الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس/علي بن يوسف بن تاشفين
الخبر عن دولة امير المسلمين على بن يوسف بن تاشفين بالمغرب والأندلس
هو علىّ بن يوسف بن تاشفين بن ابراهيم بن ترقوت بن ورتاقطين بن منصور بن أمية بن واصلى بن تلمية الصنهاجي اللمتونى كنيته ابو الحسن امّه امّ ولد رومية اسمها قمرا وتسمّى فاضَ الحُسْنُ مولده بسبتة سنة سبع وسبعين واربع مائة صفته ابيض اللون مشرّب حمرة تامّ القدّ اسيل الوجه افلج اقنى خفيف العارضين اكحل العينين سبط الشعر بنوه تاشفين الموالي بعده ابو بكر وسير كاتبه ابو محمّد بن اسقاط بويع له يوم مات ابوه بمراكش بعهد ابيه له وتسمّى بامير المسلمين وذلك في غرّة المحرّم سنة خمس مائة وستّه يوم بوبع ثلاث وعشرين سنة وملك جميع بلاد المغرب من مدينة بجاية الى اخر بلاد السوس الاقصى وملك جميع بلاد القبلة من سجلماسة الى جبل الذهب في بلاد السودان وملك جميع بلاد الاندلس شرقًا وغربًا وملك الجزائر الشرقية وميورقة ومنورقة ويابسة وخطب له على الفى منبر ونيف وثلاث مائة منبر وملك من البلاد ما لا يملكه والده لانه وجد البلاد هادئة والاموال وافرة والمسلك قد تواطا والامور قد استقامت لما ولى اقام العدل وضبط الثغور ووالى الجهاد وسرح السجون وفرّق الاموال وردّ احكام البلاد الى القضاة وسلك طريقة ابيه في جميع اموره واهتدى بهديه وعزل عن قرطبة الامير ابا عبد الله بن الحاجّ وولّى مكانه القائد ابا عبد الله محمّد بن ابى زلفىّ فغزا طليطلة واوقع بالنصارى فقتلهم قتلاً ذريعا بباب القنطرة اخذهم على غرّة وقيل لما توفّى والده يوسف سجّاه بثوبه وخرج ويده في يد اخيه ابى الظاهر تميم الى المرابطين فنعاه لهم فوضع ابو الظاهر يده في يد علىّ فبايعه ثم قال للمرابطين قوموا فبايعوا امير المسلمين فبايعه جميع مَن حضر من لمتونة وسائر قبائل صنهاجة والفقهاء واشياخ القبائل فتمّت له البيعة بمرّاكش فكتب إلى جميع بلاد المغرب والاندلس وبلاد القبلة يعلمهم يموت ابيه واستخلافه من بعده ويامرهم بالبيعة فاتته البيعة من جميع البلاد واقبلت نحوة الوفود للتعزية والتنهية الا مدينة فاس فان ابن اخيه يحيى بن ابى بكر بن امير المسلمين كان اميرا عليها من قبل قبل جدّه يوسف فلما وصله الخبر يموت جدّه وولايه عمّه عظم ذلك عليه وانف من بيعة عمّه وخالف عليه وامتنع من البيعة ووافقه على ذلك جماعة من قواد لمتونة فخرج اليه امير المسلمين علىّ بن يوسف من مراكش حتى قرب من مدينة فاس فخاف يحيى بن اخيه على نفسه وعلم انه لا طاقة له بحربه ففرّ عن مدينة فاس واسلمها لعمّه فدخلها امير المسلمين علىّ بن يوسف واستقام له الملك وكان دخوله مدينة فاس وفرار الامير يحيى بن ابى بكر عنها يوم الاربعاء ثامن ربيع الاخر من سنة خمس مائة وقيل ان امير المسلمين علىّ بن يوسف لما قرب من مدينة فاس نزل بمدينة مغيلة من احواز فاس ثم كتب الى ابن اخيه كتابا يعاتبه فيه على فعله ويدعوه الى الدخول في الطاعة كما دخل الناس وكتب الى اشياخ البلاد كتابا يدعوهم فيه الى بيعته ويهدّدهم ويوعده فلما وصل الكتاب الى يحيى وقرأ كتابه جمع اهل البلد واستشارهم في الحصار والمقابلة فلم يوافقوه على ذلك فلما يئس منهم خرج فارّا الى مزدلّى العامل على تلمسان فلقيه مزدلى بوادى ملوية وهو مقبل برسم البيعة لامير المسلمين علىّ بن يوسف والسلام عليه فاعلمه يحيى بما كان من شانه فضمن له