، قال: ولا يعرف اعتبار العدة في شيء من الأحاديث، ولا كان النبي ﷺ يسأل المرأة هل انقضت عدتك أم لا؟

ولا ريب أن الإسلام لو كان بمجرده فرقة لم يكن فرقة رجعية بل بائنة، فلا أثر للعدة في بقاء النكاح، وإنما أثرها في منع نكاحها للغير، فلو كان الإسلام قد نجز الفرقة بينهما لم يكن أحق بها في العدة، ولكن الذي دل عليه حكمه ﷺ أن النكاح موقوف، فإن أسلم قبل انقضاء عدتها فهي زوجته، فإن انقضت عدتها فلها أن تنكح من شاءت، ولا نعلم أحدا جدد للإسلام نكاحه البتة، بل كان الواقع أحد أمرين: إما افتراقهما ونكاحها غيره، وإلا بقاءها عليه وإن تأخر إسلامها وإسلامه. وقد ردَّ النبي ﷺ ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع، وهو إنما أسلم زمن الحديبية، وهي أسلمت من أول البعثة، وبين إسلامهما أكثر من ثماني عشرة سنة.

وأما قوله في الحديث: "كان بين إسلامها وإسلامه ست سنين" [10] فوهم، إنما أراد بين هجرتها وإسلامه، ولولا إقراره ﷺ الزوجين على نكاحهما وإن تأخر إسلام أحدهما على الآخر بعد صلح الحديبية وزمن الفتح لقلنا بتعجيل الفرقة بالإسلام من غير اعتبار عدة لقوله تعالى: {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}، وقوله: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ}. وإن الإسلام سبب الفرقة، وكل ما كان سببا للفرقة تعقبه الفرقة كالرضاع والخلع والطلاق، وهذا اختيار الخلال وأبي بكر صاحبه وابن المنذر وابن حزم، وهو مذهب الحسن وطاووس وعكرمة وقتادة والحكم.

قال ابن حزم: وهو قول ابن الخطاب وجابر بن عبد الله وابن عباس، وبه قال حماد بن زيد والحكم بن عتبة وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز وعدي ابن عدي الكندي والشعبي وغيرهم، (قلت) وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، ولكن الذي أنزل عليه قوله: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} وقوله: {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} لم يحكم بتعجيل الفرقة، وما حكاه ابن حزم عن عمر فما أدري من أين حكاه، والمعروف عنه خلافه، ثم ساق الرواية عن عمر بخلاف ما حكاه ابن حزم، انتهى ملخصا.

وأما إذا مات الزوج قبل انقضاء العدة، فالصحيح من المذهب أنها تستأنف العدة للوفاة ويلغوا ما مضى، وإن كان موته بعد انقضائها فلا عدة؛ والذي يتمشى عليه ما اختاره ابن القيم أنها إن لم يفسخ نكاحها حاكم يطلبها أنها تعتد منه أيضا، والله أعلم.

صرف الزكاة لطالب العلم

وسأل أيضا عن قول شارح بلوغ المرام على قوله: "أو غاز في سبيل الله" ويلحق به من كان قائما بمصلحة عامة… إلخ.

أقول وبالله التوفيق: لم أقف على شيء من كلام أئمتنا يعضد هذا المأخذ أو يومئ إليه، وغاية ما رأيته ما قد أشرت إليه من قول شيخ الإسلام ابن تيمية ونصه في "الاختيارات": "ومن ليس معه ما يشترى به كتبا يشتغل فيها، يجوز له الأخذ من الزكاة ما يشتري به ما يحتاج إليه من كتب العلم التي لا بد لمصلحة دينه ودنياه منه. انتهى كلامه. والله أعلم.

الحلف بالطلاق

قال السائل أيضا واستعمال الناس اليوم الحلف بالطلاق عند إلجاء أحدهم إلى الغضب، كقول أحدهم: عليَّ الطلاق لأفعلن.. إلى آخر ما نقل السائل عافاه الله.

نقل شيخنا الشيخ الهمام العلامة رحمه الله عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى روايتين في قول القائل: عليَّ الطلاق، أحدهما: تطلق ثلاثا… إلخ.

أقول: هذه الرواية هي المذهب إذا نوى الثلاث، وإن لم ينو ثلاثا فواحدة عملا بالعرف، وكذا قوله: الطلاق لازم لي، أو عليَّ صريح منجزا أو معلقا ومحلوفا به، هذا شرح ما نقله عن شيخنا وهو المعتمد، وأما ما فرق به شيخ الإسلام فقد ذكرته للسائل في جوابنا الذي صدره قبل هذا في مسألة التحريم، وأشرت إلى قوة ما ذهب إليه شيخ الإسلام وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى، وحاصله أنهما اختارا أنه يقع بوجود شرطه، إذا أراد الجزاء بتعليقه لا إن أراد الحظر والمنع، وقولهم: إن أراد الجزاء، أي: الطلاق احترازا منه أن يريد حظرًا أو منعا، وهو يكره وقوعه عند شرطه فإنه والحالة هذه عندهما يمين مكفر، والله أعلم.

والذي عليه مشائخنا من أهل التقوى إنما يعتمدون كلام الجمهور في هذه المسألة، فيفتون بإيقاع الطلاق إذا وجد المعلق عليه، وهو الشرط كما عليه الأئمة وجمهور الفقهاء، والله أعلم.

موافقة الجمعة يوم العيد

وسأل عما إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد، قالوا: تسقط الجمعة عمن حضر العيد إلا الإمام… إلخ.

أقول وبالله التوفيق: الذي نص عليه علماؤنا رحمهم الله أنه إن اتفق عيد في يوم جمعة، سقط حضور الجمعة عمن صلى العيد، إلا الإمام، فإنها لا تسقط عنه إلا ألا يجتمع له من يصلي الجمعة. وهذا يفهم أن المراد بالإمام هو الذي يتولى الصلاة بهم؛ وهذا الحكم يتعلق بأهل كل بلد، وليس كل بلد فيها إمام أعظم، وهذا يفيد قولهم: إلا ألا يجتمع به من يصلي به الجمعة. نعم، إن وقع ذلك في بلد الإمام الأعظم وجبت عليه، وإن لم يتول الصلاة، لأن المتولي للصلاة كالنائب عنه. وبدليل ما ورد من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون" رواه ابن ماجه. [11] فصير الجمع في قوله: "وإنا مجمعون" يقتضي ما قلناه؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه هو الإمام الأعظم، وإمامهم في الصلاة، والله أعلم.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إذا اجتمعت الجمعة والعيد في يوم واحد فللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال... ثالثها وهو الصحيح: أن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة، لكن على الإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها، وهذا هو المأثور عن النبي ﷺ وأصحابه ولا يعرف عن الصحابة في ذلك خلاف، ثم إنه يصلي الظهر إذا لم يشهد الجمعة، فتكون الظهر في وقتها، وكلام الشيخ يوضح ما قررته قبل، والله أعلم.

حديث عمران بن حصين في قصة العقيلي

وسأل أيضا عن حديث عمران بن حصين في قصة العقيلي الذي قال له النبي ﷺ: "بم أخذتني وأخذت سابقة الحاج؟ فقال: أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف" … إلخ.

أقول: الحديث خرَّجه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي رحمهم الله وهاأنا أسوق رواية الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده قال: حدثنا إسماعيل عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين قال: "كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ، وأسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلا من بني عقيل، وأصيبت معه العضباء. فأتى عليه رسول الله ﷺ وهو في الوثاق، فقال: يا محمد، يا محمد، فقال: ما شأنك؟ قال: بم أخذتني وأخذت سابقة الحاج؟ إعظاما لذلك، فقال: أخذت بجريرة حلفائك ثقيف، ثم قال: يا محمد يا محمد -وكان رسول الله ﷺ رحيما رفيقا- فأتاه قال: ما شأنك؟ قال: إني مسلم، قال: لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح. ثم انصرف عنه، فناداه: يا محمد، يا محمد. فأتاه، فقال: ما شأنك؟ فقال: إني جائع فأطعمني، وظمآن فاسقني، قال: هذه حاجتك. فقال: ففدي بالرجلين. وأسرت امرأة من الأنصار وأصيبت معها العضباء فكانت المرأة في الوثاق، فانفلتت ليلة من الوثاق، فأتت الإبل، فجعلت إذا دنت من البعير رغا، فتتركه حتى تنتهي إلى العضباء فلم ترغ. قال: وناقة منوخة، فقعدت في عجزها وزجرتها، فانطلقت. ونذروا بها، وطلبوها فأعجزتهم، فنذرت إن الله عز وجل أنجاها عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة رآها الناس فقالوا: العضباء ناقة رسول الله ﷺ قالت: إني نذرت إن الله أنجاها عليها لتنحرنها، فأتوا النبي ﷺ فذكروا ذلك له فقال: سبحان الله! بئسما جزتها إن الله -تبارك وتعالى- أنجاها لتنحرنها لا وفاء في نذر في معصية الله ولا في ما لا يملك العبد" ولأبي داود: ابن آدم. [12]

قال النووي رحمه الله في شرحه قول النبي ﷺ: "أخذتك بجريرة حلفائك" [13] أي: بجنايتهم.

قوله ﷺ: "لو قلتها وأنت تملك أمرك، أفلحت كل الفلاح" [14] معناه: لو قلت كلمة الإسلام قبل الأسر حين كنت مالك أمرك أفلحت كل الفلاح، لأنه لا يجوز أسرك لو أسلمت قبل الأسر، فكنت فزت بالإسلام وبالسلامة من الأسر ومن اعتنام. [15]

وأما إذا أسلمت بعد الأسر فيسقط الخيار في قتلك، ويبقى الخيار بين الاسترقاق والمن والفداء، وفي هذا جواز المفاداة، وإن إسلام الأسير لا يسقط حق الغانمين منه بخلاف ما لو أسلم قبل الأسر. انتهى. فليس في الحديث دليل على أن المسلم يؤخذ بجناية غيره أو حق عليه، بخلاف الكافر فإنه يؤخذ ويغنم ماله لكفره، ولو كان من قوم معاهدين إذا نقضوا العهد كحال هذا الرجل العقيلي فإنه لما قال: إني مسلم، قال له رسول الله ﷺ: "لو قلتها وأنت تملك أمرك، أفلحت كل الفلاح" [16] وهو صريح في أن هذا الرجل لم يكن قبل مسلما.

وفي الحديث أيضا ما يدل على ذلك، وهو قوله: ففودي الرجل بعد بالرجلين، فتأمله فإنه ظاهر لا غبار عليه والحمد لله. والحديث لا علة له، قال الحافظ المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي بطوله، وأخرج الترمذي طرقا منه، وأخرج النسائي وابن ماجه منه طرقا. انتهى كلامه. وقد ذكرنا في أول الحديث ما وقفنا عليه من مخرجيه وأتحفنا السائل بسياق الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

قبض العقار في الرهن

وسأل عافاه الله عن قبض العقار في الرهن كغيره.

أقول وبالله التوفيق: قبض المرتهن له بالتخلية بأن يمكنه الراهن منه تمكينا تاما بحيث لم يضع يده عليه، فإن وضع يده عليه بأن تولى سقيه أو زرعه أو إجارته زال لزوم الرهن، والله أعلم.

أسانيد المؤلف وشيوخه

وأما ما طلبت من روايتي من مشايخي فأقول: اعلم إني قرأت على شيخنا الإمام الجد شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: كتاب التوحيد من أوله إلى أبواب السير، وجملة من آداب المشي إلى الصلاة، وحضرت عليه عدة مجالس كثيرة في البخاري والتفسير وكتب الأحكام بقراءة شيخنا الشيخ ابنه عبد الله رحمهما الله تعالى وشيخنا الشيخ ابنه علي رحمهما الله تعالى في كتاب البخاري، وقراءة ابنه الشيخ عبد العزيز رحمه الله في سورة البقرة من كتاب ابن كثير، وفي كتاب منتقى الأحكام بقراءة الشيخ عبد الله بن ناصر وغيرهم، وسنده رحمه الله تعالى معروف تلقاه عن عدة من علماء المدينة وغيرهم، رواية خاصة وعامة منهم محمد بن حياة السندي والشيخ عبد الله بن إبراهيم الفرضي الحنبلي، وقرأت وحضرت جملة كثيرة من الحديث والفقه على الشيخين المشار إليهما أعلاه، وشيخنا الشيخ حسين رحمه الله تعالى، وحضرت قراءة وأنا إذ ذاك في سن التمييز على والده شيخ الإسلام رحمه الله تعالى وشيخنا الشيخ حمد بن ناصر رحمه الله تعالى، وقرأت عليه في مختصر الشرح والمقنع وغيرهما، وشيخنا الشيخ عبد الله بن فاضل رحمه الله تعالى قرأت عليه في السيرة، وشيخنا الشيخ عبد الرحمن بن خميس قرأت عليه في شرح الشنشوري في الفرائض، وشيخنا الشيخ أحمد بن حسن الحنبلي قرأت عليه شرح الجزرية للقاضي زكريا الأنصاري، وشيخنا الشيخ أبو بكر حسين بن غنام قرأت عليه شرح الفاكهي على المتممة في النحو.

وأما مشايخنا من أهل مصر فمن فضلائهم في العلم الشيخ حسن القويسني حضرت عليه شرح جمع الجوامع في الأصول للمحلي، ومختصر السعد في المعاني والبيان وما فاتني من الكتابين إلا أفوات يسيرة، وأكبر من لقيت بها من العلماء الشيخ عبد الله سويدان، وأجازني هو والذي قبله بجميع مروياتهم، ودفع لي كل واحد منهما نسخته المتضمنة لأوائل الكتب التي رووها بسندهم إلى الشيخ المحدث عبد الله بن سالم البصري شارح البخاري. ولقيت بها الشيخ عبد الرحمن الجبرتي وحدثني بالحديث المسلسل بالأولية بشروطه، وهو أول حديث سمعته منه وقرأت عليه سنده حتى انتهيت إلى الإمامسفيان بن عيينة رحمه الله عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "الراحمون يرحمهم الرحمن -تبارك وتعالى-. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" [17] وأجازني بجميع مروياته عن شيخه الشيخ مرتضي الحسيني عن الشيخ عمر بن أحمد بن عقيل وعن الشيخ أحمد الجوهري كلاهما عن عبد الله بن سالم البصري، وهو يروي عن أبي عبد الله محمد بن علاء الدين البابلي عن الشيخ سالم السنهودي عن النجم الغيطي عن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري عن الحافظ شيخ الإسلام أحمد بن علي بن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري، وأكثر روايات من ذكرنا من مشايخنا للكتب تنتهي إليه.

وأما روايتهم للبخاري فرواه الحافظ ابن حجر رحمه الله عن إبراهيم بن أحمد التنوخي عن أحمد بن أبي طالب الحجار عن الحسين بن المبارك الزبيدي الحنبلي عن أبي الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي الهروي عن أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن داود الداودي عن أبي عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الغربري عن الإمام البخاري رحمه الله تعالى. وقرأت عليه أسانيده عن شيخه المذكور متصلة إلى مؤلفي الكتب الحديثية كالإمام أحمد ومسلم وأبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه رحمهم الله، فأجازني بها وبسند مذهبنا بروايته عن شيخه المذكور عن السفاريني النابلسي الحنبلي عن أبي المواهب متصلا إلى إمامنا رحمه الله تعالى.

وأما الشيخ عبد الله سودان فأجازني بجميع ما في نسخة عبد الله بن سالم المعروفة بمصر، ونقلتها من أصله فهي الآن موجودة عندنا مسندة إلى الشيخ المذكور بروايته عن محمد بن أحمد الجوهري عن أبيه عن شيخه عبد الله بن سالم، وقد تقدم سياق سنده إلى البخاري، وأجاز لي برواية مذهب إمامنا بروايته عن يد الشيخ أحمد الدمنهوري عن الشيخ أحمد بن عوض عن شيخه محمد الخلوتي عن شيخه الشيخ منصور البهوتي عن الشيخ عبدالرحمن البهوتي عن أظن اسمه يحيى بن الشيخ موسى الحجازي عن أبيه، وسند الأب مشهور إلى الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

وأما الشيخ حسن القويسني فأجاز لي بجميع ما في نسخة الشيخ عبد الله بن سالم البصري المذكور روايته عن الشيخ عبد الله الشرقاوي عن الشيخ محمد بن سالم الحفني عن الشيخ عيد بن علي النمرسي عن عبد بن سالم البصري ح قال: وأخذت صحيح البخاري جميعه عن الشيخ داود القلعي عن الشيخ أحمد بن جمعة البجيرمي عن الشيخ مصطفى الإسكندراني المعروف بابن الصباغ عن الشيخ عبد الله بن سالم بسنده المتقدم قال: أخذت الصحيح عن شيخنا سليمان البجيرمي عن الشيخ محمد العشماوي عن الشيخ أبي العز العجمي عن الشيخ محمد الشنويري عن محمد الرملي عن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري عن الحافظ ابن حجر العسقلاني عن الشيخ التنوخي عن الشيخ سليمان بن حمزة عن الشيخ علي بن الحسين بن المنير عن أبي الفضل بن ناصر عن الشيخ عبد الرحمن بن منده عن محمد بن عبد الله بن أبي بكر الجوزقي عن مكي بن عبدان النيسابوري عن الإمام مسلم عن الإمام البخاري رضي الله عنهم أجمعين قلت: وبهذا السند روي صحيح مسلم.

ولقيت بمصر مفتي الجزائر محمد بن محمود الجزائري الحنفي الأثري، فوجدته حسن العقيدة، طويل الباع في العلوم الشرعية، وأول حديث حدثنيه المسلسل بالأولية رواه لنا عن شيخه حمودة الجزائري بشرطه متصلا إلى سفيان ابن عيينة كما تقدم، وأجازني بمروياته عن شيخه المذكور، وشيخه علي بن الأمين، وقرأت عليه جملة في صحيح مسلم وأول البخاري رواية ابن سعادة بالسند المتصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى، وقرأت عليه جملة من الأحكام الكبرى للحافظ عبد الحق الإشبيلي رحمه الله وكتبت أسانيده في الثبت الذي كتبته عنه.

وممن وجدت أيضا بمصر الشيخ إبراهيم العبيدي المقرئ شيخ مصر في القراءات يقرأ العشر، وقرأت عليه أول القرآن، وأما الشيخ أحمد سلمونه فلي به اختصاص كثير، وهو رجل حسن الخلق، متواضع له اليد الطولى في القراءات والإفادات، قرأت عليه كثيرا من الشاطبية وشرح الجزرية لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وقرأت عليه كثيرا من القرآن، وأجاد وأفاد وهو مالكي المذهب، والذي قبله روايات وأسانيد متصلة إلى القراء السبعة وغيرهم، ومنهم الشيخ يوسف الصاوي قرأت عليه الأكثر من شرح الخلاصة لابن عقيل رحمه الله تعالى.

ومنهم إبراهيم البيجوري قرأت عليه شرح الخلاصة للأشموني إلى الإضافة، وحضرت عليه في السلم، وعلى محمد الدمنهوري في الاستعارات، والكافي في علمي العروض والقوافي، قرأها لنا بحاشيته بالجامع الأزهر، عمره الله تعالى بالعلم والإيمان، وجعله محلا للعمل بالسنة وجميع المدن والأوطان، إنه واسع الامتنان، وصلى الله على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

أملاه الفقير إلى الله تعالى عبد الله بن حسن، أحسن الله إليه بمنه وكرمه، وكتبه الفقير إلى الله، إبراهيم بن راشد سنة 1244، ونقله من خطه الفقير إلى رحمة ربه العزيز محمد بن علي بن محمد البيز، رزقه الله العلم والعمل وحسن الخاتمة عند حلول الأجل، إنه واسع المن كثير الفضل سنة 1334.

الفائدة الخامسة أحكام الحج

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه المسألة للشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله.

اعلم وفقني الله وإياك لطاعته أن من استكملت فيه شروط وجوب الحج لا يخلو من أن يكون صحيح البدن وهو الغالب، فيلزمه السعي إلى الحج فورا إذا تمت شروطه كأمن الطريق، وإما أن يكون مريضا ونحوه؛ والمرض إما أن يرجى برؤه كغالب الأمراض أو لا، فإن كان يرجى برؤه فلا يجوز له الاستنابة بحال، فإن برئ حج بنفسه، وإن مات أقيم من يحج عنه من رأس ماله. وإن كان المرض لا يرجى برؤه كمرض السل في آخره لزمه أن يقيم من يحج عنه كالكبير الذي يشق عليه السفر مشقة غير محتملة، قال في "الإنصاف": وإن عجز عن السعي للكبر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم من يحج عنه من بلده. انتهى.

قلت: وأصله حديث ابن عباس أن امرأة من خثعم قالت: "يا رسول الله إن فريضة الله، على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا" [18] الحديث، وهذا الحكم خاص لمن كان بعيدا عن الحرم، ولم يتلبس بالإحرام من الميقات، أما من أحرم منه فليس له أن يستنيب من يحج عنه بحال إذا حصر بعدو أو مرض ونحوه؛ ولم ينقل عن أحد من العلماء أنه أجاز لمن أحصر أن يستنيب فيما أعلم. وحكم من حصره عدو أو ضل عن الطريق أن يتحلل بهدي إن وجده، وإلا صام عشرة أيام للآية الكريمة هذا إذا لم يشترط في ابتداء إحرامه، وهل يجوز له إذا لم يشترط أن يتحلل بالمرض وذهاب النفقة؟ المذهب أنه لا يحل حتى يقدر على المبيت، وإن فاته الحج تحلل بعمرة، وفيه احتمال يتحلل كمن حصره عدو، قال في "الإنصاف": وهي رواية اختارها تقي الدين. انتهى. وهذا فيمن إحرامه تام، أما من أحصر عن طواف الإفاضة فإنه لا يتحلل حتى يطوف، قال في المنتهى وشرحه: ومن أحصر عن طواف الإفاضة فقط لم يتحلل حتى يطوف ويسعى إن لم يكن سعى، وكذا لو أحصر عن السعي فقط، لأن الشرع ورد بالتحلل بإحرام تام يحرم جميع المحظورات، وهذا يحرم النساء خاصة فلا يلحق به، ومتى زال الحصر أتى بالطواف والسعي إن لم يكن سعى، وتم حجه.

إذا علمت ذلك، فالواجب على من ينتسب إلى معرفة شيء من أحكام الشرع أن لا يفتي في مسألة حتى يعرف حكمها بالنص عليها في كلام العلماء رحمهم الله تعالى، فعلى هذا لا تصح الاستنابة عن طواف الإفاضة بحال ويلزم من لم يطف للإفاضة بنفسه أن يعتزل النساء حتى يرجع فيحرم من الميقات بعمرة، فإذا طاف طواف العمرة وسعى طاف لحجه وسعى إن لم يكن سعى، والله سبحانه وتعالى أعلم، قاله الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى.

الفائدة السادسة تحريم الزوجة

بسم الله الرحمن الرحيم

ولا حول ولا قوة إلا بالله

الحمد لله، من عبد الرحمن بن حسن إلى الشيخ جمعان بن ناصر منحه الله من العلوم أنفعها ومن الفضائل أرفعها، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

(أما بعد): فقد وصل إلينا كتابك، فاستبان به مرامك وخطابك، فسررنا به غاية السرور، جعله الله تعالى من مكاسب الأجور. وقد سألت فيه -أمدك الله بإمداده وسددك بإلهامه وإرشاده- عن مسائل:

(الأولى): ما قول العلماء فيمن حرم زوجته... إلى آخره.

(فالجواب) وبالله التوفيق ومنه أستمد العون والتحقيق: تحريم الزوجة ظهار ولو نوى به طلاقا أو يمينا، نص عليه إمامنا رحمه الله في رواية الجماعة، وهو المذهب، ونقل ما يدل على أنه يمين وفاقا للثلاثة. وجزم شيخ الإسلام ابن تيمية في "الاختيارات" و"الفتاوى المصرية" في باب الظهار بالأول، لكن قال ابن القيم في الإعلام: إنه إن وقع التحريم كان ظهارا ولو نوى به الطلاق، وإن حلف به كان يمينا مكفرة، وهذا اختيار شيخ الإسلام، وعليه يدل النص والقياس؛ فإنه إذا أوقعه كان أتى منكرا من القول وزورا، وكان أولى بكفارة الظهار ممن شبه امرأته بالمحرم. وإذا حلف به كان يمينا من الأيمان كما لو التزم الإعتاق والحج، وهذا محض القياس والفقه. انتهى.

قلت: قوله إذا حلف كان يمينا... إلى آخره، بناء إلى ما ذهب إليه

من أن المعلق على شرط يقصد بذلك الحض أو المنع أو الالتزام، فإنه يجزئه فيه كفارة يمين إن حنث، وإن أراد الإيقاع عند وجود المعلق عليه طلقت، وصرَّح به الشيخ في باب تعليق الطلاق بالشروط؛ وكذا الحلف بعتق وظهار وتحريم.

إحالة الدين

(الثانية): إذا أحال إنسان على آخر، ولم يعلم بذلك حتى قضى دينه أو قضاه من أحاله عليه ثانيا... إلى آخره.

(فالجواب): قد برئت ذمة المدين إذا دفعه إلى صاحبه أو إلى من أذن له أن يدفعه إليه لوجوب القضاء بعد الطلب فورا، ولا يلزم المدين غرم ما قضاه من الدين؛ لأن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم، فلا تبعة عليه فيما لم يعلم، وقد أفرد شيخ الإسلام ابن تيمية هذه القاعدة، وقرر أدلتها فعلى هذا يرجع من أحيل أولا بدينه على المحيل كما قبل الحوالة.

إصلاح الرهن

(الثالثة): إذا رهن إنسان نخله أو زرعه، واحتاج الراهن لما يصلح الرهن، فطلب من المرتهن أن يداينه لذلك أو يطلق الرهن لمن يداينه، فامتنع وعلى الراهن ضرر.

(فالجواب): أن الصحيح من أقوال العلماء أن القبض والاستدامة شرط للزوم الرهن، قال في الشرح: ولا يلزم الرهن إلا بالقبض، ويكون قبل رهنا جائزا، يجوز للراهن فسخه، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي.

وقال بعض أصحابنا في غير المكيل والموزون رواية: إنه يلزم بمجرد العقد، ونص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية الميمون، وهذا مذهب مالك، ووجه الأولى قوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} فعلى هذا إن تصرف الراهن فيه قبل القبض بهبة أو بيع أو عتق أو جعله صداقا أو رهنه فيه قبل القبض ثانيا، بطل الرهن الأول سواء قبض الهبة أو المبيع أو الرهن الثاني أو لم يقبضه، فإن أخرجه المرتهن إلى الراهن باختياره له زال لزومه، وبقي العقد كأن لم يوجد فيه قبض، قال في "الإنصاف": هذا المذهب وعليه الأصحاب، وعنه أن استدامته في العين ليس بشرط، واختاره في الفائق. انتهى ملخصا.

فقد عرفت الأصح من الأقوال الذي عليه أكثر العلماء، فعليه لا ضرر على الراهن لبطلان الرهن بالتصرف إذا لم يكن في قبضة المرتهن. وقد ذكر العلماء أيضا أن المرتهن لا يختص في ثمن الرهن إلا إذا كان لازما، وما عدا هذا القول لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، ويترتب على الفتوى به من المفاسد ما لا يتسع لذكره هذا الجواب، وليس مع من أفتى به إلا محض التقليد، وأن العامة تعارفوه فيما بينهم ورأوه لازما فأنت خبير بأن هذا ليس حجة شرعية، وإنما الحجة الشرعية الكتاب والسنة والإجماع -اتفاق مجتهدي العصر على حكم- ولا بد للإجماع من مستند، والدليل القياس الصحيح وكذا الاستصحاب على خلاف فيه. فلا إله إلا الله كم غلب على حكام الشرع في هذه الأزمنة من التساهل في الترجيح، وعدم التعويل على ما اعتمده المحققون من القول الصحيح. وقد ادعى بعضهم أن شيخنا أفتى بلزوم الرهن وإن لم يقبض، فاستبعدت ذلك على شيخنا رحمه الله؛ ولو فرضنا وقوع ذلك، فنحن بحمد الله متمسكون بأصل عظيم، وهو أنه لا يجوز لنا العدول عن قول موافق لظاهر الكتاب والسنة لقول أحد كائنا من كان. وأهل العلم معذورون وهم أهل الاجتهاد كما قال مالك رحمه الله: ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر - يعني رسول الله ﷺ.

ثم بعد زعم هذا الزاعم منَّ الله علي بالوقوف على جواب شيخنا رحمه الله فإذا هو جار على الأصح الذي عليه أكثر العلماء، وصورة جوابه أن الراجح الذي عليه كثير من العلماء أو أكثرهم أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض، وقبض كل شيء هو المتعارف، فقبض الدار والعقار هو تسلم المرتهن له، ورفع يد الراهن عنه، هذا هو القبض بالإجماع، ومن زعم أن قوله: "مقبوض" يصيره مقبوضا فقد خرق الإجماع مع كونه زورا مخالفا للحس.

إذا ثبت هذا فنحن إنما أفتينا بلزوم الرهن بضرورة وحاجة، فإذا أراد صاحبها أن يأكل أموال الناس، ويخون أمانته لمسألة مختلف فيها، فالرجوع إلى الفتوى بقول الجمهور في هذه المسألة، فإن رجعنا إلى كتاب الله وسنة رسوله في إيجاب العدل وتحريم الخيانة فهذا هو الأقرب قطعا، وإن رجعنا إلى كلام غالب العلماء فهم لا يلزمون ذلك إلا برفع يد الراهن وكونه في يد المرتهن، انتهى المقصود.

فذكر رحمه الله تعالى في هذه الفتيا أن الراجح الذي عليه أكثر العلماء أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض، وأنه إنما أفتى بخلافه لضرورة وحاجة، وأنه رجع إلى قول الجمهور لما قد ترتب على خلافه من الخروج عن العدل ومن الخيانة، وهذا الذي أشار إليه رحمه الله من الخروج عن العدل، وأكل أموال الناس بالباطل والخيانة؛ في الأمانة قد رأيناه عيانا، وسببه الإفتاء بخلاف قول الجمهور في هذه المسألة. وقد قرر رحمه الله في هذه الفتيا أن قول الجمهور أقرب إلى العدل، فلا يجوز أن ينسب إليه رحمه الله غير هذا القول المقرر هنا، والله أعلم.

انتفاء لزوم الرهن

(الرابعة): إذا استأجر إنسان أرضا للزرع ونحوه، ثم رهنه فقصرت الثمرة عن الدين والأجرة وعن الجذاذ والجزار والعامل... إلى آخره.

