الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس/صومعة القرويين
الخبر عن بناء صومعة القرويين شرف الله ذكره
لما شرع الامير ابو العبّاس احمد بن أبى بكر فى بناء صومعة القرويين، جعل سعة كلّ وجه منها سبعة وعشرين شبرا؛ فيتحصل في الاربع جهات مأئة شبر [واحدة] وثمانية أشبار، وهو الذى فى ارتفاعها بلا شكّ ولا ريب، وكذلك يجب أن تكون من جهة البناء والنظر الهندسى، وجعل بابها من جهة القبلة، وكتب عليه فى مربعة بالجصّ، وحشاه بالازورد بسم الله الرحمان الرحيم المُلك لله الواحد القهّار؛ هذا ما أمر به احمد بن أبى بكر بن بن ابى سعيد عثمان بن سعيد الزناتيّ، هداه الله ووفقه ابتغاء ثواب الله تعالى وجزيل احسانه، فابتدأ العمل في هذه الصومعة فى يوم الاثنين غرّة رجب الفرد من سنة أربع واربعين وثلاث مائة، وفرغ من بنائها وتشييدها في شهر ربيع الآخر سنة خمس وأربعين وثلاث مائة، وكتب فى طرفى المربعة لا اله الا الله محمّد رسول الله، وجعل في تربعة أخرى من جهة الصحن فيها مكتوب: "قُل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم، لا تقنطوا من رحمة الله. أن الله يغفر الذنوب جميعا، انه هو الغفور الرحيم"، وركب على رأس المنارة تفافيحا صغرى مموهة بالذهب، وركب فى أعلاها؛ سيف الامام ادريس بن ادريس الذي بنى المدينة تبرّكا به، وسبب القايه فى اعلاء المنار؛ ان الامير احمد بن أبى بكر الزناتيّ، لما فرغ من بناء الصومعة، اختصم اليه بعض حَفَدَة ادريس فى السيف المذكور، وطلب كلّ واحد منهم أن يحوز السيف لنفسه، فطال نزاعهم فيه بين يديه، فقال لهم الامير احمد بن أبى بكر: هل لكم أن تبيعوه منّى وتتركوا النزاع فيه، قالوا: وما تصنع به أيها الامير؟ قال: أجعله في اعلاء هذه الصومعة التي بنيت تبرّكا به، فقالوا: أما أن تفعل هذا فنحن نهِبُهُ لك طيبة بذلك نفوسنا فوهبوه له فجعله فى اعلاء المدار، ولم تنزل الصومعة على ما بناها أحمد بن ابى بكر بالحجر المنجور الحكم وبها انتخاب تعشّش فيها الطيور واصناف الطير من الحمام والزرازير إلى أن ولى الفقيه الخطيب الصالح أبو عبد الله بن الى الصبر خُطَّة القضاء مع الخطابة والامامة بالجامع المذكور وذلك فى سنة ثمان وثمانين وستّ مانة فاستشار في اصلاحها وتبيضها [واصلاحها] امير المسلمين أبا يعقوب بن أمير المسلمين أبي يوسف بن عبد الحق رحمهم الله ورضى عنهم فاذن له فى ذلند وأمره أن يتخذ من أموال اعشار الروم ما يحتاج اليه فقال أن في مال الاحباس ما فيه كفاية ان شاء الله فشرع في تبييضها فلبس الصومعة بالجصّ والجيّار وسمر المسامير الكبيرة بين الحجرها ليثبت التلبيس والبناء فدخل فيها من المسامير ثلاثة عشر ربع ونصف وبه علم فرغ من تلبيسها دلكها حتى صارت كالمرأة الصقيلة فتقطعت منها الاية الطير فيسنت وبنا حينبذ الغرفة التي على بابها البيت للمؤذنين والخوينة، وبقي الجمع المده على من زاد فيه الامير احمد بن أبى بكر إلى أيام هشام المويد فتغلب حاجبه المنتور بی 2 عامر فينا بالمجامع المبارك القبة التي على رأس العنزة في وسط الصحن حيث دن القديم ونصب على أعلابها طلابها وتماثيلا كانت قبل ذلك على رأس العية فيه مما صنعه الاوائل ومنه ما صنع في أيام الشيعة فجعل الخلامم على أعمدة من حديد فوق القبة منها طلسم للفار فكان الفار لا يدخلها ولا يعشش فيها ولا يفرح بيد وأن دخلها أفتضح وقيل، ومنها طلسم للعقرب وهو صورة طاير في منفرد شبه ذنب عقرب فالعقرب لا يدخل الجامع المكرم اصلا ولا يفرح فيها وأن أدخله بعض المسلين في توبه ملصقة جمد فلا يتحرك، قال الحاج الفقيه ابن هارون نقد شاهدت عقربا ظهر به في يوم جمعة جاءت في تياب بعض المصلين وفى بعض أمتعتهم فوقعت بسيسين جامدة فلا تحرك كمثل الميت حتى كمات الصلاة والناس قد فستحيا من حوبي خوفا من اذابها فلما فرغوا من الصلاة قتلوها فتحولت حين قتلت وحده