الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس/وصول الرهبان والاقسة من الروم الى أمير المسلمين
الخبر عن وصول الرهبان والاقسة من الروم الى حضرة أمير المسلمين يرغبون في الصلح
قال المؤلف عفا الله عنه لما ارتحل أمير المسلمين عن شريش ورجع الى بلاده لأجل زمان الشتاء الذي اقبل، خرج سانشو ملك النصارى من اشبيلية الى شريش فرءا من أثار عيث المجاهدين في بلاده وفعل المسلمين بالتخريب والتحريق والقتل والسبى والتمزيق في نجوده ووهاده ما اشعل النار بفؤاده وابدل نومه بسهاده،فبعت ثقته الزند غرسية في الاقسة والرهبان والزعماء المجربين الى حضرة أمير المسلمين فانقبلوا اليها صاغرين داخرين متذلّلين ضارعين في السلم راغبين، فلم يسمع منهم أمير المسلمين قولا ولا ردّ عليهم صرفا ولا عدلا فرجعوا الى مرسلهم خائبين فاعادهم ثانية وقال ارجعوا اليه فعساه أن يلين فاتوه الثانية فقالوا له ايها الملك المنصور جئناك بقلوب منكسرة وأفئدة منقطعة منحصرة نرتجي عفوك ونطلب سلمك وصلحك والصلح خير فلا تخيب قصدنا ولا تردّ وسيلتنا فقال لهم لا اصالح سلطانكم الا على شروط اشترطها عليه ابعث رسولى لديه فان قبلها سالمته وان حاد عنها نابدته ثم دعا بالشيخ محمد عبد الحق الترجمان وقال له تسير الى هذا اللعين وتقول له يقول لك امير المسلمين لا اسالمك ولا أترك حربك وغزو بلادك إلا على شروط منها أن لا تتعرض بعد هذا لبلد من بلاد المسلمين ولا لجفن من أجفانهم ولا تتوصل لهم بإذاية لا في بر ولا في بحر كان ذلك من طاعنى أو من غيرها وأنت تكون لي بمنزلة الخديم فيما ءامرك به وأنهاك عنه وأن يكون المسلمون يسيرون في بلادك في تجارتهم وطلب معاشهم بالليل والنهار لا يتعرضهم بشر ولا يلزمهم درهم ولا دينار وأن لا تدخل بين سلاطين المسلمين بلفظة واحدة ولا تقعد مع أحد منهم محاربة، فسار إليه ابو محمد عبد الحق ليبلغه الرسالة ويشترط عليه ما ذكره أمير المسلمين من المقالة فوصله وهو بحضرة اشبيلية أعادها الله للاسلام، فسلم عليه وأبلغه رسالة أمير المسلمين، فاحتملها وأعلمه بالشروط التي اشترطها عليه فالتزمها، فقال له ابو محمد عبد الحق عند ذلك يا سلطان اما الشروط فقد قبلتها، فاسمع منى مقالة أقولها، قال تكلم بما بما شئت، قال يا سلطان قد صح عند الملتين وثبت فى قلوب الفريقين أن أمير المسلمين ابا يوسف أيده الله صاحب دين وأمانة وعهد ووفاء في الميثاق، اذا عهد وفا واذا قدر عفا وانت لا يعلم لك مذهب فانك فعلت مع والدك ما فعلت وخرجت عليه ظلما ونكثت فسار الناس ينفضون عنك لقلة استماتهم لك فقال له سانشو لو علمت أن الملك أبا يوسف يرضى أن أكون من جملة خدامه لبادرت فقال له ابو محمد عبد الحق أما والله إن خدمت مولانا امير المسلمين وظهر له منك النصيح في الخدمة لتجدنه كما تريد فقال سانشو ما الذى اصنع أولا بما يرضيه، قال اول أمر تصنعه ألا تدخل نفسك في أمور المسلمين بكلمة واحدة وتترك التجريب بينهم ولا تتعرض لبلادهم وان كان بينك وبين ابن الاسمر كلام أو ربط فاتركه واخرج من اموره بالكلية وصرف ارساله اليه وبهذا يرضى عنك أمير المسلمين ويصالحك وهو من بلادك ، وكان ابن الأحمر قد بعث رسله اليه يعقدون معه الصلح على بلادهم وتكون يدهم واحدة على حرب المسلمين وكانت عند سانشو أجفان مجهزة معدة للسفر بالوادى فلما فرغ عبد الحق من كلامه قال له سانشو اذا كان غدا تسمع ما أقول وترى ما أفعل فلما كان من الغد ركب سانشو الى شاطئ الوادى فوقف عليه وأقبلت رسل ابن الاحمر فقعدوا بين يديه فلما استقر عليهم