(فالجواب): إذا انتفى لزوم الرهن لعدم القبض أو الاستدامة تحاصوا في الثمرة وغيرها على قدر الذي لهم؛ لأن محل ذلك ذمة المدين، وتقديم أحدهم على ترجيح من غير مرجح. وما اشتهر بين الناس من تقديم العامل في الزرع ونحوه بأجرته، فلم نقف على أصل يوجب المصير إليه، والله أعلم.

جعل قيمة العروض رأس مال المضاربة

(الخامسة): إذا دفع إنسان إلى آخر عروضا مضاربة، وجعل قيمتها رأس مال المضاربة، هل يجوز هذا أم لا؟

(الجواب): يشترط في المضاربة وشركة العنان أن يكون رأس المال من النقدين أو أحدهما، وهو المذهب؛ وعنه رواية أخرى أنها تصح بالعروض، اختارها أبو بكر وأبو الخطاب وصاحب الفائق وغيرهم، قال في "الإنصاف": قلت: وهو الصواب، فعلى هذه الرواية يرجع عند المفارقة بقيمة العروض عند العقد، كما جعلنا نصابها قيمتها، وسواء كانت مثلية أو غير مثلية، والله أعلم.

فسخ المضاربة

(السادسة): إذا دفع إنسان مالا مضاربة، وعمل فيه المضارب، ثم تلف من المال شيء بخسارة أو نحوها، ثم فسخ المضارب، هل عليه أن يعمل فيه حتى يكمل رأس المال أم لا؟.

(فالجواب): ذكر في القواعد الفقهية عن ابن عقيل ما حاصله أنه لا يجوز للمضارب الفسخ حتى يتضرر رأس المال، ويعلم به ربه لئلا يتضرر بتعطل ماله عن الربح، وأن المالك لا يملك الفسخ إذا توجه المال إلى الربح ولا يسقط به حق العامل، قال: وهو حسن جار على قواعد المذهب في اعتبار المقاصد وسد الذرائع؛ ولهذا قلنا: إن المضارب إذا ضارب لآخر من غير الأول وكان عليه في ذلك ضرر رد حقه من الربح في شركة الأول. انتهى.

(أقول): مراده بقوله: "حتى يتضرر رأس المال" يعني: إذا لم ينقص، أما إذا نقص فليس على المضارب إلا تنضيض ما بقي في يده من رأس المال، لأن المضاربة عقد جائز، ولا ضمان على المضارب فيما تلف من غير تعدٍ منه ولا تفريط، والله أعلم.

إكراء الأرض والزرع

(السابعة): هل يلزم صاحب الأرض إذا أكرى أرضه أو شجره عند من يُجوِّز ذلك ما يلزمه في عقد المساقاة من سد حائط أو إجراء نهر أو لا؟ فلم أقف في هذه المسألة للعلماء رحمهم الله على نص، والله أعلم.

غنيمة المسلم مال المسلم من كافر

(الثامنة): ما حكم مال المسلم إذا أخذه الكفار الأصليون، ثم اشتراه بعض التجار ممن أخذه، ثم باعه على آخر… إلخ.

(فالجواب): أما حكم مال المسلم إذا أخذه الكفار الأصليون فذكر القاضي أبو يعلى رحمه الله: أنهم يملكونه بالقهر، وهو المذهب عنده، وقال أبو الخطاب: ظاهر كلام أحمد أنهم لا يملكونها يعني: ولو حازوها إلى دارهم، قال في "الإنصاف": وهو رواية عن أحمد اختارها الآجري وأبو الخطاب في تعليقه وابن شهاب وأبو محمد الجوزي، وجزم به ابن عبدوس في تذكرته، قال في "النظم": لا يملكونه في الأظهر، وذكر ابن عقيل في فنونه ومفرداته روايتين، وصحَّح فيها عدم الملك وصحَّحه في نهايته ابن رزين ونظمها. انتهى.

قال في الشرح: وهو قول الشافعي وابن المنذر؛ لحديث ناقة النبي ﷺ، ولأنه مال معصوم طرأت عليه يد عادية فلم تملك بها كالغصب، ولأن من لا تملك فيه غيره لا يملك ماله به أي: بالقهر كالمسلم مع المسلم، ووجه الأولى أن القهر سبب تملك به المسلم مال الكافر فملك به الكافر مال المسلم كالبيع، فعلى هذا يملكونها قبل حيازتها إلى دارهم، وهو قول مالك.

وذكر القاضي أنهم يملكونها بالحيازة إلى دارهم، وهو قول أبي حنيفة. وحكي عن أحمد في ذلك روايتان، قال ابن رجب: ونص أحمد أنهم لا يملكونها إلا بالحيازة إلى دارهم. فعليها يمتنع ملكهم لغير المنقول كالعقار ونحوه، لأن دار الإسلام ليست لهم دارا، وإن دخلوها. لكن ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن أحمد رحمه الله لم ينص على الملك ولا على عدمه، وإنما نص على أحكام أخذ منها ذلك، قال: والصواب أنهم يملكونها ملكا مقيدا لا يساوي امتلاك المسلمين من كل وجه. انتهى.

قلت: قد صرح في كتاب "الصارم" و"الفتاوى المصرية" وغيرها أن القيد المشار إليه هو إسلام آخذها، ونصه: "ولو أسلم الحربي وبيده مال مسلم قد أخذه من المسلمين بطريق الاغتنام ونحوه، كان له ملكا ولم يرده إلى الذي كان يملكه عند جماهير العلماء من التابعين ومن بعدهم؛ وهو معنى ما جاء عن الخلفاء الراشدين، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك ومنصوص أحمد، وقول جماهير أصحابنا على أن الإسلام والعهد قرر ما بيده من المال الذي كان يعتقده ملكا له فلم يؤخذ منه كجميع ما بيده من العقود الفاسدة التي كان يستحلها.

قال في الاختيارات: قال أبو العباس: وهذا يرجع إلى أن كل ما قبضه الكفار من الأموال قبضا يعتقدون جوازه فإنه يستقر لهم بالإسلام، قال: ومن العلماء من قال يرده على مالكه المسلم كالغصب؛ ولأنه لو أخذه منهم المسلم أخذا لا يملك به مسلم من مسلم بأن يغنمه أو يصرفه، فإنه يرده إلى مالكه المسلم؛ لحديث ناقة النبي ﷺ؛ وهو مما اتفق الناس عليه مما نعلمه ولو كانوا قد ملكوه لملكه الغانم منهم، ولم يرده إلى مالكه. انتهى. واختار أن الكافر يملكه بالإسلام عليه.

أقول: تأمل ما ذكره شيخ الإسلام من حجة الشافعي وموافقيه على أن الكفار لا يملكون أموال المسلمين، فلو كان الكافر يملك مال المسلم بالاستيلاء أو الحيازة إلى داره لم يرد النبي ﷺ على ابن عمر عبده وفرسه التي كان قد أخذها العدو لما ظهر عليهم المسلمون، فلو لم يكن باقيا على ملك ابن عمر لم يرد إليه، وليس لتخصيصه بذلك دون سائر المسلمين معنى غير ذلك، وعمل بذلك أصحاب رسول الله ﷺ بعده. والأحاديث بذلك مشهورة في كتب الأحكام وغيرها.

قال البخاري رحمه الله في صحيحه: (باب إذا غنم المسلمون مال المسلم ثم وجده المسلم) قال ابن نمير: أنبأنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه ذهب فرس له، فأخذه العدو، فظهر عليه المسلمون فردَّه عليه في زمن النبي ﷺ، وأبق له عبد فلحق بالروم، فظهر عليه المسلمون فرده عليه خالد بن الوليد بعد النبي ﷺ. اه. ثم ساقه متصلا.

وما استدل به القائلون بأنهم يملكونها بالقهر من أن القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر، فملك به الكافر مال المسلم، فهذا قياس مع الفارق لا يصح دليلا لو لم يكن في مقابلة الأحاديث فكيف يمنعه؟ ولو لم يكن مع الشافعي وأبي الخطاب وابن عقيل فيما صحَّحه من الروايتين، ومن وافقهم كابن المنذر إلا حديث مسلم: "أن قوما أغاروا على سرح النبي ﷺ، فأخذوا ناقته وجارية من الأنصار، فأقامت عندهم أياما، ثم خرجت في بعض الليل، قالت: فما وضعت يدي على ناقة إلا رغت حتى وضعتها على ناقة ذلول فامتطيتها، ثم توجهت إلى المدينة، ونذرت إن نجاني الله عليها أن أنحرها، فلما قدمت المدينة استعرفت الناقة، فإذا هي ناقة رسول الله ﷺ فأخذها، وقلت: يا رسول الله إني نذرت أن أنحرها. قال: بئسما جزيتها لا نذر في معصية الله." وفي رواية: "لا نذر فيما لا يملك ابن آدم". [19]

هذا هو الحديث المشار إليه فيما تقدم، وقد عرفت من كلام شيخ الإسلام المتقدم أن من العلماء من قال يرده على مالكه المسلم ولو أسلم عليه، وعزاه للشافعي وأبي الخطاب، وذكر ما يدل لهذا القول، وأنا أذكر ما يدل لهذا القول أيضا، وإن لم يذكره شيخ الإسلام وهو ما رواه [ مسلم ] في صحيحه عن وائل بن حجر قال: "كنت عند النبي ﷺ فأتاه رجلان يختصمان في أرض، فقال أحدهما: إن هذا انتزى على أرضي يا رسول الله في الجاهلية، وهو امرؤ القيس بن عابس الكندي وخصمه ربيعة بن عبدان، قال: بينتك؟. قال: ليس لي بينة، قال: يمينه. قال: إذن يذهب بها. قال: ليس لك إلا ذلك" … الحديث.

وأما حكم ما أخذه المسلمون منهم مما قد أخذوه من مال المسلم، فالجمهور من العلماء يقولون: إذا علم صاحبها قبل قسمها ردت إليه بغير شيء. قال الشارح في قول عامة أهل العلم، منهم عمر وسلمان بن ربيعة وعطاء والنخعي والليث والثوري ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وحجتهم ما تقدم من قصة ابن عمر، قال في "الشرح": وكذلك إن علم الإمام بمال مسلم قبل قسمه وجب ردُّه، وصاحبه أحق به بغير شيء، لأن قسمته صارت باطلة من أصلها، فهو كما لو لم يُقَسَّم، فإن أدركه بعد القسم ففيه روايتان، إحداهما: يكون صاحبه أحق به من الثمن الذي حسب به على آخذه؛ وكذلك إن بيع، ثم قسم ثمنه فهو أحق به من الثمن، وهذا قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي ومالك كي لا يُفضي إلى حرمان أخذه من الغنيمة، أو تضييع الثمن على المشتري، يعني: من الغنيمة وحقهما يُخيَّر بالثمن، فيرجع صاحب المال في عين ماله بمنزلة مشتري الشقص لمشفوع.

والرواية الثانية: أنه لا حق له فيه بعد القسمة بحال، نص عليه أحمد في رواية أبي داود وغيره، وهو قول عمر وسلمان وربيعة وعطاء والنخعي والليث. وقال الشافعي وابن المنذر: يأخذه صاحبه قبل القسمة وبعدها، ويعطى مشتريه ثمنه من خمس المصالح، لأنه لم يزل عن ملك صاحبه، فوجب أن يستحق بغير شيء كما قبل القسمة، ويعطى من حسبت عليه القيمة لئلا يفضي إلى حرمان أخذه حقه من الغنيمة، وجعل من سهم المصالح؛ لأن هذا منها، فإن أخذه أحد الرعية بهبة أو سرقة أو بغير شيء فصاحبه أحق به من غير شيء. وقال أبو حنيفة: لا يأخذه إلا بالقيمة، وهو محجوج بحديث ناقة النبي ﷺ المتقدم؛ ولأنه لم يحصل في يده بعوض، فصار صاحبه أحق به من غير شيء كما لو أدركه في الغنيمة قبل القسمة، فأما إن اشتراه رجل من العدو فليس لصاحبه أخذه إلا بثمنه.

وهذا كله إنما هو في الكافر الأصلي، أما المرتد فلا يملك مال المسلم بحال عند جميع العلماء، ولا يُعْلَم أحد قال به، وقد تتبعت كتب الخلاف كالمغني والقواعد والإنصاف وغيرها، فما رأيت خلافا في أنه لا يملكه، وإنما الخلاف فيما أتلفه إذا كان في طائفة ممتنعة أو لحق بدار الحرب.

والمذهب أنه يضمن ما تلف في يده مطلقا، فافهم ذلك. المرتد لا يملك مال المسلم مطلقا، فافهم ذلك.

فالمسلم يأخذ ماله من المرتد أو من انتقل إليه بعوض أو غيره بغير شيء، وما تلف في يد المرتهن من مال المسلم أو تلف عند من انتقل إليه من جهة المرتد فهو مضمون كالمغصوب.

ثم اعلم أنه قد يغلط من لا تمييز عنده في معنى التلف والإتلاف، فيظن أنه إذا استنفق المال أو باعه أو وهبه أو نحو ذلك يعد إتلافا، وليس كذلك؛ بل هذا تصرف وانتفاع. وقد فرَّق العلماء بين هذا وبين الإتلاف، ومن صور الإتلاف والتلف أن يضيعه أو يضيع أو يسرق أو يحرق أو يقتل [20] ونحو ذلك، فإن كان بفعله فهو إتلاف؛ وإن كان بغير فعله فهو بالنسبةإليه تلف يترتب عليه أحكام ما تلف بيده، وبالنسبة إلى الفاعل إتلاف؛ وضابطه فوات الشيء على وجه لا يعد من أنواع التصرفات.

إذا عرفت أن حكم المرتد يفارق حكم الكافر الأصلي، فاعلم أنه قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيمن اشترى مال مسلم من التتر لما دخلوا الشام، إن لم يعرف صاحبه صُرِفَ في المصالح وأعطي مشتريه ما اشتراه به، لأنه لم يصر لها إلا بنفقة، وإن لم يقصد ذلك. انتهى من الإنصاف.

اجتهادات العلماء في المنهوب

وسئل أيضا عمن اشترى فرسا، ثم ولدت عنده حصانا، وأخذ السلطان الفرس، وأهدى الحصان لرجل فأعطاه عوضه، ثم ظهرت الفرس أنها كانت مكسوبة نهبا من قوم، فهل يحرم ثمن الحصان؟

(فأجاب): إن كان صاحب الفرس معروفا رُدَّت إليه فرسه، ورجع المشتري بالثمن على بائعه، ويرجع عليه بقيمة الحصان، أو قيمة نصفه الذي يستحقه صاحبه لكونه غره، وإن كانت مكسوبة من التتر والعرب الذي يغير بعضهم على بعض، فيأخذ هؤلاء من هؤلاء، وهؤلاء من هؤلاء، ولم يعرف صاحبها؛ لم يحرم على مهدي الحصان عوض هديته. والله أعلم.

وقد صرَّح شيخ الإسلام رحمه الله بأن هذا المنهوب يرد إلى صاحبه، أو قيمته إن تصرف فيه، ويرجع المشتري بالثمن على البائع، وإنه إن لم يعرف صاحبه ما أخذه من التتر والعرب لم يحرم عليه عوضه، فمفهومه أنه إذا عرف صاحبه، فعوضه حرام على من اعتاض عنه لكونه ظهر مستحقا لمسلم معصوم. وهذا أيضا يفيد ما تقدم من قوله: فمن اشترى مال مسلم من التتر إن لم يعرف صاحبه صُرِفَ في المصالح… إلخ. وهو صريح في أن التتر لا يملكون مال المسلم بالاستيلاء والحيازة. ومن العلوم أن التتر من أعظم الناس كفرا لما جمعوه من المكفرات في الاعتقادات والأعمال، ومع ذلك قال شيخ الإسلام: يرد ما أخذوه لصاحبه المسلم من غير أن يدفع إلى مشتريه منهم شيئا، كما يفيده الجواب الثاني. ولم يقل فيه أنه لا يحرم على من اعتاض عن الحصان شيئا إلا بقيد عدم معرفة صاحبه بناء على أصله في الأموال التي جهلت أربابها؛ ولذلك قال في المكوس: إذا أقطعها الإمام الجند هي حلال لهم إذا جهل مستحقها.

وبهذا يظهر الجواب عن المسألة التاسعة، وهو أن ما دفع في هذه السنين من النهب والظلم يرد ما وجد منه إلى مالكه، من غير أخذ ثمن ولا قيمة، وحكم يد المشتري منهم حكم الأيدي المترتبة على يد الغاصب؛ لما تقرر من أن الخلاف إنما جرى في حق الكافر الأصلي، وأما المرتد ونحوه فالقول بأنه لا يملك مال المسلم مسألة وفاق.

قال شيخ الإسلام رحمه الله في الفتاوى المصرية ما يفهم الفرق بين الكافر الحربي والمرتد، فقال: وإذا قدر على كافر حربي فنطق بالشهادتين وجب الكف عنه، بخلاف الخارجين عن الشريعة كالمرتدين الذين قاتلهم أبو بكر رضي الله عنه والتتر وأمثال هذه الطوائف ممن نطق بالشهادة ولا يلتزم شرائع الإسلام، وأما الحربي فإذا نطق بها كفَّ عنه. وقال أيضا: ويجب جهاد الكفار، واستنقاذ ما بأيديهم من بلاد المسلمين وأموالهم بإنفاق المسلمين، ويجب على المسلمين أن يكونوا يدا واحدة على الكفار، وأن يجتمعوا ويقاتلوا على طاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله. انتهى.

فيعلم مما تقرر أن الأموال المنهوبة في هذه السنين غصوب يجري فيها حد الغصب، وما يترتب عليه، وبهذا أفتى شيخنا الشيخ عبد الله بن شيخنا الإمام رحمهما الله تعالى، وأفتى به الشيخ محمد بن علي قاضي صنعاء، وما علمت أن أحدا له أدنى ممارسة يخالف ذلك، والله أعلم.

ذبح السارق المسلم أو الكتابي المسروق مع التسمية

(العاشرة): قال السائل وجدت نقلا عن الإقناع وشرحه إذا ذبح السارق المسلم أو الكتابي المسروق مسميا حل لربه ونحوه أكله، ولم يكن ميتة كالمغصوب. انتهى. قال السائل: وهل هذا إلا مغصوب ويعارضه حديث عاصم بن كليب عن أبيه… إلخ.

(الجواب): لا معارضة إذ ترك رسول الله ﷺ الأكل منها لا يدل على أنها ميتة من وجوه، منها: أنها ليست ملكا لهم ولا لمن ذبحها، فهي وإن حرمت عليهم لا تحرم على مالكها، ولا من أذن له مالكها في الأكل منها. ويحتمل أنه ترك الأكل منها تنزُّها، ويدل على حلها بهذه الزكاة قوله: أطعمتها الأسارى) وهو لا يطعهم ميتة، وقوله: "كالمغصوب" راجع لقوله حلالا لا لقوله ميتة شبهه بذبح الحيوان المغصوب في الحل لا في الحرمة، والله أعلم. قاص أو جازفه في الدين

(الحادية عشرة): إذا كان لإنسان على آخر دين من طعام ونحوه، فأشفق في الوفاء، فطلب غريمه أن يعطيه الثمرة عماله في ذمته، فهل يجوز ذلك أم لا.

(فالجواب) وبالله التوفيق: قال البخاري رحمه الله في صحيحه باب إذا قاص أو جازفه في الدين، فهو جائز -زاد في رواية كريمة- تمرا بتمر وغيره)وساق حديث جابر أن أباه توفي، وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود، فاستنظره جابر فأبى أن ينظره، وكلم رسول الله ﷺ ليشفع له إليه فجاء رسول الله ﷺ فكلم اليهودي ليأخذ ثمر نخله بالذي له فأبى، الحديث. وبه استدل ابن عبد البر وغيره من العلماء على جواز أخذ الثمر على الشجر عما في ذمته، إذا علم أنه دون حقه إرفاقا بالمدين، وإحسانا إليه وسماحة بأخذ الحق ناقصا.

وترجم البخاري رحمه الله بهذا الشرط فقال: إذا قضى دون حقه أو حلَّله فهو جائز)، وساق حديث جابر أيضا، فأما إذا كان يحتمل أنه دون حقه أو مثله أو فوقه، فهذا غير جائز أن يأخذ عما في الذمة شيئا مجازفة أو خرصا، لا سيما إذا كان دين سَلَمٍ لما في البخاري وغيره عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ومضمون" [21] هذا الحديث عام، وبه أخذ الجمهور، وقد يقال: إن قضية جابر قضية عين لا عموم لها، ويترجَّح المنع بهذا سدا للذريعة، لا سيما في هذه الأوقات لكثرة الجهل والجراءة بأدنى شبهة، والله أعلم.

الباطل والفاسد عند الأصوليين

(الثانية عشرة): ما حكم الباطل والفاسد عند الأصوليين

(الجواب): هما مترادفان عند الأصوليين والفقهاء من الحنابلة والشافعية، وقال أبو حنيفة: إنهما متباينان، فالباطل عنده ما لم يشرع بالكلية كبيع المضامين والملاقيح، والفاسد ما شرع أصله، ولكن امتنع لاشتماله على وصف محرم كالربا. وعند الجمهور كل ما كان منهيا عنه إما لعينه أو وصفه ففاسد وباطل؛ لكن ذهب بعض الفقهاء من الحنابلة إلى التفرقة بين ما أجمع على بطلانه وما لم يجمع على بطلانه، فعبروا عن الأول بالباطل، وعن الثاني بالفاسد، لتمييز هذا من هذا، لكون الثاني يترتب عليه أحكام الصحيح غالبا، أو أنهم قصدوا الخروج من الخلاف في نفس التعبير، لأن من عادة الفقهاء أهل المذهب مراعاة الخروج من الخلاف. وبعضهم يعبر بالباطل عن المختلف فيه مراعيا للأصل، ولعل من فرَّق بينهما في التعبير لا يمنع من تسمية المختلف فيه باطلا، فلا اختلاف. ومثل ذلك خلافهم في الفرض، والواجب، قال في القواعد الأصولية: "نهما مترادفان شرعا في أصح الروايتين عن أحمد، اختارها جماعة منهم ابن عقيل، وقاله الشافعية. وعن أحمد الفرض آكد اختارها جماعة، وقاله الحنفية. فعلى هذه الرواية الفرض: ما ثبت بدليل مقطوع به، وذكره ابن عقيل عن أحمد، وقيل: ما لا يسقط في عمد ولا سهو. وحكى ابن عقيل عن أحمد رواية: أن الفرض ما لزم بالقرآن، والواجب ما كان بالسنة، وفائدة الخلاف أنه يثاب على أحدهما أكثر، وأن طريق أحدهما مقطوع به، والآخر مظنون، ذكره القاضي، وذكرهما ابن عقيل على الأول، قال غير واحد: والنزاع لفظي. وعلى هذا الخلاف ذكر الأصحاب مسائل فرَّقوا فيها بين الفرض والواجب، والله أعلم وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا.

الاستدانة لأجل وتزييد الفائدة بالتأخير

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه أستعين

(مسألة) في رجل أراد الاستدانة من رجل فقال: أعطيك كل مائة بكسب كذا. وتبايعا بينهما شيئا من عروض التجارة؛ فلما استحق الدين طالبه بالدين، فعجز عنه فقال: اقلب علي الدين بكسب كذا وكذا في المائة، وتبايعا بينهما عقارا، وفي آخر كل سنة يفعل معه مثل ذلك، وفي جميع المبايعات غرضهم الحلال. فصار المال عشرة آلاف درهم، فهل يحل لصاحب الدين مطالبة الرجل بما زاد في هذه المدة الطويلة؟ وهل لولي الأمر إنكار ذلك أم لا؟

(فالجواب): قول القائل لغيره: أدينك كل مائة بكسب كذا وكذا حرام. وكذلك إذا حل الدين عليه وكان معسرا، فإنه يجب إنظاره؛ ولا يجوز إلزامه بالقلب عليه باتفاق المسلمين. وبكل حال فهذه المعاملة وأمثالها من المعاملات التي يقصد بها بيع الدراهم بأكثر منها إلى أجل هو معاملة فاسدة ربوية، والواجب رد المال المقبوض فيها، إن كان باقيا، وإن كان فانيا رد مثله؛ ولا يستحق الدافع أكثر من ذلك. وعلى ولي الأمر المنع من هذه المعاملات الربوية، وعقوبة من يفعلها، ورد الناس فيها إلى رؤوس أموالهم دون الزيادات؛ فإن هذا من الربا الذي حرَّمه الله ورسوله، وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.

تحريم الربا

(مسألة) في تحريم الربا وما يفعل من المعاملات بين الناس اليوم ليتوصلوا بها إلى الربا، وإذا حل الدين يكون المديون معسرا، فيقلب الدين في معاملة أخرى بزيادة مال، وما يلزم ولاة الأمور في هذا؟ وهل يرد على صاحب المال رأس ماله دون ما زاد في معاملة الربا؟

(الجواب): المراباة حرام بالكتاب والسنة والإجماع، وقد (لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، ولعن المحلل والمحلل له)، قال الترمذي: حديث صحيح؛ فالاثنان ملعونان. وكان أصل الربا في الجاهلية أن الرجل يكون له على الرجل المال المؤجَّل، فإذا حلَّ الأجل قال له: أتقضي أم تربي؟ فإن وفَّاه وإلا زاد هذا في الأجل، وزاد هذا في المال؛ فيتضاعف المال والأصل واحد؛ وهذا الربا حرام بإجماع المسلمين.

وأما إذا كان هذا هو المقصود، ولكن توسلوا بمعاملة أخرى فهذا تنازع فيه المتأخرون من المسلمين، وأما الصحابة فلم يكن فيهم نزاع أن هذا محرم؛ فإنما الأعمال بالنيات، والآثار عنهم بذلك كثيرة مشهورة. والله تعالى حرَّم الربا لما فيه من ضرر المحتاجين وأكل المال بالباطل، وهو موجود في المعاملات الربوية. وأما إذا حلَّ الدَّيْن، وكان الغريم معسرا لم يجز بإجماع المسلمين أن يقلب بالقلب لا بمعاملة ولا غيرها، بل يجب إنظاره، وإن كان موسرا، كان عليه الوفاء؛ فلا حاجة إلى القلب لا مع يساره، ولا مع إعساره، والواجب على ولاة الأمور بعد تعزير المتعاملين بالمعاملة الربوية بأن يأمروا المدين أن يؤدي رأس المال، ويسقطوا الزيادة الربوية؛ فإن كان معسرا وله مغلات يوفَّي منها، وُفِّيَ دينه منها بحسب الإمكان، والله أعلم.

المتاجرة بالعملة

(مسألة) فيمن اشترى الفلوس أربعة عشر قرطاسا بدرهم ويصرفها ثلاثة عشر بدرهم، هل يجوز؟

(الجواب): إذا كان يصرفها للناس بالسعر العام جاز ذلك، وإن اشتراها رخيصة. وأما من باع سلعة بدراهم، فإنه لا يجب عليه أن يقتص عن شيء منها فلوسا إلا باختياره، وكذلك من اشتراها بدراهم فعليه أن يوفيها دراهم؛ فإن تراضيا على التعويض عن الثمن أو بعضه بفلوس بالسعر الواقع، جاز، والله أعلم.

التفاضل في الربوي للحاجة وانتفاء الضرر

(مسألة) في بيع الأكاديس الإفرنجية بالدراهم الإسلامية مع العلم بأن التفاوت بينهما يسير لا يقوم بمؤنة الضرب، بل فضة هذه الدراهم أكثر، هل تجوز المقايضة بينهما أم لا؟

(الجواب): هذه المقايضة تجوز في أظهر قولي العلماء، والجواز فيه له مأخذان، بل ثلاثة: أحدها: أن هذه الفضة معها نحاس، وتلك فضة خالصة، والفضة المقرونة بالنحاس أقل، فإذا بيع مائة درهم من هذه بسبعين مثلا من الدراهم الخالصة، فالفضة التي في المائة أقل من سبعين، فإذا جعل زيادة الفضة بإزاء النحاس جاز على أحد قولي العلماء الذين يجوزون مسألة (مد عجوة) كما هو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، وهي أيضا مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه، إذا كان الربوي تبعا لغيره كما إذا باع شاة ذات لبن بلبن، أو دارا مموَّهة بالذهب بذهب، والسيف المحلى بفضة بفضة أو ذهب، ونحو ذلك. والذين منعوا عن مسألة (مد عجوة) وهو بيع الربوي بجنسه إذا كان معهما، أو مع أحدهما من غير جنسه قد علَّله طائفة منهم من أصحاب الشافعي وأحمد بأن الصفقة إذا اشتملت على عوضين مختلفين انقسم الثمن عليهما بالقيمة، وهذه علة ضيقة؛ فإن الانقسام إذا باع شقصا مشفوعا، وما ليس بمشفوع كالعبد والسيف والثوب إذا كان لا يحل عاد الشريك إلى الأخذ بالشفعة، فأما انقسام الثمن بالقيمة لغير حاجة فلا دليل عليه. والصحيح عند أكثرهم كون ذلك ذريعة إلى الربا، بأن يبيع ألف درهم في كيس بألفي درهم، ويجعل الألف الزائدة في مقابلة الكيس كما يجوِّز ذلك من يجوِّزه من أصحاب أبي حنيفة. والصواب في مثل هذا أنه لا يجوز، لأن المقصود بيع دراهم بدراهم متفاضلة، فمتى كان المقصود ذلك حرم التوسل إليه بكل طريق، فإنما الأعمال بالنيات. وكذلك إذا لم يعلم مقدار الربوي، بل يخرص خرصا مثل القلادة التي بيعت يوم خيبر، وفيها خرز مغلف بذهب فقال النبي ﷺ: "لا تباع حتى تُفَصَّل"، [22] فإن تلك القلادة لما فصلت كان ذهب الخرز أكثر من ذلك الذهب المفرد فنهى النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- عن بيع هذا بهذا حتى تفصل، لأن الذهب المفرد يجوز أن يكون أنقص من الذهب المقرون؛ فيكون قد باع ذهبا بذهب مثله، وزيادة خرز، وهذا لا يجوز.

وإذا علم المأخذ فإذا كان المقصود بيع دراهم بدراهم مثلها، وكان المفرد أكثر من المخلوط كما في الدراهم الخالصة بالمغشوشة بحيث تكون الزيادة في مقابلة الخلط، لم يكن في هذا من مفسدة الربا شيء، إذ ليس المقصود بيع دراهم بدراهم أكثر منها، ولا هو بما يحتمل أن يكون فيه ذلك؛ فيجوز التفاوت.

