الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس/سيرة ابو يوسف يعقوب بن عبد الحق
الخبر عن سيرته الجليلة وماتره الجميلة نذكرها مختصرا
وجيزة ونقتصر منه على ما ذكر صاحب الارحوزة
فأمن
ولا استقامت له الامور وتوطا له الملك خرج من مدينة فاس الى رباط تازا يستشرق منها على اخبار يغمراسن بن زبان فدخلها في أول يوم من شعبان من سنة ثمان وخمسين وست مائة فاقام بها الى اليوم الرابع من شوال فوصله الخبر أن النصارى دخلوا مدينة سلا غدرا ووضعوا السيف في أهلها فقتلوا رجالها وسبوا نساءها واموالها وتمنعوا بها فكان دخولهم اياها تانى يوم من شوال من سنة ثمان وخمسين وست مائة فخرج من فوره مسرع لاستنقاده مشمرا عن ساق الجد في أمرها وكان خروجه اليها من رباط تازا بعد أن صلى العصر من اليوم الرابع من شوال المذكور الذي اتصل به الخبر في نحو الخمسين فارسا فاسرى ليلته تلك ومن الغد صلي بظاهر سلا صلاة العصر فوصلها في يوم وليلة ونزلها على من بها من الروم وتداركت عليها جيوش المسلمين وقبائل المتطوعين من جميع افاق المغرب محاصرا للروم بها وضيف عليهم فيها ولم يرفع عنها القتال ليلا ولا نهارا حتى فتحها واخرج النصارى قهرا عنها بعد أربعة عشر يوم من دخولهم اياها فلما خرج النصارى عنها بنا عليها السور القوى الذي يقابل الوادي فانها كانت لا سور لها من تلك الجهة فكان دخول النصارى منه فشرع في بنائه فبناه من أول دار الصناعة الى البحر وكان رحمه الله يقف على بنائها بنفسه ويمكن الصخر بيده ابتغاء ثواب الله تعالى وتواضعا له وحياتة على المسلمين حتى تم الأمر بالبناء والتحصين وفي هذه السنة ملك أمير المسلمين بلاد تامسنا ومدينة انفا وفيهما وصلت هدية المرتضى صاحب مراكش غلى أمير المسلمين ابي يوسف وكتابه يطلب فيه سلمه فصالحه امير المسلمين وجعل الحد بينه وبينه واد أم الربيع، قال المؤلف عفا الله عنه وفى السنة التي ولى فيها أمير المسلمين أبو يوسف انزل الله تعالى على اهل المغرب البركات وفتح عليهم بالخيرات فرعا الناس فيها من الدحة والخير ما لا يوصف ولا يقوم أحد بشكرة بيع الدقيق فيها بمدينة فاس وغيرها من بلاد المغرب ربع بدرم والقمح ستة دراهم اد للصحفة والشعير ثلاثة دراهم للصحفة والفول وجميع القطانى ما لها سوم ولا يجد من يشتريها والعسل ثلاثة ارطال بدرهم والزيت أربع أوقية بدرم والزبيب درها وتصف للربع والتمر ثمانية أرطال بدرهم واللوز صاعا بدرهم والشابل الطرى فرد بقيراط والملح حمل بدرهم واللحم البقرية مائة أوقية بدرهم ولحم الضان سبعين أوقية بدرم والكبش بخمسة دراهم وذلك ببركته ويمن خلافته وحسن سيرته ونيته، وفي سنة تسع وخمسين فسد ما بين أمير المسلمين والمرتضى صاحب مراكش فسرح في أطراف بلاده وفيها كانت وقعة أمّ الرجلين بين أمير المسلمين ابى يوسف وجيش المرتضي من العرب والروم والموحدين فهزم جيش المرتضي وقتل حماتهم وفر من بقى وتركوا موتاهم وكان المرتضي قد استعد لهذه الغزوة غاية الاعتداد وبعث فيها وجوه الموحدين وأشياخهم وسائر عرب جشم من الخلط وسفيان والافتح وبني جابر