غايتها ، ومنها ناسم على رأس عمود من نحاس أصغر فيه تفافيع يذكر انه للحية فهي أيضا تتفرخ فيها ولا تدخلها وأن دخلتها انتضحت وفيات وقيل ان ما وجد فيها من ليات فهو من عمار الجن وهذا لا ينكر ولم يوجد قند على قديم الزمان وحديثه من لدغته فيه حية ولا عقرب، وبنا أيضا الحاجب المظفر عبد الملاك بون المنصور بن أبي السقاية والبيت المستقلة بازا باب الخفات وجاب اليها السماء من وادي حسم. عمر الذي خارج المدينة من ناحية باب الحديد وصنع بالجمع القدوم منبرا من. الدني الايب القلب والابتوس وكتب عليه بسم الله الرحمان الرحيم صلى الله على محمّد واله وسلّم تسليما، هذا ما أمر بعمله الخليقة المنصور سيف الاسلام عبد الله هشام المويد بالله، اطال الله بقاءه على يد حاجبه عبد الملك المظفّر بن محمّد المنصور بن أبي عامر وفّقهم الله تعالى؛ وذلك في شهر جمادى الآخرة سنة خمس وسبعين وثلاث مائة، فكان ذلك المنبر يختلف عليه إلى أيام لمتونة، ولم تزل الولاة والأمراء والملوك يهتمّون في الزيادة في الجامع المكرم واصلاح ما تهدّم منه تبرّكا به، وابتغاء ثواب الله تعالى حتى قام المرابطون بالمغرب وملكوا جميعه، وجاءت دولة أمير المسلمين علىّ بن يوسف بن تاشفين اللمتونى، فكثرت العمارات بالمدينة، وتناهت القبضة قضاة الجامع بكثرة الخلق حتى كان الناس في أيام الجمعة، يصلون في الاسواق والشوارع والطرق. فاجتمعوا الفقهاء والاشياخ وتكلموا في ذلك مع قاضى المدينة وهو الفقيه أبو عبد الله محمّد بن داوود؛ وكان أحد القضاة الفضلاء من اهل العلم والعدل والورع، فاعلم القاضى الى أمير المسلمين بما رفع اليه من امر الجامع المكرم، واستاذنه الزيادة فيه، فاذن له فيه، وقال له: يكون فيه الانفاق في ذلك من بيت المال، فقال له القاضى: لعل الله أن يغنيه عنه بماله الذى يجمع من أحبــاسـه بايدي الوكلاء. فامره علىّ بن يوسف؛ بتقوى الله تعالى، والتحرّى فى ذلك من الشبهات والاجتهاد في أمر الجامع وبنائه والزيادة فيه والنظر فى احباسه وجميع أمواله واستخراجه. فدعى له وانصرف عنه الى مجلس قضائه، فسال عن الاحباس فوجدها في أيدي قوم قد اكلوها وحسبوها من أموالهم، فازالها عن أيديهم وقدّم وكلاء غيرهم ممن يوثق بدينهم، وحاسب المعزولين الذين كانت بايديهم، وطالبها بغلات الرباع والارضين للحبسة فخرج عنهم بالمحسابة أموالا كثيرا، فاغرمهم اياها، واضاف اليه غلّة تلك السنة، فاجتمع له من ذلك ما يزيد على الثمانين ألف دينار ثم شرع في الزيادة في الجامع من قبلته وشرقه وغربه، فابتداء بشراء الاملاك والديار التي في قبلة الجامع وشرقه وغربه، فاشترى منها ما احب واحتاج اليها باحسن شراء، وأتمّ ثمن دون غبن على أحد في ذلك وكان اكثرها ديار اليهود لعنهم الله. ومن امتنع من البيع قوم عليه موضعه، ودفع له الثمن بالزيادة اقتداء بعمل أمير المومنين عمر ابن الخطاب رضى الله عنه حين زاد في المسجد الحرام. فلما كمل له من شراء الدور ما أراد وما يصلح به اخذ في هدمهاوبيع نقصها، فاجتمع له في ثمن نقضها مثل قيمتها التي اشتريت به، وبقيت الارض زيادة ببركة من الله تعالى فرضاها للجامع، فاخذ في البناء فبنا أولاً الباب الكبير الغربيّ وهو باب الفخارين القدماء، ويعرف الآن بباب الشمّاعين وكان يجلس على بنائه. بنفسه فحسنه فى طوله وارتفاعه وعرضه واتّساعه وركب عليه أبواب عظيمة وحسن قواعده حتى لا يمكن أن يصنع مثله، وصنع على ظهر الباب من داخل المسجد قبّة فيها مكتوب؛ صنعت هذا الباب والقبّة وكلت بالبناء والتركيب في شهر ذي حجّة سنة ثمان وعشرين وخمس مائة، ولما حفر أساس هذا الباب وجد تحت راج المصراع الذي عن يسار الداخل فى الباب المذكور حيث في الدكنة الان عن من مغبّو عليها تربيع شبه الصهريج، طوله ثمانية اشبار وعرضه كذلك والبناء عليه مغبون. يعلم أحد كم له من السنين، فخيل لهم أنه كنز مدفون