المجلس بعث الى عبد الحق رسول أمير المسلمين فاقبل اليه واقعده الى جنبه وأخذ معه في الحديث إلى أن ظهرت الاجفان وهي مقلعة فقال له رسل ابن الاحمر ما هذه الاجفان المقلعة أيها الملك فقال لهم سانشو هذه الاجفان اعددناها برسم خدمة أمير المسلمين أبي يوسف وتصرف في حوائجه وقضاء أغراضه حيث كانت فلما سمعوا ذلك منه سقط في أيديهم ونظر بعضهم الى بعض ثم قالوا له ونحن أيضا بماذا ننصرف عنك أيها الملك فقال لهم أما ما جئتم اليه من عقد الصلح مع ابن الاحمر فلا أعرف له وجها وكيف أصالحه أو على أي شي أعاهده أهو كفؤ لي او قرينى حتى أعقد معه الصلح وما جرت عادة الرجل الا خدمتي ويقبل بيد أبي وبيدى وبيد الصغير منّا والكبير وهذا الملك امير المسلمين أبو يوسف هو ملك المسلمين في العدوتين وصاحب حضرة مراكش وفاس ومملكة المسلمين بالمغرب فيهما وقد قهر جميع الملوك بصدق نیته وسعده وغلبهم بقوة عزمه وكثرة جنوده وأفنى ملوك بني عبد المومن وسلب ملكهم وقطع دولتهم وليس فى الارض ملك اخشاه سواه وقد علمتم أنه قهرني وقهر ابى قبلى واستولى على بلادنا وقتل رجالنا وأبطالنا وسبا حريمنا وغنم أموالنا وليس لنا طاقة لقتاله ولا قدرة بحربه ونزاله ومع هذا كله فقد كاتبه جميع ملوك النصرانية يرغبون في مسالمته ومهادنته فكيف أترك صلح أمير المسلمين وأتكلم مع من هو دونه فى القدرة والقوة والحرب؟ فابلغوا ابن الاحمر كلامى وقولوا له لا كلام بينى وبيتك أبدا فانى رأيتُ ذلك مصلحة لي ولبلادى ولرعيتى واعلموه أنى لا أقدر على مدافعة أمير المسلمين عن نفسى فكيف أدفعه عن غيري والمال الذي اخذت منكم هو مصروف اليكم/عنكم رغما عن انفى بسيف أمير المسلمين الى يوسف، فانصرفت رسل ابن الاحمر وقد يئسوا من نصرة الفونسو اياهم فقال له أبو محمد عبد الحق هذه رسل ابن الاحمر قد انصرفت وانا بماذا انصرف إلى مولانا امير المسلمين فقال له سانشو أنا أحد خدمته ممتثل لامره ونهيه، مبادر إلى ما يرضيه فقال عبد الحق يرضيه أن تصل اليه فتجتمع به، فال سانشو نعم وكرامة فلما عزم سانشو على الخروج ليجتمع بأمير المسلمين اجتمعت عليه النصارى و غلقت عليه أبواب اشبيلية دونه ومنعوه من السير والخروج، وقالوا انا نخاف عليك من ملك المسلمين فقال لهم اليت على نفسي أن أصله وأخذ معه مشافهة فيما يقع الصلح بيني وبينه عليه، فدعوه يصنع ما يشاء ويفعل في ما أراد فلما رأوا عزمه خلوا سبيله، فسار حتى بعد عن اشبيلية بمرحلة، فادركه الخوف وداخله الجزع وقال لابى محمد عبد الحق الترجمان ما أظن اصحابي في منعهم اياى الا على بصيرة ولكنى اريد ان تعاهدنى وتحلف لى انى لا أرا منه الا ما يسرنى، فحلف له عبد الحق على ذلك في تهليل(*) كان عنده فاطمأن قلبه فى الظاهر، ثم سار حتى وصل شريش فازداد جزعا، وقال لعبد الحق انى لا أقدم على أمير المسلمين ابى بوسف حتى اجتمع بولي عهده ابى يعقوب فيومنني ويسكن خاطری، فانقدم معه الى والده فى ذمته وأمانه وأسير معه، فلما سمع ذلك عبد الحق ساء ظنه وخاف أن يدبرها مكيدة على المسلمين فقال له نعم يصل اليك ولاكنه ملك كبير وسلطان عظيم اذا وصل اليك بجيشه وانت فى بلد من بلادك تطلب أن يشفع لك عند أبيه وجب عليك أن تخرج عن تلك البلد فان المملكة توجب ذلك، فلا يمكنك الا الخروج له عن شربش اذا دخل فيها فان لم تفعل كنت مقصرا في حقه وخافضا من قدره فدبر بماذا أراك فيه، وأما وصوله اليك فانا الكفيل به، فلما سمع سانشو هذه المقالة التي قصد بها أبو محمد عبد الحق تعطیل مرامه من دخول الامير إلى بعقوب فى شريش