وبني حسان وقواد الروم والاندلس والاغزاز ولم يترك بحضرته من جيشه أحدا الا نفرا يسيرا فهزم الكل وتركوا أموالهم واثقالهم وعددهم وسلاحهم فاحتوى أمير المسلمين على جميع ذلك كله، وفى سنة سنتين وست مائة سار أمير المسلمين أبو يوسف الى مراكش فنزل بجبل جليز تم زحف اليها وبرز اليها احسن تبریز وصف جيوشه وتشر الويته وبتوده فانحصر المرتضى بها وغلق على نفسه أبوابها وفي ذلك يقول عبد العزيز في رجزة الوجيز
فلما خرج المرتضى لحرب السيد ابى العلى ادريس المكنّى بايي دبوس فكانت
بينهما حرب عظيمة قتل الأمير عبد الله بن امير المسلمين الى يوسف فارتحل
عن مراكش بسبب قتل ولده فدخل مدينة فاس في اخر شهر رجب من سنة
أحدى وستين وست مائة، وفى سنة إحدى وستين المذكورة طلع النجم ابو
الذوائب وكان ظهوره ليلة الثلاثاء الثاني عشر لشعبان من السنة المذكورة وبقى
يطلع كل ليلة في وقت السحور تحو من شهرين، وفى هذه السنة جاز الفارس
الانجد عامر بن ادريس في جمع من بني مرين والمطوعة يزيدون على ثلاثة آلاف
فارس برسم الجهاد فعقد لهم امير المسلمين أبو يوسف رايته المنصورة وعظام العدة
والخيل والخيل وودعهم ولها لهم وهو أول جيش من بني مرين جاز إلى الاندلس، وفى سنة اثنتين وستين تولّى أبو العلا ادريس بن أبى قريش عامل أمير المسلمين على بلاد المغرب، وفى سنة ثلاث وستين بعث الفقيه العزفى صاحب سبتة أجفائه الى هدم سور اصلا وقصبتها فهدمت لانه خاف عليها من خلائها أن يملكها العدو ويتمتع بها وفيها سار أمير المسلمين الى مراكش برسم رعى زرعها فوصل الى أحوازها وبايعه جملة من العرب الذين في أنحائها وانصرف الى مدينة فاس بعد انصراف أمير المسلمين من مراكش واستقراره بفاس وشى للمرتضى بقائد جيوشه السيد ابي دبوس وقيل له انه يكاتب بني مرين فاراد القبض عليه فغر منه ولحق بامير المسلمين ابى يوسف بحضرته بفاس فاكرمه وأقبل عليه غاية الاقبال وقال له ما الذي اتاك يا ادريس قال فررت من القتل وقصدت حماك لتنصرنى وتعيننى على عدوّى وتعطيني عسكرا من بني مرين وبنودا وطبولا ومالا أنفقه على ذلك وانا اضمن لك أخذ مراكش فاذا أخذتها يكون نصفا لك ونصفا لى فاسعفه أمير المسلمين يمطلبه وعاهده على ذلك وتوثق منه بالايمان المغلظة والعهود المذكورة فاعطاه جيشا من خمسة الاف من قبائل زناتة وأعطاه طبولا وبنودا وخيلا وسلاحا ومالا برسم النفقة في طريقه وكتب له إلى قبائل العرب وقبائل هسكورة أن يكونوا له عونا وودعه وانصرف فارتحل ابو دبوس حتى وصل بلاد هسكورة فنزل بها وكتب الى مراكش من خاصته فيخبرهم بقدومه ويسّلهم عن حال البلد والمملكة فكتبوا اليه أن أقدم فان الناس في غفلة والجيوش مفترقة فى اطراف البلاد وليس تجد وقت انتهاز فرصة مثل هذا فاسرع أبو دبوس نحوها وجدّ السير بجيوشه حتى دخلها وكان دخوله اياها من باب الصالحة في وقت الضحى والناس في غفلة فتملك حضرة مراكش واستقر بقصرها وفر عنها المرتضى فقتل بخارجها وذلك في شهر محرم من سنة خمس وستين وست مائة قبعت اليه أمير للمسلمين أبو يوسف للعهد الذي كان بينهما وقال للرسول ما بيني وبينه عهد إلا السيف وقال له قل له يبعث بيعته واقّره على ما بيده من البلاد والا غزوته بجنود لا قبل له بها فوصل الرسول إلى أمير المسلمين فبلغة الجواب وأعلمه بنكثه وميله عن الصواب فخرج أمير المسلمين أبو يوسف إلى غزوه من حضرة فاس فسار حتى نزل بظاهر مراكش فحصرها وهتك أحوازها ورعا زرعها فلما رءا أبو دبوس ما ناله من شدة القتال والحصار ورعي الزروع ونسف الاثار وشدة المجاعة في بلاده وغلاء الاسعار وكتب إلى يغمراسن بن زيان يستنصره غير واضح منه أن يكونا على أمير المسلمين ابى يوسف يدا واحدة فتعاهدا على ذلك واتفقا عليه فشن يغمراسن الغارات في اطراف بلاد أمير المسلمين ابى يوسف فاتصل يه الخبر وهو محاصر لمراكش فاقلع عنها وقصد الى تلمسان لحرب يغمراسن بن زبان ورءا أن تقديمه وغزوة من الصواب اذ هو فارس من زناتة البطل المحارب فسار حتى وصل الى مدينة فاس قاقام بها أياما حتى استراح الناس ثم خرج الى تلمسان وذلك في الخامس عشر من شهر محرم سنة ست وستين وست مائة في احتفال عظيم وزي عجيب بالعيال والغباب والجيوش الوافرة والاموال والركاب فسمع يغمراسن با قباله فخرج من تلمسان الى لقائه وقتاله فالتقى الجعان بواد تلاغ فالتقت الابطال بالابطال واختلطت الامثال بالامثال وتمازجت الركاب بالركاب واصطفت من الجانبين العيال والغباب وزحف الجيش إلى الجيش فكانت بينهم حرب عظيمة وهزاهز جسيمه لم ير مثلها فا ترى الا الخيول ترمح وأهلها إلى اللقاء تطمح فدام القتال بينهما من وقت الصحى الى الظهر وصبرت قبائل مرين لمنال عدوها صبر تكرام الغر ومنحهم الله تعالى بالنصر على اعدائهم فتمكنوا من رقابهم فهزمت بنوا عبد الوادي واذا فوهم مرين الكرام الحمام في ذلك الوادى وفّر يغمراسن مهزوما على وجهه وقتل قرة عينه عمر اكبر ولده وولى عهده وسار أمير المسلمين بعقوب في أعقابهم ورماحه تشرع فيهم وسيوفه تعمل في رقابهم فدخل يغمرسن تلمسان حسرا فقيدا مهزوما وحيدا وانتهبت مرين جميع محلّنه و أمواله ومصاربه وعينه فكانت غزوة تلاغ المذكورة يوم الاتنين الثاني عشر لجمادى الآخرة من سنة ست وستين وست مائة ورجع أمبير المسلمين من هذه الغزوة مطعرا منصورا مؤيدا مسرورا ذا حنق على ابى دبوس فقام بمدينة فاس الى ظهور هلال شعبان من المذكورة فخرج الى مراكش لعزو ابى دبوس الناكث لعهوده فلم بزل تولى السير والسعد يقدمه والتيسير حتى وصل إلى واد أم الربيع فنزل هنالك بلاد ابى دبوس ياكلون زروعها وبنسفون ربوعها فاقام مالك إلى أن دخلن سيد سبع وستين غرة المحرم منها ارتحل من واد أم الربيع الى ناحية تدلا فغزا به عرب الخلط فاكلهم وسبى حريمهم وأموالهم ورجع من تدلا فنزل بواد العبيد فقام هذانك أياما ثم غرا بلاد صنهاجة وسباها وأقبل يدور فى أحواز مراكش الى اخر شهر ذي فعدة من سنة سبع وستين وست مائة فاجتمع أشياخ العبائل من العرب والمحامده فساروا الى ابى دبوس وقالوا له كم تقعد عن حرب بي مرين وتجبن عن لعابهم