فهدم الاقباء، فلم يجدوا غير صهريج يندفق بماء معين وفية سلحفا قد ملات الصهريج باسره من أولّه إلى آخره، فلما أرادوا اخراجها منه فلم يستطيعوا ذلك، فاستشار القاضي ابن داوود الفقهاء في أمره، فاجتمع أمرهم أن يترك في موضعه، ويعاد عليه الأقباء كما كان، فسبحان أن العظيم. القائم برزقه، الخالق لما يشاء، لا اله إلا هو اليه المصير، فينا عليه موضعه ورد عليه الاساس، وطبع الباب، وجعلت قواعده من نحاس أحمر، قله أبو القاسم بن جنين ، قال المؤلف للكتاب: رأيت تقييدا بخطّ الحاجّ الفقيه الصالح ابى الحسن بن محمّد بن فرون الازدىّ؛ أن الأقباء المذكورة أنما وجدت في موضع رتاج المصراع الذى على يمين الداخل من ناحية القرسطون، ولم يزل الباب الكبير على ما بناه القاضی ابو عبد الله بن داوود إلى أن احترق السوق فى ليلة أربع وعشرين من شهر جمادى الآخرة من سنة أحدى وسبعين وخمس مائة، طلع حريق النار من سوق باب السلسلة حتى وصل الى باب المذكور، فاحترقت القبّة التي كانت أمامه في الخشب واحرق أكثر الباب، فجددت الباب والقبة على يد السيد ابى حفص بن أمير المسلمين يوسف بن على بن عبد المومن بن عليّ وبامره؛ وذلك في شهر جمادى الآخرة سنة ستّ مائة، وكن النظر في بنائها أبو الحسن بن محمد الازرق العطّار، والانفاق فيها من بيت مال المسلمين على يد القاضى أبي يعقوب بن عبد الحقّ، وتوفى القاضى الفقيه أبو عبد الله بن داوود فود القصا محانه الفقيه المبارك عبد الحق بن عبد الله بن معيشة فحذا حذوه واقتفا أثره في ذلك، وجمع أهل البنا والنظر السديد، وكان من نظره أن يجعل محراب القرويين . على عين قرقاف، فلم يمكنه ذلك لاجل ديار الفقيه؛ أبى علىّ بن ابى الحسن التي تعرضت له في طريقه، فكان الذي اجمع رأيهم عليه من الزيادة ثلاث بلاطات ومحراب و منبر. وزاد فيه من ناحية الغرب؛ البلاط المرتفع على أرض المذكور من القبلة إلى الجوف وزاد فيه من ناحية المشرق بلاطين من القبلة إلى المزدرع بنى ذنك لله بترابه الذي خرج. خرج منه ولم يُدْخِلْ في بنائه من تراب الكهوف والمقاطع التي يبني الناس منها شياء، وكذلك الكدّان الذي بنى به انما قطع منه لانه حفر في وسط البلاط الثاني من القبلة حفيرا؛ يظهر فيه كهف بعيد المراخى لا يظهر قعره، فكان الفعلة يقطعون الكدّان منه، ويحفرون التراب، ويخرجه الرجال على رؤوسهم للبنائن؛ فيبنون به ولم يصرفوا في بنائه ماء حاشى ماء البير الذي في الصحن كلّ ذلك تحريا من الشبهات الاّ يدخله، وتانّق في بنائه غاية، وتحفظ وراء من نظره السديد ان يجعل الابواب كلها مغشيا بالنحاس الاصفر، ويبدلها مما هي عليه ويعمل أمام كل باب قبّة ويزيد في سعته وكماله، ويبدل الصومعة. فشرع في بناء المحراب والقبّة التي عليه منقوشين بالذهب والازورد واصناف الاصبغة، فتم ذلك على غاية الجمال والكمال وكان يبهت الناظر اليه من حسنه ويشغل المصلّى، فلما دخل الموحدون المدينة؛ وذلك يوم الخميس الخامس عشر ربيع الآخر سنة أربعين وخمس مائة، خاف فقهاء المدينة واشياخها أن يستنفذ الموحدون عليهم ذلك النقش والزخرف الذي فوق المحراب لانهم قاموا بالتقشف والناموس، فقيل لهم أن أمير المومنين عبد المومن بن علىّ يدخل غدا المدينة مع أشياخ الموحدين برسم صلاة الجمعة بالقرويين، فخافوا لذلك فاتي الحمامون الجامع تلك الليلة، فنصبوا على ذلك النقش والتذهيب الذى فوق المحراب وحولة بالكاغيد ثم لبسوا عليه بالجس، وغسل عليه بالبياض ودلّك، فنقصت تلك النقوش كلها وصارت بياضا. وصنع المنبر الذي به الآن من الابنوس والصندل والعاج والنارنج والعناب واصناف الخشب العظيم، وكان الذي عمله عليه وانحته؛ الشيخ الاديب أبو يحيى العتاد عمر عمرا طويلا حتى نيف على المائة، وكان إماماً في اللغة والشعر فغشي منها ثلاثة وجاتة؛ العزلة فعزل والمنبر والبناء باب الجنائز وصحنه كل ذلك على أن يتمّ، فولى بعده