مزدلّي على عمّه العفو والصفح فرجع معه يحيى حتى وصل مدينة فاس فدخل الامير مزدلي الى امير المسلمين علىّ ونزل يحيى مختفيا بحومة وادى شدروغ فلما دخل مزدلّى وبايع امير المسلمين وسلّم عليه فرءا منه قبولا واكرامًا عظيمًا فاعلمه بخبر يحيى وبما ضمن له من العفو فاجابه الى ذلك وعفا عنه وامنه فاتاه يحيى فبايعه وخيّره امير المسلمين اما ان يكون سكناه بجزيرة ميورقة او ينصرف عنه الى بلاد الصحراء فاختار الصحراء فانصرف اليها ثم سار منها الى الحجاز فحجّ بيت الله الحرام ورجع إلى عمّه فاستاذته ان يكون من جملته ويكون سكناه معه بحضرة مرّاكش فاذن له في ذلك فسكنها مدّه فاتهمه عمّه بالقيام عليه فثققه وبعث به الى الجزيرة الخضراء فبقى بها الى ان مات، وفي سنة احدى وخمس مائة عزل علىّ اخاه تميم بن يوسف عن بلاد المغرب وولّى مكانه القائد ابا عبد الله بن الحاجّ فاقام واليا على مدينة فاس وسائر اعمال المغرب ستّة اشهر تم عزله وولّاه مدينة بلنسية من بلاد شرق الاندلس ومنها دخل سرقسطة سنة اثنتين وخمس مائة وفى سنة اثنتين وخمس مائة كانت وقعة اقليمج على النصارى وكان امير جيوش المسلمين تميم ابن يوسف بن تاشفين وكان واليّا على غرناطة فخرج منها غازيا الى بلاد الروم فنزل حصن اقليج و به جمع عظيم من الروم فحاصرهم حتى دخل عليهم الحصن فتحصّن النصارى بالقصبة فبلغ خبرهم الى الفنش فاستعدّ للخروج الى اغاثة بلده فأشارت عليه زوجته ان يوجّه ولده عوضا منه فيكون مقابلا لتميم لانّ تميم ابن ملك المسلمين وشائجة ابن ملك الروم فسمع منها فبعث ولده شالجة في جيوش كثيرة من زعماء الروم وانجادهم وساروا حتى قرب من اقليج فاخبر تميم بقدومه فاراد ان يقلع عن الحصن ولا يلفى القوم فاشار اليه عبد الله محمّد بن فاطمة ومحمّد بن عاشة وغيرهم من قواد لمتونة بالمقام ولا يرحل وشاجعوه وهو نوى عليه امرهم وقالوا لا تخف قانما قدموا في ثلاثة الاف فارس وبيننا وبينهم مسافة فاطاعهم في ذلك فلم يكن الا عشي يومهم ذلك حتى وافتهم جيوش الروم فى الوف كثيرة فاراد تميم الفرار واحجم عن قتالهم فلم يجد سبيلا للفرار ولا للروع مخلصا وصمّم قواد لمتونة الى لقاء العدوّ ومناجزته فالتقوا فكانت بينهم حروب عظيمة لم يسمع بمثلها فهزم الله تعالى العدو ونصر المسلمين وقتل ولد الفنش وقتل معه من الروم ثلاثة وعشرون ألفا ونيف ودخل المسلمون أقليج بالسيف واستشهد فيها جماعة من المسلمين رحمهم الله واتّصل الخبر بالفنش فاغتمّ لقتل ولده ودخول بلده وهلاك عسكره فمرض بالفقعة ومات لعشرين يوما الكائنة وكتب تميم بالفتح الى اخيه امير المسلمين علىّ بن يوسف، وفيها سار محمّد ابن الحاجّ من بلنسية الى سرقسطة فدخلها واخرج عنها بني هود وملكها وكتب بالفتح الى امير المسلمين علىّ ولم يزل بها الى ان خرج غازيا الى برشلونة فاستشهد بها وذلك في سنة ثمان وخمس مائة وكان رحمه الله طول ولايتة ببلنسية وسرقسطة قد ضيّق بالنصارى تضييفا عظيما بالغارات على بلادهم فخرج فى غزات له فاخذ على طريق البريد فغنم وسبى وكان معه جماعة من قواد لمتونة فيعت بالمغنم على الطريق الكبير واخذ هو على البرية لغربه من بلاد المسلمين ومراكش والناس مع المغنم وكان طريق البرية الذي اخذه محمّد بن الحاجّ لا سلك الا على طريق واحد لصعوبته وشدّة وَعْره فلما توسّطه الامير ابو عبد الله بن الحاجّ واخذته الاوعار المضايق وجد النصارى قد امكنوا فى جهة