اما اما ترا بلادنا قد خربت وأموالنا قد نهبت وحريمنا قد سبيت فأخرج لجهادهم عسى أن يكون السبب لبعادهم فانهم فى شرذمة قليلة وعصابة يسيرة وأكثره قد بقا برباط تازا يحرسون ذلك النغر خوفا عليه من بنى عبد الواد، فاغتر ابو دبوس بقولهم وسارع إلى نصرهم فخرج في جيش عظيم وجنود وافرة من الموحدين والعرب والروم وقبائل المصامدة فلما سمع أمير المسلمين أبو يوسف خروجه كر راجعا نحو المغرب حيلة منه أن يبعده عن حضرته فسمع أبو دبوس برجوعه فظن رجوعه انما هو خوف منه فجد في اتباعه فكان أمير المسلمين أبو يوسف اذا ارتحل عن موضع أقبل أبو دبوس فنزله فلم يزل لاثره يقفوا حتى أتى بجيشه واد وادغفوا فكر أمير المسلمين راجعا في وجهه عازماً على قتاله وحربه فالتقى الجعان وأقبلت امثال العقبان والنجم الفتال واشتد النزال وأظهرت مرين صبرها في قتال أعدائها فرءا أبو دبوس ما لا طاقة له به فاراد الفرار لكى بنجوا إلى حضرة مراكش فيعتصم فيها بالاسوار فادركته الضوامر السوابق وأقبلت أبطال مرين نحوه تسبق محالوا بينه وبين اهله وسارعوا الى طعنه وقتله فقتل بالرماح في وسط المعترك وسقط تحت جواده صريعا مترك واحتزّ قاتله راسه في الحين واتى به الى امير المسلمين فوضعه بين يديه وحمد الله تعالى واثنى عليه ثم خر لله ساجدا ثم رفع راسه شكرا وحامدا ثم أمر بالرأس تحمل الى مدينة فاس ليعتبر برأيته الناس واحتوى امير المسلمين أبو يوسف على جميع محلته وذلك يوم الاحد الثاني المحرم مفتح سنة ثمان وستين وست مائة وارتحل أمير المسلمين الى حضرة مراكش فدخلها يوم الأحد التاسع المحرم المذكور فاستقر بحضرة مراكش وتمّ له ملك المغرب وتهدنت البلاد وصلح أمر العباد وتأمتت الطرقات وكثرت الخيرات واذعن الناس الى الطاعة ودخلو في الجماعة فلا تاير ولا قاطع ولا مغسود ولا عابث ولا ملحد، ولما دخل حضره مراكش وأمن اهلها وقبائلها وأحسن اليهم وأفاض العدل فيهم وبعث ولده الامير ابا مالك عبد الواحد الى بلاد السوس وتلك الاقطار لغزو من بها من المنافقين والاشرار ففتح تلك البلاد واتته قبائلها طايعة مذهنة من الاغزاز فلما فتح بلاد السوس باجمعها واستقام له أمرها رجع الى حضرة مراكش فسر والده بعدومه قالب:وادم أمير المسلمين أبو يوسف بحضرة مراكش يسدّد أحوالها وينظر في أمورها ومصالحها الى شهر رمضان من سنة تسع وستين وست مائة فخرج فى أول يوم من رمضان المذكور إلى غزو العرب ببلاد درعة فانهم كانوا قد غاروا بها وملكوا حصونها. وقلاعها وأبادوا باللهب والقتل اهلها واموالها فوصلهم في النصف من شهر رمضان المذكور فقتل منهم خلقا كثيرا وسبا أموالهم ونساءهم وفتح جميع بلاد درعة وملك حصونه بعد ان كان العرب تمتعوا بمعقل منها فحاصرهم فيها أياما فنزلوا بامان ولده الامير ابى مالك فعفا عنهم وأمضى أمان ولده اليهم ولم يبق ببلاد درعة من اهل النفاق والفساد احدا ثم ارتحل إلى مراكش فدخلها فى نصف شوال من السنة المذكورة فأقام بها بقية شهر شوال وخرج منها الى مدينة رباط الفتح من أرض سلا فدخلها في آخر ذي قعدة من سنة تسع وستين وست مائة فعيد بها عيد النحر واخذ البيعة لولده إبى مالك في ذلك اليوم على بنى مرين وكان الأمير أبو مالك على غاية الفضل