(المأخذ الثاني): مأخذ من يقول يجوز بيع الربوي بالربوي على سبيل التحري والخرص عند الحاجة إلى ذلك إذا تعذر الكيل أو الوزن، كما يقول ذلك مالك والشافعي وأحمد في بيع العرايا بخرصها كما مضت فيه السنة في جواز الرطب بالتمر خرصا لأجل الحاجة. ويجوز ذلك في كل الثمار في أحد الأقوال في مذهب أحمد وغيره، وفي الثاني: لا يجوز، وفي الثالث: يجوز في العنب والرطب خاصة، كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي، وكما يقول نظير ذلك مالك وأصحابه في بيع الموزون على سبيل التحري عند الحاجة، كما يجوز بيع الخبز بالخبز على وجه التحري. وجوَّزوا بيع اللحم باللحم على وجه التحري في السفر، قالوا: لأن الحاجة تدعو إلى ذلك ولا ميزان عندهم؛ فيجوز كما جازت العرايا؛ وفرَّقوا بين ذلك وبين الكيل، فإن الكيل ممكن ولو بالكف. وإذا كانت السنة قد مضت بإقامة التحري والاجتهاد مقام العلم بالكيل أو الوزن عند الحاجة، فمعلوم أن الناس يحتاجون إلى بيع هذه الدراهم المغشوشة بهذه الخالصة، وقد عرفوا مقدار ما فيها من الفضة بإخبار أهل الضرب وإخبار الصيارفة وغيرهم ممن سبك هذه الدراهم، وعرف قدر ما فيها من الفضة، فلم يبق في ذلك جهل مؤثر، بل العلم بذلك أظهر من العلم الخرص أو نحو ذلك.

وهم إنما مقصودهم دراهم بدراهم بقدر نصيبهم، ليس مقصودهم أخذ فضة زائدة، ولو وجدوا من يضرب لهم هذه الدراهم فضة خالصة من غير اختيارهم بحيث تبقى في بلادهم لفعلوا ذلك، وأعطوه أجرته؛ فهم ينتفعون لما يأخذونه من الدراهم الخالصة، ولا يتضررون بذلك، وكذلك أرباب الخالصة إذا أخذوا هذه الدراهم فهم ينتفعون بذلك لا يتضررون. وهذا مأخذ ثالث يبين الجواز، وهو أن الربا إنما حرم لما فيه من أخذ الفضل، وذلك ظلم يضر المعطي، فحرم لما فيه من الضرر، وإذا كان كل من المتقايضين مقايضه أنفع له من كسر دراهمه، وهو إلى ما يأخذه محتاج كان ذلك مصلحة لهما هما يحتاجان إليها، والمنع من ذلك مضرة عليهما؛ والشارع لا ينهى عن المصالح الراجحة، ويوجب المضرة المرجوحة كما قد عرف ذلك من أصول الشرع. وهذا كما أن من أخذ السفتجة من المقرض، وهو أن يقرضه دراهم يستوفيها منه في بلد آخر، مثل أن يكون المقرض غرضه حمل دراهم إلى بلد آخر، والمقترض له دراهم في ذلك البلد، وهو محتاج إلى دراهم في بلد المقرض، فيقترض منه في بلد دراهم المقرض، ويكتب له سفتجة أي: ورقة إلى بلد فيها دراهم المقترض، فهذا يجوز في أصح قولي العلماء، وقيل: ينهى عنه؛ لأنه قرض جرَّ منفعة والقرض إذا جر منفعة كان ربا. والصحيح الجواز لأن المقترض رأى النفع بأمن خطر الطريق إلى نقل دراهمه إلى ذلك، وقد انتفع المقرض أيضا بالوفاء في ذلك البلد، وأمن خطر الطريق إذا نقل دراهمه إلى بلد دراهم المقترض؛ فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض؛ والشارع لا ينهى عما ينفع الناس ويصلحهم ويحتاجون إليه، وإنما ينهى عما يضرهم ويفسدهم، وقد أغناهم الله عنه، والله أعلم.

الأكل بعوض

(مسألة) في جندي له أقطاع، ويجيء عند فلاحيه فيطعمونه، هل يأكل؟

(الجواب): إذا أكل وأعطاهم عوض ما أكل فلا بأس، والله أعلم.

الأموال المكسوبة من الخمر والحشيش

(مسألة) في الأموال المكسوبة من الخمر والحشيش، هل يأكلها الفقير أو أعوان ولي الأمر؟

(الجواب): المال المكسوب من الخمر والحشيشة يتصدق به، وإذا تصدق به جاز للفقير أكله، ويجوز أن يعطيه ولي الأمر لأعوانه، والله أعلم.

العمل في المكان المغصوب

(مسألة): في رجل يطحن في طواحين السلطان يستأجرها، وهو يعلم أن بعضها ما هو غصب، وفي رجل يعمل في زرع السلطان، هل نصيبه منه حلال أو ما يكسبه الأول من الطاحون؟

(الجواب): أما الأراضي السلطانية والطواحين السلطانية التي يعلم أنها مغصوبة، فيجوز للإنسان أن يعمل فيها مزارعة بنصيب من الزرع، ويجوز أن يستأجرها، ويجوز أن يعمل فيها بأجرته مع الضامن. وأما إذا علم أنها مغصوبة، ولم يعرف لها مالك معين، فهذه فيها نزاع؛ والأظهر أنه يجوز العمل فيها، إذا كان العامل لا يأخذ إلا أجرة عمله، فإنه حينئذ لا يكون قد ظلم أحدا شيئا. والعمل فيها خير من تعطيلها على كل تقدير، وهذا إن أمكن أن ترد إلى أصحابها وإلا صرفت في مصالح المسلمين، والمجهول كالمعدوم. وأما إذا عرف أن للأرض مالكا معينا، وقد أخذت منه بغير حق، فلا يعمل فيها بغير إذنه، أو إذن وليه، أو وكيله، والله أعلم.

القصاص من السكران

(مسألة) في رجل أمسك رجلا، وقدمه لرجل سكران بيده سيف، فضربه السكران، فقتل. هل يلزم الذي أمسكه (القود) أم لا؟

(الجواب): يجب القود على هذا الذي أمسكه وقدمه إلى الذي ضربه بالسيف حتى مات في أظهر قولي العلماء، كما هو قول مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه، والله أعلم.

صيال البهائم

(مسألة) في راكب فرس مسربة دباب، ومعه دب فجعل الفرس، ورأى راكبه، ثم هرب ورأى رجلا، فمات؟

(الجواب): لا ضمان على صاحب الفرس، والحال هذه لكن الدباب عليه العقوبة، والله أعلم.

قتل الجماعة بالواحد

(مسألة) في ثلاثة من اللصوص أخذ اثنان منهم مالا، والثالث قتل الجمال هل تقتل الثلاثة؟

(الجواب) إذا كان الثلاثة حرامية اجتمعوا ليأخذوا المال بالمحاربة قتل الثلاثة، وإن كان الذي باشر القتل واحدا منهم، والله أعلم. [23]

سرق كيل غلة وبذره ولم يعرف مالكه

(مسألة) فيمن سرق كيل غلة وبذره ولم يعرف مالكه، هل يجوز له الزرع كله؟

(الجواب): أما مقدار الزرع فيتصدق به بلا ريب، وأما الزيادة ففيها نزاع، وأعدل الأقوال أن يجعل ذلك مزارعة، فيأخذ نصيبه، ونصيب البذر يتصدق به عنه، والله أعلم.

اختلاط الحرام بالحلال

(مسألة) في رجل يختلط ماله الحلال بالحرام؟

(الجواب): يخرج قدر الحرام بالميزان فيدفعه إلى صاحبه، وقدر الحلال حلاله، وإن لم يعرفه أو تعذرت معرفته تصدق به عنه، والله أعلم.

زكاة الإبل

(مسألة) في الرجل له جمال، ويشتري لها أيام الرعي مرعى، هل فيها زكاة؟

(الجواب): إذا كانت راعية أكثر الحول مثل أن يشتري لها المرعى ثلاثة أشهر أو أربعة فإنه يزكيها، هذا أظهر قولي العلماء.

زكاة الزروع

(مسألة) في مقطع له فلاح، والزرع بينهما مناصفة، فهل عليه عشر؟

(الجواب): ما ثبت على ملك الإنسان فعليه عشره، فالأرض المقطعة إذا كانت المقاسمة نصفين فعلى الفلاح تعشير نصفه، وعلى المقطع تعشير نصفه، هذا على القول الصحيح الذي عليه عمل المسلمين قديما وحديثا، وهو قول من قال إن المزارعة صحيحة سواء كان البذر من المالك أو من العامل، وأما من قال إن المزارعة باطلة فعنده لا يستحق المقطع إلا أجرة المثل أو الزرع كله لرب البذر العامل، وحينئذ فالعشر كله على العامل، فإن أراد المقطع أن يأخذ نصف المغل مقاسمة، ويجعل العشر كله على صاحب النصف الآخر لم يكن له هذا باتفاق العلماء، والله أعلم.

زكاة المال

(مسألة) في رجل تحت يده مال فوق النصاب فأخرج منه شيئا من زكاة الفرض ظنا منه أنه قد حال عليه الحول، ثم تبين أنه لم يحل الحول فيمن يخرج الزكاة، وفي نفسه إذا كان الحول حال فهي زكاة، وإلا تكون سلفا على ما يجب بعد، هل يجزي في الصورتين؟.

(الجواب): نعم يجب ذلك من الزكاة في الصورتين جميعا إذا وجبت الزكاة، والله أعلم.

بيع الآبق

(مسألة) في مملوك لشخص مسلم مقيم في بلاد التتر، ثم إن المملوك هرب من عند أستاذه من تلك البلاد، وجاء إلى بلاد الشام، وهو في الرق. والآن المملوك يختار البيع، فهل يجوز لأحد أن يبيعه ليحفظ ثمنه لأستاذه، ويوصل ذلك إليه أم لا؟

(الجواب): نعم يجوز إذا كان في رجوعه إلى تلك البلاد ضرر عليه في دينه أو دنياه، فإنه يباع في هذه البلاد بدون إذن أستاذه، والله أعلم.

مشيئة الله

(مسألة) في أقوام يقولون: المشيئة، مشيئة الله في الماضي والمستقبل. وأقوام يقولون: المشيئة في المستقبل لا في الماضي، ما الصواب؟

(الجواب): الماضي مضى بمشيئة الله، والمستقبل لا يكون إلا أن يشاء الله؛ فمن قال في الماضي إن الله خلق السماوات إن شاء الله أو أرسل محمدا إن شاء الله، فقد أخطأ، ومن قال خلق الله السماوات بمشيئة الله وأرسل محمدا بمشيئة الله ونحو ذلك فقد أصاب. ومن قال إنه يكون في الوجود شيء بدون مشيئة الله فقد أخطأ، ومن قال: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن: فقد أصاب. وكل ما تقدم فقد كان بمشيئة الله قطعا؛ فالله خلق السماوات بمشيئته قطعا، وأرسل محمدا بمشيئته قطعا، والإنسان الموجود خلْق الله بمشيئته قطعا؛ وإن شاء الله أن يغير المخلوق من حال إلى حال فهو قادر على ذلك، فما خلقه فقد كان بمشيئته قطعا، وإن شاء الله أن يغيره غيره بمشيئته قطعا؛ والله أعلم.

التحايل على القصاص والدية

(مسألة) في طائفة تسمى العشير قيس ويمن يكثر القتل بينهم ولا يبالون به، وإذا طلب منهم القاتل أحضروا شخصا غير القاتل يتفقون معه على أن يعترف بالقتل عند ولي الأمر، فإذا اعترف جهزوا إلى المتولي مَنْ يدعي أنه من قرابة المقتول ويقول: أنا قد أبرأت هذا القاتل مما استحقه عليه؛ ويجعلون ذلك ذريعة إلى سفك الدماء وإقامة الفتن، فإذا رأى ولي الأمر وضع دية المقتول الذي لا يعرف قاتله من الطوائف الذين أثبت أسماءهم في الديوان على جميع الطوائف منهم، هل له ذلك أم لا؟ أو رأى وضع ذلك على أهل محلة القاتل كما نقل بعض الأئمة رضي الله عنهم؟ أو رأى تعزير هؤلاء العشير عند إظهارهم الفتن وسفك الدماء والعناد بوضع مال عليهم يؤخذ منهم ليكف نفوسهم العادية عن ذلك كله، فهل ذلك صحيح أم لا؟ وهل يثاب على ذلك؟ أفتونا مأجورين.

(فأجاب) الحنفي عن هذا السؤال بانقسامه على أهل المحلة التي وجد فيها قتيل لم يعرف قاتله، ووضع الدية عليهم دون التعزير بأخذ الأموال.

(وأجاب الشيخ) أيده الله: الحمد لله، إذا عرف القاتل فلا توضع الدية على أهل مكان المقتول باتفاق الأئمة، وإذا لم يعرف قاتله لا ببينة ولا إقرار ففي مثل هذا تُشرع القسامة، فإذا كان هناك لوث حلف المدعون خمسين يمينا عند الجمهور مالك والشافعي وأحمد كما ثبت عن النبي ﷺ في قصة القتيل الذي وجد بخيبر، فإن لم يحلفوا حلف المدعى عليه. ومذهب أبي حنيفة يحلف المدعى عليهم أولا؛ فإن مذهبه أن اليمين لا تكون إلا في جانب المدعى عليه.

والجمهور يقولون: هي في جنبه أقوى المتداعيين، فأما إذا عرف القاتل، فإن كان قتله لأخذ مال فهو محارب يقتله الإمام حدا، وليس لأحد أن يعفو عنه لا أولياء المقتول ولا غيرهم، وإن قتل لأمر خاص، فهذا أمره إلى أولياء المقتول، فإن عفوا عنه... [24] وللإمام في مذهب مالك أن يجلده مائة جلدة ويحبسه سنة، فهذا التعزير يُحَصِّلُ المقصود.

وعلى هذا، فإن كان أولياء المقتول قد رضوا بقتل صاحبهم فلا أرغم الله إلا بآنافهم، وإذا قيل: توضع الدية في بعض الصور على أهل المكان مع القسامة، فالدية لورثة المقتول لا لبيت المال، ولم يقل أحد من الأئمة: إن دية المقتول لبيت المال، وكذلك لا توضع الدية بدون قسامة باتفاق الأئمة.

وهؤلاء المعروفون بالفتن والعناد، لولي الأمر أن يمسك منهم مَنْ عرف بذلك فيحبسه، وله أن ينقله إلى أرض أخرى ليكف بذلك عدوانه، وله أن يعزر أيضا مَنْ ظهر الشر منه بما يكف به شره وعدوانه. ففي العقوبات الجارية على سنن العدل والشرع ما يعصم الدماء والأموال، ويغني ولاة الأمور عن وضع جنايات تفسد العباد والبلاد.

ومن اتُّهِمَ بقتلٍ وكان معروفا بالفجور، فلولي الأمر عند طائفة من العلماء أن يعاقبه تعزيرا على فجوره وتقريرا له؛ وبهذا وأمثاله يحصل مقصود السياسة العادلة. والله أعلم.

فائي يأخذ منه رؤساء القرى شيئا يضيفون به المنقطعين وغيرهم

(مسألة) في رجل فائي يأخذ منه رؤساء القرى شيئا يضيفون به المنطعين وغيرهم ويجبون من المساكين والأرامل مالا فيعطونه، هل يكون حلالا أم حراما؟

(الجواب): إذا اشتروا منهم شيئا وأعطوهم ثمنه من مال يعلمون أنه مغصوب أخذ من أصحابه ظلما، لم يكن لهم أن ينتفعوا به؛ لكن هذا المال إذا اشتروا لهم به ما يطلبونه منهم، لم يكن عليهم منه شيء، إذا كانوا مكرهين على ذلك. فينبغي لمن يتقي أن يظلم وأن يظلم إن اشترى المظلمة بأموالهم ما يطلبونه منه لئلا يظلم غيره، ولا يكون هو مظلوما وهو مكره على هذا العمل. ومع هذا فالمال الذي جمعوه من الناس، وقد تعذر رده على أصحابه إذا أعطوه للفائي عوضا مما أخذوه منه بغير اختياره فهو أحق به ممن يعطاه من غير معاوضة، والظالم في الحقيقة هو الذي أخذ الأموال بغير حق، لا من أخذ عوض ماله من مال لا يعلم له مستحقا معينا، والله أعلم.

(مسألة) في نوبة الوكلاء والشحاني يحفظ الغلال على الفلاحين، هل هي حلال؟

(الجواب): إذا كان يحفظ الزرع لصاحب الأرض والفلاح، فله أجرته عليها، فإذا كانت المؤونة التي يأخذها من الفلاح بقدر حقه عليه: فلا بأس، والله أعلم

أخذ الزكاة ممن ليس عنده نصاب

(مسألة) في قرية بها فلاحون، وهي نصفان: أحد فلاحي النصفين له غنم تجب فيها الزكاة؛ والنصف الآخر ليس لفلاحيه غنم قدر ما تجب فيه الزكاة؛ فألزم الإمام أهل القرية بزكاة الغنم على الفلاحين، فهل تجب على من له النصاب؛ وإذا وجبت عليه فهل يجوز للإمام أن يأخذ ممن ليس له نصاب؟

(الجواب): تجب إن كان المطلوب هو مقدار ما فرضه الله على من تجب عليه الزكاة اختصوا بأدائه، وإن كان المطلوب فوق الواجب على سبيل الظلم، اشترك فيه الجميع بحسب أموالهم. والله أعلم.

سامري ضرب مسلما وشتمه

(مسألة) في سامري ضرب مسلما وشتمه.

(الجواب) تجب عقوبته عقوبة بليغة تردعه وأمثاله، والله أعلم.

رجل استأجر قطع أرض وقف وغرس فيها غراسا ومضت مدة الاستئجار

(مسألة) في رجل استأجر قطع أرض وقف وغرس فيها غراسا، وأثمر؛ ومضت مدة الاستئجار، فأراد نظار الوقف قلع الغراس، فهل لهم ذلك، أو أجرة المثل، وهل يثاب ولي الأمر على مساعدته؟

(الجواب): ليس لأهل الأرض قلع الغراس بل لهم المطالبة بأجرة المثل، أو تملك الغراس بقيمته، أو ضمان نقصه إذا قلع. وما دام باقيا فعلى صاحبه أجرة مثله، وعلى ولي الأمر منع الظالم من ظلمه، والله أعلم.

حديث من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاقتلوه

(مسألة) في قوله عليه السلام: "من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه" [25] هل لهذا الحديث أصل؟ ومَنْ رواه؟

(الجواب): نعم له أصل، وهو مروي من وجوه متعددة، وهو ثابت عند أهل الحديث؛ لكن أكثر العلماء يقولون: هو منسوخ، وتنازعوا في ناسخه على عدة أقاويل: ومنهم من يقول: بل حكمه باق، وقيل: بل الوجوب منسوخ، والجواز باقٍ، وقد رواه أحمد والترمذي وغيرهما ورواه ابن ماجه، ولا أعلم أحدا قدح فيه. [26] والله أعلم.

هل يصح للشريك شفعة

(مسألة) في رجل له ملك وله شركة فيه فاحتاج إلى بيعه، فأعطاه إنسان فيه شيئا معلوما فباعه، فقال: زن لي ما قلت فنقصه بغير المثل، فهل يصح للشريك شفعة أم لا؟ وهل يصح شفعة أم لا؟

(الجواب): إذا باعه بثمن معلوم كان على المشتري أداء ذلك الثمن، وإن كان البيع فاسدا قد فات كان عليه قيمة مثله. وإذا كان الشقص مشفوعا فللشريك فيه الشفعة، والله أعلم.

أكرهها زوجها على إبرائه من الصداق

(مسألة) في بنت يتيمة تحت الحجر مزوجة، قال لها الزوج: أبرئيني من صداقك وأنت طالق ثلاثا، فمن شدة الضرب والفزع وهبته. ثم رجعت فندمت، هل لها أن ترجع ولا يحنثان أم لا؟

(الجواب): إذا أكرهها على الهبة أو كانت تحت الحجر لم تصح الهبة، ولم يقع الطلاق، والله أعلم.

زوجت بإذنها وإذن أخيها وسنها اثنتا عشرة سنة

(مسألة) في بنت يتيمة ليس لها أب، ولا لها وليٌّ إلا أخوها وسنها اثنتا عشرة سنة، ولم تبلغ الحلم، وعقد عليها أخوها بإذنها فهل يجوز ذلك أم لا؟

(الجواب): بل هذا العقد صحيح في مذهب أحمد المنصوص عنه في أكثر أجوبته الذي عليه عامة أصحابه، ومذهب أبي حنيفة أيضا؛ لكن أحمد في المشهور عنه يقول: إذا زوجت بإذنها وإذن أخيها لم يكن لها الخيار إذا بلغت. وأبو حنيفة، وأحمد في رواية يقول: تُزَوَّجُ بلا إذنها، ولا لها الخيار إذا بلغت، وهذا أحد القولين في مذهب مالك أيضا؛ ثم عنه رواية: إن دعت حاجة إلى نكاحها، ومثلها يوطأ جاز، وقيل: تزوج ولها الخيار إذا بلغت، وقال ابن بشر: اتفق المتأخرون أنه يجوز نكاحها إذا خيف عليها الفساد. والقول الثالث: وهو قول الشافعي وأحمد في رواية، ومالك في الرواية الأخرى أنها لا تُزوَّجُ حتى تبلغ إذا لم يكن لها أب وجد؛ قالوا: لأنه ليس لها ولي مجبر، وهي في نفسها الإذن لها بعد البلوغ، فتعذر تزويجها بإذنها وإذن وليها. والقول الأول أصح بدلالة الكتاب والسنة والاعتبار؛ فإن الله تعالى يقول: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا}.

وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن هذه الآية نزلت في اليتيمة تكون في حِجر وليها، فإن كان لها مال وجمال تزوجها، ولم يُقْسِط في صداقها، وإن لم يكن لها مال لم يتزوجها، فنهي أن يتزوجها حتى يقسط في صداقها من أجل رغبته عن نكاحها إذا لم يكن لها مال.

وقوله: {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} يفتيكم ويفتيكم في المستضعفين، فقد أخبرت عائشة في هذا الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم أن هذه الآية نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها، وأن الله أذن له في تزويجها إذا أقسط في صداقها، وقد أخبر أنها في حجره، فدل على أنها محجور عليها.

وأيضا فقد ثبت في السنن من حديث أبي موسى وأبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تنكح اليتيمة حتى تستأذن، فإن سكتت فقد أذنت، وإن أبت فلا جواز عليها" [27] فجَوَّز تزويجها بإذنها، ومنعه بدون إذنها، وقد قال ﷺ: "لا يُتْمَ بعد احتلامٍ" [28] ولو أريد باليتيم ما بعد البلوغ فبطريق المجاز؛ فلا بد أن يعم ما قبل البلوغ وما بعده، أما تخصيص لفظ يتيم بما بعد البلوغ فلا يحتمله اللفظ بحال

ولأن الصغير المميز يصح لفظه مع إذن وليه، كما يصح إحرامه بالحج بإذن الولي، وكما يصح تصرفه في البيع وغيره بإذن وليه عند أكثر العلماء كما دل ذلك القرآن بقوله: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} الآية، فأمر بالابتلاء قبل البلوغ وذلك قد لا يتأتى إلا بالبيع، ولا تصح وصيته وتدبيره عند الجمهور وكذلك إسلامه، كما يصح صومه وصلاته وغير ذلك لما له في ذلك من المنفعة، فإذا زوجها الولي بإذنها من كفء جاز، وكان هذا تصرفا بإذنها، وهو مصلحة لها، وكل واحد من هذين مُصَحح لتصرف المميز. والله أعلم.

سألها الهبة ثم طلقها هل لها الرجوع في الهبة

(مسألة) في رجل طلق زوجته وسألها الصلح فصالحها وكتب لها دينارين، فقال لها: هبيني الدينار الواحد فوهبته؛ ثم طلقها. فهل لها الرجوع في الهبة والحال هذه؟

(الجواب): نعم لها أن ترجع فيما وهبته والحال هذه؛ فإنه سألها الهبة، وطلقها مع ذلك، وهي لم تطب نفسها أن يأخذ مالها بسؤالها ويطلقها. والله أعلم.

الوكالة في قبض الدين والإبراء منه

(مسألة) في رجل وَكَّلَ رجلا على قبض ديون له، ثم صرفه وطالبه لما بقي عليه، ثم إن الوكيل المتصرف كتب مبارأة بينه وبين من عليه الدين بغير أمر الموكل، فهل يصح الإبراء؟

(الجواب): إن لم يكن في وكالته إثبات ما يقتضي أنه مأذون له في الإبراء، لم يصح إبراؤه من دين هو ثابت للموكل، وإن كان أقر بالإبراء قبل إقراره فيما هو وكيل فيه، كالتوكيل بالقبض إذا أقر بذلك، والله أعلم.

التسوية بين الأبناء في العطايا

(مسألة) في رجل ترك أولادا ذكورا وإناثا وتزوجوا (؟) الإناث قبل موت أبيهم فأخذوا (؟) الجهاز جملة كثيرة، ثم لما مات الرجل لم يرث الذكور إلا شيئا يسيرا، فهل على البنات أن يتحاصوهم (؟) والذكور في الميراث والذين معهم أم لا؟ [29]

(الجواب): يجب على الرجل أن يسوي بين أولاده في العطية، ولا يجوز أن يفضل بعضا على بعض كما أمر النبي ﷺ بذلك حيث نهى عن الجور في التفضيل، وأمر برده. فإن فعل ومات قبل العدل، كان الواجب على مَنْ فُضِّلَ أن يتبع العدل بينه وبين إخوته، فيقتسمون جميع المال الأول والآخر على كتاب الله تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين، والله أعلم.

حلف بالطلاق ما بقي يشارك رجلا

(مسألة) في رجل حلف بالطلاق ما بقي يشارك رجلا، وهو شريكه، فقال له رجل: قل: إن شاء الله، فقال، فهل إذا استمر على شركته يحنث؟

(الجواب) لا يقع به طلاق والحالة هذه، والله أعلم.

تفضيل إحدى الزوجتين على الأخرى

(مسألة) في رجل له امرأتان ويفضل الواحدة على الأخرى في النفقة وسائر الحقوق، حتى أنه هجرها. فما يجب عليه؟

(الجواب): يجب أن يعدل بين المرأتين، وليس له أن يفضل إحداهما في القَسْمِ، فإن النبي ﷺ قال: "من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما أكثر من الأخرى جاء يوم القيامة وشقه مائل". [30] وإن لم يعدل بينهما، فإما أن يمسكها بمعروف، وإما أن يسرح بإحسان، والله أعلم.

وضع يده على الأرض وادعى أنه استأجرها وذلك بغير طريق شرعي

(مسألة) فيمن استأجر أرض وقف من الناظر على الوقف النظر الشرعي ثلاثين سنة بأجرة المثل، وأثبت الإجارة عند حاكم من الحكام، وأنشأ عمارة، وعَرَّشَ في المكان مدة أربع سنين ثم سافر، والمكان في إجارته؛ وغاب إحدى عشرة سنة. فلما حضر وجد بعض الناس قد وضع يده على الأرض، وادعى أنه استأجرها، وذلك بغير طريق شرعي، فهل له نزع هذا الثاني وطلبه بتفاوت الأجرة؟

(الجواب): إن كان الثاني قد استأجر المكان مِنْ غير مَنْ له ولاية الإيجار، واستأجره مع بقاء إجارة صحيحة عليه، فالإجارة باطلة، ويده بدعائه مستحقة للرفع والإزالة. وإذا كان الثاني استأجرها وتسلمها، وهي في إجارة الأول، فالأول مخير: بين أن يفسخ الإجارة، وتسقط عنه الإجارة من حين الفسخ، ويطالب أهل المكان بالإجارة لهذا الثاني المتولي عليه يطلبون منه أجرة المثل، إن كانت الإجارة فاسدة، وإن كانت صحيحة طالبوه بالمشي، وبين إن وصى الإجارة ويعطى أهل المكان أجرتهم، ويطالب الغاصب بأجرة المثل من حين استيلائه على ما استأجره.

مما يقدح في عدالة الرجال ومروءتهم

(مسألة) في رجل مقبول القول عند الحكام يخرج للفرجة في الزهر في مواسم الفرج حيث يكون مجمع الناس، ويرى المنكر ولا يقدر على إزالته، ويُخرج امرأته أيضا معه هل يجوز ذلك وهل يقدح في عدالته؟

(الجواب): ليس للإنسان أن يحضر الأماكن التي يشهد فيها المنكرات ولا يمكنه الإنكار، إلا لموجب شرعي، مثل أن يكون هناك لما يحتاج إليه لمصلحة دينه أو دنياه لا بد فيه من حضوره، أو يكون مكرها. فأما حضوره لمجرد الفرجة وإحضاره امرأته تشاهد ذلك، فهذا مما يقدح في عدالته ومروءته إذا أصر عليه، والله أعلم.

العاقد للأنكحة بولي وشاهدي عدل هل للحاكم منعه

(مسألة) فيمن يعقد عقود الأنكحة بولي وشاهديْ عدل، هل للحاكم منعه؟

(الجواب): ليس للحاكم أن يمنع المذكور أن يتوكل للولي فيعقد العقد على الوجه الشرعي، لكن من لا ولي لها لا تزوج إلا بإذن السلطان، وهو الحاكم، والله أعلم.

إيقاع الحلف بالطلاق ثلاثا مرة واحدة

(مسألة) في رجل عنده طرق من الفروع يفتي من حلف بالطلاق الثلاث بواحدة، وربما يقول: لا شيء عليه، فهل ينكر عليه ويمنع من ذلك؟

(الجواب) أما المفتي المذكور فينظر فيما يفتي به فإن كان يفتي بما يسوغ فيه الاجتهاد لم ينكر عليه، وإن خالف الإجماع أنكر عليه، وكذلك إن خالف نصا من الكتاب أو السنة أنكر عليه. وقد تنازع العلماء فيمن حلف ليفعلن شيئا، أو لا يفعله بالطلاق أو العتاق أو الظهار أو الحرام أو صدقة المال، إذا حنث فقال بعضهم: يلزمه ما حلف به، وقال بعضهم: لا شيء عليه، وقال بعضهم: تلزمه كفارة يمين، وأما إن أوقع الثلاث بكلام واحد أو طلقها في الحيض، فهذا فيه نزاع بين السلف والخلف.

طعام الزواج وطعام العزاء وطعام الختان وطعام الولادة

(مسألة) في طعام الزواج وطعام العزاء وطعام الختان وطعام الولادة؟

(الجواب): أما وليمة العرس فهي سنة، والإجابة إليها مأمور بها. وأما وليمة الموت فبدعة مكروه فعلها والإجابة إليها. وأما وليمة الختان فهي جائزة، من شاء فعلها، ومن شاء تركها، وكذلك وليمة الولادة إلا أن يكون قد عق عن الولد؛ فإن العقيقة عنه سنة؛ والله أعلم.

