انتقل إلى المحتوى

الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس/غزوة دون نونة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: الصفحات 212–215
 

الخبر عن غزو أمير المسلمين أبى يوسف دون نونة

زعيم النصرانية

لمّا وصل أمير المسلمين إلى أشجة برز عليها بجيوشه المنصورة وبما أفاء الله تعالى عليه من الغنائم فوافاه النذير باقبال دون نونه اليه بججيوش الروم فدعا باشياخ بني مرين ليشاورهم كيف العمل في لقاء الكافرين اذ نظر الناس إلى طالع خيل الروم مقبلة نحوهم الوفا الوفا والرجال أمامهم صفونا صفوفا وزعيم الروم دون نونة في وسط الجيوش كان الفنش لعنه الله قد قدمه على جيوشهم وحروبهم وفوض له في جميع بلادهم وأمورهم وكان النصارى قد سعدوا به لانه لم ينهزم قط وكان وبالا على بلاد الاسلام شديد الوطاة عليها قد أباد اكثرها لا يغتر عنها بالغارات

على على مر الليالي والايام فاقبل اللعين إلى حرب أمير المسلمين تحت ظلال البنود والأبواق تخفق على راسه في جيش كانه الليل الداجي او موج البحر اذا هاج والخيل والرجال تاتي على أثره زمرا زمرا وأفواجا بعد افواج قد أعدوا للحرب أوزارها وزعموا أنهم حماتها وانصارها ودروعهم وخيولهم بالزرد النهيد ومصفحات الحديد فلما عاين ذلك أمير المسلمين من أمرهم وشاهد عزمهم فى أقبالهم أمر بالغنائم فقدمت بين يديه وبعث معها الف فارس من انجاد بني مرين وتأخر هو بجميع جيش المجاهدين للقاء أعداء الله الكافرين ثم نزل عن جواده فأسبغ وضوءه وصلى ركعتين ثم رفع يديه وأقبل على الدعاء والمسلمون يؤمنون على دمائه وكان آخر دعائه ما دعا به النبي صلى الله عليه وسلّم يوم بدر للصحابة اللهم انصر هذه العصابة وسلّمها وأعنها على جهاد عدوّك وعزرها وايدها فقبل الله تعالى دعاءه ورحم تضرعه وابتهاله فلما فرغ من دعانه قام فركب على جواده وعبّا جيوشه واستعد لجهاده وجلاده وعقد لولده الامير ابى يعقوب على مقدمته ثم قدم على أشياخ بني مرين وأمراء العرب ورؤساء القبائل فقال يا معشر المسلمين وعصابة المجاهدين أن هذا يوم عظيم ومشهد جسيم الا وأن الجنّة قد فتحت لكم أبوابها وزينت أترابها فجدّوا في ضلابها فإن الله تعالى اشترى من المومنين انفسهم وأموالهم بان لهم الجنة فشمروا عن ساعد الجدّ معاشر المسلمين فى جهاد المشركين فمن مات منكم مات شهيدا ومن عاش عاش غانما ماجورا حميدا فاصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ، فلما سمع الناس من مقالته شاقت انفسهم إلى الشهادة وعانق بعضهم بعضا للوداع والقلوب لها وجيب وانصدع قد طابت نفوسهم على الموت وباعوها من ربهم بالجنة قبل الموت وارتفعت اصواتهم بالشهادة والتكبير وكلّهم يقولون عباد الله أياكم والتقصير فتسابقت أبطال المسلمين نحو جيوش الروم فالتقى الجمعان والتحم القتال واشتدّ النرال فلا ترى الا السمر تهوى في الروم كانها الشهب الثواقب وتفعل في أعداء الله تعالى فعل العذاب الواصب والسيوف بالدماء ترعف ورؤس الكفرة عن أجسادهم تقطع وتقطف ودارت بهم ابطال مرین كاسد العرين فيحكمون فيهم السيوف ويذيقونهم مرارة الحتوف قد صبروا صبر الكرام في حرب سفلة الليام فنصر الله تعالى جنده وأظهر أولياءه وايد حزبه وقُتِل زعيم الكفرة دون نونة وهزمت عساكره وقتلت جموعه ولم يكن الا كلمح البصر حتى لم ُُبْقِ السيف منهم مخبرا للخبر ولم تبق الرماح منهم باقية ولم تبق الدروع عنهم واقية وأمر أمير المسلمين يقطع رؤوس الروم الذين قتلوا في المعركة واحصاءها فقطعت وأحصيت فكانت ثمانية عشر ألف فارس ونيفا وطلعت كانها الجبل وصعد المؤذنون عليها فاذنوا للصلاة فصلّى المسلمون صلاة الظهر والعصر في وسط المعركة بين القتلى مختضبين في دمائهم، فلما فرغ أمير المسلمين من صلاة العصر افتقد جيوشه ونظر من استشهد في تلك الغزاة من المسلمين ممن سبقت له من الله الحسنى وختم له بالشهادة فوجد تسعة نفر من بنى مرين وخمسة عشر من العرب والاندلس وثمانية من المتطوعين فواراهم التراب ثم حمد الله تعالى وشكره وأطال الثناء عليه كما أمره وكانت هذه الغزوة الكريمة والمنفعة الجسيمة التي عثر الله تعالى بها الاسلام واذل بها عبادة الاصنام في الخامس عشر من شهر ربيع الاول المبارك شهر مولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم من سنة أربع وسبعين وست مائة وكتب أمير المسلمين بالفتح فى جميع بلاد المسلمين بالاندلس والعدوة فقرأت كتبه على المنابر وعملت المفرحات في سائر بلاد المغرب والاندلس واخرج الناس الصدقات واعتقوا الرقاب شكرا لله تعالى ووصل أمير المسلمين الى الخضراء بالغنائم والأسرى والسبي فدخلها في الخامس والعشرين من ربيع الأول من السنة المذكورة في احتفال عظيم وزي عجیب وعيال الروم وزعمائهم يقادون بين يديه في القطائن والحبال مصفدين في السلاسل والاغلال وبعث أمير المسلمين برأس دون نونة الى ابن الاسمر ليرّا فعل الله تعالى بإعدائه ونصره الاولياءه فاخذ ابن الاسمر الرأس فجعله في المسك والكافور وبعث به الى الفنش يستخدمه بذلك ويحبب به اليه واقدم أمير المسلمين بالخضراء لقسمة ما أفاء الله عليهم من الغنائم فاخرج منه الخمس لبيت المال وقسم الباقي في المجاهدين وكان عدد البقر في هذه الغنيمة مائة الف رأس وأربعة وعشرين الف رأس وأما الغنم فعجز عنها الحصر لكثرتها فتباع الشاة في الجزيرة بدرهم وكان عدد الأسارى من الرجال والنساء والذرية سبعة آلاف وثمان مائة وثلاثين نفساً وعدد الخيل والبغال والحمير أربعة عشر ألف رأس وست مائة ألف رأس وأما الدرع والسيوف والعدة ما لها عدد بكثرتها فامتلات ايدى المسلمين وصلحت أحوالهم واعطى أمير المسلمين حظه للقوي والضعيف والمملوك والشريف وأقام أمير المسلمين بالخضراء بقية شهر ربيع الأول وشهر ربيع الثاني، فلما كان في أول يوم من جمادى الاولى خرج من الخضراء غازيا الى اشبيلية ولما وصل أمير المسلمين الى