والكرم والشجاعة والحزم ومكارم الاخلاق وكان حال المهمّة محب في الادب مقرب لاهله يجالس العلماء والادباء والشعراء ويتخذهم بطانة وقد اختصر جماعة من الفقهاء لمجالسته ومنادمته منها الفقيه القاضي أبو الحجاج بن حكم والفقيه القاضى الكاتب البارع ابو الحسن المغيان والفقيه الاديب القدوة أبو الحكم مالك بن مرخل والفقيه الكاتب أبو عمران التميمي والفقيه الاديب أبو فارس عبد العزيز الشاعر الملزوزي وكان الامير أبو مالك رحمه الله يحب الشعر ويرويه وتأخذ نفسه بنظم الشعر وربما نظم منه البيتين والثلاثة ومن شعره يفتخر رحمه الله
ولما اخذ أمير المسلمين البيعة لولده الى مالك برباط الفتح وذلك يوم عيد النحر من سنة تسع وستين المذكورة عن ذلك على جماعة من بني عبد الحق وساروا من ليلتهم تلك إلى جبل ابركوا فنافقوا به وهم محمد بن ادريس بن عبد الحق وموسي بن رحوا بن عبد الحق وجميع أولاد سوط النساء فخرج أمير المسلمين في أثرهم وقدم بين يديه ولده الامير ابا يعقوب في خمسة الاف فارس فنزل عليهم وحاصرهم بالجبل المذكور ثم لحقه أخوه الامير أبو مالك فى اليوم الثاني من نزوله بخمسة الاف فارس أخرى فشرعوا في قتالهم ثم لحق أمير المسلمين بجميع عساكر مرين فنزل عليهم فى اليوم الثالث فحاصرهم به يومين فاذعنوا للطاعة وطلبوا الامان فامنهم وعفا عنهم على أن يرتحلوا إلى تلمسان فساروا اليها ثم جازوا منها الى الاندلس، وفي سنة تسع وستين المذكورة توفّى يعقوب بن جابر العبد الوادي
أمير امير سجلماسة تيغمراسن خرج له خراج فى مذاكرة فمات منه وخرج أبو يوسف إلى غزو تلمسان وقتال يغمراسن بن زيان فبعت ولده الأمير أبا مالك إلى أرض مراكش يحشد منها من قبائل العرب والمصامدة ويلحقه بالجميع فخرج من مدينة فاس في غمرة صفر من السنة المذكورة فى جميع جيوشه من بني مرين انجدهم الله تعالى فسار حتى نزل واد ملوية فأقام عليه أياما حتى ورد عليه الامير أبو مالك في جيش عظيم من قبائل عرب جشم والاندلس والاغزاز والروم فى احتفال واستعداد فاقام بعد وصول ولده اليه ثلاثة أيام حتى ميز بجيوشه وارتحل إلى تلمسان فلما كان يتامه وأفاه بها رسول أبن الاحمر يسأه ينصر الدين ويغيث بالاندلس المسلمين ويخبره أن الفنش لعنه الله قد ضيق ببلاده، فخرج أمير المسلمين أبو يوسف رحمه الله الى خباة الساقة وجمع اشياخ بني مرين واشياخ العرب واخبرهم بما فيه المسلمون بالاندلس واستشارهم في ذلك فأشاروا عليه بصلح يغمراسن وتهدن البلاد والجواز الى الجهاد فبعث الاشياخ من كل قبيلة من زناتة والعرب الى يغمراسن يطلبونه في الصلح وقال لهم أن الصلح خير كله فان جنح اليه واناب فحسن وان أبا الا القتال فاسرعوا الى بالرجوع فسارت الاشياخ ليغمراسن فرغبوه فى الصلح ولاطفوه في تلك بالقول الجيد فقال لهم لا صلح بينى وبينه بعد قتل ولدى عمر أصالحه والله لا كان ذلك ابدا ولا أترك قتاله حتى أخذ منه بثارى واذيق بلاده الثبار، فوصله الرسول بذلك فاسرع أمير المسلمين نحوه المسير ودعا الله تعالى في النصر والتيسير وخرج يغمراسن للقائه في قوة واستعداد وجيوش