قضاء المدينة المذكورة؛ الفقيه الحافظ العالم المشاور أبو مروان عبد الملك بن بيضا القيسىّ، فتم ذلك كله على ما بداه أبو محمد عبد الحق بن معيشة حاشى نقشه باقى الابواب بالصفر وابدال الصومعة، فانه لم يزد في ذلك شياء، ووقف فيه حيث انتهى بن معيشة، وكان الفراغ من هذه الزيادة المذكورة وحجرة الجامع وباب الجنائر والمنبر في شهر شعبان المكرم سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة، وأوّل خاطب خطب عليه الشيخ الصالح ابو محمد مهدی بن عيسى، وكان من أقصح الناس وأكثرهم قريحة، كان يخطب كل جمعة خطبة لا تشبه الاخرى، فلما دخل الموحدون المدينة بدلت احوال باحوال ورجال برجال، وبدل الخطباء وأيمة بجميع البلاد، فكان لا يؤم ولا يخطب الا من يحفظ التوحيد. باللسان البربريّ، وأما الصحن بالجامع المكرّم؛ فعمل وفرش فى أيام الفقيه القصي او عبد الله بن داوود، وكان الذى نزل فرشه و بناه صحن البناء، وكان من أعرف الناس بالبناء والنجارة، وكان قد فرشه غیره قبله، فلم يرض عمله ولم يكمل، فاحفره العريف أبو عبد الله محمّد بن احمد محمّد الخولانيّ، واشترط على نفسه ألاّ يبقى فيه الحسين بن رقدة، وانه ان صبّ اعلاه قلّة ماء؛ انحدرت فى أسفله مجموعة لا ينقص منها شي لشده اعتداله، فكان رحمه الله باع أربعة من الديار اصولا موروثة عن أبيه، وصنع بثمنها استرا أشبه البجماط نصف أجرة الطول، وصنع الجيار فبناه العريف المذكور. وعده هو و صخر بن مسعود حتى كمل عمله واتقانه، ولم يأخذ عليه شيئا الاّ ابتغاء ثواب الله تعالى، نفعهما الله بنيتهما، وكان جملة ما دخله من الاجر لفرشه؛ اربعة واربعون ألف اجره، لان طول الصحن أحد عشر قوسا؛ في القوس الواحد من القبلة الى الجوف عشرين في كلّ صفّ مائتى أجرة، فيتحصل فى كلّ قوس؛ أربعة الف اجرة فجملة ما يحصل في أحد عشر قوسا؛ أربع وأربعون ألف أجرة وحوله طرد دیار فیه ثمانية الف أجرة، فيجتمع فى الجميع كلّه؛ اثنان وخمسين الف اجرة دون شكّ ولا ريب، وكان فراش الصحن وبناء الباب الكبير المقابل القرسطون على يد القاضي بن داوود المذكور في سنة ستّ و عشرين وخمس مائة، ولما تمّ الصحن بالفرش والبناء، أمر الفقيه الديني العظيم، فصنع بكاكير وشرايط غليظة وقلاع من شقاق الكتان مبطنة بالغبرة على قدر الصحن وما يظلّه، فكان اذا اتى زمان الصيف، واشتدّ الحرّ؛ شدّت البكرير وجبدت الشرايط، فيرتفع القلاع فى الهوى على الصحن كلّه، فيستظلّ الناس تحته من حرّ الشمس، ويكونون في الظلّ، وجعل في القلاع أبوابا للرياح، تدخل منها ليلا، يهلك الناس الغمّ والحرّ فلم يزل القلاع ينصب في زمان الصيف، فيستظلّ به الناس في زمان الحرّ الله حتى تمزق بطول السنين ومرّ الايام والليالي، فلم يقدر احد ان يعمل مثله، وأما الخصة والبيلة التي بالصحن؛ فعملت في سنة تسع وتسعين وخمس مائة؛ على يد أبى عمران موسى بن حسن بن أبى شامة وهو صانعها، وكان من أهل الهندسة والمعرفة بالبناء، وكان الذي انفق فيهـا ماله؛ الفقيه المبارك أبو الحسن السجلماسيّ، نفعنا الله بقصده، وكان من أهل الدين واليسار والايثار، كان يتصدّق كلّ يوم بعشرة دنانير من صلب ماله وربحه، ولما شرع في عملها، أخرج من المعدة الكبيرة قادوس من رصاص، فشقّ به فى الصحن حتى وصل إلى البيلة والخصة المذكورتين؛ وهي بيلة من رخام ابيض لم ير مثلها لحسنها وصفائها وشدّه بياضها وطولها؛ وفيها عشرون ثقبا من جهة اليمين وعشرون ثقبا من جهة الشمال، ويصبّ وينصبّ الماء إلى البيلة من أنابيب خمسة فاذا امتلات أنحدر الماء في الاربعين ثقباً التي على اليمين والشمال فيصير الى الخصة وهي خصة من نحاس أحمر مموه بالذهب قامت على ساق من نحاس مموه منقوش طوله خمسة اشبار من الارض وقسم الساق بنصفين يصعد الماء من النصف الواحد فيفور في وسط الخصة من تفاحة فيها عشرة أنابيب فيبلا الخصة ثم يغور في اثقاب بجوانب