الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس/يعقوب بن يوسف بن عبد المومن
البيعة وناعت له الأمة كان أول شيء فعله أنه اخرج مائة ألف دينار ذهبا من بيت المال ففرقها في الضعفاء من بيتات بلاد المغرب وكتب إلى جميع بلاده في تسريح المسجونين ورد المظالم التي فعلها العمال في أيام أبيه وأكرم الفقهاء وراعى الصلحاء والفضلاء وأجرى على أكثرهم الانفاق من بيت المال وأوصى ولاته وعماله بالرجوع إلى أحكام القضاة وتفقد أحوال بلاده و رعيته وضبط الثغور وشحنها بالخيل والرجال وفرق في الموحدين وسائر الأجناد أموالا كثيرة وكان ذا رأى وحزم ودين وسياسة وهو أول من كتب العلامة بيده من ملوك الموحدين الحمد لله وحده فجرا عملهم على ذلك وهو واسطة عقدهم الذي ضخم الدولة وشرفها وكانت أيامه أيام دعة وأمن ورخاء ورفاهية وبهجة حسنة صنع الله عز وجل في أيامه الأمن بالمشرق والمغرب والاندلس فكانت الطعينة تخرج من بلاد نون لمطة حتى تصل برقة وحدها لا ترى من يعرضها ولا من يكلمها صنع علم الارك المشهور وحقن البلاد وضبط الثغور وبنى المساجد والمدارس في بلاد المغرب وأفريقية والاندلس وبنا المرستانات للمرضى والمجانين وأجرى المرتبات على الفقهاء والطلبة على قدر مراتبهم وطبقاتهم وأجرى الانفاق على أهل المرستانات والجذماء والعميان في جميع أعماله وبنا الصوامع والقناطير والجباب للماء في البرية واتخذ عليها المنازل من سوس الاقصى الى سويقية مصكوك فكانت أيامه زينة للدعر وشرفا لاهل الاسلام لم يزالوا فيها أعزة ظاهرين على العدو وقاهرين له، وفى سنة اثنتين وثمانين قتل المنصور أخويه أبا يحيى وعمر وقتل عمد أبا الربيع وفيها خالفت مدينة قفصة من بلاد أفريقية فخرج إليها المنصور من حضرة مراكش في ثالث شهر شوال من سنة اثنتين وثمانين المذكورة فوصل إليها وحاصرها حتى فتحها في سنة ثلاث وثمانين فلما فتح قفصة خرج إلى غزو عرب أفريقية فهزمهم واستباح حللهم وأموالهم وبعد ذلك أتوه طائعين فنقلهم الى المغرب ورجع إلى مراكش، وفيها تحرك إلى الأندلس برسم غزو بلاد غربها وفى أول غزواته للروم فجاز إليها من قصر الجواز إلى الخضراء وذلك يوم الخميس الثالث من ربيع الأول من سنة خمس وثمانين المذكورة فارتحل عن الخضراء حتى نزل شنترين وشن الغارات على مدينة لشبونة وأنحائها فقطع الثمار وقتل وسبى وأضرم النيران في القرى وحرق الزرع وبالغ في النكاية وانصرف إلى العدوة بثلاثة عشر ألفاً من النساء والذرية فوصل مدينة فاس في آخر شهر رجب من السنة المذكورة فأقام بها أياماً فتواترت له الأخبار أن المايورقي قد ظهر بإفريقية فارتحل إليها من مدينة فاس في الثامن من شعبان من السنة بعينها فدخل مدينة تونس في أول شهر ذي القعدة من السنة المذكورة فوجد إفريقية ساكنة وقد فر عنها المايورقي إلى الصحراء حين سمع بقدومه، وفي سنة ست وثمانين دخل النصارى مدينة شلب ومدينة باجة ويابرة من بلاد غرب الأندلس وذلك لما علموا أن المنصور قد بعد عنهم واشتغل بإفريقية فاغتنموا الفرصة فاتصل الخبر بالمنصور فاستعظم ذلك وغاظه وكتب إلى قواد الأندلس يوبخهم ويأمرهم بغزو بلاد الغرب ويعلمهم أنه قادم عليهم في أثر كتابه فاجتمع قواد الأندلس إلى محمد بن يوسف والي قرطبة فخرج بهم في جيش عظيم من الموحدين والعرب والأندلس حتى نزل شلب فحاصرها وشد عليها القتال حتى فتحها وفتح قصر أبو دانس ومدينة باجة ويابرة ورجع إلى قرطبة فدخلها بخمسة عشر ألف سبية وثلاثة آلاف أسير من الروم أدخلهم في القطابي بين يديه خمسين علجاً في كل قطيبة وذلك في شوال سنة سبع وثمانين وخمس مائة وفي هذا الشهر رجع المنصور من إفريقية فدخل مدينة تلمسان فأقام بها إلى آخر سبع المذكورة، وفي أول يوم من المحرم سنة ثمان وثمانين وهو عام أجرواو خرج المنصور من مدينة تلمسان إلى مدينة فاس وهو مريض وكان يركب في أجروأو فدخلها وأقام بها مريضاً سبعة أشهر حتى استراح من علته وارتحل إلى مراكش فأقام بها إلى سنة إحدى وتسعين وخمس مائة فخرج من مراكش إلى الأندلس برسم الغزو فصنع غزوة الأرك المشهورة *