ما لها حصر كانها الجراد المنتشر فالتقى الجمعان بواد أيسلي بمقربة وجدة فالتحم للحرب بينهما واضطرمت واشتعلت نار الوغا والتهبت وشمرت عن ساقها وتنمرت فجعل أمير المسلمين ولده أبا مالك على الميمنة وولده أبا يعقوب على الميسرة فدّم أبا يعقوب بالميسرة للقتال وتبعه أبو مالك بالميمنة للطعن والنزال واتى والدهم أمير المسلمين على أثرهم في القلب والساقة والتحم للحرب وكثرت الأهوال فيزم يغمراسن وقتل ولده فارس وفر هو مع بعض ولده وخرج من تحت ذبابة السيوف وقتل من بنى عبد الوادى وبني راشد خلق كثير وقتل جميع من كان بحملته من الروم ولولا ما حال الظلام بين الفريقين لم يبق من بني عبد الوادى باقية وفر يغمراسن عن محلته وهو مهزوم فاضرم فيها النيران وقر حتى دخل تلمسان فكان كما قال الله تعالى في كتابه المبين يُخرجُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ وانتهب النار محلته وامواله واثتقاله وعياله وارتحل أمير المسلمين أبو يوسف من الغد في أثره حتى وصل الى وجدة فوقف عليها حتى هدمت وعفا اثرها وفعل عاليها سافلها وتركها قاعا صفصفا وارتحل عنها وكانت هذه الهزيمة في النصف من رجب من سنة سبعين وست مائه وفى ذلك يقول بعض الكتاب الملتزمين لخدمة ذلك الباب
ولما هدم أمير المسلمين وجدة ولم يبق لها أثرا ارتحل إلى يغمراسن فخربها وسبا أموالها حتى وصل الى تلمسان فنزلها وادار المحلات باسوارها وشدّد في الحصار عليها وشرع في قتالها ووصل اليه هو وعليها الأمير ابو زيان محمد بن عبد القوى التجينيي في جيش كثيف واحتفال عظيم بالطبول والبنود فركب أمير المسلمين الى لقائه في جيوشه وابطاله فتلقاه في أحسن زي واكمل احتفال واشتد الحصار على يغمراسن وعظم القتال وضيقت قبائل تجين بمدينة تلمسان لاخذ ثارهم من يغمراسن بن زبان فقطعوا الشار والجنّات وخربوا الرباع وافسدوا الزرع وحرقوا القرى والضياع حتى لم يرعوا بتلك النواحي قوة يوم حاشى السدرة والدوم فلما انتسفت بلاده وقتلت اجناده امر ابا زيان بن عبد القوى بالرجوع الى بلاده وأعطاه الفا ناقة من مال بني عبد الوادي ومائة فرس من مراكبهم وخلعا وسيوفا ودرقا ومضارب وقعد أمير المسلمين بظاهر تلمسان حتى تعرف انه وصل الى وانشريش خوفا عليه من يغمراسن الا يتبعه فلما علم أمير المسلمين أنه قد وصل الى بلاده بجميع ما أعطاه من الغنم أقلع عن تلمسان وكر راجعا الى المغرب مظفرا منصورا فوصل رباط تازا في أول يوم من ذي حجة من سنة سبعين المذكورة فعيّد بها عيد النحر وارتحل إلى مدينة فاس فدخلها غرّة المحرم من سنة أحدى وسبعين وست مائة فاقام بها إلى اليوم الحادى عشر من شهر صفر فتوفى ولده أبو مالك عبد الواحد فاسف لفقده ثم تلقى بالرضى أمر ربه وصبر الصبر الجميل وارتحل إلى مراكش فدخلها في أول يوم من ربيع الثاني من السنة المذكورة فاقام بها واصلح أحوالها وهدن بلادها وأحوازها وخرج منها الى طنجة فوصلها في أول يوم من ذى حجة من سنة أحدى وسبعين وست مائة فنزل عليها وحاصرها وشرع في قتالها فاقام يقاتلها غدوا ورواحا ومساء وصباحا مدّة من