الخصة لانها بطانتين ثم ينحدر من النصف الثاني من العمود المذكور فلا تزال البيلة والخصة مملوتان بالماء يجريان ولا يسيل على الأرض منها قطرة واحدة والناس يشربون منها وينتفعون بمائها وصنع حول الخصة أكواب مموهة بالذهب بسلاسل من نحاس دايرة يشرب بها الناس منها وفوق البيلة شباك من رخام أبيض آية فى الزمان و تحته کتاب منقوش فى حجر اسمر بسم الله الرحمان الرحيم صلّى الله على محمّد وان من الحجارة لما يتفجّر منه الانهار وأن منها لما يشفق؛ فيتخرج منه الماء وأن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عمّا تعملون كملت في جمادى الاخرة سنة تسع وتسعين وخمس مائة وبصير فضل ماء الخصة والبيله المذكورتين الى حياضي عين قرقف، فينتفع به هنالك في البيوت والسقاية ثم يصير إلى دار الصنّاع وهنلك يغور وتتمّ منفعته، وأما العنزة التي يُصلّّى اليها في زمان المصيف. فكانت القديمة من خشب اللارز الواحا سادجة في أعلايها كتاب، صُنِعَتْ هذه العنزة في شهر شعبان المكرّم من سنة أربع وعشرين وخمس مائة وأما العنزة التي بها الان فصنعها الفقيه الخطيب قاضي الجماعة وخطيبها أبو عبد الله بن ابى الصبر أيام ولايته القضاء بمدينة فاس وانفق فيها من مال أحباس، وابتدأ فيها بالعمل في أوّل شهر ذي قعدة عام سبعة وثمانين وستّ مائة، وفرغ من عملها، وركب فى موضعها في يوم السبت خامس يوم من شهر ربيع الأوّل عام تسعة وثمانين وستّ مائة؛ موافق الثامن عشر لشهر مرس بالعجمية، وعدد سوارى الجامع المكرّم؛ مائتا سارية واثنتان وسبعون سارية منها قديمة ومنها جديدة وعدد المسقفة منها: ستّة عشر بلاطا من القبلة إلى الجوف ومن المغرب الى الشرق، وتربيع لا اعوجاج فيه من كلّ الجهات يحمل كلّ بلاط منها أربعة صفوف في الصفّ الواحد من الناس مائتان واثنا عشرة رجلا، لان في كلّ بلاط احدى وعشرين قوسا، يجلس في كلّ قوس عشرة من الرجال فيكمل من العدد في كلّ بلاط ثمان مائة واربعون رجلا، لا شكّ فيها ولا ريب وعدد البلاطات ستّة عشر بلاطا؛ فيتجمل فيها جميعها من عدد الرجال ثلاثة عشر الف رجل وأربعة واربعون رجلا بلا شكّ ولا ريب، وكسر ما بين السوارى منه فوجد يجمل خمس مائة وستّون رجلا فيتجمل من العدد أربعة عشر الفا وكسر الصحن فوجد يحمل الفين وسبع مائه رجل، وحجر الجامع يصلّى فيها صفوف من الناس غير معتدلة، تصحح العدد بالف وخمس مائة رجل وحول الجامع رحاب واسواق يصلّى فيها الناس يوم الجمعة، كسرت باربعة الاف رجل وخمس مئة رجل، فيتجمل فيها من عدد المصلّين يوم الجمعة؛ اثنان وعشرون الفا وسبة مئة تنشر قليلا وتزيد قليلا، والامام واحد؛ وذلك فى سنين الرخاء والعمارة، وعدد القرمود الذي في سغف الجامع المكّرم أربع مائة ألف قرمودة وسبعة وستّون ألف قرمودة وثلاث سلة قرمود، وعدد ابوابه خمسة عشر بابا كبيرة، لدخول الرجال وبابان صغيران للنساء، لا يدخل عليها رجل الابواب القديمة؛ منها أبواب الشرقي وأبواب الغربي وابواب القبلة والجوف محدثة وءاخر ما أحدث بها؛ الباب الكبير الدرج الذى يلي القبلة، احدثه وبناه الفقيه أبو الحسن علىّ بن محمّد بن عبد الكريم الحدودىّ أيام ولايته على فاس، وصنعها بن جفات مصايفا بها ومقابلا بباب الجفات؛ التى بجامع الأندلس، وجلب البها ال من عيون أبن اللصادي المعروفة الان بعيون الدوازين، فاتی بالماء حتى وصل به إلى رحبة ترنجب. فصنع هنالك سقاية، وأجرى بها من ذلك الماء ثم سار به حتى وصل به إلى الباب المذكور، وكان فتح هذا الباب وبناه وجلب ماءه في سنة تسع وثمانين وست مئه وكان فتح هذا المذكور من غير استيذان ولا مؤامره لامیر المسلمين أبي يعقوب نور أمير المسلمين أبى يوسف بن عبد الحقّ رحمهم الله ورضى عنهم، فلما عرف أمير المسلمين بفتحه الباب قبلة الجامع المذكور، أنكر ذلك عليه وقبح فعله ونذبه بسببه اذا احدث بالجامع الذكور ما لم تدع اليه