انتقل إلى المحتوى

الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس/ملوك المغرب من الادارسة الحسنيين

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: الصفحات 4–7
 

الخبر عن ملوك المغرب من الادارسة الحسنيين رضى الله عنهم و ذكر

قيامهم فيه وبنيانهم مدينة فاس دار ملكهم وقرار سلطانهم

قال المؤلف للكتاب عفا الله عنه كان السبب فى دخول الادراسة الحسنيين المغرب وتملكهم عليها انّ الامام محمّد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن على بن ابى طالب رضى الله عنهم كان قام على امير المومنين ابى جعفر المنصور العبّاسىّ بالحجاز منكرًا لجوْره و عسفه وذلك فى سنة خمس واربعين ومائة سنة ارسل اليه المنصور جيشا عظيما الى المدينة فهزم الامام محمّد وقبض على جماعة من اصحابه واهل بيته وفرّ هو الى بلاد النوبة فقام بها الى ان توفّى المنصور، وولى الخلافة بعده ولده المهدى فصار محمّد بن عبد الله بن حسن الى مكّة فى ايام الموسم فلما وصلها دعا بها الناس الى بيعته فبايعه خلق كثير وتابعه جميع اهل مكّة والمدينة وعامة اهل بلاد الحجاز وكان يدعا بالنفس الزكية لنسكه وكثرة عبادته وزهده وورعه وعمله وفضله وكان له ستة اخوة وهم يحيى وسليمان وابراهيم وعيسى وعلّى وادريس فبعث منهم دُعّاةً الى الامصار يدعون الى امامته وبيعته بعث علىّ الى افريقيّة فاجابه بها خلق كثير من قبائل البربر وبقى هنالك الى ان توفّى ولم يتم له امر وبعث اخاه يحيى الى خراسان فافام بها حتى قُتِل اخوه محمّد ففرّ الى بلاد الديلم فاسلم على يديه منهم خلق كثير ودعا لنفسه فبايعه عالم عظيم وقوى امره وذلك فى اول خلافة الرشيد فلم يزل الرشيد يبعث له بالجيوش ويدبّر عليه الحيلة حتى اتاه بالامان فاقام عنده مدّة الى ان مات مسموما فى ايام الرشيد وبعث ايضا اخاه سليمان الى بلاد مصر داعيا للامصار ولما اتّصل به قتل اخيه سار الى بلاد النُوبة ثم الى بلاد السودان ثم خرج منها الى زاب افريقيّة ثم سار الى تلمسان من بلاد المغرب فنزلها واستوطنها وذلك فى ايام اخيه ادريس فكان له بها اولاد كثيرة فكل حسنىّ هنالك فمن نسل سليمان ابن عبد الله بن حسن وقد دخل اكثر ولده الى بلاد القبلة والسوس الاقصى ولما قويت شوكة الامام محمّد بمكّة شرّفها الله وبويع له فى كثير من الامصار وظهرت دعّاته فى اكثر البلاد خاف امير المومنين العبّاسىّ المهدى من امره فصرف وجهه اليه بجيش من ثلاثين الف فارس فخرج الامام محمّد الى لقآء جيش المهدى وقتاله فى عسكر عظيم من اهل الحجاز واليمن وغيرهم فالتقى الجمعان بموضع يعرف بفجّ على ستة اميال من مكّة شرّفها الله فكان بينهما قتال شديد وحروب عظيمة قتل فيها الامام محمّد بن بن عبد الله بن حسن رحمه الله وهزم جيشه وقُتِل منهم خلق كثير وفرّ الباقون وبقي القتلى في موضع المعركة لم يُدفنوا حتى اكلتهم الطيور والسباع لكثرتهم وكانت هذه الوقيعة يوم السبت وهو يوم التَرويَة الثامن من شهر ذى حجة سنة تسع وستين ومائة وفرّ اخوته ابراهیم وادریس فیمن فرّ فسار ابراهيم إلى البصرة فقام بها ولم يزل يحارب اعداءه حتى قُتِل رحمة الله وغفر له*