الاستيلاء على أرض الغير بغير وجه حق

(مسألة) في رجل له أرض ملك، وهي بيده ثلاثون سنة، فجاء

رجل جذ زرعه منها ثم زرعها في ثاني سنة فما يجب عليه

(الجواب): ليس لأحد أن يستولي عليه بغير حق؛ بل له أن يطالب من زرعه في ملكه بأجرة المثل، وله أن يأخذ الزرع إذا كان قائما ويعطيه نفقته، والله أعلم.

تزوج امرأة بكرا ثم ادعى أنها كانت ثيبا

(مسألة) في امرأة بكر تزوجها رجل ودخل بها، ثم ادعى أنها كانت ثيبا، وتحاكما إلى حاكم، فأرسل معها امرأتين فوجدوها كانت بكرا، فأنكر ونكل عن المهر، فما يجب عليه؟

(الجواب): ليس له ذلك، بل عليه كمال المهر كما قال زرارة وقضى الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون: أن من أغلق الباب وأرخى الستر، فقد وجبت عليه العدة والمهر، والله أعلم.

زيادة الإيجار في نهاية مدة العقد

(مسألة) في رجل أجر رجلا عقارا مدة، وفي أواخر المدة زاد رجل في أجرتها، فأجره، فعارضه المستأجر الأول، وقال: هذه في إجارتي، هل له ذلك؟

(الجواب): إذا كان قد أجر المدة التي تكون بعد إجارة الأول، لم يكن للأول اعتراض عليه في ذلك، والله أعلم.

ضمان الأجير المشترك

(مسألة) فيمن كان له ذهب مخيط في ثوبه فأعطاه للغسال نسيانا، فلما رده الغسال إليه بعد غسله، وجد مكان الذهب مفتقا ولم يجده، فما الحكم فيه؟

(الجواب): إما أن يحلف المدعى عليه بما يبرئه، وإما أن يحلف المدعي أنه أخذ الذهب بغير حق ويضمنه، فإن كان الغسال معروفا بالفجور، وظهرت الريبة بظهور الفتق، جاز ضربه وتقريره، والله أعلم.

ضمان الشيء المستعار

(مسألة) في رجلين عند أمير، فقال الأمير لأحدهما: اطلب لي سيف رفيقك على سبيل العارية، فأجاب، فأخذه الأمير، فعدم عنده، هل تلزم المطالبة للأمير أو للرسول الذي استعاره؟

(الجواب): إذا كان الرسول لم يكذب ولم يتعد، فلا ضمان عليه، بل الضمان على المستعير إن كان فرط، أو اعتدى باتفاق العلماء، وإلا ففي ضمانه نزاع، والله أعلم.

ضرب غيره فعطل منفعة أصبعه

(مسألة) فيمن ضرب غيره فعطل منفعة أصبعه؟

(الجواب): إذا تعطلت منفعة أصبعه بالجناية التي اعتدى فيها وجبت دية الإصبع، وهي عشر الدية الكاملة، والله أعلم.

الرجوع في الشهادة

(مسألة) في شهود شهدوا بما أوجب الحد، ولما شَخَصَ قالوا: غلطنا، ورجعوا، فهل يقبل رجوعهم؟

(الجواب): نعم إذا رجع عن شهادته قبل الحكم بها لم يحكم بها، وإذا كان يعلم أنه قد غلط وجب عليه أن يرجع، ولا يقدح ذلك في دينه ولا في عدالته، والله أعلم.

القول بأن الخير من الله والشر من أنفسنا

(مسألة) فيمن يقول: الخير من الله، والشر من أنفسنا؟

(الجواب): مذهب أهل السنة والجماعة أن الله خالق كل شيء، وربه ومليكه، لا رب غيره، ولا خالق سواه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم. والعبد مأمور بطاعة الله وطاعة رسوله، منهي عن معصية الله ومعصية رسوله؛ فإن أطاع كان ذلك نعمة من الله أنعم بها عليه، وكان له الأجر والثواب بفضل الله ورحمته، وإن عصى كان مستحقا للذم والعقاب، وكان لله عليه الحجة البالغة، ولا حجة لأحد على الله.

وكل ذلك كائن بقضاء الله وقدره ومشيئته وقدرته، لأنه يحب الطاعة ويأمر بها، ويثيب أهلها ويكرمهم، ويبغض المعصية وينهى عنها، ويعاقب أهلها ويهينهم. وما يصيب العبد من النعم فالله أنعم بها عليه، وما يصيبه من الشر فبذنوبه ومعصيته، كما قال تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} أي: ما أصابك من خصب ونصر وهدًى فالله أنعم به عليك، وما أصابك من جدب وذل وشر فبذنوبك وخطاياك.

وكل الأشياء كائنة بمشيئة الله وقدرته وخلقه، فلا بد أن يؤمن بقضاء الله وقدره خيره وشره وحلوه ومره، وأن يؤمن بشرع الله وأمره. فمن نظر إلى الحقيقة القدرية وأعرض عن الأمر والنهي والوعد والوعيد كان مشابها للمشركين، ومن نظر إلى الأمر والنهي وكذب بالقضاء والقدر كان مشابها للمجوس، ومن آمن بهذا وبهذا: فإذا أحسن حمد الله، وإذا أساء استغفر الله، وعلم إن ذلك كله بقضاء الله وقدره: فهو من المؤمنين.

فإن آدم عليه السلام لما أذنب تاب فاجتباه ربه وهدى، وإبليس أصر واحتج بالقدر فلعنه الله وأقصاه. فمن تاب كان آدميا، ومن أصر واحتج بالقدر كان إبليسيا. فالسعداء يتبعون أباهم آدم، والأشقياء يتبعون عدوهم إبليس. فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا آمين.

مسائل نقلها الشيخ حمد بن ناصر من أجوبة لابن حجر الهيتمي

قبض ملك الموت أرواح الأحياء كلها

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين

هذه مسائل نقلها الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان من أجوبة لابن حجر الهيتمي. [31]

(مسألة) هل ملك الموت يقبض أرواح الحيوانات كلها، أو ما يقبض إلا أرواح بني آدم فقط؟ وأين مستقر الأرواح بعد قبضها؟

(الجواب): الذي دلت عليه الأحاديث أن ملك الموت يقبض أرواح الحيوانات من بني آدم وغيرهم؛ من ذلك قوله مخاطبا لنبينا ﷺ: والله يا محمد لو أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت حتى يكون الله هو الآمر بقبضها.

قال القرطبي: وفي هذا الخبر ما يدل على أن ملك الموت هو الموكل بقبض كل ذي روح، وأن تصرفه كله بأمر الله، ومن ذلك ما في خبر الإسراء عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال عن نفسه فقلت: (يا ملك الموت فكيف تقدر على قبض أرواح من في الأرض: برها وبحرها؟ ) الحديث.

وذكر أبو نعيم عن ثابت البناني قال: الليل والنهار أربع وعشرون ساعة ليس منها ساعة تأتي على ذي روح إلا وملك الموت قائم عليها، فإن أمر بقبضها قبضها وإلا ذهب.

قال القرطبي: وهذا عام في كل ذي روح، ومِنْ ثَمَّ لما سئل مالك رحمه الله عن البراغيث أن ملك الموت هل يقبض أرواحها أطرق مليا، ثم قال: ألها نفس؟ قيل: نعم، قال: ملك الموت يقبض أرواحها {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} وأشار مالك بذكر الآية إلى أن المراد بقوله: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ} أنه يأمر ملك الموت يتوفاها كما صرح به قوله تعالى: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا}، ولا ينافي ذلك قوله تعالى: {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} وقوله: {يُحْيِي وَيُمِيتُ}، لأن ملك الموت يقبض الروح وأعوانه يعالجون، والله تعالى يزهق الروح. وبهذا تجتمع الآيات والأحاديث، وإنما أضيف التوفي لملك الموت لأنه يتولاه بالوسائط والمباشرة، وأضيف الخلق للملك في خبر مسلم عن حذيفة: سمعت الرسول ﷺ يقول: "إذا مرت بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكا فصورها فخلق سمعها وبصرها، وجلدها، ولحمها، وعظامها" [32] الحديث. [33]

والحاصل أن الله سبحانه وتعالى هو القابض لأرواح جميع الخلق بالحقيقة، وأن ملك الموت وأعوانه إنما هم وسائط؛ وكذلك القول في سائر الأسباب العادية، فإنها بإحداث الله وخلقه لا بغيره تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا.

وذكر ابن رجب أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم تكون أرواحهم في أعلى عليين، ويؤيده قوله ﷺ: "اللهم في الرفيق الأعلى". [34] وأكثر العلماء على أن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح في الجنة حيث تشاء كما في مسلم وغيره. وأما بقية المؤمنين فنص الشافعي رحمه الله على أن من لم يبلغ التكليف منهم: في الجنة حيث شاؤوا فتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود.

وأما أهل التكليف ففيهم خلاف كثير، فعن أحمد أنها في الجنة، وعن وهب أنها في دار يقال لها: البيضاء في السماء السابعة، وعن مجاهد أنها تكون في أفنية القبور سبعة أيام من يوم دفن لا تفارقه، أي: ثم تفارقه، ولا ينافيه سنية السلام على القبور، لأنه لا يدل على استقرار الأرواح على أفنيتها دائما، لأنه يسلم على قبور الأنبياء والشهداء وأرواحهم في أعلى عليين؛ ولكن لها مع ذلك اتصال سريع بالبدن لا يعلم كنهه إلا الله.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك: بلغني أن الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت، وعن ابن عمررضي الله عنهما) نحوه... [35] ويرجح ابن عبد البر أن أرواح غير الشهداء في أفنية القبور تسرح حيث شاءت، وقالت فرقة: تجتمع الأرواح بموضع من الأرض، كما روي عن ابن عمر قال: أرواح المؤمنين تجتمع بالجابية، وأما أرواح الكفار فتجتمع بسبخة حضرموت يقال لها برهوت.

خلود أهل الجنة والنار على صورهم في الدنيا

(مسألة): هل خلود المؤمنين في الجنة على هذا التركيب أعني من اللحم والعظم وغيرهما، وخلود الكافرين في النار على صورهم أم لا؟ وهل منكر ونكير يسألان كل ميت صغيرا كان أو كبيرا مسلما أو كافرا مقبورا أو غير مقبور؟ وهل منكر بفتح الكاف أو كسرها؟ وهل هما اللذان يسألان المؤمن أو غيرهما؟

(الجواب): الذي دلت عليه الأحاديث أن خلود المؤمنين في الجنة والكافرين في النار، على نحو صورهم في الدنيا المشتملة على نحو اللحم والعظم، وصح أنه ﷺ قال: "أيها الناس، إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا". [36]

قال الأئمة: أي غير مختونين ترد إليه الجلدة التي قطعت بالختان، وكذا يرد إليه كل ما كان فارقه في الحياة كالشعر والظفر، ليذوق نعيم الثواب أو أليم العقاب؛ فتكون تلك الأجزاء جميعها مع الإنسان في الجنة أو النار حتى تذوق النعيم أو العذاب.

ومما يدل على ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال في حق الكافر: السلسلة تدخل من إسته حتى تخرج من فيه، ثم يُنْظَمُونَ فيها كما يُنْظَمُ الجراد في العود ثم يشوى. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رفعه: "ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع"، [37]... [38] ولمسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: "كل من يدخل الجنة على صورة آدم، وطوله ستون ذراعا". [39]

وللترمذي وغيره: "من مات من أهل الدنيا صغيرا أو كبيرا يُرَدُّونَ أبناء ثلاث وثلاثين في الجنة، لا يزيدون عليها أبدا، وكذلك أهل النار" [40] وفي رواية عند ابن أبي الدنيا: "على طول آدم ستين ذراعا بذراع الملك، وعلى حُسْن يوسف، وعلى ميلاد عيسى ثلاث وثلاثين، وعلى لسان محمد ﷺ جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلِينَ".

واعلم أن أهل السنة أجمعوا على أن الأجساد تعاد كما كانت في الدنيا بأعيانها وألوانها وأعراضها وأوصافها، ولا ينافي ذلك ما في بعض حديث الصور الطويل: "يخرجون منها شبانا أبناء ثلاث وثلاثين سنة"؛ [41] لأن هذا من حيث السن، فهم مستوون فيه. والذي دل عليه القرآن أن السقط والطفل يحشران على قدرهما، وحينئذ فهما مستثنيان من الحديث أعني: قوله: "أبناء ثلاث وثلاثين سنة". [42] هذا كله إن صح الحديث، وإلا فقضية كلامهم أن الناس في الحشر على تفاوت صفاتهم في الدنيا حتى في الأسنان، وإنما يقع التبديل عند دخول الجنة.

وقد قال بعض المحققين والحفاظ: والصحيح بل الصواب أن الذي يعيده الله هو الأجساد الأولى لا غيرها، ومن قال غير ذلك فقد أخطأ، لمخالفته ظاهر القرآن (والحديث)... [43] والناس في الموقف يكون كل منهم على طوله الذي مات عليه، ثم عند دخول الجنة يصيرون طولا واحدا؛ ففي الصحيحين: "يبعث كل عبد على ما كان عليه". [44] وفي الحديث الصحيح في صفات الجنة (ما ذكرته) ويبعثون بشعورهم ثم يدخلون الجنة جردا مردا كما ثبت في الحديث الصحيح. انتهى.

قال القرطبي رحمه الله: يكون الآدميون في الجنة على سن واحد وأما الحور فصفات مصنفة، صغار وكبار، على ما اشتهت أنفس أهل الجنة. [45]

وسؤال الملكين يعم كل ميت ولو جنينا أو غير مقبور كحريق أو غريق، أو أكيل سبع كما جزم به جماعة من الأئمة، وقول بعضهم: يسألان المقبور، إنما أراد به التبرك بلفظ الخبر. نعم قال بعض الحفاظ: الذي يظهر اختصاص السؤال بمن يكون له تكليف، وبه جزم غير واحد من أئمتنا، ومن ثم لم يستحبوا تلقينه. [46]

ولا يسأل الشهيد كما صحت به الأحاديث، وألحق به من مات مرابطا لظاهر حديث رواه أحمد وأبو داود وهو: "كل ميت يختم على عمله، إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله، فإنه ينمو عمله إلى يوم القيامة، ويأمن من فتاني القبر" [47] وألحق القرطبي بالشهيد الصِّدِّيقَ لأنه أعلى مرتبة من الشهيد، ومنه يؤخذ انتفاء السؤال في حقه ﷺ وفي حق سائر الأنبياء.

وفي بحث بعض الحفاظ: أن الملك لا يسأل، لأن السؤال يختص بمن شأنه أن يفتن، وفي حديث حسنه الترمذي والبيهقي وضعفه الطحاوي: "من مات ليلة الجمعة أو يومها لم يسأل" وجزم الترمذي والحكيم بأن المعلن بكفره لا يسأل، ووافقه ابن عبد البر، ورواه عن بعض كبار التابعين، لكن خالفه القرطبي وابن القيم، واستدلاله بآية: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} وبحديث البخاري: "وأما الكافر والمنافق فيقول: لا أدري" [48] - بالواو - ورجحه شيخ الإسلام ابن حجر بأن الأحاديث متفقة على ذلك، وهي مرفوعة مع كثرة طرقها الصحيحة. وجزم الترمذي والحكيم وابن عبد البر أيضا بأن السؤال يختص بهذه الأمة، لحديث مسلم: "أن هذه الأمة تبتلى في قبورها"، [49] وخالفهم جماعة، منهم ابن القيم وقال: ليس في الأحاديث ما ينفي السؤال عمن تقدم من الأمم، وإنما أخبر النبي ﷺ أمته عن كيفية امتحانهم في القبور، لا أنه ينفي ذلك عن أولئك.

وتوقف آخرون وللتوقف وجه لأن قوله: "أن هذه الأمة" فيه تخصيص فتعدية السؤال إلى غيرهم يحتاج إلى دليل، وعلى تسليم اختصاصه بهم، فهو لزيادة درجاتهم ولخفة أهوال المحشر؛ ففيه رفق بهم أكثر من غيرهم، لأن المحن إذا تفرقت هان أمرها، بخلاف ما إذا توالت؛ فتفريقها لهذه الأمة عند الموت وفي القبر والمحشر دليل ظاهر على عناية ربهم لهم أكثر من غيرهم. [50]

ومقتضى الأحاديث سؤال الملكين المؤمن، ولو فاسقا، كالعدل، ولكن بشارته تحتمل أن تكون بحسب حاله، ومقتضى الأحاديث: استواء سائر الناس في اسمهما، وهو منكر ونكير كما في حديث عند الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، ومنكر بفتح الكاف اتفاقا، ومنكر ونكير هما اللذان يسألان المؤمن وغيره.

قتل الحيات

(مسألة) في حية الدار نقتلها أو نتحول عنها، وكم نتحول؟ فإن قلتم: ثلاثا، فهل هي أيام أو ساعات؟ وهل الحيات في ذلك سواء كالأفعى والرواز والثعبان، أم يختص التحول بنوع منها؟ وهل حية العمران كالبستان والبئر التي يسقى منها الزرع والأشجار حكمها حكم حية الدار أم لا؟ وهل يكره قتل شيء منها في الموات أو في العمران؟

(الجواب): اعلم أنه ﷺ أمر بقتل الحيات أمر ندب)روى البخاريوالنسائي) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع النبي ﷺ بغار بمنى، وقد نزلت عليه سورة {وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا} فنحن نأخذها من فيه رطبة، إذ خرجت علينا حية، فقال: اقتلوها فابتدرناها لنقتلها فسبقتنا، فقال رسول الله ﷺ: "وقاكم الله شرها كما وقاها شركم". [51]

وعداوة الحية للإنسان معروفة إذ الذي عليه الجمهور أن الخطاب في قوله: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} لآدم وحواء وإبليس والحية، وفي حيات الحيوان روى قتادة عن النبي ﷺ أنه قال: "ما سالمناهن منذ عاديناهن". [52]

وقال ابن عمر: من تركهن فليس منا، وقالت عائشة: من ترك حية خشية من ثأرها، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وفي مسند أحمد عن النبي ﷺ "من قتل حية فكأنما قتل مشركا، ومن ترك حية خوف عاقبتها فليس منا" [53] وقال ابن عباس: إن الحيات مسخ الجن كما مسخت القردة من بني إسرائيل، وأخرجه الطبراني عنه، عن النبي ﷺ، وكذلك رواه ابن حبان، هذا كله في غير حيات البيوت.

أما التي مأواها البيوت: فلا تقتل حتى تُنْذَر ثلاثا؛ واختلف العلماء هل المراد ثلاثة أيام أو ثلاث مرات؟ والأول عليه الجمهور، وقد ورد بكل منهما حديث: أخرج مالك ومسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخدري أن أبا السائب أراد أن يقتل حية بدار أبي سعيد، وهو يصلي، فأشار إليه أن لا تفعل، فلما قضى صلاته حدَّثه، وقد أشار إليه في بيت في الدار، فقال: كان فيه فتى كان حديث عهد بعرس، فخرجنا مع رسول الله ﷺ إلى الخندق، فكان الفتى يستأذن رسول الله ﷺ بأنصاف النهار يرجع إلى أهله. فاستأذنه يوما فقال له رسول الله ﷺ: "خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك قريظة". فأخذ الرجل سلاحه فإذا امرأته قائمة بين البابين، فأهوى إليها بالرمح ليطعنها، وأصابته غيرةٌ، فقالت: اكفف عليك رمحك وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج فركزه في الدار، فاضطربت عليه وخر الفتى ميتا، فما يدري أيهما كان أسرع موتا: الحية أم الفتى. قال فجئنا النبيَ ﷺ، فأخبرناه بذلك وقلنا: ادع الله أن يحييه، فقال النبي ﷺ: "استغفروا الله لصاحبكم". ثم قال: "إن بالمدينة جنا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام؛ فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان"، وفي لفظ: "إن في هذه البيوت عوامر فإذا رأيتم شيئا منها فَحَرِّجُوا عليه ثلاثا، فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر".

وأخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الهوام من الجن، من رأى شيئا في بيته فَلْيُحَرِّجْ عليه ثلاث مرات، فإن عاد وإلا فليقتله فإنه شيطان". [54]

وأخذ بعض العلماء من الحديث الأول، وهو قوله: "إن بالمدينة جنا …" إلخ أن الإنذار ثلاثا بالمدينة، وصحح بعض أنه عام في كل بلدة لا تقتل حية حتى تُنْذَر؛ ثم الظاهر أن الإنذار مندوب إليه، وإن اقتضى بعض كلام الحنابلة وجوبه؛ حيث قال: قتل الحية بغير حق لا يجوز كالإنس، ولو كان كافرا.

والجن يتصورون بصور شتى، وحيات البيوت قد تكون جنا فتؤذن ثلاثا، فإن ذهبت وإلا قتلت؛ لأنها إن كانت حية أصلية قتلت، وإن كانت جنية، فقد أصرت على العدوان بظهورها للإنس في صورة حية تفزعهم بذلك. انتهى. [55]

والذي ينبغي أن الإنذار غير واجب؛ لأن الأصل في الصور أنها باقية على أصل خلقتها الأصلية.

وقد أهدر الشارع هذه الصورة أعني: صورة الحية بسائر أنواعها، وجعلها من الفواسق، وقد مر التحريض على قتلها، وكونها صورة جني أمر محتمل، وليس بمحقق، والاحتمال المخالف للأصل لا يقتضي الوجوب؛ لكن حديث البخاري ومسلم يقتضيه، ولفظ ابن عمر: كان يقتل الحيات ثم نهى، قال: إن النبي ﷺ هدم حائطا له فوجد فيه سلخ حية، فقال: انظروا أين هو، فنظروه فقال: اقتلوه. فكنت أقتلها، فلقيت أبا لبابة، فأخبرني أن النبي ﷺ قال: "لا تقتلوا الحيات إلا كل أبتر ذي طفيتين، فإنه يسقط الولد ويذهب البصر فاقتلوه" [56] ولفظه عن نافع عن ابن عمر "أنه كان يقتل الحيات، فحدثه أبو لبابة: أنه ﷺ نهى عن قتل حيات البيوت فأمسك عنها". [57]

واعلم أن حديث أبي سعيد يقتضي طلب تقدم الإنذار في سائر الحيات، وحينئذ يعارض ما مر أول الجواب من إطلاق الأمر بقتلها، وقد يجاب بأن إطلاق الأمر بالقتل منسوخ، كما عرف من رواية البخاري السابقة أيضا، أي: حمل هذا على ما إذا لم يذهب بالإنذار، وإلا قتل جانًّا كان أو غيره، ويعارض استثناء الأبتر وذو الطفيتين إلا أن يجاب بأن استثناء هذين يقتضي أن الجني لا يتصور بصورتهما فَلْيُسَنّ قتلهما مطلقا، ثم رأيت الزركشي نقل ذلك عن الماوردي فقال: إنما أمر بقتلهما؛ لأن الشيطان لا يتمثل بهما، وإنما نهى عن ذوات البيوت لأن الجني يتمثل بهما.

وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: "اقتلوهما فإنهما يطمسان البصر ويسقطان الحبالى" قال الزهري: ويروى ذلك من سمهما؛ وظاهر الأحاديث السابقة اختصاص الإنذار بعامر البيوت، وهو محتمل، ويحتمل أنه خص بذلك لأنه يتأكد فيه أكثر، وإلا فالعلة المعلومة مما مر تقتضي الإنذار فيما عدا الأبتر وذي الطفيتين؛ سواء كانت عامرة بيت إنسان أو بستان أو بئر أو غيرهما، والتعبير بذوات البيوت وهي العوامر، في رواية البخاري السابقة، كأنه الغالب.

وبما تقرر علم أنه لا يطلب التحول من الدار لأجل ما ظهر من الحيات فيها؛ بل تنذر ثلاث ساعات؛ فإن ذهبت وإلا قتلت، وإن الثلاث ثلاثة أيام عند الجمهور وثلاث ساعات عند غيرهم؛ وأن سائر الحيات العوامر في ذلك سواء إلا الأبتر وذو الطفيتين، لما مر فيهما؛ وأن حيات غير البيوت لا يبعد إلحاقها بحيات البيوت؛ وقد ورد في أحاديثَ ما يقتضي اختصاص طلب الإنذار بحيات البيوت.

وظاهر كلام بعض الأئمة: الأخذ بهذا المقتضى، وأن حيات غير البيوت تقتل مطلقا، أي: من غير إنذار، والذي يتجه أن التقيد بعوامر البيوت إنما هو الغالب أو لمزيد التأكيد. وكيفية الكلام الذي يقال عند الإنذار: ما أخرجه أبو داود عن ابن أبي ليلى أن رسول الله ﷺ سئل عن حيات البيوت فقال: "إذا رأيتم منها شيئا في مساكنكم فقولوا: أنشدكن العهد الذي أخذ عليكن نوح، أنشدكن العهد الذي أخذ عليكن سليمان أن لا تؤذونا. فإن عُدْنَ فاقتلوهن"، [58] [59] والله أعلم.

الأولياء هل يردون الحوض مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل الأنبياء

(مسألة) فيمن يقول: إن الأولياء يَرِدُونَ الحوضَ مع النبي ﷺ قبل الأنبياء؟

(الجواب): إنما يتم له ما ذكر إن ثبت أن الأنبياء يردون حوض النبي ﷺ، ولم أر ما يدل على ذلك بعد الفحص والاطلاع على الأحاديث الواردة في الحوض عن بضعة وخمسين صحابيا؛ بل الذي رأيته يدل لخلافه فقد أخرج الترمذي عن سمرة عن النبي ﷺ: "إن لكل نبي حوضا، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم واردة". [60]

وأخرج الترمذي عن سمرة مرفوعا: "إن الأنبياء يتباهون أيهم أكثر أصحابا من أمته، فأرجو أن أكون يومئذ أكثرهم كلهم واردة، وإن كل نبي منهم يومئذ قائم على حوض ملآن معه عصا يدعو من عرف من أمته، وإن لكل نبي أمة لهم سِيمَا يعرفهم بها نبيهم"، فهذان الحديثان صريحان في أن لكل نبي حوضا مستقلا ترده أمته.

(فائدة): نقل القرطبي عن العلماء: أنه يطرد عن الحوض من ارتد، أو أحدث بدعة كالرافضة والظلمة المعروفين بالجور، والمعلن بالمعاصي؛ ثم الطرد للمسلم قد يكون في حال، وقد يشرب منه ذو الكبيرة، ثم إذا دخل النار لا يعرف العطش. انتهى ملخصا.

وهذا بناء على أن الحوض قبل الصراط، والذي رجحه القاضي عياض أنه بعده، وأن الشرب منه بعد الحساب والنجاة من النار، وأيده الحافظ ابن حجر بأن ظاهر الأحاديث: أن الحوض بجانب الجنة؛ لينصب فيه الماء من النهر الذي داخلها، فلو كان قبل الصراط؛ لحالت النار بينه وبين الماء الذي يصب من الكوثر، ولا ينافيه أن جمعا يدفعون عنه بعد رؤيته إلى النار، لأنهم يقربون منه بحيث يرونه فيدفعون في النار قبل أن يخلصوا من بقية الصراط، والله أعلم.

خلق الأرض والسماء

(مسألة): هل خلقت الأرض قبل السماء؟

(الجواب): نعم، كما صح في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، والقرآن ناطق به، وأجاب عن قوله تعالى: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا} - إلى قوله - {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} بأن الأرض خلقت أولا كالخبزة، وخلقت السماء بعدها ثم هيأ الأرض ودحاها، والله أعلم.

(مسألة): هل العرش أفضل من الكرسي؟

(الجواب): نعم كما صرح به ابن قتيبة، وصرح أيضا بأن الكرسي أفضل من السماء، وأن الشام أفضل من العراق، وبأن الحجر أفضل من الركن اليماني وهو أفضل من القواعد.

هل الليل في السماء كالأرض

(مسألة) هل الليل في السماء كالأرض؟

(الجواب): الذي دلت عليه الآيات القرآنية أنه من خواص أهل الأرض، لأن الله امتن علينابه) راحةً لنا، لأنا نتعب ونمل، بخلاف أهل السماء، ومعنى: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} أنهم دائمون على ذلك، فكنى بذلك عن الدوام. ووقوع المعراج ليلا إنما هو بالنسبة لأهل الأرض، والله أعلم.

الفرق بين العهد والميثاق واليمين

(مسألة): ما الفرق بين العهد والميثاق واليمين؟

(الجواب): العهد الموثق يقال: عهد إليه في كذا: أوصاه به، وأوثقه عليه، والعهد في لسان العرب له معان: منها: الوصية والضمان والأمر، والرؤية والمنزلة. وأما الميثاق: فهو العهد الموثق باليمين، وأما اليمين فهو: الحلف بالله أو بصفاته على ما قرر في محله.

تأذي الملائكة مما يتأذى منه الإنسان

(مسألة): هل الحفظة يتأذون من كل الأشياء الكريهة الريح، ومن كثرة التردد إلى الخلاء والأماكن النجسة، ومن الجشاء المتغير، ومن نحو الصُّنَان؟ وهل على الكافر حفظة؟ وإذا مات الإنسان إلى أين يصار به؟ وهل الحفظة غير الكاتبين الكريمين؟

(الجواب): الذي في الحديث الصحيح: "أن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" [61] ذكره النبي ﷺ تعليلا لنهيه من أكل منتنا كَثَوْمٍ أو بصل أو كراث أو فجل أن يدخل المسجد فقال: "من أكل ثوما أو كراثا أو بصلا أو فجلا فلا يقربن مسجدنا أو المساجد، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم"، [62] وهذا ظاهر في شموله للحفظة، وفي عموم تأذيهم مما يتأذى منه بنو آدم؛ فيشمل ذلك تأذيهم بكل ريح كريهة، سواء ريح الخلاء أو غيره إلا أنه سيأتي أن الحفظة يفارقونه حال دخوله الخلاء.

(وقوله): وهل للكافر حفظة؟

(جوابه): نعم كما شملته، بل يصرح به قوله تعالى: {كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ} أي: الحساب: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ} الآية.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: جعل الله على ابن آدم حافظين في الليل وحافظين في النهار، يحفظان عمله ويكتبان أثره. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: مع كل إنسان ملك عن يمينه وآخر عن شماله، فأما الذي عن يمينه فيكتب الخير، وأما الذي عن شماله فيكتب الشر.