ضرورة ولم يستادنه فيه، فامر في الباب فسدّ ، واما الثرية الكبرى، فصنعت في أيام الصالح الخطيب الوارع أبى محمّد عبد الله بن موسى المعلّم؛ وهو الذي اجتهد في عملها، وكان قبلها في موضعها ثرية مثلها في الجرم ولاكنها خلفت بطول الدهر، فتكسّرت، فهبطت ونقضت وسبكت وزيد علينا النحاس مثلها. واستاجر الصدّع على عملها، فقامت بسبع مائة دينار وسبعة عشر دنانيرا ودرهمين ونصف درهم، وعدد قناديلها؛ خمس مائة قنديل وتسعة قناديل وزنتها سبعة عشر قنطار ونصف قنطار وثلاثة عشر رطلا من نحاس والذى يحمل قناديلها من الزيت قنطارا واحدا وسبع قلال، وعدد قنديل الجامع مّها اذا وقدت الف قنديل واحد وسبعمائة قنديل، يسرج فيها من الزيت في ليلة؛ سبع وعشرين من رمضان ثلاثة قناطير ونصف قنطار، ولم تزل هذة الثرية الكبرى تسرج فى ليلة سبع وعشرين من رمضان خصّة الى أن ولى قضاء المدينة؛ الفقيه أبو يعقوب يوسف ابن عمران فمر بسراجها في اوّل ليله. ليلة من شهر رمضان الى اخر الشهر، فلم يزل الأمر على ذلك الى أن توفّى القاضي المذكور؛ يوم عرفة سنة سبع عشرة وستّ مائة، وفى أيامه فتح الباب بالوراقين، وعملت عليه القبّة العظيمة المقربسة بالجص؛ وذلك في سنة سبع عشرة وستّ مائة المذكورة. فاقامت الثرية الكبرى تسرج بعده سنة واحدة، واختلفت الاحوال وجات أيام المجاعة والفتن، فقلّت الجبايات بالمدينة، ومات اكثر الناس جوعا، وأقلّ الانفاق على الجامع وعدم الزيت، وكانت تُشعل في ليلة سبع وعشرين خاصّة الى أن ولى القاهي الحيوة فامر الا يشعل منها كاسا واحدا لا في ليلة سبع وعشرين ولا فى غيرها، وقال: أنا لا نعبد النار وانما نعبد الله، فلم يزل الأمر على ذلك الى أن ولى الفقيه الخطيب أبو عبد الله بن أبي ألصبر قضاء المدينة في سنة سبع وثمانيين وستّ مائة، فاستشار فى أسراجها أمير المسلمين؛ ابا يعقوب بن أمير المسلمين ابى يوسف بن عبد الحقّ رحمهم الله ورضى عنهم، فنفذ أمره بوقدها فى ليلة سبع وعشرين من رمضان خاصّة، فدام العمل على ذلك إلى الآن، واما الدّففُ الحمر الذى على أبواب القبلة حيث يخرج الى باب الجنائز، فكانت لابى القاسم ابن الملجوم؛ المعروف بابن رقية، صنعها للعليّة التي كانت بداره من حارّة لواتة، وأقامت عليه العليّة والابواب بمال جليل، فحسن في بنائها، فرفع عنه إلى أمير المسلمين يعقوب بن بوسف بن عبد الحق من أنه يكشف من تلك العلية على الديار وعلى مسلخ حمام بنت الباز المجاور لها، فينظر منها إلى النسوة اذا تجردن فى مسلخ الحمام المذكور، وشهد بذلك عليه عند الخليفة؛ فنفذ امره الى قاضى المدينة ابي محمد التادلي بهدم العلية وتعفية أثرها، فهدمت يوم الاربعاء ثالث يوم رجب سنة ثمان وثمانين وخمس مائة، فبقيت الدفف عند ورثته، فلم يرو لها أحسن من تصريفها إلا في الجامع المكّرم فوهبوها لها طيبه نفوسهم بذلك وفى الدفف صنيعة مكتوبة فيها اسمه واسم الصانع الذى عملها وفى ءاخرها، وكان عملها فى شهر رجب عام ثمانية وسبعين وخمس مائة، وركبت هذه الدفف في القرويين في سنة سبع عشرة وستّ مائة، وأما المستودع فصنع في أيام الفقيه الصالح ابى محمد يشكر، فحفر أرضه وركز بالتراب والجورات، وجعل طاقة من حجارة الرخام، وطبقت من الرمل والجير، وكان المتولى لبنائة؛ الفقيه ابو القاسم بن حميد حتى تمّ، وجعل له مفاتيح ثلاثة في أوّل دفّة وثلاثة في الباب الثاني، وجعل فيه صناديق كثيرة عليها أبلاج وثيقة ولكنه احتيل عليه، ودخل جميع ما فيه من أموال الاحباس وربعات الجامع، وكتب وأمانات الناس وذلك في أيام الفقيه القاضي ابى عمران ولم يعلم من عمل ذلك، وأما الحائط الشرقى منها مع ما قرب منه من المشرقة، فانه عمل من القدم، وأشرف على السقوط والانكباء وذلك في أيام المجاعة والفتن واخراب المدينة، ولم يكن في ذلك الوقت لاحد قدرة على بنائه، فوهى وترك على حاله فبقى كذلك إلى سنة اثنين