استنكف عن مقالته الاولى ورجع عنها وقال وأناأيضا اخرج الى لفائه فالقاه خارج المدينة، فسار أبو محمد عبد الحق الى الامير أبي يعقوب يعقوب فعرفه بخبر سانشو واستجارته به وميله الى جانبه واعلمه برضاه بعهده وانه راغب ان يكون في ذمّته حتى يصل معه إلى أمير المسلمين، فاجابه الامير أبو يعقوب الى ذلك واسعفه به فسار مع أبى محمد عبد الحق إلى لقاء سانشو في جيش عظيم من انجاد بنى مرين وشجعانها وأهل الباس والفنك منها، فتلقاه سانشو على مسيرة اميال من شريش مسلّم عليه وأظهر له السرور والفرح والبشاشة كثيرا وأخرج له الضيافة ولجميع المحلة، فأمر الأمير أبو يعقوب رحمه الله بالنزول بخارج البلد قضربت قبابه و مضاربه ونزل فيها ونزل سانشو، فدخل معه في خبائه فقال له أعلم أيها الامير الاسعد والسلطان المبارك الاصعد انى أردت أن أكون دخيلك وفي وفاء ذمتك ومتفيئا بظل حرمتك حتى اجتمع مع امير المسلمين والدك ، فاعطاه الامير أبو يعقوب أمانه والتزم له ما يرضيه من والده وتكفل له بجميع قضاء اغراضه وشؤونه عنده فقال له سانشو الآن طابت نفسی و رجعت الى حسبي ، فلما كان في عشى النهار وركب الامير أبو يعقوب الى خارج محلّته فوقف بها وخرج جميع من بشريش ينظرون اليه، فركبت أبطال بني مرين تلعب بين يدبه وركب سانشو ووقف بازائه وبنوا مرين في لعبها وقال سانشو وانا ايضا العب سرورًا بما من الله عز وجل به على من اقبالكم الى واسعادكم لى بالصلح والمهادنة فانا أولى الناس بالسرور، ثم أخذ الترس والرمح بيده فلعب بهما مع زعمائه بين بدى الامير ابى يعقوب حتى غربت الشمس فلما كان الغد، ارتحل الأمير أبو يعقوب وسانشو إلى لقاء أمير المسلمين، فاجتمع له بحصن الصخرات على مقربة من وادى لك واستعد أمير المسلمين رحمة الله الى لقائه في ذلك اليوم وأمر رحمه الله جميع جيوشه وجنوده بلباس البيض والعدد الكاملة، فابيضت الارض من بياض المسلمين وأقبل سانشو في عقدة من المشركين مسودة فكان ذلك عبرة للمعتبرين، فسلم على أمير المسلمين وقعد بين يديه ناديا منه ثم قال يا أمير المسلمين ان الله عز وجل اسعد فى بلقائك وشرفنى في هذا اليوم برويتك وانى لأرجوا ان انال طرفا مما أعطيت من السعادة حتى افهر به ملوك النصرانية ولا تظن انى جئتك رضى منى وطوعا من نفسى ، بل والله ما قدمت لحضرتك الا رغما على أنفى، فانك نسفت بلادنا وسبيت حريمنا وأولادنا وقتلت حماتنا ولا طاقة لنا بحربك ولا القدرة على معاندتك، فكل ما تأمرني به امتثله وكلما تشترطه على التزمه واحمله، ويدك الباسطة على جميع بلادی و رعیتی تحكم في الكلية بما شئت ثم قدّم له هدايا نفيسة وتحفا عظيمة وكذلك لولده الامير ابى يعقوب استجلابا لمرضاتهما فكافأه أمير المسلمين عنها بأضعافها ليخرج عن أياديه وتم الصلح بينهما وذلك يوم الاحد الموفى عشرين لشعبان من سنة أربع وثمانين وست مائة. ولما صرفه الى بلده، امره رحمه الله تعالى أن يبعث اليه بما يجده في بلاده بابدى النصارى واليهود من كتب المسلمين ومصاحفهم فبعث اليه منها ثلاثة عشر حملا فيها جملة من الكتاب العزيز وتفسيره كابن عطية والثعالبي ومنها كتب الحديث وشروحاتها كالتهذيب والاستذكار وكتب الفروع وكتب الاصول واللغة والعربية والادب وغيرها فامر رحمه الله بها فحملت الى مدينة فاس فحبسها على طلبة العلم بالمدرسة التي بناها نفعه الله تعالى بقصده، وبعد انصراف سانشو الى بلاده رجع امير المسلمين الى الجزيرة الخضراء، فدخلها في السابع والعشرين من شعبان المذكور فوجد القصر الذي بني له بالمدينة الجديدة والمشور