(وقوله): إذا مات الإنسان إلى أين يصار به؟

(جوابه): أخرج أبو الشيخ والبيهقي عن أنس عن النبي ﷺ قال: "إن الله وكل بعبده المؤمن ملكان يكتبان عمله، فإذا مات قال الملكان اللذان وكلا به: قد مات، فأذن لنا أن نصعد إلى السماء، فيقول الله سبحانه وتعالى: سمائي مملوءة من ملائكتي يسبحونني، فيقولان فأين؟ فيقول: قُومَا على قبر عبدي فَسَبِّحَانِي واحمداني وكبراني، واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم القيامة".

وقوله: وهل هم غير الكاتبين؟

(جوابه): أنه قد علم مما قدمناه: أن الملائكة الحفظة الموكلين بالإنسان ينقسمون إلى: أن منهم من هو موكل بالحفظ لا غير، ومنهم وهم الكاتبان الكريمان من هو موكل بالحفظ والكتاب وورد في هذين أنهما يفارقان الإنسان، فقد أخرج البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله ينهاكم عن التعري، فاستحوا من الملائكة الذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث: الجنابة، والغائط، والغسل".

والظاهر أنه ليس هنا المفارقة بالكلية بل يبعدون عنه حينئذ نوع بُعْدٍ، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله ﷺ عند الظهيرة فرأى رجلا يغتسل بفلاة من الأرض فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد، اتقوا الله وأكرموا الكرام الكاتبين الذين معكم، ليسوا يفارقونكم إلا عند إحدى منزلتين: حيث يكون الرجل على خلائه، أو يكون مع أهله، لأنهم كرام كما سماهم الله، فليستتر أحدكم عند ذلك بجِرْمِ حائطٍ" والله أعلم.

التاجر المكتسب المتقي أفضل من العابد غير المكتسب

(مسألة) في خطيب يروي أحاديث، ولم يبين مخرجها، ولا رواتها، ومن جملة ما رواه أنه ذكر حديث: "إن التجار هم الفجار، إلا من قال بيده هكذا وهكذا". [63]

(الجواب): ما ذكره في خطبه من الأحاديث من غير أن يبين رواتها، فجائز بشرط أن يكون من أهل المعرفة بالحديث، أو ينقلها من كتاب مؤلفه كذلك. وأما الاعتماد في رواية الأحاديث على مجرد رؤيتها في كتاب ليس مؤلفه من أهل الحديث، أو في خطب ليس مؤلفها كذلك، فلا يحل ذلك؛ ومن فعل ذلك عزر التعزير الشديد. وهذا حال أكثر الخطباء: فإنه بمجرد خطبهم فيها أحاديث حفظوها، وخطبوا بها من غير أن يعرفوا لتلك الأحاديث أصلا، فيجب على حكام البلد أن يزجروا خطباءها عن ذلك، ويجب على حكام بلد هذا الخطيب منعه من ذلك، إن ارتكبه.

وأما ما ذكره من الحديث فصدره صحيح، كما قاله الترمذي، وهو أن رسول الله ﷺ خرج إلى المصلى فقال: "يا معشر التجار"، [64] فاستجابوا لرسول الله ﷺ ورفعوا أعناقهم فقال: "إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا، إلا من اتقى الله وصدق"، [65] ويروى في رواية صحيحة أيضا: "إن التجار هم الفجار"، [66] وقيل: يا رسول الله أليس قد أحل الله البيع؟ قال: "بلى، ولكنهم يُحَدِّثُونَ فيكذبون، ويحلفون، ويأثمون". [67] وأما آخره وهو قوله: "إلا من قال هكذا وهكذا" فلم يرد في شيء من كتب الحديث بعد البحث عنه.

والتجار على قسمين: منهم من يتجنب في بيعه وشرائه وسائر معاملاته جميع المحرمات: كالربا والغش والخديعة والكذب والحلف الباطل؛ وهو مع ذلك يخرج حق الله وحق العباد من نفسه وماله.

فأهل هذا القسم لا يبعثون يوم القيامة فجارا بنص الكتاب والسنة وإجماع الأئمة، بل يبعثون سعداء كما كانوا في الدنيا سعداء؛ بل هم أفضل من الفقراء الصابرين كما قال جماعة، لأنهم يفعلون ما يفعل الفقراء ويزيدون بالزكوات والصدقات؛ وفي هذين من نفع المسلمين ما يربو ثوابه على كثير من الأعمال القاصرة، هذا هو القسم الأول وهم المرادون بقوله ﷺ في الحديث: "إلا من اتقى الله وبر وصدق"، [68] وهم المرادون بقوله أيضا في الحديث الصحيح: "التاجر الصدوق الأمين يحشر مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين يوم القيامة". [69]

وروى الشيخ أبو نعيم والبيهقي حديث: "من طلب الدنيا حلالا، تعففا عن المسألة، وسعيا على عياله، وتعطفا على جاره، لقي الله ووجهه كالقمر ليلة البدر". وقال لقمان لابنه: استعن بالكسب الحلال عن الفقر، فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال: رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهاب لمروءته، وأعظم من هذه الثلاث: استخفاف الناس به.

وسئل بعض التابعين عن التاجر الصدوق: أهو أحب إليك أم المتفرغ للعبادة؟ فقال: التاجر الصدوق أحب إليَّ، لأنه في جهاد: يأتيه الشيطان من طريق المكيال والميزان، ومن قبل الأخذ والعطاء، فيجاهده، أي: ولا يطاوعه فيما يأمر به من المحرمات. وقيل للإمام أحمد بن حنبل: ما تقول فيمن جلس في بيته أو مسجده وقال: لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي، فقال أحمد: هذا رجل لم يسمع العلم، أَمَا سمع قول النبي ﷺ: "جعل رزقي تحت ظل رمحي"، [70] وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم؛ والقدوة بهم رضي الله عنهم.

والقسم الثاني: هم الذين لا يجتنبون في بيعهم وشرائهم ومعاملاتهم المحرمات: كالربا والغش والحلف الباطل وغير ذلك من القبائح التي انطوى عليها أكثر التجار؛ وهؤلاء فجار في الدنيا والآخرة، وهم ممن قال الله فيهم: {إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ} الآية. وفي مسلم: "ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة: رجل حلف على سلعة، لقد أُعْطِيَ بها أكثر مما أعطى وهو كاذب"، [71] وروى أبو يعلى أنه ﷺ قال: "لا يزال قول لا إله إلا الله يدفع عن الخلق ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على آخرتهم". وأهل هذا القسم هم المرادون بقوله ﷺ: "إن التجار هم الفجار" [72] الحديث.

المراد بعلم التنجيم

(مسألة): وقع في عبارة الفقهاء ما يصرح بتحريم علم التنجيم، هل المراد حساباته أو أحكامه؟

(الجواب): الأحكام المتعلقة بالنجوم منها ما هو واجب كالاستدلال بها على القبلة والأوقات واختلاف المطالع واتحادها ونحو ذلك، ومنها ما هو جائز كالاستدلال بها على منازل القمر وعروض البلاد؛ ومنها ما هو حرام كالاستدلال بها على وقوع الأشياء المُغَيَّبَة بأن يقضي بوقوع بعضها مستدلا بها عليه بخلاف ما إذا قال: إن الله سبحانه وتعالى اطَّردت عادته بأن هذا النجم إذا حصل له كذا كان ذلك علامة على كذا، فهذا لا منع منه لأنه لا محذور فيه. [73]

من هو الغالي في القرآن والجافي عنه

(مسألة) في قوله ﷺ: "إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام السلطان المقسط"، وما معنى قوله ﷺ: "من مسح رأس يتيم كان له بكل شعرة تمر يده عليها حسنات"، [74] هل المراد من المسح حقيقة، أو الكناية عن الشفقة عليه والتلطف به؟

(الجواب): المراد بالغالي فيه: المتجاوز لما فيه من الحدود والأحكام الاعتقادية والعملية والآداب والأخلاق الظاهرة والباطنة. فمن حفظ ألفاظه وتجاوز شيئا من هذه المذكورات كان غير مستحق للإكرام والتعظيم بحسب ما ارتكبه؛ بمعنى أنه يؤاخذ به ويذم عليه من حيث ارتكابه لذلك، وإن كان يستحق التعظيم والإكرام لكونه مسلما، أو حافظا للقرآن؛ فليس المراد نفي التعظيم له مطلقا بل الاعتبار للذي ذكرته فتأمله.

والمراد بالجافي: من لا يخضع لما فيه من الآيات الباهرات والأدلة المتكاثرة، ولا يتأمل ما اشتمل عليه نظمه من بدائع المعاني بل يمره بلسانه مع قساوة قلبه وجفاوة لبه، فهو كحمار الرحى وثور الحراثة. ولسنا متعبدين بمجرد حفظه، وإنما المقصود الأعظم بإنزاله والتعبد بحفظ ألفاظه هو هداية القلوب، ورجوعها بالاستكانة والخضوع إلى علام الغيوب، وتنزهها عن كل خلق ذميم؛ وعمل دميم، فمن ظفر بذلك مع حفظه فقد ظفر بالكنز الأعظم.

ومن أخذ بالأول فقد أخذ من الكمال ما يستحق بسببه أن يكرم ويعظم، ومن قنع بحفظ ألفاظه وخلا عن تلك المعاني بأن غلا وتجافى فهو بعيد عن الكمال، غير مستحق أن يبلغ به مبالغ الكُّمَّل من الرجال، فهذا -والله أعلم- هو المراد من الحديث. ويؤيد ما ذكرته ما روى أحمد وأبو يعلى والطبراني والبيهقي: "اقرؤوا القرآن واعملوا به، ولا تجفوا عنه ولا تغلوا فيه، ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به". [75]

والمراد من المسح على رأس اليتيم حقيقته، كما بينه آخر الحديث: "من مسح على رأس يتيم ولم يمسح إلا لله، كان له بكل شعرة تمر عليها يده عشر حسنات، ومن أحسن في يتيم عنده كنت أنا وهو في الجنة كهاتين" وقرن بين أصبعيه. [76] وخص الرأس بذلك لأن في المسح عليه تعظيما لصاحبه، وشفقة عليه، ومحبة له، وجبرا لخاطره، وهذه كلها مع اليتيم تقتضي هذا الثواب الجزيل.

وأما الإحسان إليه فهو أعلى وأجل، وقد ذكر بعده فيه القرب منه ﷺ في الجنة حتى يكون كالإصبعين، فهو أعظم من إعطاء حسنات بعدد شعر الرأس، وقد روى البيهقي أنه ﷺ قال: "إذا أردتَ أن يلين قلبك فأطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم". [77]

قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ}

(مسألة) في قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ}.

(الجواب): أن الرزق في اللغة: الحظ والنصيب، ومنه قوله تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} أي: تجعلون حظكم ونصيبكم من سماع القرآن تكذيبكم به وبمن أنزل عليه، وأما في عرف الشرع: فهو أخص من ذلك؛ إذ هو ما تخصص به الحيوان وتمكن من الانتفاع به. وقد يطلق على ما يعم النعم الظاهرة والباطنة، ومن ثم قال جماعة من المفسرين وغيرهم: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} يحتمل أن المراد الإنفاق من جميع ما منحهم الله تعالى به من النعم الظاهرة؛ إذ الإنفاق كما يكون من هذه، كذلك يكون من النعم الباطنة كالعلم والجاه، ومن ثم قال ﷺ فيما رواه ابن أبي شيبة: "إن علما لا يقال - أي لا يُتَحَدَّثُ به - ككنز لا يُنْفَقُ منه". [78]

وروى الطبراني مرفوعا: "مثل الذي يتعلم العلم ثم لا يتحدث به كمثل الذي يكنز الكنز ثم لا ينفق منه". [79] وأما تناول الإنسان من الحرام يسمى رزقا كما دلت عليه الآيات والأحاديث.

الكلام في كرامات الأولياء

(مسألة): كرامات الأولياء حق، فهل تنتهي إلى إحياء الموتى وغيرها من معجزات الأنبياء؟

(الجواب): كرامات الأولياء حق عند أهل السنة والجماعة خلافا للمعتزلة، وقول الفخر الرازي: إن أبا إسحاق الأسفرايني أنكرها، مردود أيضا بأنه إنما أنكر منها ما كان معجزة لنبي كإحياء الموتى، لئلا تختلط الكرامة بالمعجزة. وغلط النووي كابن الصلاح بأنه ليس في كراماتهم معارضة للنبوة، لأن الولي إنما أعطي ذلك ببركة اتباعه للنبي ﷺ، فلا تظهر حقيقة الكرامة عليه إلا إذا كان داعيا لاتباع النبي ﷺ، بريئا من كل بدعة وانحراف عن شريعته ﷺ. فببركة اتباعه يؤيده الله تعالى بملائكته وبروح منه، ويقذف في قلبه من أنواره. والحاصل أن كرامة الولي من بعض معجزات النبي ﷺ، لكن لعظم اتباعه له أظهر الله بعض خواص النبي ﷺ على يدي وارثه ومتبعه في سائر حركاته وسكناته؛ وقد تنزلت الملائكة لاستماع قراءة أسيد.

وكان سلمان وأبو الدرداء يأكلان في صحفة فسبحت الصحفة وما فيها؛ ثم الصحيح أنهم ينتهون إلى إحياء الموتى خلافا لأبي القاسم القشيري. ومن ثم قال الزركشي: ما قاله ضعيف، والجمهور على خلافه، وقد أنكره عليه.

وفي شرح مسلم للنووي: تجوز الكرامات بخوارق العادات على اختلاف أنواعها؛ وخصها بعضهم بإجابة دعوة ونحوها، وهذا غلط من قائله، بل الصواب جريانها بانقلاب الأعيان ونحوه. انتهى.

وقد مات فرس بعض السلف في المنزل، فسأل الله إحياءه حتى يصل إلى بيته، فأحياه الله، فلما وصل إلى بيته قال لولده: خذ سرجه فإنه عارية [80] عندنا فأخذ سرجه فخر ميتا. ولا ينافي إحياء الميت الواقع كرامة لله، لأن الأجل محتوم لا يزيد ولا ينقص لأن من أُحْيِيَ كرامةً، مات أولا بأجله، وحياته وقعت كرامة؛ وكون الميت لا يحيى إلا للبعث هذا عند عدم الكرامة، أما عندها فهو كإحيائه في القبر للسؤال كما صح به الخبر؛ وقد وقع للعزير وحماره، والذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم.

الرد على من ينكر الدعاء

(مسألة): أنكر بعضهم الدعاء ب "اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي" محتجا بحديث: "فرغ ربك من ثلاث: رزقك، وأجلك، وشقي أو سعيد" فهل هو كذلك؟

(الجواب): ليس الأمر كما زعم هذا المنكر، ويلزمه إبطال الدعاء من أصله، لأن كل ما سيقع لك قد فرغ منه. وبذلك قال بعض المبتدعة، فأبطلوا الدعاء من أصله، وقالوا: لا فائدة له؛ ورد عليهم أهل السنة وقالوا: له فائدة، وذلك أن المقدرات على قسمين: منها ما أُبْرِمَ وهو المُعَبَّرُ عنه بما في الكتاب الذي لا يقبل تغير ولا تبدل، ومنها ما علق على فعل شيء، وهو المعبر عنه باللوح المحفوظ القابل للتغيير والتبديل، وأصل ذلك قوله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}.

فمن ذلك حديث: "صلة الرحم تزيد في العمر" [81] بناء على أن المراد بالزيادة حقيقتها لا مجازها الذي هو البركة، بأن يتيسر له في العمر القصير ما لا يتيسر لغيره في العمر الطويل، وإن قال بهذا جمع. وكذلك الدعاء قد يكون المدعو به معلقا على الدعاء، فكان للدعاء فائدة أيّ فائدة على أن الدعاء لا يجتنب أبدا، لأنه إن كان بما علق على الدعاء فواضح وجود الفائدة فيه، وعليه يُحْمَل قوله ﷺ: "لا يرد القضاء إلا الدعاء". [82] وإن كان بما لم يعلق على ذلك ففائدته الثواب، لأن الدعاء من العبادة، بل من أنهاها كما قال ﷺ: "الدعاء مخ العبادة". [83] وأيضا فيبدل الله الداعيَ بدل ما دعا به مما لم يُقَدِّر له ما هو أفضل منه، كما يليق بجوده وكرمه وسعة فضله.

ومن ثَمَّ أطلق تبارك وتعالى الاستجابة للدعاء ولم يقيدها بشيء فقال: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، وقال: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}.

ثم رأيت بعضهم أشار لبعض ذلك، فقال: لا ينكر الدعاء إلا كافر مكذب بالقرآن؛ لأن الله تعالى تَعَبَّدَ عبادَه في غير آية، ووعدهم بالاستجابة على ما سبق في علمه من أحد ثلاثة أشياء على ما ورد في الحديث: استجابة، أو ادخار، أو تكفير عنه.

أخوات سورة هود

(مسألة): ما المراد بأخوات هود في حديث: "شيبتني هود وأخواتها"؟ [84]

(الجواب): المراد بهن: الواقعة والمرسلات وعم والتكوير، رواه الترمذي والحاكم زاد الطبراني والحاقة وابن مردويه: وهل أتاك، وابن سعد: والقارعة، وسأل سائل، واقتربت الساعة.

قطع السدر

(مسألة) في حديث: "من قطع سدرة صَوَّبَ الله رأسه في النار" [85] من رواه؟

(الجواب): رواه كثيرون، وصححه أيضا في المختارة، والأحاديث فيه كثيرة، وهي مؤولة عند العلماء لإجماعهم على جواز قطعه. قال بعض السلف: محلها سدر الحرم، وقال أبو داود: وفي قطع سدرة في فلاة يستظل بها ابن السبيل والبهائم عبثا وظلما بغير حق.

(مسألة): هل يطلق الإسلام على سائر الأمم السابقة عين حقيقتها أو يختص بهذه الأمة؟

(الجواب): رجح ابن الصلاح الأول، وسيأتي ما يصرح به من لفظ القرآن. ورجح غيره الثاني، وهو أن لا يوصف به من الأمم السابقة إلا الأنبياء فقط، وشرفت هذه الأمة بأن وُصفت بما وُصف به الأنبياء تشريفا وتكريما.

(مسألة): ما عدد الأنبياء والرسل؟

(الجواب): روى الطبراني بسند رجاله الصحيح أن رجلا قال: "يا رسول الله، أنبيٌّ آدم؟ قال: نعم. قال: كم بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قرون. قال: كم بين نوح وإبراهيم؟ قال: عشرة قرون. قال: يا رسول الله، كم كانت الرسل؟ قال: ثلاثمائة وخمسة عشر"، وخرَّج ابن حبان والحاكم في صحيحه عن أبي ذر قلت: "يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألفا قلت: يا رسول الله، كم الرسل؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر جَمٌّ غفير". [86] ولا ينافي ذلك قوله تعالى: {مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} لأن هذا إما إخبار عما قص الله أو أنه قص عليه الكل بعد نزول تلك الآية. وبه يجاب أيضا عن التخالف بين الروايتين فيحمل أنه قص عليه أولا ثلاثمائة وثلاثة عشر، ثم ثانيا ثلاثمائة وخمسة عشر، فأخبر عن كلٍّ بما قص عليه وقت الإخبار به.

(مسألة): ما المعتمد في الخضر هل هو نبي حي؟ وكذا إلياس، أفتونا؟

(الجواب): حياتهما ونبوتهما، وأنهما خُصا بذلك في الأرض، كما خُص إدريس وعيسى صلى الله عليهما وسلم ببقائهما حيين في السماء.

(مسألة): كم بين عيسى وموسى وبين عيسى ونبينا محمد ﷺ؟

(الجواب): الأول ألف وتسعمائة سنة، والثاني نحو ستمائة على الأشهر.

(مسألة): الطفل هل يحشر على صورته، وهل يتزوج الحور؟

(الجواب): الطفل يكون في الحشر على صورة خلقته، ثم عند دخول الجنة يزاد فيه حتى يكون كالبالغ، ثم يتزوج من نساء الدنيا ومن الحور.

(مسألة): حديث: (يدخل أهل الجنة الجنة مُردا مُكحلين وأبناء ثلاث وثلاثين على خلق آدم سبعون ذراعا في عرض سبعة)، مَنْ رواه؟

(الجواب): رواه أحمد وابن أبي الدنيا والطبراني في الأوسط.

(مسألة): من أين يخرج المهدي؟

(الجواب): ثبت في أحاديث أنه يخرج من قِبَل المشرق، وأنه يُبايع له بمكة بين الركن والمقام، وأنه يسكن بيت المقدس.

(مسألة): كم يقيم عيسى عليه السلام بعد نزوله؟

(الجواب): يقيم سبع سنين كما صح في مسلم، ولا ينافيه حديث الطيالسي أنه يقيم أربعين سنة، لأن المراد مجموع لبثه في الأرض قبل الرفع وبعده؛ لأنه رفع وسنه ثلاث وثلاثين سنة.

(مسألة): ما الفرق بين الشبيه والمثيل والنظير؟

(الجواب) الثلاثة متحدة لغة، وأما اصطلاحا: فظاهر قول شراح العقائد عن الأشعرية: المماثلة إنما أثبتت عندهم بالاشتراك في جميع الأوصاف؛ فإن المثل أخصها؛ لأن المماثلة تستلزم المشابهة وزيادة، والشبيه أعم من المثيل وأخص من النظير. والنظير أعم من الشبيه؛ إذ المشابهة لا تستلزم المماثلة فقد يكون شبيه الشيء غير مماثل له، والنظير قد لا يكون مشابها. والحاصل أن المماثلة تقتضي المساواة من كل وجه، والمشابهة تقتضي ذلك في الأكثر؛ والمناظرة تكفي ذلك في وجه.

(مسألة): هل ورد مشروعية التكبير أواخر قصار المفصل؟ وهل هو خاص في حق غير المصلي؟

(الجواب): حديث التكبير ورد من طرق كثيرة عن أحمد بن أبي بريدة البزي، قال: سمعت عكرمة بن سليمان يقول: قرأت على إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين فلما بلغت والضحى، قال لي: كبر عند خاتمة كل سورة حتى تختم، وأخبره أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك، وأخبره مجاهد أن ابن عباس أمره بذلك، وأخبره ابن عباس أن أبي بن كعب أمره بذلك، وأخبره أبيُّ أن النبي ﷺ أمره بذلك، وقد أخرجه الحاكم في صحيحه عن البزي، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. انتهى.

قال الشافعي رحمه الله: إن تركت التكبيرَ تركت سنة. قال الحافظ العماد ابن كثير: وهذا من الشافعي يقتضي صحة هذا الحديث. ومما يقتضي صحته أيضا أن أحمد بن حنبل رواه، وقد كان أحمد يجتنب المنكرات، فلو كان منكرا ما رواه. وقد صح عند أهل مكة: فقهائهم وعلمائهم ومن روى عنهم، وصحته استفاضت وانتشرت حتى بلغت حد التواتر.

واختلفوا في ابتدائه فقيل: من أول سورة الضحى، والجمهور على أنه من أول سورة ألم نشرح إلى آخر الناس، ولا فرق في ندب التكبير بين المصلي وغيره؛ فهو سنة حتى في الصلاة، كما نص عليه الشافعي وشيخه سفيان بن عيينة وابن جريج وغيرهم، ونقله جماعة من أئمتنا، وأفتوا به مَنْ يعمل به في صلاة التراويح، وأنكروا على من أنكر ذلك. وقال الحليمي: نكتة التكبير تشبيه القرآن بصوم رمضان إذا تمت عدته يكبر، فكذا هنا يكبر إذا كمل عدة السور، قال: وصفته: أن يقف بعد كل سورة ويقول: الله أكبر. قال سليمان الرازي: ومن لا يكبر من القراء فحجتهم في ذلك: سد الذريعة عن الزيادة في القرآن بأن يداوم عليها فَيُتَوهم أنها منه.

(مسألة): ما معنى لعن المسلم كقتله؟

(الجواب): أنه كقتله في الحرمة الشديدة، لأن لعن المسلم حرام؛ بل لعن الحيوان كذلك؛ وسبب ذلك: أن اللعن عبارة عن الطرد والإبعاد عن الله، وذلك غير جائز إلا مَنْ اتصف بصفة يبعده عن الله تعالى وهو الكفر والبدعة والفسوق، فيجوز لعن المتصف بواحدة من هذا باعتبار الوصف الأعم، نحو: لعنة الله على الكافرين والمبتدعة والفسقة، والوصف الأخص نحو: لعن الله اليهود والخوارج والقدرية والروافض والزناة والظلمة وآكلي الربا، وأما المُعَيَّنُ فإن كان حيا لم يجز مطلقا إلا إن علم أنه يموت على الكفر كإبليس، وإن لم يعلم موته على الكفر لم يجز لعنه، وإن كان كافرا في الحال؛ لأنه ربما يسلم فيموت مقربا عند الله تعالى فكيف يُحكم بكونه ملعونا مطرودا.

نعم يجوز أن يقال: لعنه الله إن مات كافرا، وكذا قال في فاسق ومبتدع معين، إن مات ولم يتب، ومن ثم لم يجز لعنُ يزيد بن معاوية. وتشبيه لعن المؤمن بقتله إنما هو في أصل التحريم، أو لكون كل منهما كبيرة، وليس بلازم في المشبه أن يعطى حكم المشبه به من كل وجه. والله أعلم.

(مسألة): في قوله في حديث ابن عباس الذي رواه البخاري في حديث القبرين: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير"، ثم قال: "بلى إنه كبير"، وفيه: "ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منهما كسرة. فقيل: يا رسول الله، لِمَ فعلتَ هذا؟ فقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا"، [87] ما الحكمة في ذلك؟ وهل لكل أحد أن يفعل ذلك في أيّ قبر؟ وهل المعذبان مسلمان أو كافران؟

(الجواب): قوله: (وما يعذبان في كبير) ثم قال: بلى أي: يعذبان في كبير، والجمع بينهما: أي ليس بكبير عندكم، ولكنه كبير عند الله كما في قوله تعالى: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ}. والمراد بقوله: وما يعذبان في كبير)، أي: في أمر كان يكبر ويشق عليهما الاحتراز منه؛ إذ لا مشقة في التنزه عن البول والنميمة، وليس المراد أن ذلك ليس بكبير في أمر الدين؛ بل هو محمول على أنه سأل الشفاعة لهما؛ فأجيب شفاعته بأن يخفف عنهما إلى أن ييبسا، وليس لليابس تسبيح وقوله: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} أيُّ شيءٍ حي؛ وحياة كل شيء بحسبه ما لم ييبس، والحجر ما لم يقطع.

والجمهور أن هذا التسبيح على عمومه: إما حقيقة، وهو قول المحققين إذ العقل لا يحيله، أو أنه بلسان الحال باعتبار دلالته على الصانع.

وأما المعذبان فإنهما مسلمان؛ إذ الكافر لا يسأل له النبي ﷺ الشفاعة. وتقدم عن العلماء أنه محمول عندهم على أنه سأل الشفاعة لهما فأجيب. وقوله: وهل لكل أحد أن يفعل ذلك؟ فيقال: نعم يسن فعل ذلك لكل أحد اتباعا له ﷺ فإن الأصل في أفعاله ﷺ التأسي إلا ما دل دليل على الخصوصية، ولا دليل هنا، والله أعلم.

ابن صياد هو الدجال أو غيره

(مسألة): ابن صياد هل هو الدجال أو غيره؟

(الجواب): اختلف في ذلك الصحابة رضوان الله عليهم فكثير منهم قالوا: إنه هو، وكان بعضهم يحلف على ذلك كجابر بن عبد الله وعمر بن الخطاب وابنه عبد الله. وقال الآخرون: إنه غيره، وهو الأشهر، وعليه يدل صريحا ما في حديث مسلم الطويل، حديث الجساسة المنعوت فيه الدجال بأوصاف لا تنطبق على ابن صياد، منها: أنه مسلسل في جزيرة من جزائر البحرين؛ وابن صياد إذ ذاك بالمدينة، على أنه ورد أنه أسلم بعد رسول الله ﷺ وقد تزوج وولد له. وأما ما ورد أيضا أنه فُقِدَ ولم يُدْرَ أين ذهب، فهذا لا يدل على أنه الدجال كما هو ظاهر، والله أعلم.

آخر مسائل ابن حجر، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

البيع على البيع والشراء على الشراء

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

(المسألة الأولى): من قال لمن اشترى بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو قال لمن باع سلعة بتسعة: عندي فيها عشرة، ليفسخ البيع ويعقد معه.

فهذه المسألة لها صور: فإن الأولى تسمى: بيع الرجل على بيع أخيه، والصورة الثانية: الشراء على شراء أخيه، وفعله حرام؛ ويتصور ذلك في خيار المجلس، وخيار الشرط وهو محرم؛ لقول النبي ﷺ: "ولا يبع بعضكم على بيع بعض". [88]

ومثله أن يقول: أبيعك خيرا منها بثمنها، أو يعرض عليه سلعة يرغب فيها المشتري؛ ليفسخ البيع؛ ويعقد معه؛ فلا يجوز ذلك، للنهي عنه، ولما فيه من الإضرار بالمسلم والإفساد عليه؛ ولأن النبي ﷺ "نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه" متفق عليه. وهذا في معنى الخاطب فإن خالف وفعل: فالبيع الثاني باطل، للنهي عنه؛ والنهي يقتضي الفساد.

وفيه وجه آخر أنه يصح لأن المُحَرَّم هو عرض سلعته على المشتري، وذلك سابق على البيع ولأن النهي لحق آدمي فأشبه بيع النجش؛ وهذا مذهب أحمد. وقال الشيخ تقي الدين: يحرم الشراء على شراء أخيه، فإن فعل كان للمشتري الأول مطالبة البائع بالسلعة وأخذ عوضها.

اشتراط المشتري على البائع شرطين

(وأما المسألة الثانية): وهي إذا اشترط المشتري على البائع شرطين: كحمل الحطب، وتكسيره: فهذه المسألة فيها قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد: أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي، وعن أحمد أن ذلك جائز، وهو اختيار الشيخ تقي الدين، واحتج من أبطل ذلك بما روى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع. ولا تَبِعْ ما ليس عندك" [89] أخرجه أبو داود والترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.

واختلف أهل العلم في تفسير الشرطين المنهي عنهما، فروي عن أحمد: أنهما شرطان صحيحان ليسا من مصلحة العقد، فحكى ابن المنذر عنه وعن إسحاق فيمن اشترى ثوبا وشرط على البائع خياطته وقصارته، أو طعاما واشترط طحنه وحمله؛ إن شرط أحد هذه الأشياء فالبيع جائز.