ثلاثة ثلاثة اشهر وكانت طنجة منذ قتل بها ابن الامير وأولاد ابى يحيى ملكها الفقيه أبو القاسم العزفي صاحب سبتة فضبطها وقام بامرها مع أشياخها فلما طال مقام أمير المسلمين عليها أراد الرحيل عنها فبينما هو في اليوم الذي عزم على الرحيل في غده واقف أمامها والناس يقتتلون بين يديه وقد قارب العشى اذا جماعة من رمانها قد قاموا في برج من أبراجها وكان معهم شيخ من أشياخ الرماة وقوادها يعرف بالجى فاشار ابى المحلة ورفع رايته بيضا شعارا فبادر إليه المقاتلون من المحلّة فلّكوهم البرج فاقاموا به يحاربون أهل البلد طول ليلتهم فلما كان عند الصباح تكاثرت عليهم الرجال والرماة واشتد الكفاح فانهزم أهل البلد واخلوا الاسوار وركنوا إلى الفرار فدخلت المدينة عنوة على اهلها فعفا أمير المسلمين عنهم ونادى منادية بالامان ولم يمت بها الا نفر يسير ممن رفع يديه وأشهر سلاحه حين الدخلة وكان فتح طنجة ودخول أمير المسلمين فيها عنوة في شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وسبعين وست مائة، ولما فرغ أمير المسلمين من فتح طنجة بعث ولده الأمير أبا يعقوب إلى سبتة فحاصر بها العزفي أياما فبايعه وصالحه على مال يؤديه له في كل سنة فقبل ذلك منه وارتحل عنه، وفي شهر رجب من سنة أثنتين وسبعين المذكورة خرج أمير المسلمين أبو يوسف لغزو مدينة سجلماسة وكانت بيد يغمراسن وعرب المنبات وكان يغمراسن يبعث اليها في كل سنة ولدا من اولاده ليضبطها وجباية خراجها من المنبات الذين قاموا بامرها فسار امير المسلمين أبو يوسف اليها في جيوش بني مرين وقبائل العرب فحاصرها وشرع في قتالها وضيق عليها وبالغ في حربها ونصب عليها المجانيق والرعدات وضاق أهلها من شدة الحصار والقتال فكانوا يصعدون على الاسوار فيسبون ويلعنون بالقبيح فهتك المجانيق من سورها برجا ومسافة فانهدم البرج والمسافة فدخلت من هنالك عنوة بالسيف على عاملها عبد الملك ابن حنينة العبد الوادي فقتل هو و من كان معه من بنى عبد الواد وعرب المنبات وكان فتحها يوم الجمعة ثالث بيع الأول من سنة ثلاث وسبعين وست مائة وقيل كان فتحها اخر يوم صفر من السنة المذكورة فامّن أمير المسلمين أهلها وعفا عنهم وأصلح أحوالهم وأقام بها أياما حتى تهدنت أحوازها وأوديتها وتأمنت سبلها وارتحل عنها وترك بها عامله، ولما رجع أمير المسلمين من فتح سجلماسة سمت به همته العالية الى الجهاد اذ لم يبق له منازع في البلاد فورد عليه في أثناء ذلك كتاب ابن الاحمر يستنصره وبسّله اعنة الاندلس ويخبره بما هم فيه المسلمون بها من القتل والاسر وكثرة الغارات مع الاحيان والساعات فوجده عازما على الجهاد حريصا على الجواز فتتابعت عليه رسل ابن الاحمر يقول له يا أمير المسلمين انك ملك الزمان والمنظر اليه فى هذا اليوم قد وجب عليك نصر المسلمين واعانة المستضعفين فان لم تنصر الإسلام من ناصره وكان الشيخ ابو عبد الله بن الاسمر قد أوصى ولده عند وفاته أن يستدعى أمير المسلمين للجهاد وبعطيه ما يريده من البلاد قلبا أمير المسلمين دعوته وبادر الى أجابته ونصرته وخرج من مدينة فاس برسم الجهاد