واما ادريس فانه لما قُتِل اخوه وشَيْعَته فرّ بنفسه مستقرًا في البلاد بريد المغربَ فسار من مكة حتى وصل مصرَ ومعه مولاه اسمه راشد فدخلها والعامل عليها للمهدى علىّ بن سليمان الهاشميّ فبينما هو ادریس ومولاه راشد يمشيان في شوارعها ويجيلان بطرقها اذ مرّ بدار حسنه البناء والهيئة فوقف ينظران اليها ويتأملان حُسْنَ بنائها واتقانها واذا صاحب الدار قد خرج وسلّم عليهما فردّا عليه السلام فقال لهما ما الذي تنظران من هذه الدار فقال راشد یا سیدی انه اعجبنا حسنُ بنائها واحكام اتقانها وشكلها قال واظنكما غريبين من هذه البلاد قال راشد جُعِلتُ فداك ان الأمر كما ذكرتَ قال فمن ايّ الاقليم انتما قال من الحجاز قال من اىّ بلده قال من مكة قال واخالكما من شيعة الحسنيين الفارّين من وقعة فخ فارادا أن ينكرا له حالهما ويُخْفِيا عنه أمرّهما ثم أنهما توسّما فيه الخير والفضل فقال له راشد يا سيدى اراك صورة حسنة وقد توسّمنا فيك الخير لحسن صورتك وطلاقة وجهك وبشرك ولا بدّ أن تكون افعالك وشِيَمُك مطابقة ومشابهة لصورتك الجميلة ولا كنّ ارايت ان اخبرناك مَنْ نحن وما خبرنا وأمرنا اكنت تستر علينا قال نعم وربِّ الكعبة اكتم أمركم وأصون سركم وابذل جَهْدى في صلاح حالكم، قال راشد ذلك الظنّ بك والثقة بفضلك هذا ادريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علىّ بن ابي طالب رضى الله عنهم أجمعین وانا مولاه راشد ففرّتُ به خوفًا عليه من القتل قاصدا الى بلاد المغرب فقال لهما الرجل لتطمئن نفوسكما وتسكن روعتكما فاني من شيعة أهل البيت ومواليهم وأول من كتم سرهم وستر امرهم وبذل جهده في حقّهم فلا تخافا ولا تحزنا فانتما من الامنين ثم ادخلهما الى منزله فاقاما عنده مدة في اكرام ونعيم فاتّصل خبرهما بعلىّ ابن سليمان الباشمىّ عامل مصر فبعث الى الرجل الذي هما عنده فقال له انه قد رُفع الّى خبرُ الرجلين الذين هما في منزلك مخفّفين وان امير المومنين قد كتب الّى فى طلب الحسنييين والبحث عن مَنْ وجد منهم وقد بعث عيونه على الطرقات وجعل الرصاد في اطراف البلاد والقبالات فلا يمرّ بهم احدٌ من الناس حتى يعرف ويعلم صحّة نسبته وحاله ومِنْ اين قدم وإلى أين يسير وانى اكره أن تعرّض للماء أهل البيت أو ينالهم اذى من سببي فلك الامان ولهما فسِرْ اليهما وقًلْ لهما يخرجان من عملى ليلا يصل خبرُهما الى المهدى فيخرجكما من يدى وقد أذن لكما في الخروج ثلاثة ايام فسار الرجل الى ادريس ومولاه راشد فاعلمهما الخبرَ فعزما على الخروج الى المغرب فاشترى لهما الرجل راحلتين ولنفسه أُخْرَى وصنع لهما زادًا يبلغهما الى افريقيًة وقال لراشد اخرج انت مع الرفقة على الجادّة واخرج انى مع ادريس على طريق غامض أعرفه لا تسلكه الرِفاق وموعدنا مدينة برقة انتظرك بها حيث ءامن عليه الطلب فقال الراى ما رأيتَ فخرج راشد مع الرفقة على الجادّة في زى التجار وخرج ادريس مع الرجل المصرىّ على البرية حتى وصل به مدينة برقة فقعدا بها حتى لحق بهما راشد فجدّد لهما الرجل هناك زادًا يبلغهما وودّعهما وانصرف راجعًا إلى مصر، وسار ادريس مع مولاه راشد الى افريقيّة يجدّان السيرَ حتى وصلا القَيْرَوان فاقاما بها مدة ثم خرجا الى المغرب الأقصى، وكان راشد من اهل النجدة والشجاعة والعلم والحزم والقوة والعقل والدين والنصيحة لاهل البيت فغمد الى ادريس حين خرج به من القيروان فالبسه مِدْرعة صوف خَشِنة وعمامة غليظة وصيّره كالخاتم له يامره وينهاه كلّ ذلك خوفا عليه وحياطة له فلم يزل على ذلك حتى وصل به الى مدينة تِلِمْسان فاستراح بها أيامًا ثم ارتحل عنها نحو بلاد طنجة فسار حتى عبر وادى ملوية ودخل بلاد السوس الادنى والسوس الادنى حدّه من وادى ملوية الى وادى امّ الربيع وهو اخصب بلاد المغرب واعظمها بركة والسوس الاقصى من جبل دَرَن الى وادى النون فسار ادريس ومولاه راشد حتى نزلا بمدينة طنجة وهي يومئذ قاعدة بلاد المغرب وامّ مدنه اذا لم يكن بالمغرب مدينة عظم ولا اقدم منها، وقد ذكرنا تاريخها ومَن بناها في كتابنا الكبير المسمى بزهرة البستان فى اخبار الزمان، فلما وصل ادريس الى مدينة طنجة أقام بها أيامًا فلم يَجِدْ بها مراده فرجع مع مولاه راشد حتى نزل مدينة وَلِيلى قاعدة جبل زرهون وكانت مدينة وليلى مدينة متوسّطة حصينة كثيرة المياه والغروس والزيتون وكان لها سور عظيم من بنيان الاول فنزل بها أدريس على صاحبها عبد الحميد الأورتى المعتزلى فاقبل عليه عبد الحميد وأكرمه وبالغ في برّه فاظهر له ادريس امرَه وعرّفه بنفسه فوافقه في حاله وانزل معه فى داره وتولّى خدمته والقيام بشُونه، وكان دخول ادريس المغرب ونزوله على عبد الحميد بمدينة وليلي في غرّة ربيع الاول المبارك من سنة اتنين وسبعين ومائة قاقام عنده ستة اشهر فلما دخل شهر رمضان من السنة المذكورة جمع عبد الحميد اخوانه وقبائل أوربة فعرّفهم بنسب ادريس وفضله وقرابته من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وشرفه وعلمه ودينه وكمال خلال الفصائل المجتمعة فيه فقالوا له الحمد لله الذي أتانا به وشرّفنا بجواره ورويته فهو سيدنا ونحن عبيده نموت بين يدَيْه فما تريد منّا قال تبايعود قالوا سمعًا وطاعةً ما منّا مَن يتوقف عن بيعته وما يريده