وإن شرط شرطين: فالبيع باطل. وكذلك فسر القاضي الشرطين المبطلين بنحو هذا التفسير، وكذلك روي عن أحمد أنه فسر الشرطين أن يشتريها على أنه لا يبيعها لأحد، ولا يطأها، ففسره بشرطين فاسدين. ومحل الخلاف إذا لم يكونا من مصلحة العقد، فأما إن كانا من مصلحة العقد كالشرط والرهن والضمين: فإن ذلك يصح، اختاره الموفق والشارح والمجد وغيرهم من العلماء.

اشترى سلعة فوجدها معيبة

(وأما المسألة الثالثة): وهي إذا اشترى سلعة فوجدها معيبة، فقال البائع: العيب حدث عند المشتري، وقال المشتري: هي معيبة قبل الشراء، ولا بينة لهما: هذه المسألة فيها روايتان عن أحمد:

إحداهما: أن القول قول البائع مع يمينه، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، لأن الأصل سلامة البيع، وصحة العقد، ولأن المشتري يدعي أنه يستحق فسخ المبيع، والبائع ينكره؛ والقول قول المنكر.

والرواية الثانية: أن القولَ قولُ المشتري مع يمينه، فيحلف بالله أنه اشتراه وبه هذا العيب، أو أنه ما حدث عنده ويكون له الخيار؛ اختارها الخرقي لأن الأصل عدم القبض في الجزء الفائت، واستحقاق ما يقابله من الثمن. والقول الأول أظهر، والله أعلم.

قال في الإنصاف: ومحل الخلاف إذا لم يخرج عن يده، فإن خرج عن يده إلى غيره، لم يجز له رده، نقله مهنا، واقتصر عليه في الفروع، والله أعلم.

معنى بيع الدين بالدين

(أما المسألة الرابعة): وهو ما معنى بيع الدين بالدين؟ فله صور كثيرة: منها: بيع ما في الذمة حالّ من عروض وأثمان بثمن إلى أجل ممن هو عليه.

ومنها: جعل رأس مال السلم دينا، فإذا جعل الثمن دينا كان بيع دين بدين، ولا يصح بالإجماع، واختار الشيخ تقي الدين جواز ذلك، وكذلك ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين، وادعى أنه ليس في ذلك إجماع.

ومنها: لو كان لكل واحد من الاثنين دين على صاحبه من غير جنسه كالذهب والفضة، وتصارفا لم يحضرا شيئا: فإنه لا يجوز سواء كانا حالَّين أو مؤجلين، نص عليه أحمد فيما إذا كانا نقدين، واختار الشيخ تقي الدين الجواز.

ومنها لو كان لرجلين دين على رجلين من ذهب أو فضة وتبايعا ذلك، وصار غريم زيد عن غريم لعمرو، وغريم عمرو بما لزيد؛ وذلك لا يجوز بغير خلاف.

تشقق الثمر ثم بيع النخل

(وأما المسألة الخامسة): وهي إذا باع نخلا قد تشقق طلعه ولم يشترط المشتري الثمرة، ثم تنازعا بعد ذلك في الثمرة، فأكثر أهل العلم على أن الثمر إذا تشقق، ثم بيع النخل بعد ذلك، ولم يشترط المشتري الثمرة، فإنها تكون للبائع، سواء أُبِّرَتْ أو لم تُؤَبَّرْ.

وبالغ الموفق رحمه الله في ذلك وقال: لا خلاف فيه بين العلماء، وعن أحمد رواية ثالثة؛ وهو أن الحكم منوط بالتأبير، وهو التلقيح، لا بالتشقق؛ فعليها لو تشقق ولم يؤبر تكون الثمرة للمشتري؛ ونصر هذه الرواية الشيخ تقي الدين واختارها في الفائق. وأما قبل التشقق فهي للمشتري، وبه قال مالك والليث والشافعي، وقال ابن أبي ليلى: هي للمشتري في الحالين؛ وقال أبو حنيفة والأوزاعي: هي للبائع في الحالين.

ووجه الأول: ما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترط المبتاع" [90] وهذا صريح في قول ابن أبي ليلى، وحجة على أبي حنيفة والأوزاعي بمفهومه؛ لأنه جعل التأبير حدا لملك البائع للثمرة فيكون ما قبله للمشتري؛ وإلا لم يكن حدا؛ ولا كان التأبير مفيدا.

أسلم في ثمرة بستان بعينه ست سنين

(وأما المسألة السادسة): وهي من أسلم في ثمرة نخل بعينه ست سنين، أيصح ذلك أم لا؟

فالسلم، والحالة هذه، باطل، قال ابن المنذر: إبطال السلم إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه كالإجماع من أهل العلم؛ وممن حفظنا ذلك عنه: الثوري ومالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي، قال: وروينا عن النبي ﷺ أنه أسلم إليه رجل من اليهود دنانير في تمر مسمى، قال اليهودي: من تمر حائط بني فلان؛ فقال النبي ﷺ: "أما من تمر حائط بني فلان فلا، ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى" رواه ابن ماجه وغيره ورواه الجوزجاني في المترجم. وقال: أجمع الناس على الكراهة لهذا البيع.

سبل في أرض نقدا معلوما ثم امتنعت المعاملة به

(وأما المسألة السابعة): وهي إذا سَبلَ في أرض نقدا معلوما ثم امتنعت المعاملة به، ما الحكم في ذلك؟ فهذه المسألة نظيرة القرض إذا اقترضه فلوسا فحرمها السلطان، فذكر أهل العلم: أن له القيمة وقت القرض، حتى أن الشيخ تقي الدين رحمه الله طرد ذلك في الديون كالصداق وعوض الخلع والغصب والصلح، فإذا اقترضه فلوسا أو باعه بها، ونحو ذلك ثم حرمها السلطان، وتُرِكَتْ المعاملة بها بعد ذلك، فإنه يرجع بقيمتها على من هي عليه، فهذه المسألة مثلها؛ فإذا جعل الواقف نقدا معلوما في أرض ونحوها، ثم حرمه السلطان وتركت المعاملة به، جعل بدله مكانه قيمة تلك الفلوس قبل كسادها.

اختلاف الراهن والمرتهن في قدر الدين

(وأما المسألة الثامنة): وهي إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدر الدين، فقال الراهن: الرهن في ثمانية، وقال المرتهن: في عشرة؛ ولا بينة لهما، فقد اختلف العلماء رحمهم الله في ذلك: فقال مالك: القول قول المرتهن ما لم يدع أكثر من ثمن الرهن أو قيمته.

وحكي ذلك عن الحسن وقتادة، واختاره الشيخ تقي الدين وابن القيم، قالوا: لأن الله سبحانه جعل الرهن بدلا من الكتابة والشهود التي تنطق بالحق، فلو لم يقبل قول المرتهن في ذلك بطلت التوثقة من الرهن به، وادعى الراهن أنه رهنه على أقل شيء: فلم يكن في الرهن فائدة. ولأن الله أمر بكتابة الدين، وأمر بإشهاد الشهود، ثم أمر بعد ذلك بما تحفظ به الحقوق عند عدم القدرة على الكتابة والشهود وهو السفر في الغالب فقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} فدل ذلك دلالة بينة أن الرهن قائم مقام الكتابة، والشهود شاهدٌ مخبرٌ بالحق، كما يخبر الكتاب والشهود، فلو لم يقبل قول المرتهن على الراهن في قدر الدين، لم يكن الرهن وثيقة ولا حافظا لدينه؛ ولا بد من الكتابة والشهود، فإن الراهن يتمكن من أخذه منه، ويقول: إنما رهنته على درهم ونحوه. وهذا القول هو أرجح القولين.

والقول الثاني: أن القول قول الراهن، وبه قال النخعي والثوري والشافعي والبتي وأبو ثور وأصحاب الرأي، قالوا: لأن الراهن منكر للزيادة التي يدعيها المرتهن،

والقول قول المنكر، لقول رسول الله ﷺ: "لو يُعْطَى الناس بدعواهم لأخذ قوم دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" [91] رواه مسلم. وفي الحديث الآخر: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر"؛ [92] ولأن الأصل براءة الذمة من الزائد، فكان القول قول من ينفيه كما اختلفا في قدر الدين.

ضمان المجهول

(وأما المسألة التاسعة): وهي ضمان المجهول كمن ضمن على إنسان دينا لا يعلم قدره، ثم علم ذلك، فالصحيح في هذه المسألة صحة ذلك، وهو قول أبي حنيفة وأحمد، وهو اختيار الشيخ ابن القيم لقول الله تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} وحمل البعير غير معلوم بل يختلف باختلافه، ولعموم قوله عليه السلام: "الزعيم غارم" [93] ولأنه التزام حق في الذمة من غير مفاوضة؛ فصح في المجهول كالنذر. وقال الثوري والليث وابن أبي ليلى والشافعي وابن المنذر: لا يصح، لأنه التزام؛ فلم يصح مجهولا كالثمن.

ضمان الوكيل فيما خالف فيه موكله

(وأما المسألة العاشرة): وهي من وكل رجلا في بيع سلعة بعشرة، فباعها بثمانية، ووكله في شراء سلعة بثمانية، فاشتراها بعشرة ما الحكم في ذلك؟ فهذه المسألة فيها قولان للعلماء: هما روايتان عن أحمد: إحداهما): أن حكمه حكم من لم يؤذن له في البيع؛ فيكون تصرفه كتصرف الأجنبي فلا يصح البيع؛ وهذا قول أكثر أهل العلم؛ واختاره الموفق رحمه الله قال في الشرح: وهو أقيس، لأنه بيع غير مأذون فيه أشبه بيع الأجنبي، وكل تصرف كان الوكيل فيه مخالفا لموكله، فحكمه حكم تصرف الأجنبي.والرواية الثانية): أن البيع صحيح ويضمن الوكيل النقص، لأنه من صح بيعه بثمن المثل صح بدونه، كالمريض. قال في الاختيارات: قال في المحرر: وإذا اشترى المضارب أو الوكيل بأكثر من ثمن المثل صح ولزم النقص أو الزيادة، نص عليه. قال أبو العباس: وكذلك الشريك والوصي والناظر على الوقف وبيت المال ونحو ذلك.

قال: وهذا ظاهر فيما إذا فرَّط، وأما إذا احتاط في البيع والشراء ثم ظهر غبن أو عيب لم يقصر فيه، فهذا مغرور يشبه خطأ الإمام والحاكم، وأبين من هذا الناظر والوصي والإمام إذا باع أو آجر أو زارع ثم تبين أنه بدون القيمة بعد الاجتهاد ثم تبين أن المصلحة كانت في خلافه؛ وهذا باب واسع. ولكن الشريك والمضارب: فإن عامة من يتصرف لغيره بوكالة أو ولاية قد يجتهد ثم يظهر فوات المصلحة أو حصول المفسدة، لا لوم عليه فيها، وتضمين مثل هذا فيه نظر.

وقال أبو حفص في المجموع: وإذا سمى له ثمنا فنقص منه، فنص الإمام أحمد في رواية منصور: إذا أمر رجلا أن يبيع له شيئا فباع بأقل، قال: البيع جائز وهو ضامن.

قال أبو العباس: لعله لم يقبل قولهما على المشتري في تقدير الثمن، لأنهما يدعيان فساد العقد؛ وهو يدعي صحته، فكان القول قوله، ويضمن الوكيل النقص. انتهى في الاختيارات ملخصا.

الاختلاف في قسمة ربح المضاربة

(وأما المسألة الحادية عشر): وهي إذا دفع إلى إنسان مالا مضاربة فاشترط لأحدهما ثلث الربع، وللآخر الثلثين؛ ثم اختلف العامل ورب المال فيمن له الثلث ولا بينة لهما؛ فقال في الشرح: إذا اختلفا فيما شرطا للعامل ففيه روايتان:

(إحداهما): القول قول رب المال؛ نص عليه أحمد في رواية منصور وسندي؛ وبه قال الثوري وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر لأن رب المال منكر للزيادة التي ادعاها العامل؛ والقول قول المنكر، والرواية الثانية): أن العامل إن ادعى أجرة المثل، وما يتغابن الناس به، فالقول قوله، لأن الظاهر صدقه، وإن ادعى أكثر فالقول قول رب المال فيما زاد على أجرة المثل، كالزوجين إذا اختلفا في الصداق. وقال الشافعي: يتحالفان لأنهما اختلفا في عوض عقد فيتحالفان كالمتبايعين؛ ولنا قول النبي ﷺ: "ولكن اليمين على المدعى عليه" [94] ولأنه اختلاف في المضاربة فلم يتحالفا كسائر اختلافهما؛ والمتبايعان يرجعان إلى رؤوس أموالهم بخلاف ما نحن فيه.

أعطى ثوبه خياطا بلا عقد ثم اختلفا في قدر الأجرة

(وأما المسألة الثانية عشر): وهي إذا أعطى ثوبه خياطا بلا عقد؛ ثم اختلفا في قدر الأجرة؛ فقال في الشرح: إذا دفع ثوبه إلى خياط ليخيطه أو قصار ليقصره من غير عقد ولا شرط ولا تعريض بأجرة؛ مثل أن يقول: خذ هذا فاعمله، وأنا أعلم أنك إنما تعمل بأجرة؛ وكان القصار والخياط منتصبين لذلك ففعلا ذلك، فلهما الأجرة لأن العرف الجاري بذلك يقوم مقام القول؛ فصار كعقد البلد، ولأن شاهد الحال يقتضيه فصار كالتعريض.

فأما إن لم يكونا منتصبين لذلك: لم يستحقا أجرة إلا بعقد أو شرط أو تعريض به؛ لأنه لم يجر عرف يقوم مقام العقد، فهو كما لو تبرع به. وفي المسألة قول آخر: له الأجرة مطلقا سواء كان منتصبا للعمل بأجرة أو لم يكن؛ قال في الإنصاف: وهو الصحيح من المذهب؛ وعليه كثير من الأصحاب.

اختلف المعير والمستعير في الدابة بعد مضي المدة

(وأما المسألة الثالثة عشر): إذا اختلف المعير والمستعير في الدابة بعد مضي المدة؛ فقال المالك: أجرتك؛ وقال الآخر: أعرتني ولا بينة لهما؛ فقال في الشرح: إذا اختلف الراكب ورب الدابة، فقال المالك: هي عارية، وقال رب الدابة: أكريتكها، وكانت الدابة باقية لم تنقص، وكان الاختلاف عقيب العقد: فالقول قول الراكب؛ لأن الأصل عدم عقد الإجارة وطرد الدابة إلى مالكها إذا كلف الراكب، لأن الأصل براءة ذمته منها.

وإن كان الاختلاف بعد مضي مدة لها أجرة: فالقول قول المالك فيما مضى من المدة دون ما بقي منها؛ وحكي ذلك عن مالك؛ وقال أصحاب الرأي: القول قول الراكب؛ وهو منصوص الشافعي لأنهما اتفقا على تلف المنافع على ملك الراكب، وادعى المالك، عوضا لها. والأصل عدم وجوبه وبراءة ذمة الراكب منه؛ فكان القول قوله.

ولنا أنهما اختلفا في كيفية انتقال المنافع إلى ملك الراكب، فكان القول قول المالك، كما لو اختلفا في عين فقال المالك: بعتكها، وقال الآخر: وهبتها؛ ولأن المنافع تجري مجرى الأعيان في الملك والعقد عليها، ولو اختلفا في الأعيان كان القول قول المالك كذا هنا، وما ذكروه يبطل بهذه المسألة فيحلف المالك وتُسْتَحَقُ الأجرة، والله تعالى أعلم.

غرس في أرض غيره بغير إذنه فطلب صاحب الأرض قلع غرسه

(وأما المسألة الرابعة عشر): وهي إذا استولى على أرض غصب، وبنى فيها وغرس. ثم نازع المغصوب منه الغاصب بالقلع وأرش نقصها والتسوية والأجرة، فقال في الشرح: من غرس في أرض غيره بغير إذنه أو بنى فيها فطلب صاحب الأرض قلع غرسه وبناه لزم ذلك، ولا نعلم فيه خلافا، لما روى سعيد بن زيد أن النبي ﷺ قال: "ليس لعرق ظالم حق" [95] رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.

وروى أبو داود وأبو عبيد في الحديث أنه قال: فلقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث "أن رجلا غرس في أرض رجل من الأنصار من بني بياضة، فاختصما إلى النبي ﷺ فقضى للرجل بأرضه، وقضى للآخر أن ينزع نخله"، قال: فلقد رأيتها يُضْرَبُ في أصولها بالفؤوس، وإنها لنخل عم، وإذا قلعها لزم التسوية الأرض ورد الأرض إلى ما كانت عليه، لأنه ضرر حصل في ملك غيره بغير فعله، فلزمته إزالته، وعليه ضمان نقص الأرض إن نقصت بالغرس والبناء، وعليه أجرة المثل إلى وقت التسليم.

تفضيل بعض الأولاد في العطية

(وأما المسألة الخامسة عشر): إذا فضل بعض أولاده بعطية مال، فمات قبل المواساة، فالكلام في هذه المسألة في مقامين:

المقام الأول: في جواز التفضيل؛ وعدمه، فمذهب الإمام أحمد رضي الله عنه أن ذلك لا يجوز إذا كان على سبيل الأثرة، فإن خص بعضهم بعطية أو فاضل بينهم أثم، إذا لم يختص بمعنى يبيح التفضيل؛ ووجبت عليه المساواة، إما برد الفاضل أو إعطاء الآخر، حتى يتم نصيبه.

وبهذا قال ابن المبارك، وروي معناه عن مجاهد وعروة، واختار هذا القول الشيخ تقي الدين. وذهب الإمام مالك والثوري والليث والشافعي وأصحاب الرأي إلى جواز التفضيل، وروي معنى ذلك عن شريح وجابر بن زيد والحسن بن صالح، لأن أبا بكر نحل عائشة جذاذ عشرين وسقا، دون سائر أولاده، واحتج الشافعي بقول النبي ﷺ في حديث النعمان بن بشير: "أشهد على هذا غيري" [96] فأمره بتأكيدها دون الرجوع. واحتج من ذهب إلى تحريم التفضيل بما في الصحيحين عن النعمان بن بشير: قال: "تصدق علي أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليها رسول الله ﷺ. فجاء بي إلى رسول الله ﷺ ليشهده على صدقتي، فقال: أكلّ ولدك أعطيته مثله؟ قال: لا. قال: فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم" [97] قال: فرجع أبي، فرد تلك الصدقة. وفي لفظ قال: (فاردده) وفي لفظ: (فأرجعه) وفي لفظ: (فلا تشهدني على جور )، وفي لفظ: (فأشهد على هذا غيري)، وفي لفظ: (سوّ بينهم) متفق عليه. وهو دليل على التحريم؛ لأنه سماه جورا، وأمره برده، وامتنع من الشهادة عليه؛ والجور حرام، والأمر يقتضي الوجوب ولأن تفضيل بعضهم يورث بينهم العداوة والبغضاء وقطيعة الرحم، فمنع منه، كتزويج المرأة على عمتها وخالتها.

وقول أبي بكر لا يعارض قول النبي ﷺ ولا يحتج به، ويحتمل أن أبا بكر خصها لعجزها عن المكسب والتسبب، مع اختصاصها بفضلها، ولكونها أم المؤمنين، وغير ذلك من خصائصها، ويحتمل أن يكون نحلها، ونحل غيرها من ولده، أو يريد أن ينحل غيرها، فأدركه الموت قبل ذلك، ويتعين حمل حديثه على أحد هذه الوجوه، لأن التفضيل منهي عنه، وأبو بكر لا يفعل المنهي عنه مع علمه بذلك.

وأما قول النبي ﷺ: "أشهد على هذا غيري" [98] فليس بأمر، وكيف يجوز أن يأمر بتأكيده مع أمره برده وتسميته إياه جورا؟ ولو أمره النبي ﷺ بإشهاد غيره لامتثل أمره، ولم يرده لكن قوله: "أشهد على هذا غيري" تهديد، كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ}. فأما إن خص بعضهم لمعنى يقتضي تخصيصه من حاجته أو زمان أو عمى أو كثرة عياله، أو لاشتغاله بالعلم، ومنع بعض ولده لفسقه أو بدعته، أو لكونه يعصي الله بما يأخذه ونحوه، فاختار الموفق جواز ذلك، واستدل له بحديث أبي بكر؛ ولأن بعضهم اختص بمعنى يقتضي العطية، فجاز أن يختص بها كما لو اختص بالقرابة، وأجاب عن حديث النعمان بأنه قضية في عين لا عموم لها. وقد روي عن أحمد ما يدل على جواز ذلك، فإنه قال في تخصيص بعضهم بالوقف: لا بأس إذا كان لحاجة، وأكرهه إذا كان على سبيل الأثرة، والعطية في معنى الوقف. قال في الإنصاف: قلت: وهذا قوي جدا، ويحتمل أن يمنع من التفضيل بكل حال لحديث النعمان، لكون النبي ﷺ لم يستفصل بشيرا في عطيته.

وأما المقام الثاني: وهو إذا فضل أو خص بعضهم، ثم مات قبل الرجوع أو المواساة، فهل تثبت العطية للمعطى أو للباقين؟، فقد اختلفت الرواية في ذلك عن أحمد، فروي عنه أنها تثبت للمعطى، وليس لبقية الورثة الرجوع نص على ذلك في رواية محمد بن الحكم والميموني، واختاره الخلال، وصاحبه أبو بكر، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وأكثر أهل العلم لقول أبي بكر لعائشة لما نحلها: وددت لو أنك حزتيه، فيدل على أنها لو حازته لم يكن لهم الرجوع.

وقال عمر: لا نحلة إلا نحلة يحوزها الولد دون الوالد، والرواية الأخرى: لباقي الورثة أن يرجعوا ما وهبه، اختاره أبو عبد الله ابن بطة وأبو حفص العكبريان، وابن عقيل والشيخ تقي الدين، وصاحب الفائق، وهو قول عروة بن الزبير وإسحاق، قال أحمد: عروة قد روى الأحاديث الثلاثة: حديث عائشة، وحديث عمر، وحديث عثمان، وتركها، وذهب إلى حديث النبي ﷺ ترد في حياة الرجل وبعد موته؛ ولأن النبي ﷺ سمى ذلك جورا بقوله لبشير: "لا تشهدني على جور" [99] والجور لا يحل للفاعل فعله، ولا للمعطى تناوله، والموت لا يغيره عن كونه جورا حراما، فيجب رده؛ ولأن أبا بكر، وعمر رضي الله عنهما أمر قيس بن سعد برد قسمة أبيه حين ولد له، ولم يكن علم به، ولا أعطاه شيئا، وكان ذلك بعد موت سعد، فروى سعيد بإسناده أن سعد بن عبادة، قسم ماله بين أولاده وخرج إلى الشام، فمات بها، ثم ولد له بعد ذلك ولد، فمشى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما إلى قيس بن سعد فقالا: إن سعدا قسم ماله، ولم يدر ما يكون، وإنا نرى أن ترد هذه القسمة، فقال: لم أكن أغير شيئا صنعه سعد، ولكن نصيبي له.

مسائل في الرضاعة

(وأما المسألة السادسة عشر، والسابعة عشر، والثامنة عشر، والتاسعة عشر): وهي مسائل الرضاعة، فهن حلال كلهن، وهو قول جمهور العلماء، فتباح أم المرتضع، وأخته من النسب لأبيه وأخيه من الرضاع، لأنهن في مقابلة من يحرم بالمصاهرة لا في مقابلة من يحرم من النسب.

والشارع ﷺ إنما حرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، لا ما يحرم بالمصاهرة، وتباح المرضعة وبنتها لأبي المرتضع وأخيه من النسب، وتباح أخت ابنه، وأم أخته من الرضاع، ويحرم من النسب؛ لأن أخت ابنه من النسب ربيبة، وأم أخته من النسب زوجة أبيه، فأخت ابنه، وأم أخته يحرمان من النسب، ويباحان من الرضاع.

شهادة الأخ لأخيه

(وأما المسألة العشرون): وهي شهادة الأخ لأخيه، فهي جائزة، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن شهادة الأخ لأخيه جائزة، وروي ذلك عن ابن الزبير، وبه قال شريح وعمر بن عبد العزيز والشعبي والنخعي ومالك والشافعي وأبو عبيد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي، لأنه عدل غير متهم، فصحت شهادته لأخيه كالأجنبي، ولعموم الآيات، ولا يصح قياس الأخ على الوالد والولد؛ لأنهما بينهما بعضية وقرابة بخلاف الأخ.

وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن شهادة كل من الوالد والولد للآخر مقبولة، وروي ذلك عن شريح، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وأبو ثور، والمزني وداود وإسحاق وابن المنذر لعموم الآيات، ولأنه عدل تقبل شهادته في غير هذا الموضع، فتقبل فيه.

شهادة الوالد على ابنه وابن ابنه

(وأما المسألة الحادية والعشرون): وهي شهادة الوالد على ابنه وابن ابنه، فهي مقبولة نص على ذلك الإمام أحمد، وهو قول عامة أهل العلم، وذلك لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} فأمر بالشهادة، ولو لم تقبل لما أمر بها؛ ولأنها إنما ردت شهادته له في التهمة في إيصال النفع، ولا تهمة في شهادته عليه؛ فوجب أن تقبل كشهادة الأجنبي، بل أولى أن يتهم له، ولا يتهم عليه، فشهادته عليه له أبلغ في الصدق كشهادته على نفسه.

الشهادة بالاستفاضة والشهرة

(وأما المسألة الثانية والعشرون): وهي الشهادة بالاستفاضة والشهرة، فهي صحيحة فيما يتعذر علمه في الغالب إلا بذلك كالنسب والموت والملك والنكاح والخلع والوقف ومصرفه والعتق والولاء والولاية والعزل، وما أشبه ذلك.

قال الخرقي: وما تظاهرت به الأخبار، واستقرت معرفته في قلبه شهد به، كالشهادة على النسب والولادة. وقد أجمع أهل العلم على صحة الشهادة بالنسب بالاستفاضة، وكذلك الشهادة بالاستفاضة في الجرح والتعديل، فما يجرح به الشاهد وغيره مما يقدح في عدالته ودينه، فإنه يشهد به إذا علمه الشاهد بالاستفاضة، ويكون ذلك قدحا شرعيا، قاله الشيخ تقي الدين، قال: وقد صرح بذلك طوائف الفقهاء من الشافعية، والمالكية، والحنبلية، وغيرهم في كتبهم الصغار والكبار، صرحوا فيما إذا جرح الرجل جرحا مفيدا أنه يجرح الجارح بما سمعه منه، أو رآه، أو استفاض، وما أعلم في هذا نزاعا بين المسلمين، فإن المسلمين كلهم يشهدون في مثل وقتنا، في مثل عمر بن عبد العزيز والحسن والبصري، وأمثالهما من العدل والدين، بما لم يعلموه إلا بالاستفاضة، ويشهدون في مثل الحجاج بن يوسف والمختار بن عبيد ونحوهم بالظلم والبدعة بما لم يعلموه إلا بالاستفاضة، قال: وهذا إذا كان المقصود تفسيقه لرد شهادته وولايته، وأما إذا كان المقصود التحذير منه، واتقاء شره فيكفي بما دون ذلك. انتهى.

ما تجوز الشهادة عليه بالاستفاضة

وقد اختلف أهل العلم فيما تجوز الشهادة عليه بالاستفاضة غير النسب والولادة، فقال بعضهم: هو تسعة أشياء: النكاح والوقف ومصرفه والموت والعتق والولاء والولاية والعزل.

وقال أبو حنيفة: لا تقبل إلا في النكاح والموت، ولا تقبل في الملك المطلق. ونص الإمام أحمد على ثبوت الشهادة بالاستفاضة في الخلع والطلاق. والصحيح من مذهب الشافعي: جواز الشهادة بالاستفاضة في النكاح والنسب وولاية القضاء والملك والعتق والوقف والولاء. واقتصر جماعة من أصحاب أحمد، منهم: القاضي في الجامع، والشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، وابن عقيل في التذكرة، والشيرازي، وابن البنا على النسب والموت والملك المطلق والنكاح والوقف والعتق والولاء، قال في الفروع: ولعله الأشهر. قال في العمدة: ولا يجوز ذلك في حد ولا قصاص، قال في الفروع: فظاهر الاقتصار عليهما، وهو أظهر. اه.

قال في عمدة الأدلة: تعليل أصحابنا بأن جهات الملك تختلف، تعليل يوجد في الدين، فقياس قولهم يقتضي أن يثبت الدين بالاستفاضة، قال في الإنصاف: قلت: وليس ببعيد. آخر الجواب، والحمد لله رب العالمين.

أخر قضاء رمضان مع إمكان القضاء، فمات قبل أن يقضي

(فائدة): إذا أخَّر قضاء رمضان مع إمكان القضاء، فمات قبل أن يقضي، وقبل أن يدركه رمضان آخر، أطعم عنه لكل يوم مسكينا، وهذا قول أكثر أهل العلم. وروي ذلك عن عائشة، وابن عباس، وبه قال مالك والليث والأوزاعي والثوري والشافعي وابن علية وأبو عبيد في الصحيح عنهم لما روى ابن ماجه عن ابن عمر مرفوعا: "من مات وعليه صيام شهر، فليطعم عنه لكل يوم مسكينا" [100] رواه الترمذي وقال: الصحيح عن ابن عمر موقوفا.

وعن عائشة أيضا قالت: "يطعم عنه في قضاء رمضان ولا يصام".

وعن ابن عباس: أنه سئل عن رجل مات، وعليه نذر بصوم شهر، وعليه صوم رمضان. قال: أما رمضان، فيطعم عنه، وأما النذر فيصام عنه. رواه الأثرم، وحمل هؤلاء الحديث الذي في الصحيحين عن عائشة أنه في النذر، بدليل أن عائشة هي التي روت الحديث، وقد قالت: يطعم عنه في قضاء رمضان ولا يصام.

والقول الثاني: أنه يصام عنه، وهو قول أبي ثور، والشافعي، قال في الفروع: ومال صاحب النظم إلى صوم رمضان عن الميت بعد موته، فقال: لو قيل: لم أبعد، فعلى هذا الظاهر أن المراد: ولا يطعم كقول طاووس وقتادة، ورواية عن الحسن والزهري والشافعي في القديم وأبو ثور وداود. انتهى.

وقال في الفائق: ولو أخره لا لعذر، فتوفي قبل رمضان آخر، أطعم عنه لكل يوم مسكينا، والمختار الصيام عنه. انتهى.

وقال ابن عبدوس في تذكرته: ويصح قضاء نذر. قلت: وفرض عن الميت مطلقا كاعتكاف. انتهى.