والجامع قد تم ذلك كله وفرغ منه فنزل بالقصر المذكور وقام به شهر رمضان وصلى الجمعة بجامعها المكرم وصلى بمشورها صلاة الاشفاع ولم يتخلف عنه ليلة واحدة فكان لا يزال قائما من أول الصلاة إلى آخرها مواظبا على ذلك حتى انقضا شهر رمضان المعظم وقد قضى حقه صياما وقياما وكان الفقهاء يبيتون عنده في كل ليلة منه، فيذاكرهم في فنون العلم فإذا كان ثلث الليل الآخر قام الى ورده و مناجاة ربه يسأله خلاص نفسه رحمه الله حتى انصرف شهر رمضان، فلما كان يوم عيد الفطر انصرف من المصلّى الى قصره وقعد بالمشور المبارك ودخل عليه اشياخ بني مرين والعرب فقعدوا بين يديه ياكلون الطعام فلما فرغوا من أكلهم رفع اليه الفقيه الأديب البارع أبو فارس عبد العزيز المكنسي الدار الملزوزى النجار قصيدة ذكر فيها غزوات أمير المسلمين فى تلك السنة وغزوات بنيه وحفدته وامتدح قبائل بنی مرین ورتبهم على منازلهم وذكر فضائلهم وقيامهم بالجهاد وأمر الدين، وذكر قبائل العرب على اختلافها وبناء البلد الجديدة التي على الجزيرة والدار وحلول أمير المسلمين بها وصلاته بجامعها وذكر منبرها الشريف والتهنئة بعيد الفطر والشكر له على قيامه بامر الدين واهتمامه بأمر العلم، فانشدها بين يديه بمجلسه ذلك قارئه الفقيه عبد الرحمن الفاسي الدار المعروف بالغرابلي وأمير المسلمين يصغى الى انشادها وجميع أشياخ بني مرين والعرب يستمعونها حتى أتى على اخرها فقبل يديه الكريمتين، فامر للقارى بمائتي دينار وأمر للناظم بالف دينار وخلع له ثيابا وركوبا
وهذا مطلع القصيدة: قال المؤلّف عفا الله عنه وفى العاشر من شهر رمضان المعظم من سنة اربع وثمانين وست مائة بعث امير المسلمين ولده الامير ابا زيان فى جيش كثيف ليقف على الحدّ بين بلاده وبين بلاد ابن الاحمر وامره الا يحدث في بلاد ابن الاحمر حدثا ولا يواصل لها باذاية ولا بمضرّة فانصرف الى حصن دكوان بالمغرب من مالقة فسكن لخارجه، وفى شهر رمضان المذكور توفّى الوزير المرحوم أبو علىّ يحيى بن ابى مديد الهسكوري بالجزيرة الخضراء، وفي اخر شهر شوال امر امير المسلمين عياد بن ابي عياد العاصمي ان يرتحل بجميع اخوانه الى اسطبونة فيسكن هنالك فارتحل إليها فنزلها في غرّة ذي قعدة من السنة المذكورة، وفى يوم الاثنين السادس عشر لذى قعدة المذكور جاز امير المسلمين ابو يعقوب من الخضراء الى العدوة يتفقّد احوالها في غراب القائد المجاهد ابي عبد الله محمّد بن القائد ابى القاسم الرجراجى رحمه الله فنزل بقصر المجاز، وفي هذه السنة بنيت زاوية فرطاسة على قبر الامير المرحوم ابى محمّد عبد الحقّ وتصدّق عليها امير المسلمين بمحرث اربعين زوجا، وفى اخر شهر ذي قعدة ابتدا امير المسلمين مرضه الذي توفّي منه فلم يزل المه يشتدّ وحاله يضعف إلى ان توقّى رحمه الله بقصر من بلدته الجديدة من جزيرة الاندلس وذلك في ضحى يوم الثلاثاء الثاني والعشرين محرم من سنة خمس وثمانين وستّ مائة فحمل رحمة الله الى رباط الفتح من بلاد العدوة ودفن بمسجد شالة منها فكانت ايامه في الخلافة تسعا وعشرين سنة وذلك من حين بويع له بحضرة مدينة فاس بعد وفاة اخيه ابى يحيى ومن حين ملك حضرة مرّاكش وقطع ملك بني عبد المومن فخلص له امر المغرب سبع عشرة سنة وعشرين يوما فانا لله وانا اليه راجعون فلقد انصدع بموته الاسلام ورزی بوفاته جميع الادم تلقاه الله عزّ وجلّ بالروح والريحان والمغفرة والرضوان جبر الله صدع الاسلام فيه وابقى خلافته وبركته مؤيدة في حفدته وبنيه وصلى الله على سيدنا محمّد وعلى اله وصحبه وسلّم تسلیما