وثمانين وستّ مائة، فاستشار والى المدينة أبو عبد الله الحدودي، أمير المسلمين القائم بالحقّ؛ أبا يوسف يعقوب بن عبد الحقّ في نقصه واصلاحه، فنفذ أمرهم الكريم رضى الله عنهم؛ ببنائه وبصلاح ما يحتاج اليه الجامع المكرّم، وأن يكون الانفاق في ذلك من مال الجزية والأعشار اذ نفد مال الاحباس فبني الحائط الشرقي وما ولاه من المسقفة وانفق في ذلك مالا كثيرا، واما الحائط الجوفى فانه سخلق أيضا بمرّ السنين عليه، وأشرف على السقوط، فاستاذن الفقيه القاضي ابو غالب المغلى الى امير المسلمين ابى يعقوب في بنائه، فنفذ أمرهم رضى الله عنهم ببنائه واصلاحه، وأعطاه خلخالى الذهب زنتها خمس مائة دينار ذهبا، وقال له: صرفه فى بناء الحائط المذكور؛ فانهما حلال محض، كان صنعهما والدى امير المسلمين لوالدتي مما أفاء الله تعالى عليه من اخماس غنائم الروم ببلاد الاندلس، فورثتهما عنهما فلم أر لتصرفهما موضعا أوجب من هذا، فعسى الله تعالى أن ينفع به الجميع. فنفض الحائط من باب الجفات الى اخر بيت النساء، وبقى من المال المذكور وذلك في سنة تسع وتسعين وستّ مائة، وأما السقاية الكبرى؛ فصنعت فى أيام الفقيه الامام الفاصل الزاهد الورع المبارك ابى محمّد يشكر نفعنا الله به، وكان المنفق فيها الشيخ الموفّق أبو عمران موسى بن عبد الله بن سداف؛ اتى من جبال بنى بزاغة بمال كثير، فاستوطن مدينة فاس، وكان الشيخ الفقيه ابا محمّد، يشكر المذكور، فذكر له يوما أنه جاء بمال طيب ويريد أن يصرفه فيما يحتاج اليه الجامع؛ وأن المال حلال ورثه عن أبيه عن جده لم يتغيّر ببيع ولا بشراء، واصله من الحرث والماشية، فامتنع الفقيه أبو محمّد يشكر ان يقبل منه شيئا ويصرف منه درهما في الجامع المذكور، فالحّ عليه في أن يعمل سقاية ودار وضوء باراء الجامع؛؛ تكون عونا للمصلّين. فلم يتركه ولم يقبل منه حتى أخذ بيده وحمله إلى محراب الجامع المذكور، واعطى ختمة من الكتاب، فاستحلفه فيها في وسط المحراب؛ أن ذلك المال حلال طيب من تركة والده وجدّه لم يتغير ببيع ولا شراء، فلما حلف، قال له: اشرع الان فيما اردت من عمل الميضات والسقاية والله تعالى ينفعك بقصدك. فاشترى فندقا كان هنالك في موضع دار الوضو مقابلا بباب الجفات، وشرع في نفضه وبناء الميضات والسقاية في مكانه؛ وذلك في غرّة صفر من سنة ستّ وسبعين وخمس مائة. وكتب الشيخ الفقيه ابو محمّد؛ يشكر إلى أمير المسلمين يعلمه بالامر ويستاذنه في جلب جلب الماء، فاذن له بظهيره وأن يشقّ به حيث شاء من شوارع المدينة وطرقها، فاجمع العرفاء والبنائين واهل الهندسة؛ وأمرهم أن ينظروا في المواضع التي يمكن أتيان الماء منها، فلم يجدوا أوفق من عيون دار الدبّاغين، فلم يستحسنها الفقيه أبو محمّد يشكر؛ بسبب أوساخ الدبّاغين المجاورين لها، وكون الموضع كثير الازبال والشعر، فتركوه ووجدوا بالغرب من ديار الدبّاغين المذكورين، دار صبّاغ وبها عين عظيمة؛ تعرف بعين حومال، فاشتراها أبو عمران موسى بن سداف المذكور، فاكثر في قيمتها أضعافا بسبب العين ألتي بها؛ وهذه العين تخرج من بيت مغبو تحت الأرض، شبه بيت الحمام والماء، يغور فيه من موضعين؛ من كلّ موضع فوارة، وخرج من حجر صلد وهي في غاية العذوبة والطيب، إلا أن فيه ثقل فاحصر الماء إلى قادوس؛ يخرج منه الى صهريج ملبس بالرصاص مربع، كلّ وجه منه عشرة اشبار والصهريج الى جانب البيت ثم أخرج الماء من الصهريج في قواديس الرصاص التنورية، فشق به فی وسط عقبة سوق الدخان الى القرسطون في قبلة جامع الشرفاء ثم في سماط سوق القيسارية ثم فى سوق الحرّارين ثم فى تربيعة الغزّازين الى أن وصل المعدة التي بالموثقين؛ وهى معدة من الرصاص في أخر حانوت من سماط الموثقين الملتصق بالجامع، وينصبّ الماء من المعدة المذكورة إلى صهريج مربع من رصاص؛ ومنه يفترق الماء الى جميع السقايات والخصة والبيلة وباب الجفات ودار الوضوء