الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس/غزو عبد الله بن ياسين مجوس برغواطة
الخبر عن غزو عبد الله بن ياسين مجوس برغواطة وذكر مذهبهم السخيف وديانتهم الخسيسة
لما وصل عبد الله بن ياسين الى بلاد تامسنا أخبر أن بساحلها قبائل برغواطة في أسم لا تحصى وأنهم مجوس اهل ضلال وكفر وأخبر بديانتهم الخبيثة التي تمسكوا بها وقيل وقيل له أن برغواطة قبائل كثيرة وليس لهم اب واحد ولا أم واحدة وانما هم اخلاط من قبائل شتى من البربر اجتمعوا إلى صالح بن طريف القايم بتامسنا حين أنها النبوة في أيام هشام بن عبد الملك بن مروان وكان أصله لعنه الله من برناط حصن من عمل شدونة من بلاد الاندلس فكان يقال من تبعه ودخل في ديانته برنامی فعربته العرب وقالوا بر غوطى فسموا برغواطة، وكان صالح بن طريف الذي ادعا فيهم النبوة رجلا خبيثا يهودي الأصل من ولد شمعون بن يعقوب عليه السلام نشا ببرناط من بلاد الاندلس ثم رحل إلى المشرق فقرا على عبيد الله المعتزلى القدري واشتغل بالسحر مجمع منه فنونا كثيرة وقدم المغرب فنزل بلاد تامسنا فوجد بها قبائل من البربر جهالا فاطهر لهم الاسلام والزهد والورع فاخذ بعقولهم واستمالهم بسحره ولسانه واراهم من نوارجه وتمويهاته فاستهواهم بذلك وأقروا بغضله واعترفوا بولايته فقدموه على انفسهم وصدروا عن رأيه جميع أمورهم ووقفوا عند أمره ونهيه قادها النبوة وتسمى بصالح المومنين وقال لهم أنا صالح المومنين الذي ذكره الله في كتابه العزيز الذي انزله على محمد صلى الله عليه وسلم وشرع لهم الديانة. التي أخذوها عنه وذلك في سنة خمس وعشرين ومائة، وكان الضلال الذي شرع لهم يُقرون بنبوته وأنهم يصومون شهر رجب وياكلون شهر رمضان وفرض عليهم عشر صلوات خمسا بالليل وخمسا بالنهار وأن الاضحية واجبة على كل مسلم في الحادى والعشرين من المحرم وشرع لهم في الوضوء غسل السرة والخاصرتين وصلاتهم إيماء لا سجود فيها ويسجدون في آخر ركعة خمس سجدات ويقولون عند الطعام والشراب باسم ياكس وزعم أن تفسيره بسم الله وأمرهم أن يخرجوا العشر من جميع الثمار واباح لهم لن يتزوج الرجل من النساء ما شاء ولا يتزوج من بنات عمد ويطلقون ويرجعون الف مرة في اليوم فلا تحرم عليهم المراة بشى من ذلك وأمرهم بقتل السارق حيث وجد وزعم انه لا يطهره من ذنبه إلا السيف وأمرهم بالدية من البقر وحرم عليهم رأس كل حيوان والدجاجة مكروه أكله وقد وقتهم في الاوقات الديكة وحرم عليهم ذبحها وأكلها ومن ذبح ديكا وأكله أعتق رقبة وأمرهم أن يلحسوا بزاق ولاتهم تبركا فكان يبحق في أكفهم فيلحسونه تبركا به ويحملونه الى مرضاهم فيستشفون به ووضع لهم قرانا يقرونه في صلواتهم ويتلونه في مساجدهم وزعم انه أنزل عليه واله وحى من الله تعالى اليه ومن شك في شي من ذلك منهم فهو كافر والقرآن الذي شرع لهم ثمانين سورة سماها لهم باسماء النبيين منها سورة ادم وسورة نوح وسورة أيوب وسور موسى A قلبا وسورة هارون وسورة الاسباط وسورة فرعون وسورة بنى اسرائيل وسورة الديك وسورة الخجر وسورة الجراد وسورة الحمل وسورة هاروت و ماروت وسورة ابليس