الخضراء الخضراء كتب اليه الرئيس أبو محمد ابن اشقيلولة كتابا يهنيه فيه بالفـتـح والنصر والـدعاء عــلــيــه وفى أخر هذه القصيدة

هبت بنصركم الرياح الاربع
وجرت يسعدكم النجوم الطلع
وأتت لعجزكم الملائك سبقا
حتى أضاق بها الفضاء الاوسع
واستبشر الفلك الاثير يتغنا
ان الأمور إلى مرادك ترجع
لم لا وانت بذلت في مرضاته
نفسا تفد بها الخلايق أجمع
واتيت تنصر دينه متوكلا
بعزيمة كالسيف بل هي أقطع
كتائب منصورة يجدوا بها
امرا اذا أمضيته لا يرجع
من كلّ من تقوى الله سلاحه
ما ان له الا التوكل مفزع
لا يسلمون الى النوائب جارهم
يوما اذا أضحى للجوار يضيع
لله جيشك والصوارم تنتضى
والخيل تردى والاسنة تشرع
اخليفة الله الرضى هنيته
فتح يمد بمثله ويشفع
فلقد کسوت للدين عزّا شامخا
ولبست انت منه مالا يخلع
ان الذي سماك خير خليفة
جعل الخلافة فيكم لا تنزع
هيهات سرّ الله اودعه فيكم
والله يعطى من يشاء ويمنع
ان قيل من خير الخلائف كلها
فاليك يا يعقوب تومى الاصبع
فلا نتم دخر الخلافة والذي
وجه الزمان بوقتها يتطلع
جدر ملاءة عزه موصولة
فعساه بحسدها السماك الاربع
وأسلم أمير المسلمين لامّة
انت الملاذ لها وانت المقنع
وحماك من يحمي بسيفك دينه
وكفاك ما يخشى وما يتوقع
وعليك يا سنى الملوك تحية
يغنى الزمان وعرفها يتطوع