وبيوتها وسقاية الشباك، فيصير إلى كلّ موضع القدر الذى يصلح له لا يزيد ولا ينقص، وفرشت بيوت دار الوضوء بالرخام وفي خمسة عشر بيتا، فدخل الماء الى كلّ بيت منها على حدّة، وجعل في وسط الميضات بيلة متّسعة تشبه الصهريج، وفى وسط البيلة جعبة من نحاس مموهة بالذهب فيها انابيب ينصبّ منه الماء الى الصهريج فى غاية الحسن، وجعل سمك هذه الميضات قبّة كبيرة عظيمة مقربسة بالجصّ؛ منقوشة بالازورد وأصناف الاصبغة، ويقابل هذه الميضات باب الجفات من الجامع المكرّم؛ وهو باب كبير يدخل منه إلى الصحن، واتّساع هذا الباب أكثر من ارتفاعه؛ فيه بيلة من رصاص بطوله؛ تتدفق فيها المياه المعينة، وينصبّ منها على رخام ازرق واخضر واحمر؛ يغسل عليها الحفات ارجلهم، وسائر الباب مفروش كلّه بالرخام حتى الى الصحن، فرشه الخطيب أبو عبد الله محمّد بن ابى الصبر أيام ولايته القضاء بالمدينة المذكورة، وكان قبل ذلك مفروشا بالاجر من جنس الصحن، وبجانب باب الجفات السقاية القديمة المستطيلة التي بناها عبد الملك المظفر، يتوضا منها الناس للصلاة وبسقا منها السقاون بالزقاق، ويخرج بيضها الى ميزاب بخارج السقاية، فيسقا منها الخدم والصبيان. الصالحين ويدعوا ويبكى حتى جاء اللّيل، فدخل الرابطة وبات بها مع جماعةمن الناس. فأقام اللّيل كلّه يصلّي ويتلوا القرآن، ويدعوا ويبكى والناس يبكون لبكائه وخشوعه حتى اصبح، فصلّى بهم صلاة الصبح ثم أخذ في البكاء والدعاء حتى أقام المؤذنون بالاذان الاول من يوم الجمعة، فلبس أحسن ثيابه، وسار إلى الجامع المكّرم والمؤذنون حوله، فقعد في حجرة الجامع حتى قرب الاذان، فصعد المنبر والناس ينظرون اليه وهو يبكي ويرعد، حتى فرغ المؤذنون من الاذان، فقام خطب ولم يتوقف ولم يتلجلج ثم ادخل المحراب فاتى بالحكمة، وفصل الخطاب وبكى وأبكى من سمعه ومن كان خلفه، فلما تمّت الصلاة، أقبل الناس اليه يقبّلون بيده، ويتبرّكون به ولم يزل خطيبا الى أن وصل الفقيه القاضي أبو عبد الله محمّد بن ميمون الهوارى، فكان اول سؤاله لاهل المدينة عن القرويين، فذكر له فيه خير، واثنى عليه كثيرا فلما جاءت الجمعة رآه، فلم تعجبه صورته واستبشعه وقل فيه قولا؛ فقال له بعض الناس من حضر: لو سمعت خطبته لاعجبك. فلما سمع خطبته بكى، وطلب منه المغفرة والدعاء. وكان الفقيه ابو عمران موسى المعلّم سريع الدمعة كثير الخشوع، الغالب على أحواله الخوف، فمات أبو محمد يشكر في اليوم الحادى والعشرين من ذى قعدة سنة ثمان وتسعين وخمس مائة، فاستبد الفقيه ابو عمران المعلّم بالخطبة والامامة، فلم يزل عليها إلى أن مات فى الموفى عشرين لشهر صفر عام تسعة وتسعين وخمس مئة، فكان بين وفاتيهما ثلاثة اشهر نفعنا الله بهما. فولى بعده ولده الفقيه ابو محمّد عبد الله بن موسى المعلّم، و سنه يوم ولى المحراب ثمانی عشرة سنة، وكان له حظّ وافر من الحسن والجمال والعلم والدين المتين والفضل والورع العظيم والصوت الحسن، ولم تكن له صبوة فى شبابه، ولم يزل من صغره مشتغلا بالعلم وطلبه منقطعة للعبادة، ولم يدخل محراب القرويين من يوم بنى الى يومنا هذا امام شاب دون اللحية سواه وذلك الاجتماع خلال الخير والفضل فيه، واجماع الناس على فضله ودينه وورعه، وكان له من حسن الخلق ما يطابق صورته الحسنة. ولما مرض والده أبو عمران، قيل له استخلف، ولذلك للمحراب فانه اهل له، فقال لهم: ان علم الله فيه خيرا. فهو يستخلفه الى خدمة بيته، فلما توفّى أبو عمران وحمل إلى قبره، ووضع على شفيره ضجّ الناس بالبكاء، وذكروا من يصلّي عليه بالنّاس. فقال القاضى لولده: تقدم فصل على أبيك، فقام وكبّر وصلّى على أبيه، وانصرف الناس، فقدم في موضع أبيه للامامة. فكان يصلي بالناس، فلما جاءت الجمعة؛ لبس ثياب ابيه التي كن يخطب بها واعطاه ابو مروان بن حيون برنسا أبيض، فطلع به المنبر فأتى بالحكمة فى خطبته وقراءته واستحسنه الناس.