وسورة الحشر وسورة غرائب الدنيا وفيها العلم العظيم عندهم وأمرهم الا غسل من جنابة الا من الحرام، وقد ذكرنا أخبار برغواطة وملوكهم مستوفية في كتابنا الكبير المسمي بزهرة البستان فى اخبار الزمان وذكر الموجود مما وقع في الوجود، قال المؤلف عفا الله عنه سمع عبد الله بن ياسين بحال برغواطة وما هم عليه من الضلالة رعا أن الواجب تقديم جهادهم على غيرهم فسار إلى غزوهم فى جيوش المرابطين والامير على برغوانة يومئذ ابو حفص بن عبد الله بن أبي عبيد محمد بن مقلد بن اليسع بن صالح بن طريف البرغواطى المتنبى فكانت بينه وبين عبد الله بن ياسين حروب عظيمة وملاحم شديدة مات فيها من الفريقين خلق كثير فاستشهد فيها عبد الله بن ياسين الجزولى مهدى المرابطين وريسهم تقل بالجراح في الحرب وحمل الى معسكره وبه رمق تجمع اشياخ المرابطين ورؤسائهم فقال لهم يا معشر المرابطين انكم فى بلاد اعدايكم والى ميت في يومي هذا لا محالة فاياكم أن تجبنوا فتفشلوا فتذهب ريحكم وكونوا الفة وأعوانا على الحق واخوانا في ذات الله تعالى وأياكم والمخالفة والتحاسد على طلب الرئاسة فإن الله يوتى ملكه من يشاء وبستخلف في أرضه من أحب من عباده وانى قد ذهبت منكم فانظروا من تقدموه منكم يقوم بامركم ويقود جيوشكم ويغزوا عدوكم ويقسم بينكم فينكم وياخذ زكاتكم واعشاركم فاتفق رأيهم على تقديم أمير الحرب انى بكر بن عمر اللمتونى تقدمه عبد الله بن ياسين عليهم باتفاق من جميع أشياخ صنهاجة واجتماع منهم على ذلك وتولّى عبد الله بن ياسين في عشى يومه ذلك وذلك يوم الاحد الرابع والعشرين الجمادى الأولى سنة احدى وخمسين واربع مائة ودفن بموضع يعرف بكريفلة بتامسنا وبنا على قبره مسجدا، وكان عبد الله بن ياسين شديد الورع في المطعم والمشرب فكان بطول أقامته فيهم لم ياكل شيا من لحماتهم ولا شرب من البانهم فان أموالهم كانت غير مطيبة لشدّة جهلهم فكان يتعيش من لحوم الصيد وكان مع ذلك كثير النكاح يتزوج في كلّ شهر عددا من النساء ويطلقهن ولا يسمع بامرأة جميلة الاخطبها ولا يجاوز في مهرها اربعة مثاقيل وكان ياخذ الثلث من الاموال المختلطة ويرى أن ذلك يحامل فاقيها وذلك شذوذ من الفعل وما يذكر من فضله وصلاحه ومن بركاته التي شاهدها الناس أن المرابطين خرجوا معه في بعض غزواته للسودان فنقدوا الماء حتى أشرفوا على التلف فقام عبد الله بن ياسين وتيمم وتيتم فصلا ركعتين ودعا الله تعالى وأمن المرابطون على دعانه فلما فرغ من قال لهم احفروا تحت مصلاى هذا فحفروا فوجدوا الماء على مقدار شبر من الارض فشربوا منه واستقوا وملوا أوعيتهم بماء عذب بارد ومن بركاته أنه نزل منزلا بركة كثيرة الضفادع لا يقدر أحد أن يستقر حوله لكثرة نقيقها وصياحها فوقف عليه عبد الله بن ياسين حداها فسكنت الضفادع ولم يسمع لها نقيق فلما تباعد عنها عكت ولم يزل صايما من يوم دخل بلادهم الى أن توفى رحمه الله ومن حسن سياسة فيهم أنه أقام فيهم السنة والجماعة في المدة القليلة وحكم عليهم أن من فاتته الصلاة في الجماعة ضربة عشرين سوطا ومن فانسته ركعة ضربه خـــمــســـة اســــواط *