وقال الشيخ تقي الدين: إن تبرع بصومه عمن لا يطيقه للكبر ونحوه، أو عن ميت، وهما معسران، توجه جوازه لأنه أقرب إلى المماثلة من المال. انتهى.

واستدل من قال: يصام عنه بما في الصحيحين عن عائشة، أن النبي ﷺ قال: "من مات، وعليه صيام صام عنه وليه" متفق عليه.

وروى ابن عباس مثله، قال النووي في شرح مسلم بعدما ذكر هذا الحديث: اختلف العلماء فيمن مات، وعليه صوم واجب من رمضان أو نذر أو غيرهما. هل يقضى عنه؟ وللشافعي في المسألة قولان مشهوران: أشهرهما لا يصام عنه، ولا يصح عن ميت صوم أصلا. والثاني: يستحب لوليه أن يصوم عنه، ويستحب صومه عنه، ويبرأ به الميت، ولا يحتاج إلى طعام عنه. وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده، وهو الذي صححه محققو أصحابه الجامعون بين الفقه والحديث، لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة.

وأما الحديث الوارد: "من مات وعليه صيام أطعم عنه" [101] فليس بثابت، ولو ثبت أمكن الجمع بينه وبين هذه الأحاديث بأن يحمل على جواز الأمرين؛ فإن من يقول بالصيام، يجوز عنده الإطعام، فثبت أن الصواب المتعين: تجويز الصيام وتجويز الإطعام، والولي مخير بينهما.

ثم ذكر النووي عن الجمهور أنهم ذهبوا إلى أنه يطعم عنه، ولا يصام، سواء في ذلك رمضان أو النذر، والصواب فيما وجب بالنذر أنه يصام عن الميت للأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها، وإنما الإشكال في قضاء رمضان، هل الواجب فيه الإطعام، أو يكفي الصيام؟ فظاهر حديث عائشة الذي في الصحيحين إجزاء الصيام، ومن ذهب إلى الإطعام حمل حديث عائشةعلى النذر، والله أعلم.

مدة الإقامة للمسافر

(فائدة): قال الشيخ الإمام العلامة أبو عمر بن عبد البر: اختلفوا في مدة الإقامة فقال مالك والشافعي والليث والطبري وأبو ثور: إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم، وهو قول سعيد بن المسيب في رواية عطاء الخراساني عنه، وقال أبو حنيفة وأصحاب الثوري: إذا نوى إقامة خمسة عشر يوما أتم وإن كان أقل قصر، وهو قول ابن عمر. وقال سعيد بن المسيب في رواية داود بن أبي هند عنه، وقال الأوزاعي: إذا نوى إقامة ثلاثة عشر يوما أتم، وإن كان أقل قصر. وعن سعيد بن المسيب قول ثالث: إذا أقام ثلاثا أتم. وعن السلف في هذه المسألة أقاويل متباينة منها: إذا زاد المسافر على إقامة اثنتا عشرة، أتم رواه نافع عن ابن عمر قال: وهو آخر فعل ابن عمر وقوله. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: "قام النبي ﷺ سبعة عشر يقصر، فنحن إذا سافرنا سبعة عشر قصرنا، وإذا زدنا أتممنا".

وروى عن علي وابن عباس من أقام عشر ليال أتمّ، والطرق عنهما بذلك ضعيفة، وبذلك قال محمد بن الحسن والحسن بن صالح، وروي عن سعيد بن جبير وعبد الله بن عتبة: من أقام أكثر من خمسة عشر أتمّ، وبه قال الليث بن سعد، وروي عن الحسن أن المسافر يصلي ركعتين أبدا حتى يدخل مصرا من الأمصار.

وقال أحمد بن حنبل: إذا أجمع المسافر مقام إحدى وعشرين صلاة مكتوبة قصر، وإن زاد على ذلك أتم. فهذه تسعة أقوال في هذه المسألة، وفيها قول عاشرأن المسافر يقصر أبدا حتى يرجع إلى وطنه أو ينزل وطنا له، وروي عن أنس أنه أقام سنتين بنيسابور يقصر الصلاة. وقال أبو مجلز: قلت لابن عمر: آتي المدينة، فأقيم بها السبعة أشهر والثمانية طالبا حاجة، فقال: صلّ ركعتين. وقال أبو إسحاق السبيعي: أقمنا بسجستان، ومعنا رجال من أصحاب ابن مسعود سنتين نصلي ركعتين. وأقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين ركعتين، وكان الثلج حال بينهم وبين القفول.

وأقام مسروق بالسلسلة سنتين وهو عامل عليها يصلي ركعتين حتى انصرف، يلتمس السنة بذلك.

وعن شقيق قال: خرجت مع مسروق إلى السلسلة حين استعمل عليها؛ فلم نزل نقصر الصلاة حتى وصلنا، ولم يزل القصر في السلسلة حتى رجع، فقلت: يا أبا عائشة ما يحملك على هذا؟ قال: اتباع السنة. وقال أبو حمزة: قلت لابن عباس: إنا نطيل المقام بالغزو بخراسان فكيف ترى؟ قال: صلّ ركعتين، وإن أقمت عشر سنين، والله أعلم.

الفطر لإنقاذ غريق أو التقوي على الجهاد

قال ابن القيم في البدائع: إ ذا رأى إنسانا يغرق فلا يمكنه تخليصه إلا بأن يفطر فهل يجوز له الفطر؟

أجاب أبو الخطاب: يجوز له الفطر إذا تيقن تخليصه من الغرق، ولم يمكنه الصوم مع التلخيص، وأجاب ابن الزاغوني: إذا كان يقدر على تخليصه أو غلب على ظنه ذلك لزمه الإفطار وتخليصه، ولا فرق بين أن يفطر لدخول الماء في حلقه وقت السباحة، أو كان يجد في نفسه ضعفا عن تخليصه لأجل الجوع حتى يأكل؛ لأنه يفطر للسفر المباح، فلأن يفطر للواجب أولى. قلت: أسباب الفطر أربعة: السفر والمرض والحيض والخوف على هلاك من يخشى عليه بصومه، كالحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما، ومثله مسألة الغريق. وأجاز شيخنا ابن تيمية الفطر للتقوي للجهاد، وفعله، وأمر به لما نزل العدو دمشق في رمضان فأنكر عليه بعض المتفقهة، وقال: ليس هذا سفرا طويلا، فقال الشيخ: هذا فطر للتقوي على جهاد العدو، وأولى من الفطر لسفر يومين سفرا مباحا أو معصية، والمسلمون إذا قاتلوا عدوهم وهم صيام لم يمكنهم النكاية فيهم وهم صيام، وربما أضعفهم الصوم عن القتال فاستباح العدو بيضة الإسلام.

وهل يشك فقيه أن الفطر هاهنا أولى من فطر المسافر؟ وقد أمرهم النبي ﷺ في غزوة الفتح بالإفطار ليتقووا بذلك على عدوهم فعلل ذلك بالقوة على العدو لا بالسفر. قلت: إذا جاز فطر الحامل، والمرضع لخوفهما على ولديهما، وفطر من يخلص الغريق، ففطر المقاتلين أولى بالجواز، ومن جعل هذا من المصالح المرسلة فقد غلط بل هذا من باب قياس الأولى. انتهى كلام ابن القيم في البدائع.

وقال في الفروع: وإن أحاط العدو ببلد، والصوم يضعفهم، فهل يجوز الفطر وفاقا لمالك؟ ذكر الخلال روايتين ويعايا بها، قال ابن عقيل: إن حصر العدو بلدا، وقصد المسلمون عدوا بمسافة قريبة لم يجز الفطر والقصر على الأصح.

ونقل حنبل: إذا كانوا بأرض العدو وهم بالقرب، أفطروا عند القتال. انتهى. وقال في الإنصاف: اختار الشيخ تقي الدين الفطر للتقوي على الجهاد، وفعله هو، وأمر به لما نزل العدو دمشق، وقدمه في الفائق، وهو الصواب. انتهى.

مسائل وردت من حسن بن حسين إلى الأخ عبد الله اقتراض النقود وردها

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي يقول الحق، وهو يهدي السبيل، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الهادي إلى الدليل.

من حسن بن حسين إلى الأخ عبد الله، وفقه الله تعالى وسدده.

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته

والخط المشتمل على السؤال وصل، وهذا صورته متبوعا بجوابه.

(المسألة الأولى): رجل عنده لآخر جدد حال كونه صرف الريال خمس من الجدد؛ فطالت المدة حتى بلغ صرف الريال هذا المبلغ، وطلب صاحب الحق حقه من الغريم، فهل يحكم له بالقيمة حال الاستدانة أو القرض أم ليس له إلا الجدد التي وقع العقد عليها؟.

(فالجواب): قال في شرح المفردات عند قول الناظم رحمه الله تعالى:

والنص بالقيمة في بطلانها ** لا في ازدياد القدر أو نقصانها

ما لفظه: أي: إن النص إنما ورد عن الإمام أحمد فيما إذا أبطله السلطان، فمنع المعاملة بها لا فيما إذا زادت قيمتها أو نقصت مع بقاء التعامل بها، وعدم تحريم السلطان لها؛ فيرد مثلها سواء غلت، أو رخصت أو كسدت، وسواء كان الغلاء والرخص كثيرا بأن كان عشرة بدانق، فصارت عشرين بدانق، وعكسه أو قليلا، لأنه لم يحدث فيه شيء إنما تغير السعر، فأشبه الحنطة إذا رخصت أو غلت قال:

والشيخ في زيادة أو نقص ** مثلا كقرض في الغلا والرخص

أي: وقال الشيخ الموفق: إذا زادت قيمة الفلوس أو نقصت، رد مثلها كما لو افترض عرضا مثليا كَبُرٍّ وشعير، ونحاس، وحديد فإنه يرد مثله، ولو غلا أو رخص، لأن غلو القيمة ونقصانها لا يسقط المثل عن ذمة المستقرض، فلا يجب المطالبة بالقيمة، وهذا معنى ما تقدم من أن نص الإمام بالقيمة إنما هو إذا أبطل السلطان المعاملة بها لا في زيادة القيمة، أو نقصانها. انتهى.

وحكى فيه مذهب مالك والشافعي والليث القول بالمثل، ثم قال: ولنا أن تحريمها منع إنفاقها، وإبطال ماليتها فأشبه كسرها. انتهى.

وقال الشيخ تقي الدين في شرح المحرر: إذا أقرضه أو غصبه طعاما فنقصت قيمته فهو نقص النوع، فلا يجبر على أخذه ناقصا، فيرجع إلى القيمة، وهذا هو العدل، فإن المالين إنما يتماثلان إذا استوت قيمتهما، وأما مع اختلاف القيمة فلا تماثل فعيب الدين إفلاس المدين وعيب العين المعينة خروجها عن المعتاد. انتهى. وكلام الشيخ هذا هو الذي ذكره الناظم عنه تخريجا له واختيارا.

فقد عرفت أنه تحصل في المسألة من حيث هي ثلاثة أقوال: التفريق بين ما إذا حرمها السلطان فبطلت المعاملة بها بالكلية، ومثله إن تكسرت أو كسدت فلا يتعامل بها، فالقيمة، وبين ما إذا كان غايته الغلاء والرخص مع بقاء المعاملة بحالها، فالمثل والمثل مطلقا كما هو المنقول عن مالك، والشافعي، والليث. وثالثها اختيار أبي العباس، وهو المعتمد لدينا في الفتوى.

(تنبيه): في المثلي الذي اختار أبو العباس القيمة فيه أوجه: أصحها أن المثلي ما حصره كيل، أو وزن وجاز السلم فيه؛ فإن وجد أحد الوصفين دون الآخر فليس بمثلي. قاله في مقدمة الحائض [102] وذكر معناه في الروض وغيره من كتب الأصحاب. وعلى هذا فالجدد ليست مثلية، لأنه لا يجوز السلم فيها لعدم الانضباط، فإنها تختلف بالكبر والصغر والثقل والخفة والطول والصفاء والخضرة وقلة الفضة وكثرتها، وأيضا ففيها فضة؛ ولا يجوز إسلام أحد النقدين في الآخر، لكن رأيته جزم في الإقناع بأن الدراهم المغشوشة مثلية، والجدد مثلها فيما يظهر لي، والله سبحانه أعلم..

رد الدابة المشتراة بعد ركوبها

(المسألة الثانية): رجل اشترى دابة، واستعملها بركوب، وسقي وغيره، أو نحو ذلك، ثم بان له به عيب قديم فرد المبيع، فهل يرد معه قدر استعماله مدة مقامه عنده، أم لا؟ إلى آخر السؤال.

(الجواب): إذا رد المبيع، فلا يخلو إما أن يكون بحاله، أو يكون قد زاد أو نقص؛ فإن كان بحاله رده، وأخذ الثمن، وإن زاد بعد العقد، أو حصلت له فائدة، فإن كانت الزيادة متصلة كالسمن والحمل والثمرة قبل الظهور، فإنه يرده بنمائه، لأنه يتبع في العقود والفسوخ. وإن كانت الزيادة منفصلة، فإن كانت من غير المبيع كالكسب والأجرة، فهو للمشتري في مقابلة ضمانه، وهو معنى قوله عليه السلام: "الخراج بالضمان" [103] ولا نعلم في هذا خلافا.

وروى ابن ماجه عن عائشة أن رجلا اشترى عبدا فاستعمله ما شاء الله، ثم وجد به عيبا فرده فقال: يا رسول الله، استعمل غلامي، فقال رسول الله ﷺ: "الخراج بالضمان" [104] رواه أبو داود، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم. وإن كانت الزيادة من عين المبيع كالولد، والثمرة، واللبن، فهو للمشتري أيضا، ويرد الأصل بدونها، وبهذا قال الشافعي إلا أن الولد إذا كان لآدمية لم يملك ردها دونه.

وعنه ليس له رده دون نمائه المنفصل قياسا على النماء المتصل، فإن اشتراها أي: الدابة حاملا فولدت عند المشتري فردها رد ولدها معها؛ لأنها من جملة المبيع، والولادة هنا نماء متصل. وإن نقص المبيع فسيأتي حكمه. انتهى من الشرح الكبير، وحكمه أن يرد مع المعيب أَرْش النقص عنده كأن وطئ البكر، أو قطع الثوب، أو هزلت الدابة، ونحو ذلك مما تنقص به قيمته. صرح به في المغني وغيره. قال في شرح الإقناع: لما روى الخلال بإسناده عن ابن سيرين أن عثمان قال في رجل اشترى ثوبا فلبسه ثم اطلع على عيب... [105] وما نقص، وأجاز الرد مع النقص، وعليه اعتماد أحمد. انتهى. وقال في الإنصاف عند قول المقنع: وعنه ليس له رده دون نمائه: أي: المنفصل، فلو صدر العقد وهي حامل فولدت عنده، ثم ردها رد ولدها معها، وأما إذا حملت وولدت بعد الشراء فهو نماء منفصل بلا نزاع، والصحيح من المذهب أنه لا يردها إلا بولدها فتعين الأرش جزم به في المحرر. انتهى. فقد عرفت أنه إن كان بحاله رده مجانا، وأخذ ثمنه، وإن زاد ففيه التفصيل، أو نقص فإنه يرد معه أرش ما نقص عنده.

ما يجوز فيه شهادة النساء

(المسألة الثالثة): ما تقولون في شهادة النساء منفردات عن الرجال؟، وهل القدور والمقتول هما مما تعرفه المرأة مما يقبل فيه شهادتهن منفردات؟ هذا معنى سؤالكم.

(الجواب): قال في المغني في باب القضاء: ولا تقبل شهادتها، ولو كان معها ألف امرأة إن لم يكن معهن رجل. انتهى.. ومراده فيما يطلع عليه غيرهن، وقال في كتاب الشهادة: وفي شهادة النساء شبهة بدليل قول الله تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} وأنه لا تقبل شهادتهن، ولو كثرت ما لم يكن معهن رجل، وقال فيه: ولا نعلم خلافا في قبول شهادة النساء في الجملة... [106] يعني في بعض المسائل كما ذكره الشرّاح، وذلك فيما لا يطلع عليه الرجال غالبا كعيوب النساء تحت الثياب، والبكارة، والثيوبة، والحيض، والولادة، والرضاع، والاستهلال، ونحو ذلك.

حديث عقبة بن الحارث رواه أحمد، وسعيد قال أبو محمد: إلا أنه من رواية جابر الجعفي. قال: وكل موضع تقبل فيه شهادة النساء منفردات فإنه يقبل فيه شهادة المرأة الواحدة، واستدل بحديث عقبة، وبما روي عن حذيفة أن رسول الله ﷺ أجاز شهادة القابلة، رواه الفقهاء في كتبهم. وذكر أبو محمد في المقنع في باب اليمين في الدعاوى احتمالا قبول امرأتين ويمين في المال، وما يقصد به المال، وقال الشيخ تقي الدين: لو قيل: يقبل امرأتان، ويمين توجه، لأنهما أقيما مقام رجل في التحمل، ونصره ابن القيم في الإعلام والطرق وغيرهما، وذكره مذهب مالك.

وذكر أبو محمد وغيره أن أبا طالب نقل عن أحمد في مسألة الأسير: يقبل رجل ويمين، واختاره أبو بكر، وعنه في الوصية: إن لم يحضره إلا النساء فامرأة واحدة. وسأله ابن صدقة: الرجل يوصي ويعتق ولا يحضره إلا النساء، تجوز شهادتهن؟ قال: نعم في الحقوق، ذكره في الإنصاف، ولم يُقَيّده، والمجزوم به عند المتأخرين هو الأول، وعليه المعوّل.

وأما قول السائل: وهل القدور والمقتول من عورات النساء الذي لا يطلع عليه الرجال غالبا؟ فهل هذه إلا المال نفسه؟ فتنبه لذلك.

(تتمة): لا مدخل للنساء، ولو مع الرجال في العقوبات والحدود، ذكروه اتفاقا عن الأئمة الأربعة، ولا يقبل الجرح والتعديل من النساء. قاله في المغني، وجزم به المتأخرون، وذكره في الإفصاح قول مالك والشافعي وأحمد. ومما تساوي فيه المرأة العدلة الرجل الرواية، والإخبار بهلال رمضان والوقت والقبلة ونجاسة الماء وتنبيه الإمام لسهو؛ إذ في المغني ذوي الأفهام: دعوا النشوز والنسب؛ لأنه مما لا يطلع عليه الرجال غالبا. انتهى. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

مقام المسلم في أرض الكفار مع التمكن من الخروج منها

فائدة: قال الإمام القرطبي في شرح مسلم: ولا يختلف في أنه لا يحل لمسلم المقام في بلاد الكفار مع التمكن من الخروج منها لجريان أحكام الكفر عليه، ولخوف الفتنة على نفسه، وهذا حكم ثابت مؤيد إلى يوم القيامة. وعلى هذا فلا يجوز لمسلم دخول بلاد الكفار لتجارة أو غيرها مما لا يكون ضرورة في الدين كافتكاك المسلم؛ وقد أبطل مالك شهادة من دخل بلاد الهند لأجل التجارة. انتهى كلامه رحمه الله.

وما ذكرت من مسألة الذي أوصى بوصية، ثم قال: ووقف عقاره الذي سماه، فظاهر اللفظ أن هذا وقف منجز غير ما أوصى به، وأنه ما يحسب من الثلث إذا كان في غير مرض الموت، ولفظ أقر أوضح من قوله: وقف، لأن قوله: وقف إنشاء للوقف، ولفظ أقر يفيد الإخبار بإيقاف سابق. وما قلنا في الفرق بين الوصية والوقف، فهذا إن كان كاتب الوثيقة عنده علم يفرق به بين الوصية والوقف، فإن كان كاتب الوثيقة عاميا صار في النفس شيء، لكن من أخذ بظاهر اللفظ فرق بين الوصية والوقف فهو أسلم، والله سبحانه وتعالى أعلم.

الحمد لله أجاب الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد رحمه الله وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد: مسألة المساقاة كلام أهل العلم فيها مشهور، وهل هي من العقود اللازمة، أو العقود الجائزة؟ والذي عليه الفتوى عندنا أنها لازمة من قبل المالك جائزة من قبل المساقي، وهذا اختيار الشيخ ابن تيمية؛ فعلى هذا فلا تنفسخ بموت المالك، ولا بانتقالها إلى غيره بإرث أو هبة.

عقد المساقاة لازم أم جائز

(وأما المسألة الثانية): الذي ينبت على ماء المستأجر بغير إذن المالك، فهو للكداد، فإن أراد المالك أخذه بقيمته وتراضيا ذلك فلهما، وإن قال: اقلعه، فيقلعه والسلام.

قال في الاختيارات: ولو دفع أرضا إلى آخر فيغرسها بجزء من الغراس صح كالمزارعة، واختاره أبو حفص العكبري، والقاضي في تعليقه، وهو ظاهر مذهب أحمد رحمه الله ثم قال: ومقتضى قول أبي حفص أنه يجوز أن يغارسه بجزء من الأرض كما جاز النسيج بجزء من الغزل نفسه. وقال في الفروع: هو ظاهر نص الإمام أحمد جواز المساقاة على شجر يغرسه، ويعمل عليه بجزء معلوم الشجر، أو بجزء من الشجر والثمر كالمزارعة، واختاره أبوحفص، وصححه القاضي في التعليق آخرا، واختاره في الفائق والشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى قال في الإنصاف: لو كان الاشتراك في الغراس والأرض فسد وجها واحدا، قاله المصنف والشارح والناظم وغيرهم، وقال الشيخ تقي الدين: قياس المذهب صحته، قال في الفائق: قلت: وصحح المالكيون المغارسة في الأرض الملك لا الوقف، بشرط استحقاق العامل جزءا من الأرض مع القسط من الشجر. انتهى.

فإذا عرفت أن القول بصحة المغارسة أقوى، وأن عليه جمعا من المحققين، وعليه الفتوى، وهذا على تقدير ثبوت هذه الدعوى مع وجود شهود أصل العقد بخطهم وقت المعاملة، أو المعاقدة، وسلامة العقد ظاهرة، فكيف لا نقول بصحته، وهذا هو الذي أوجب المراجعة، وبالله التوفيق. انتهى.

من كلام الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى بقلم الفقير الحقير المقر بالذنب والتقصير عبده ابن عبده ابن أمته، ومن لا غناء له عن رحمة ربه طرفة عين عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد اللطيف غفر الله له ولوالديه ولمشايخه ولمن كتبت له والمسلمين. آمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

معنى لا إله إلا الله

بسم الله الرحمن الرحيم

(سؤال): ما قول العلماء الأعلام أئمة الإسلام فيمن يقول لا إله إلا الله ويدعو غير الله، هل يحرم ماله ودمه بمجرد قولها أم لا؟

(الجواب): وبالله التوفيق، لا إله إلا الله كلمة الإخلاص، وكلمة التقوى، وهي العروة الوثقى، وهي الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام، جعلها كلمة باقية في عقبه، وقد تضمنت ثبوت الإلهية له تعالى، ونفيها عما سواه، والإله هو الذي تألهه القلوب محبة وإنابة وتوكلاواستعانة ودعاء وخوفا ورجاء ونحو ذلك، ومعنى لا إله إلا الله: أي: لا معبود حق إلا الله، قال الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}. قال جل ذكره: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ}.

فدلت هذه الكلمة العظيمة مطابقة علىإخلاص العبادة بجميع أفرادها لله تعالى، ونفي كل معبود سواه، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ( إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي: لا إله إلا الله، فأرجع ضمير هذه الكلمة إلى ما سبق منه مدلولها، وهو قوله: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي}، وهذا هو الذي خلق الله الخلق لأجله، وافترضه على عباده، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب لبيانه، وتقريره، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، وقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ إِلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} الآية، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}،

وقال تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ إِلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

والطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود ومتبوع أو مطاع، فمن تحقق مبدأ قول هذه الكلمة العظيمة من إخلاص العبادة لله تعالى، والبراءة من عبادة ما سواه بالجنان والأركان، وعمل بما اقتضته فرائض الإسلام والإيمان كان معصوم الدم والمال، ومن رد فلا، قال تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، فدلت هذه الآية الكريمة على أن عصمة الدم، والمال لا تحصل بدون هذه الثلاث؛ لترتيبها عليها بترتب الجزاء على الشرط.

وفي الصحيح عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله تعالى" [107] فلا بد لتصحيحها من الإخلاص لله تعالى، ونفي الشرك كما قال الله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا}، وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}، قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}، ثم شهد عليهم بالكذب والكفر، وأخبر أنه لا يهديهم قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}.

وفي المتفق عليه من حديث معاذ رضي الله تعالى عنه: "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" فمن تأله قلبه غير الله، ودعاه من دون الله فقد أشرك بالله، والله لا يغفر أن يشرك به قال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} الآية، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} وقال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}.

وفي المتفق عليه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: "قيل: يا رسول الله: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك" وفي رواية لمسلم: "أن تدعو لله ندا" الحديث، والله المستعان.

تقبيل يد الصالحين

(السؤال الثاني): عن تقبيل يد السادة المنسوبين لأهل البيت هل يجوز أم لا؟

(الجواب): لم يكن الصحابة رضي الله تعالى عنهم يعتادون ذلك مع رسول الله، ولا مع أهل بيته، ولا شك أنهم أعظم الناس محبة له وتوقيرا؛ وإنما كانوا يعتادون السلام والمصافحة اتباعا لما سنه رسول الله ﷺ بأمره وفعله، فقال: "أفشوا السلام بينكم"، وصح عنه ﷺ "أنه قيل له: الرجل يلقى أخاه أينحني له؟ قال: لا. قيل: أيلتزمه، أو يقبله؟ قال: لا. قيل: أيصافحه؟ قال: نعم".

وأما ما ورد أنه لما قدم عليه أصحابه من غزوة، وقد قبلوا يده قالوا: نحن الفرارون قال: بل أنتم العكارون. وأما ما ورد في معنى هذا فإنما وقع نادرا، وقد جوزه بعض الأئمة كالإمام أحمد رحمه الله إذا وقع كذلك لا على وجه التعظيم للدنيا. واشترط بعض الأئمة في ذلك أن لا يمد إليه يده؛ ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وذهب بعضهم إلى كراهة تقبيل اليد مطلقا كالإمام مالك رحمه الله، وقال سليمان بن حرب: هي السجدة الصغرى. هذا إذا لم يفض إلى التعظيم والخضوع وتغيير السنة.

أما إذا اقترن بمثل هذه الأمور التي تدخل في نوع من الشرك والبدع، فلا يجوز أن ينسب إلى أحد من الأئمة تجويزه. قال في زاد المعاد: وأشرف عبودية الصلاة، وقد تقاسمها الشيوخ -يعني من المتصوفة- والمتشبهون بالعلماء والجبابرة: فأخذ الشيوخ أشرف ما فيها، وهو السجود. وأخذ المتشبهون بالعلماء منها بالركوع، فإذا لقي بعضهم بعضا ركع كما يركع المصلي لربه، وأخذ الجبابرة منها القيام فيقوم الأحرار والعبيد على رؤوسهم عبودية لهم، وهم جلوس. فقد نهى رسول الله ﷺ عن هذه الأمور الثلاثة على التفصيل؛ فتعاطيها مخالفة صريحة له؛ فنهى عن السجود لغير الله تعالى فقال: "لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد" وأنكر على معاذ لما سجد له، وقال: (مه).

فتحريم هذا معلوم من دينه بالضرورة، وتجويز من جوزه لغير الله مراغمة لله ولرسوله. وهو من أبلغ أنواع العبودية، فإذا جوز هذا المشرك هذا النوع للبشر، فقد جوز عبودية غير الله. وأيضا فالانحناء عند التحية سجود، ومنه قول الله تعالى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} أي: منحنين، وإلا فلا يمكن الدخول على الجباه. انتهى.

رفع الصوت وقت الخطبة

(السؤال الثالث): عمن يصلي على النبي ﷺ ويترضى عن الصحابة رضي الله عنهم جهرا، والإمام يخطب يوم الجمعة.

(الجواب): الجهر بالصلاة على النبي ﷺ والترضي حال الخطبة من غير الخطيب بدعة مخالفة للشريعة، منع منها طوائف من العلماء سلفا وخلفا، ولهم فيه مأخذان:

(الأول): أنه من محدثات الأمور التي لم تفعل في عهد رسول الله ﷺ ولا في عهد أصحابه، ولا في عهد التابعين، ولو كان خيرا سبقوا إليه.

(الثاني): أن الأحاديث ثبتت بالأمر بالإنصات للخطبة، فقد صح من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت، فقد لغوت". [108]

قال في كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث: إن الصلاة على النبي ﷺ إنما هي دعاء، وجميع الأدعية السنة فيها الإسرار دون الجهر غالبا، قلت: وهذا مأخذ ثالث للمنع؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الصلاة على النبي ﷺ فالترضي عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم دعاء من الأدعية، والمشروع في الدعاء كله المخافتة إلا أن يكون هناك سبب يشرع له الجهر، قال: وأما رفع الصوت بالصلاة، والترضي الذي يفعله بعض المؤذنين قدام الخطباء في الجمع فمكروه، أو محرم.انتهى. والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما أملاه الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله أجمعين.

وقد فرغ من تصحيح هذه النسخة يوم الأربعاء في 16 شهر ربيع الثاني سنة 1333.

أجوبة للشيخ عبد الرحمن بن حسن سئل عنها عبد الرحمن بن محمد القاضي

استعمل الماء في الوضوء ولم يدخل يده في الإناء

قال الشيخ الإمام العالم العلامة عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أحسن الله لنا ولهم المآب وأدخلنا وإياهم الجنة بغير حساب بمنه وكرمه:

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

فهذا جواب ما سأل عنه الأخ عبد الرحمن بن محمد القاضي وفقنا الله وإياه لما يحبه ويرضاه.

(السؤال الأول): في قول العلماء رحمهم الله تعالى: فلو استعمل الماء، ولم يدخل يده في الإناء لم يصح وضوءه، وفسد الماء إلى آخره.

(الجواب) وبالله التوفيق: فساد الماء هنا سلب طهوريته، فما حصل في يده قبل غسلها ثلاثا بنيةٍ من نوم ليل فسد، وإن لم يدخلها الإناء هذا معنى ما جزم به في الإقناع والمنتهى وشرح الزاد، قال الشيخ عثمان في حاشية المنتهى: ومعنى قوله: وفسد الماء: أي: الذي حصل في يده، وهو مبني فيما يظهر على القول بأن حصوله في بعضها كحصوله في كلها كما اختاره جمع، أما على الصحيح، فينبغي صحة الوضوء، ونحوه حيث لم يحصل في جميع اليد. انتهى.