من تلك الجهات فقاتلهم قتالاً شديدًا قتال من ايقن بالموت واغتنم الشهادة اذا لم يجد منقدا يخلص منه فاستشهد رحمه الله واستشهد معه جماعة من المطوعة وتخلّص منهم القائد محمّد بن عاشة في نفر بالحيلة الى بلاد المسلمين فاّتصل خبر وفاته بامير المسلمين علىّ فأسف لموته وولّى مكانه ابا بكر بن ابراهيم بن تافلوت وكان عاملا له على مرسية فوصل عهده ببلنسية وطرطوشة ويغرغ وسرقسطة وهو بمرسية فخرج بجيش المرسية الى بلنسية فاجتمع اليه من كان بها من الجند الى جند سرقسطة وسار بهم الى برشلونة فنزلها وقام عليها عشرين عشرين يوما حتى هتكها وقطع ثمارها وخرب انحاها وقراها فاتاه ابن ردمير فى جيوش كثيرة من حشود بسيط وبرشلونة وبلاد اربونة فكانت بينهم حروب عظيمة مات فيها خلق كثير من الروم واستشهد من المسلمين نحو السيع مائة رجل، وفي سنة ثلاث وخمس مائة جاز امير المسلمين علىّ بن يوسف الى الاندلس يرسم الجهاد فجاز من سبتة فى الخامس عشر من المحرّم من السنة المذكورة فى جيوش عظيمة تزيد على مائة الف فارس فوصل الى قرطبة فاقام بها شهرًا ثم خرج منها غازيا الى مدينة طلابوة ففتحها عنوة بالسيف وفتح من احواز طليطلة سبعة وعشرين حصنا وفتح مجدبط ووادي الحجارة ووصل طليطلة فحاصرها شهرا وقطع ثمارها وبلغ فيها من النكاية كثيرًا ثم قفل منها الى قرطبة بعد ان دوّخها، وفى سنة اربع وخمس مائة فتح الامير سير بن ابى بكر سنترش وبطليوس وبرتقال وياكورة والاشبونة وجميع بلاد الغرب وذلك فى شهر دى قعدة منها وكتب بالفتح الى امير المسلمين علىّ بن يوسف ، وفى سنة سبع وخمس مائة توفّى الامير سير بن ابى بكر باشبيلية ودفن بها فولى اشبيلية عوضا منه محمّد بن فاطمة فلم يزل عليها الى ان توفّى فى سنة عشر وخمس مائة ، وفى سنة سبع المذكورة غزا الامير مزدلّى طليطلة ونحاها فدوّخها وفتح حصن ارجنة عنوة وقتل كلّ من كان به من الرجال وسبا النساء والذرّيّة فاتّصل الخبر بالـبــرنانس ملك الروم فاقبل لنصرتهم واستنقادهم فسمع به مردلی فقصد لقائه ففرّ امامه ليلاً ورجع مزدلى إلى قرطبة ضافرًا غائمًا فامر بحمل الميرة الى ارهينة وتحصينها ورتب بها الرجال والرمات والفرسان واعلم الامير مزدلى ان بنى الزند غرسيس صاحب وادى الحجارة قد حاصر مدينة سالم فقصد اليه مزدلى فاتّصل الخير ببنى الزند غرسيس فولّى هاربا واقلع عنها حاصرا ولم يكذب وترك جميع اسباله وانفالة و مضاربه فاحتوى مزدلى على ذلك كلّه ، وفى سنة ثمان وخمس مائة توفّى الامير مزدلى رحمة الله غازيا ببلاد الروم وكتب بموته الى امير المسلمين علىّ بن يوسف فولّى مكانه على قرطبة محمّد بن مزدلي فائم واليا عليها ثلاثة اشهر وتوفّى شهيدًا فى غزاة له، وفى سنة تسع وخمس مائة ملك امير المسلمين علىّ بن يوسف الجزور البحرّية من شرق الاندلس، وفى سنة احدى عشرة ولى عبد الله بن مزدلى بلنسية وسرقسطة فسار اليها من غرناطة فوجد ابن ردمير اللعين قد اذاق اهلها اشرّا وكانت بينهم حروب عظيمة حتى هزمه واخرجه عن البلد واقام عبد الله بن مزدلى على سرقسطة عاما كاملا فتوفّي فبقيت سرقسطة دون امير فاتاها ابن ردمير فنزلها واتى الفنش ايضا فى امم لا تحصى من قبائل الروم فنزل لاردة من بلاد الجوف فاتّصل الخبر بامير المسلمين على بن يوسف فكتب الى امراء الاندلس بالمسير الى اخيه تميم وكان واليا على شرق الاندلس ليسيروا معه لاستنقاد سرقسطة ولا ردة فقدم على تميم عبدُ الله بن مزدلي وابو يحيى بن تاشفين صاحب قرطية بعساكرهما فخرج تميم بن يوسف من بلنسية مع امراء لمتونه فقصد نحو دردة وكان بينه وبين الفنش قتال عظیم اقلعه عن لاردة خلسًا حاسرا بعد ان بذل جهده فى قتالها وفقد عليها من جيوشه ما يزيد على العشرة الاف رجل ورجع تميم الى بلنسية فلما رءا ابن ردمير ذلك بعث الى طوائف الافرنج يستنصر بهم على قتل سرقسطة فاتوه فى امم كالنمل والجراد فنزلوا معه بها وشرعوا في قتالها وصنعوا ابراجا من خشب تجرى على بكارات وقرّبوه منها ونصبوا فيه الرعدات ونصبوا علينا عشرين منجنيقا ووقع طمعهم فيهم فاستمرّ الحصار عليها حتى فنيت الاقوات وفنى اكثر الناس جوعاً فراسلوا ابن ردمير على أن يدفع عنهم القتال الى اجلِِ فان لم ياتِهم مَنْ ينصرهم خلفوا له البلد واسلموها له فعاهدهم على ذلك فتمّ الاجل ودفعوا اليه المدينة وخرجوا عنها الى مرسية وبلنسية وذلك في سنة اثنتا عشرة وخمس مائة وبعد دخولها وتملّك النصارى اياها وصل من العدوة جيش من عشرة الاف فارس بعثه امير المسلمين علىّ الاستنقاده فوجدها قد فرغ منها وملكها العدوّ ونفذ حكم الله فيها، وفى سنة ثلاث عشرة وخمس مائة تغلّب ابن ردمير على بلاد شرق الاندلس واستولى على اكثر ثغوره وملك قلعة ايوب التى ليس في بلاد الشرق امنع منها والحّ بالغارات على بلاد الجوف فاتّصلت هذه الاخبار بامير المسلمين علىّ بن يوسف فجاز الى الاندلس برسم الجهاد و اصلاح احوال بلادها وضبط ثغورها هو الجواز الثانى فجاز معه خلق كثير من المرابطين والمطوعة من العرب وزناتة والمصامدة وسائر قبائل البربر فوصل بجيوشه الى قرطية فنزل بخارجها واتاه بها وفودُ بلاد الاندلس للسلام عليه وسالهم عن احوال بلادهم وثغورها بلدا بلدا فعرّفوه بما كان عندهم من ذلك وعزل ابن رشد من قضاء قرطبة وولّى مكانه ابا القاسم بن حمدين ثم ارتحل الى مدينة سنبرية فنزل عليها حتى فتحها عنوة وسار منها غازيا في بلاد المغرب يقتل ويسبى ويقطع الثمار ويخرب القرى والديار حتى دوّخها وفرّ امامه الروم وتحصنوا بالمعاقل المنيعة، وفى سنة خمس عشرة وخمس مائة جاز أمير المسلمين الى بلاد العدوة وولّى اخاه تميم جميع بلاد الاندلس فلم يزل عليها الى سنة عشرين فتوفّى تميم وولّى مكانه الامير تاشفين بن علىّ بن يوسف فجاز الى الاندلس في جيش من خمسة الاف فارس وبعث الى اجناد البلاد فاتوه فخرج بهم بهم غازيا الى طليطلة فدخل حصنا من حصونها بالسيف وهتك احوازها وفيها اعنى سنة عشرين المذكورة هزم الامير تاشقين النصارى بفحص الصباب وقتلهم فتالا ذريعا وفتح ثلاثين حصنا من حصون بلاد المغرب وكتب بالفتح الى ابيه، وفي سنة ثمان وعشرين غزا الامير تاشفين بن علىّ قنطرة محمود فدخلها بالسيف، وفي سنة ثلاثين وخمس مائة فيها هزم الامير تاشفين جموع الروم بفحص عطية وافنا منهم خلفا كثيرا، وفى سنة احدى وثلاثين دخل الامير تاشفين مدينة كركى بالسيف فلم يحى بها بشرًا ، وفى سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة جاز الامير تاشقين من الاندلس الى العدوة بعد ان غزا مدينة أشكونية وحمل من سبيها الى العدوة ستّة الاف سبية وفتحها عنون فوصل الى مراكش فتلقّاه والده امير المسلمين علىّ فى زى عظيم وفرح به، وفي سنة ثلاث وثلاثين اخذ امير المسلمين البيعة لولده تاشفين، وفي سنة سبع وثلاثين توفّي امير المسلمين علىّ بن يوسف وتولّى بعده ولده تاشفين ولى عهده و