وهو مفرع على ما هو الصحيح من المذهب أن غسلهما لمعنى فيهما، وقال في الشرح: وذكر أبو الحسن رواية أنه لأجل إدخالها الإناء فيصح وضوؤه، ولم يفسد الماء إذا استعمله من غير إدخال. انتهى.

نية الغسل لا يرتفع بها الحدث

(الثاني): إذا كان على الشخص موجب للغسل، ونوى الغسل، فهل يرتفع ما دونه إلى آخره؟.

(الجواب): نية الغسل لا يرتفع بها الحدث لكونها ليست من الصور المعتبرة في الطهارة، وسنذكرها إن شاء الله تعالى وقول السائل: أم لا بد من التخصيص بالفعل، أو بالنية، أو بهما، قول لا معنى للتخصيص بالفعل هنا دون نية أصلا، والصور المعتبرة في الغسل ست: نية رفع الحدث الأكبر، نية رفع الحدثين، نية رفع الحدث، ويطلق نية استباحة أمر يتوقف على الوضوء والغسل معا، نية أمر يتوقف على الغسل وحده، نية ما يسن له لغسل ناسيا للواجب، ففي هذه كلها يرتفع الأكبر، ويرتفع الأصغر أيضا فيما عدا الأولى والأخيرتين، أفاده الشيخ عثمان قلت: واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه يرتفع الأصغر في الأولى أيضا.

وهذه الست يتأتى نظيرها في الأصغر، ويزيد بأنه يرتفع إذا قصد بطهارته ما تسن له الطهارة ذاكرا الحدث، فافهم الفرق بين البابين فإنه مهم جدا، والله أعلم، قاله الشيخ عثمان.

غسل اليد بنية القيام من الليل أو من الجنابة

قال السائل: وهل يكفي غسل اليد بنية القيام من نوم الليل أو من الجنابة عن الآخر أم لا؟.

(الجواب): النية هنا ليست مرادة للقيام، وإنما تراد لأجل النوم، فافهم. ولا يكفي نية غسلهما من نوم الليل عن الجنابة كالعكس على الأصح فيه، لأنهما أمران مختلفان فيعتبر لكل منهما نيته، أما على الوجه الثاني، وهو أن غسلهما من النوم لا يفتقر إلى نية، فيجزي عند نيته الحدث الأكبر، وكذا على قول الجمهور: إنه لا يجب غسلهما من نوم الليل بل يستحب. وقوله أو الأعلى يرتفع به الأدنى جوابه يظهر مما قبله.

وقوله: وما الأعلى منهما؟

أقول: اتفقوا على أن ما يوجب الوضوء وحده يسمى أصغر، وما يوجب الغسل يسمى أكبر، ونصوا على أن الحدث الأصغر يقوم بالبدن كله، ويرتفع بغسل الأعضاء الأربعة بشرطه، فكيف يقال: إن غسل اليدين من نوم الليل أكبر مع كونه خاصا بالكفين، على أنه مختلف في وجوبه. والقائلون بالوجوب لم يسموه حدثا، فافهم. وقوله: وهل يكفي أحد اليدين؟

فالجواب: إن الذي مشى عليه العلماء رحمهم الله تعالى أن هذا الحكم يتعلق باليدين معا، فلا تختص به اليمنى دون الشمال مع أن الوارد في الحديث الإفراد، فلنذكر الحديث ببعض ألفاظه منسوبا إلى مخرجيه إن شاء الله تعالى. فأقول: أخرجه الإمام مالك والشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهمرحمهم الله تعالى من حديث أبي هريرة مرفوعا: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وَضوء، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده"، هذا لفظ مالك والبخاري، وللشافعي نحوه، وللنسائي: "فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثا" [109] وله والدارقطني: "فإنه لا يدري أين باتت يده" [110] وللدارمي في الوضوء ولأبي داود: "إذا استيقظ أحدكم من الليل"، [111] وكذا للترمذي وفي الباب عن جابر، وابن عمر رضي الله عنهم.

ووجه تعميم اليدين بهذا الحكم، والله أعلم لكونه مفردا مضافا، وهو يعم، وهو ظاهر على ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى تبعا لعلي، وابن عباس رضي الله عنهم والمحكي عن الشافعية، والحنفية خلافه، ذكره في القواعد الأصولية، فعلى قولهم لا يظهر لي وجهه، والله أعلم..

خصائص يوم الجمعة

(الثالث): ما ورد في يوم الجمعة من الخصائص، هل يختص بما قبل الزوال أم لا، مثل قراءة سورة الكهف وغيرها؟ لو قال: قبل الصلاة كان أولى.

(والجواب): خصائص الجمعة على ثلاثة أضرب:

الأول: محله قبل الصلاة كالاغتسال والطيب ولبس أحسن الثياب، وتأكد السواك، ومنع من تلزمه الجمعة إذا دخل وقتها من السفر، ونحو ذلك.

الثاني: ما لا يختص بما قبل الصلاة كاستحباب كثرة الصلاة على النبي ﷺ، ومزية الذكر، والصدقة، ونحو ذلك.

الثالث: متردد بينهما بحسب ما ورد كقراءة سورة الكهف، وساعة الإجابة. فأما قراءة سورة الكهف فورد في قراءتها ما يقتضي أن ليلة الجمعة كيومها محلا لحصول الفضل الوارد لما اقتضاه مجموع هذه الآثار، فروى الدارمي عن أبي سعيد موقوفا: "من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق". ومنها ما يقتضي تخصيصه باليوم كما روى أبو بكر ابن مردويه في تفسيره من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء له يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين".

قال الحافظ المنذري: إسناده لا بأس به، وقال ابن كثير: في رفعه نظر، وذكر في المغني عن خالد بن معدان: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة قبل أن يخرج الإمام كانت له كفارة ما بين الجمعة، وبلغ نوره البيت العتيق" [112] وظاهر كلام الفقهاء أنه كالذي قبله لا يختص بما قبل الصلاة.

أما ساعة الإجابة ففيها أقوال تزيد على ثلاثين ذكرها ابن حجر في الفتح، والجلال السيوطي في شرح الموطأ. وذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى كثيرا منها، ثم قال: وأرجح الأقوال فيها قولان تضمنتهما الأحاديث الثابتة، أحدهما أرجح من الآخر: الأول: أنها ما بين جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة، رجحه البيهقي، وابن العربي، والقرطبي، وقال النووي: إنه الصحيح أو الصواب. قال ابن القيم: الثاني: أنها بعد العصر، وهذا أرجح القولين، وهو قول عبد الله بن سلام، وأبي هريرة، والإمام أحمد، وخلق، وساق ما يدل على ذلك كحديث عبد الله بن سلام، ثم قال: وهذا القول هو قول أكثر السلف، ويليه القول بأنها ساعة الصلاة، وبقية الأقوال لا دليل عليها. انتهى ملخصا..

وقال المحب الطبري: إن أصح الحديث فيها حديث أبي موسى في مسلم، وأشهر الأقوال فيها قول عبد الله بن سلام.قال ابن حجر: وما عداهما إما ضعيف الإسناد، أو موقوف استند صاحبه إلى اجتهاد دون توقيف. انتهى. والله أعلم.

وأما حديث: "من مس الحصى فقد لغا" فرواه مسلم في صحيحه، وليس فيه: "ومن لغا فلا جمعة له" [113] ولفظه "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا"، [114] لكن روى الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده من حديث علي: "ومن قال لصاحبه: صه! فقد تكلم، ومن تكلم فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له" [115] قال النووي في شرح حديث مسلم: فيه النهي عن مس الحصى وغيره من أنواع العبث في حال الخطبة، وفيه إشارة إلى إقبال القلب والجوارح على الخطبة. انتهى، وهو واف بالمقصود والله أعلم..

شهادة العدل برؤية هلال ذي الحجة

الرابع: إذا شهد شاهد عدل برؤية هلال ذي الحجة، ولم يُرَ ليلة إحدى وثلاثين إلى آخره.

الجواب: إن الذي نص عليه العلماء رحمهم الله أن الناس إذا وقفوا الثامن أو العاشر خطأ أجزأهم، نص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى دليله حديث أبي هريرة مرفوعا "فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون". [116]

ورواه أبو داود والدارقطني، وروي أيضا من حديث عائشة مثله، قال الخطابي في معالم السنن: معنى الحديث أن الخطأ موضوع عن الناس فيما سبيله الاجتهاد، فلو أن قوما اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين، فلم يفطروا حتى استوفوا العدد؛ ثم ثبت أن الشهر كان تسعا وعشرين، فإن صومهم وفطرهم ماض. وكذلك هذا في الحج إذا أخطؤوا يوم عرفة فإنهم ليس عليهم إعادة وتجزئهم ضحاياهم.

غير الطريق النافذ مسجدا

(الخامس): إذا غيَّر الطريق النافذ مسجدا، فهل هو جائز أم لا؟ إلى آخره.

(الجواب): أن الذي رأينا من كلام العلماءرحمهم الله تعالى كصاحب الإنصاف وغيره، أنه لا يجوز البناء في طريق نافذ مطلقا، قال في المغني والشرح: لا نعلم فيه خلافا، قال شيخ الإسلام في الفتاوى المصرية: لا يجوز لأحد أن يخرج في طريق المسلمين شيئا من أجزاء البناء حتى إنه يُنْهى عن تجصيص الحائط إلا أن يدخل في حده بقدر الجص. انتهى. فعلى هذا يكون مغصوبا لا تصح الصلاة فيه.

صلى بجماعة وبعد فراغه رأى في ثوبه أو بدنه نجاسة

(السادس): إمام صلى بجماعة، وبعد فراغه رأى في بقعته أو ثوبه أو بدنه نجاسة فما حكم صلاته وصلاة من خلفه... إلى آخره.

الجواب: أما حكم صلاته فعدم الصحة على الصحيح من المذهب، لأن اجتناب النجاسة شرط للصلاة فلم تسقط بالنسيان، ولا بالجهل كطهارة الحدث. وعن الإمام رحمه الله أنها تصح إذا نسي أو جهل، قال في الإنصاف: وهي الصحيحة عند أكثر المتأخرين، اختارها المصنف والمجد والشيخ تقي الدين، لكن قال الشيخ: الروايتان في الجاهل، أما الناسي فليس عن الإمام نص فيه، قال في الإنصاف: والصحيح أن الخلاف جارٍ في الجاهل والناسي، قاله المجد، وحكى الخلاف فيهما أكثر المتأخرين والله أعلم. وأما المأموم فصلاته صحيحة.

إخفاء اللقطة وأخذ الجعل على ردها

(السابع): فيمن التقط لقطة وكتمها فأنشدها صاحبها، وأخرج عليها جعلا فأخذ الملتقط الجعل، وأخرج اللقطة... إلى آخره؟.

الجواب: إن هذه لُقطة، ويكون آثما بتركه التعريف، وحكمه حكم الغاصب فلا يستحق شيئا أصلا. والجعالة قد عرفها الفقهاء رحمهم الله تعالى بأنها جعل شيء معلوم لمن يعمل له عملا، فمن فعله بعد أن بلغه الجعل استحقه، وفي أثنائه استحق حصة تمامه، ومن فعله قبل ذلك لم يستحقه، وحُرم أخذه. انتهى من التنقيح ملخصا، وبه يحصل الجواب.

الإشهاد على استئذان البكر

(الثامن): إذا قال ولي البكر: استأمرتها فلم تتكلم، وشاهد الحال قد قرر ذلك، وعملوا له عمله، فهل يكفي أم لا بد من الإشهاد؟

الجواب: لا يشترط للبكر النطق لحديث: "وإذنها صماتها"، [117] والإشهاد على استئذانها لا يشترط بل يستحب، لكن لو أنكرته قبل الدخول، فالقول قولها وبعده لا يقبل. وأما الإشهاد على العقد فيشترط لصحة النكاح، وأدلة ذلك معروفة في كتب الحديث والفقه، والله أعلم وصلى الله على محمد.

أملاه الفقير إلى الله عبد الرحمن بن حسن.

حكم الخروج إلى البادية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وإمام المتقين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين وسلم تسليما.

أما بعد:

فهذا جواب ما سأل عنه الأخ من السؤالات، أما (السؤال الأول) فهو: ما حكم الخارج إلى ماله في البادية لأجل إصلاحه، ونيته الرجوع إلى بلده وهل يكون عاصيا أم لا؟

(الجواب) وبالله التوفيق: إن الذي نعتقده، وندين الله به في هذه المسائل وغيرها من أصول الدين وفروعه هو ما عليه سلفنا الصالح وعلماؤنا المحققون من الاعتقاد الصحيح لا نخرج عما قالوه واعتقدوه؛ لأنهم على أصل عظيم، وصراط مستقيم، ومنهج واضح سليم؛ فحسبنا أن نسير على منهاجهم ونقتفي آثارهم، وبالله العصمة والتوفيق.

فأما مسألة الخارج من دار هجرته بعدما نزل لأجل تصليح ماله، ونيته الرجوع إلى بلده هل يكون عاصيا؟

(فالجواب): هذا الخارج لا يطلق عليه أنه عاصٍ لله، ولا يدخل في حكم الوعيد المرتب على من تعرب بعد الهجرة بل يُحب ويوالى لأن خروجه ليس معصية؛ فيعامل بما يعامل به من لم يخرج من بلده لأنه من جملة المهاجرين، وليس له نية إلا الرجوع إلى وطنه والهجرة مع إخوانه؛ فلا يحكم عليه بردة، بل ولا بمعصية.

باع بيته وخرج إلى البادية وليس من نيته الرجوع

(وأما المسألة الثانية): وهي ما حكم الذي باع بيته، وخرج إلى البادية، وليس من نيته الرجوع والسكنى، وهو ثابت على ما هو عليه من الإسلام، والتزام شرائعه ومحبة المسلمين، لكن محبته لصيرورته مع البادية.

(فالجواب): أن هذا يكون مرتكبا معصية، ومتعربا بعد هجرته، وهو داخل في حكم الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه لما عد الكبائر قال: التعرب بعد الهجرة، وفراق الجماعة -يعني جماعة المسلمين- ونكث الصفقة -يعني نكث بيعة الإمام-؛ فجعل التعرب بعد الهجرة من الكبائر، ولكن لا يكون خروجه وتعربه كفرا ولا ردة، بل هو مسلم عاص يوالى ويحب على ما معه من الإيمان، ويبغض على ما معه من المعصية؛ ولا يعامل بالتعنيف، لأنه بتعربه بعد هجرته لا يدخل في حكم المرتدين، ولا يعامل بما يعامل به المرتد.

باع بيته وخرج إلى البادية ويصدر منه مسبة للدين

(وأما المسألة الثالثة): وهي ما حكم الذي باع بيته بعد ما نزله، ثم خرج إلى البادية، ومع ذلك يصدر منه مسبة للدين، وأهل الدين، ويفعل أشياء من المكفرات، وقد قامت عليه الحجة ما حكمه؟

(الجواب): إن هذا إذا كان بهذه الصفة، فهو مرتد قد خرج من الإسلام، ولا ينفعه ما فعله أولا، لأن إقامته عند إخوانه وسماع النصائح والمواعظ وسماع القرآن من أعظم قيام الحجة عليه، لأنه عرف وأنكر. وقد كان سابقا من جملة المسلمين، وإنما رغب عن السكنى، وفعل ما فعل من المسبة وغيرها لخبث في قلبه؛ فهذا يعادى ولا يوالى، ويبغض ولا يحب، وهجره من الواجبات الشرعية إلا إن حصل منه توبة صادقة، فالتوبة تهدم ما قبلها ولا يحال بينه وبين التوبة، والتوبة معروضة، وبابها مفتوح لمن وفقه الله وهداه.

الهجرة وأنواعها

(المسألة الرابعة): ما يقال في الهجرة من بين ظهراني المشركين من البادية والحاضرة وفضلها؟ وما الواجب منها؟ وما المستحب؟ وهل بين بادية نجد وغيرهم كعنزة والظفير ومن والاهم من بادية الشمال ومن جنوب، إلى ما لا يخفى على المسؤول؟

الجواب: الهجرة من واجبات الدين، ومن أفضل الأعمال الصالحة، وهي سبب لسلامة دين العبد وحفظ لإيمانه، وهي أقسام: الأول: هجر المحرمات التي حرمها الله في كتابه وحرمها رسوله ﷺ على جميع المكلفين وأخبر أن من هجرها فقد هجر ما حرمه الله عليه، وقد أخبر ﷺ فيما صح عنه: "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه" [118] وهذا أمر مجمل شامل لجميع المحرمات القولية والفعلية.

(القسم الثاني): الهجرة من كل بلد تظهر فيها شعائر الشرك وأعلام الكفر، ويعلن فيها بالمحرمات. والمقيم فيها لا يقدر على إظهار دينه والتصريح بالبراءة من المشركين وعداوتهم، ومع هذا يعتقد كفرهم وبطلان ما هم عليه؛ لكن إنما جلس بين ظهرانيهم شحا بالمال والوطن، فهذا عاص ومرتكب محرما، وداخل في حكم الوعيد، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} إلى قوله: {فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا}. فلم يعذر الله إلا المستضعف الذي لا يقدر على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدر ما عرف سلوك الطريق وهدايته إلى غير ذلك من الأعذار، وقال ﷺ "من جامع المشرك أو سكن معه فإنه مثله"، [119] فلا يقال: إنه بمجرد المجامعة، والمساكنة يكون كافرا بل المراد أن من عجز عن الخروج من بين ظهراني المشركين، وأخرجوه معهم كرها فحكمه حكمهم في القتل، وأخذ المال، لا في الكفر، وأما إن خرج معهم لقتال المسلمين طوعا واختيارا، وأعانهم ببدنه وماله فلا شك أن حكمه حكمهم في الكفر. ومن الهجرة الواجبة أيضا الهجرة من بين ظهراني الأعراب المتظاهرين بالكفر والشرك، وارتكاب بعض المحرمات، وهو عاجز عن إظهار دينه، ولا قدرة له على الإنكار عليهم؛ فهذا هجرته فرض إذا قدر عليها، فإن تركها مع قدرته واستطاعته، فحكمه حكم من هو في بلدان المشركين المتقدم ذكرهم. فهولاء يعادَوْن، ويُبغضون على ما معهم من المعصية ويحبون ويوالَوْن على ما معهم من أصل الإسلام. وهجر هؤلاء ومن تقدم ذكرهم إذا كان فيه مصلحة راجحة وردع لهم وزجر لأمثالهم، ولم يترتب عليه مفسدة، فهو جائز. والمسافر إليهم مرتكب أيضا حراما فيهجر بقدر ذنبه.

قال علماؤنا: المقيم بين ظهراني المشركين والمسافر إليهم لأجل التجارة مشتركون في التحريم، متفاوتون في العقوبة، فعقوبة المقيم أعظم من عقوبة المسافر، وهجر المقيم أغلظ من هجر المسافر؛ فيعاملون بالهجر والمعاداة والموالاة بحسب ما تقتضيه المصلحة الشرعية.

وأما الهجرة المستحبة، وهي الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام إذا كان مظهرا لدينه، وقد أمن الفتنة على نفسه ودينه فهذا هجرته مستحبة، وكذلك من هو بين ظهراني بعض البوادي الملتزمين لشرائع الإسلام المجتنبين لما حرمه الله عليهم من سفك الدماء ونهب الأموال وغيرها، ولا يوجد عندهم من يجاهر بالمعاصي، فالهجرة حينئذ من بينهم مستحبة، وفيها فضل عظيم، وثواب جزيل لتعلم الخير وإقامة الجمعة وغير ذلك من المصالح التي يعرفها من نور الله قلبه، ورزقه البصيرة.

حال نجد قبل الدعوة وبعدها

(وأما المسألة الخامسة): وهي ما حكم من اتصف بالكفر اليوم وقام به من بادية نجد؟ هل هو كفر أصلي أم طارئ؟ وهل عمهم الإسلام في وقت دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى أم لا؟

الجواب: اعلم يا أخي -وفقني الله وإياك للصواب- أن أهل نجد، باديتهم وحاضرتهم، قبل دعوة شيخ الإسلام وعلم الهداة الأعلام مجدد ما اندرس من معالم الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، قد اشتدت غربة الإسلام فيما بينهم واستحكمت، وعم الشر وطم، وفشا الشرك وشاع الكفر، وذاع في القرى والأمصار والبادية والحضار. وصارت عبادة الطواغيت والأوثان دينا يدينون به، ويعتقدون في الأولياء أنهم ينفعون ويضرون، وأنهم يعلمون الغيب، مع تضييع الصلاة وترك الزكاة وارتكاب المحرمات. ولم يوجد من ينكر ذلك؛ نشأ عليه الصغير وهرم عليه الكبير.

فشرح الله صدر إمام الدعوة الإسلامية الشيخ محمد رحمه الله فدعا الخلق إلى دين الله، وعرفهم حقيقة العبادة التي خلقوا لها وأمروا بها ودعت إليها الرسل فقاموا له عن ساق العداوة، فعارضوه وصادموه، العلماء منهم والأمراء، وسعوا بالتهييج عليه عند القريب والبعيد ولم يبقوا ممكنا. فعند ذلك ثبته الله، وصبر على أعباء الدعوة ومكابدة من عارضه، ولم يعبأ بمن خالفه لأنه قام مقام نبوة لأن حقيقة ما دعا إليه هي دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم. فأعانه على هذه الدعوة والقيام بها، وتحمل عداوة القريب والبعيد وأواه، ونصره الإمام محمد بن سعود وأولاده وإخوانه، فعاضدوه رحمهم الله فثبتهم الله، وقوى عزمهم. وبادأهم من بادأهم بالعدواة والقتال وألبوا عليهم؛ فما ثنى عزمهم ولا تضعضعوا، فأظهرهم الله عليهم، وخذل جميع من ناوأهم. فدخل كافة أهل نجد والجزيرة من البادية والحاضرة تحت ولايتهم، والتزموا ما دعوا إليه ودانوا به. ولم يوجد في نجد من البادية والحاضرة من لم يدخل في هذا الدين ولم يلتزم شرائعه؛ بل شملتهم الدعوة الإسلامية والتزموا أحكام الإسلام وواجباته. وأقاموا على ذلك مدة سنين في أمن وعافية وعز وتمكين، وبنودهم تخفق شرقا وغربا جنوبا وشمالا، حتى دهمهم ما دهمهم من الحوادث العظام، التي أزعجت القلوب وزلزلتهم من الأوطان، عقوبة قدرية سببها ارتكاب الذنوب والمعاصي، لأن من عصى الله، وهو يعرفه سلط عليه من لا يعرفه، والفتنة التي حلت بهم هي فتنة العساكر التركية والمصرية، فانتثر نظام الإسلام، وشتت أنصاره وأعوانه، وارتحلت الدولة الإسلامية، وأعلن أهل النفاق بنفاقهم، فرجع من رجع إلى دين آبائه وإلى ما كان سابقا من الشرك والكفر، وثبت من ثبت على الإسلام، وقام بهم من أمور الجاهلية أشياء لا تخرج من ثبت منهم عن الإسلام.

إذا تبين لك، هذا فاعلم أن الكفر الموجود في أعراب نجد الذين قد دخلوا في الإسلام سابقا إنما هو كفر، طارئ، لا كفر أصلي، فيعامل من وجد منه مكفر بما يعامل به أهل الردة، ولا يحكم عليهم بعموم الكفر؛ لأنه يوجد فيهم من هو ملتزم لشرائع الإسلام وواجباته.. وأما من ظاهره الإسلام منهم، ولكن ربما قد يوجد فيهم من الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة، وفيهم شيء من أمور الجاهلية ومن أنواع المعاصي، صغائر كانت أو كبائر، فلا يعاملون معاملة المرتدين، بل يعاملون بالنصح برفق ولين، ويبغضون على ما معهم من هذه الأوصاف.

وليعلم أن المؤمن تجب موالاته ومحبته على ما معه من الإيمان، ويبغض ويعادى على ما معه من المعاصي، وهجره مشروع إن كان فيه مصلحة وزجر وردع، وإلا فيعامل بالتأليف وعدم التنفير، والترغيب في الخير برفق ولطف ولين، لأن الشريعة مبنية على جلب المصالح ودفع المضار، والله ولي الهداية.

وبالجملة فهذا الذي نعتقده وندين الله به في هذه المسائل المذكورة وغيرها، فمن نقل عنا خلاف ذلك، وتقول علينا ما لم نقل، فحسابه على الله الذي عنده تنكشف السرائر، وتظهر مخبتآت الصدور والضمائر، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه وسلم. قال ذلك ممليه الفقير إلى الله راجي رحمة ربه وعفوه محمد بن عبد اللطيف وذلك في 20 رجب سنة 1336.

انتهى الكتاب والحمد لله.

هامش

  1. مسلم
  2. متفق عليه
  3. متفق عليه
  4. أحمد
  5. متفق عليه
  6. مسلم
  7. متفق عليه
  8. سنن النسائي
  9. متفق عليه
  10. متفق عليه
  11. أبو داود وابن ماجه
  12. أي: لفظ ابن آدم بدل لفظ العبد.
  13. مسلم
  14. مسلم
  15. بياض في الأصل.
  16. مسلم
  17. أبو داود والترمذي
  18. متفق عليه
  19. أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد والدارمي.
  20. يعني المملوك الحي من إنسان وحيوان.
  21. متفق عليه
  22. مسلم
  23. أي: إذا كانوا من المشتركين في قطع الطرق، وقتل الناس لأخذ أموالهم، وأما إذا كانوا لصوصا غير قتلة، وانفرد أحدهم بقتل الجمال أو غيره فلا يقتل إلا القاتل.
  24. هكذا في الأصل، بلا جواب الشرط وهو: سقط القود ووجبت الدية.
  25. أبو داود
  26. لعله يريد الحديث المروي بهذا المعنى عن عدة من الصحابة. وأما اللفظ الذي سئل عنه فقد رواه أحمد والحارث بن أبي أسامة من طريق الحسن البصري عن عبد الله بن عمرو، وأعلوه بأن الحسن لم يسمع من عبد الله بن عمرو.
  27. أبو داود والنسائي وأحمد
  28. أبو داود
  29. يظهر أن هذه المسألة كتبت بأغلاطها كما وردت من بعض العامة ونحن لم نصححها لكثرتها مع أننا نصحح غيرها من الغلط القطعي لاعتقادنا أنه من خطأ النساخ ولكن وضعنا بجانبها علامة الاستفهام(؟).
  30. أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والدارمي.
  31. يعني من كتاب الفتاوى الحديثية له وقد قابلنا عليها عند التصحيح.
  32. مسلم
  33. سقط من هنا عدة أقوال للعلماء في الموضوع؛ الظاهر أن الشيخ أحمد بن ناصر تعمد حذفها اختصارا؛ ولأنها آراء وآثار غير صحيحة. وكتبه محمد رشيد رضا.
  34. متفق عليه
  35. سقط من هنا بعض الأحاديث والأقوال.
  36. مسلم
  37. متفق عليه
  38. سقط هنا روايات، وقوله بعده: ولمسلم هو مَعْزُوٌّ في الفتاوى الحديثية إلى الشيخين كليهما.
  39. متفق عليه
  40. الترمذي
  41. الترمذي وأحمد
  42. الترمذي وأحمد
  43. سقط من هنا كلام أيضا.
  44. مسلم
  45. سقط من هنا كلام كثير في نكاح أهل الجنة قلما يثبت منه رواية أو يصح رأي.
  46. قوله: تلقينه يعني به الجنين، وسقط من هنا: ومن ثَمَّ خالف في ذلك القرطبيُّ وغيره فجزموا بأن الطفل يسأل. صح وكتبه محمد رشيد رضا.
  47. أبو داود والترمذي وأحمد
  48. متفق عليه
  49. مسلم
  50. لهذا التوجيه من ابن حجر تتمة قليلة أمر بتأملها وقد سقط من هنا عمدا أو سهوا.
  51. متفق عليه
  52. أبو داود وأحمد
  53. أحمد
  54. مسلم
  55. أي: كلام ابن حجر هنا، ولكن ما بعده ملخص من كلامه أيضا مع حذف. وكتبه محمد رشيد رضا.
  56. متفق عليه
  57. متفق عليه
  58. أبو داود والترمذي
  59. ابن أبي ليلى المنفرد برواية هذا الحديث -كما في الترمذي- هو محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى الفقيه، وهو لا يُحْتَجُّ بحديثه: اتفقوا على أنه كان سيئ الحفظ فاحش الخطأ، كثير الوهم والمناكير، وصرح أحمد بضعفه واضطراب حديثه، وأثنى على فقهه. وكتبه محمد رشيد رضا.
  60. الترمذي
  61. مسلم
  62. متفق عليه
  63. أحمد
  64. أبو داود والترمذي والنسائي
  65. الترمذي وابن ماجه والدارمي
  66. أحمد
  67. أحمد
  68. الترمذي وابن ماجه والدارمي
  69. الترمذي والدارمي
  70. أحمد
  71. متفق عليه
  72. أحمد
  73. كان يصح هذا القول لو صح معناه، ولم يصح عند محققي علماء الفلك إلى اليوم على اتساعه أن حركات النجوم تدل على أحداث الأرض وما يقع فيها - فهذا التجويز من مجازفات ابن حجر الهيتمي فيما لا علم له به؛ ليقيد به الأحاديث الصحيحة في إبطال خرافات المنجمين وتحريمها - ولو نقل هذا عن شيخ الإسلام ابن تيمية لأقام عليه ابن حجر هذا التكبر وسبه عليه أقبح السب. وكتبه محمد رشيد رضا.
  74. أحمد
  75. أحمد
  76. أحمد
  77. أحمد
  78. الدارمي
  79. الدارمي
  80. بياض بالأصل.
  81. البخاري
  82. الترمذي
  83. الترمذي
  84. الترمذي
  85. أبو داود
  86. أحمد
  87. متفق عليه
  88. متفق عليه
  89. الترمذي والنسائي وأحمد والدارمي
  90. متفق عليه
  91. متفق عليه
  92. الترمذي
  93. أبو داود والترمذي وابن ماجه
  94. متفق عليه
  95. أبو داود والترمذي
  96. مسلم
  97. متفق عليه
  98. مسلم
  99. متفق عليه
  100. الترمذي وابن ماجه
  101. الترمذي وابن ماجه
  102. كذا في الأصل.
  103. أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه
  104. أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه
  105. بياض بالأصل.
  106. بياض بالأصل.
  107. مسلم
  108. متفق عليه
  109. مسلم
  110. البخاري
  111. الترمذي والنسائي وابن ماجه
  112. الدارمي
  113. أبو داود وأحمد
  114. مسلم
  115. أبو داود وأحمد
  116. أبو داود والترمذي وابن ماجه
  117. مسلم
  118. البخاري
  119. أبو داود