انتقل إلى المحتوى

الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس/دخول المغرب وظهور ملكهم السنى المعجب

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: الصفحات 186–189
 

و فوّض اموره الى وزرائه و اشياخ دولته فتحاسدوا فيما بينهم على الرياسة و ناقض بعضهم بعضا تكبّرا و نفاسة و ادرك رؤساءهم الاعجاب فاضاعوا الامور و غلظوا الحجاب و قطعوا الارحام و جاروا فى الاحكام و ولّوا امورهم سفلتهم و تحكم عليهم اسرارهم فبدا الفساد فى ملكهم و ظهر النقص فى دينهم و بلادهم و ولّت ايامهم و ادبرت سعودهم فجعل الله باسهم بينهم و بعث لفنائهم عصبة مرين و ايّدهم عليهم فاصبحوا ظاهرين و مكّنهم فى الارض و جعلهم ايمة و جعلهم الوارثين و كان بنوا مربن اهل تصميم و صحّة يقين يسكنون القبلة من زاب افريقية الى سجلماسة ينتقلون فى تلك البرارى و القفاز و لا يودّون لامير درهما و لا دينارا و لا يدخلون تحت حكم سلطان و لا يرضون بذلّ و لا هوان لهم همم عالية و نفوس سامية لا يعرفون الحرث و لا التجارة و لا يشتغلون بغير الصيد و طراد الخيل و الغارات جلّ اموالهم الخيل و الابل و الخول و طعامهم اللحم و اللبن و العسل و كانت طائفة منهم يدخلون بلاد المغرب فى زمان الصيف يكتالون ميرتهم و يرعون انعامهم فاذا توسّط الخريف اجتمعوا ببلاد اجرسيف ثم يشدّون رحالهم و ينصرفون الى بلادهم كان ذلك دابّهم على مرّ الزمان و تعاقب الاحيان، فلمّا كان فى عام عشرة و ستّ مائة أتوا على عادتهم من البرية فوجدوا المغرب قد باد اهله و رحاله و فنا خيله و رجاله و ابطاله و مات الكلّ بغزوة العقاب و استولى على بلادهم الخراب و عمرتها السباع و الذياب فاقاموا بمكانهم و بعثوا الى اخوانهم فاخبروهم بحال البلاد و خصبها و طيب مزارعها و سعة مراعها و كثرة مياهها و مشارعها و التفات اشجارها و غزر ثمارها و اطراد عيونها و انهارها فاسرعوا اليها فليس بها من يصدّكم عنها و لا ينازعكم فيها فوصل الخبر الى مرين فبادروا الى المغرب منقلبين و على الله عزّ و جلّ فى امورهم متوكّلين يقطعون المهامة و السباسب على ظهور الخيل و النجائب يرومون الدنو و البلاغ حتى وصلوا الى واد تلاغ فدخلوا المغرب من تلك الباب بالخيل و الابل و المراكب و القباب فى جيوش كالسيل و الليل المغمر و امم كالنمل او كالجراد المنتشر و ذلك لامر قد قدر و ليظهر ما كان فى الغيب مجهولا و ليقضى الله امرا كان مفعولا

قدمت مرين الى بلاد المغرب
و السعد يصحبها بخيل المطلب
فى عام عشرة كان بدو دخولهم
من بعد ستّميّين فاحفظها و اكتب

و قال ابو فارس فى رجزه

فى عام عشرة و ستّمائة
اتوا الى المغرب من البرية
جاءوا من الصحراء و السباسب على ظهور الخيل و النجائب كمثل ما قد دخل الملثمون من قبل ذاوهم لهم ميممون

و كانت ملوك الموحدين فى تلك السنين قد تهاونوا بالامور و اشتغلوا باللهو و الخمور و ركنوا الى القيد فى القصور فادنى بهم ذلك الى القصور

فدخلت بنوا مرين المغرب و القدر يسوقهم لملكه و يقرب

فانتشروا فى بلاده كالجراد و ملات عساكرهم الجنود و الوهاد فلم يزالوا ينتقلون فى بلاده و يسيرون فى نجوده و وهاده و يقطعون به مرحلة مرحلة حتى ابادوا الجيش عام المشتعلة و هو عام ثلاثة عشر و ستّ مائة، قال المؤلف عفا الله عنه حدثنى من اثق به من اهل التاريخ انه لما دخل مرين المغرب تفرّقت قبائلها فى انحائه و شنّوا الغارات على بلاده و ارحائه فمن اذعن لهم بالطاعة سالموه و من بداهم بالحرب قاتلوه و قصموه و فرّ الناس امامهم يمينا و شمالا و لجوا الى الجبال المنيعة لتكون لهم حصنا و مالا فاتّصل خبرهم بيوسف المنتصر فاطرق فى امورهم يفكّر و يدبّر ثم دعا الوزراء و اشياخ الموحدين و شاورهم فى امر بنى مرين فقالوا يا امير المومنين لا تهتم بامرهم و لا يشتغل خاطرك بهم فهم اضعف ناصرا و افلّ عددا و لاكنا لا نترك لهم سدا بل سنبعث لهم جيشا من الموحدين يبدّدهم فى الحين يقتل رجالهم و ينهب اموالهم و يسبى نساءهم و يشدّد بهم من خلفهم و يشعف بهم من سواهم فبعث اليهم بجيش من عشرين الفا من الموحدين و قدّم عليهم ابا علىّ بن و اندير و امرهم باستصال مرين و قال لهم اقتلوا الوالد و الولد و لا تبقوا منهم احدا فارتحل الجيش عن مرّاكش قاصدا للحرب و التناوش، فسمعت مرين باقبالهم فتاهبوا لحربهم و نزالهم و تلافت قبائلها و تشاور رؤساؤها و اقيالها فاجتمعت كلمتهم و اتّفق رائهم و قولهم ان يجعلوا بقلعة تازوطا حريمهم و اموالهم ثم اقبلوا مستعدّين لقتال جيش الموحدين فالتقى الجمعان بمقربة من واد تكور فكان بينهم حرب عظيمة مذكورة منح الله تعالى فيها بنى مرين النصر على الموحدين فهزموهم و قتلوهم قتلا ذريعا و فرّ من افلت منهم خائفا جزوعا و احتوت مرين على جميع ما كان فى محلّتهم من الاثاث و المال و العدد و الخيل و البغال فقويت مرين بذلك قوة عظيمة و شكروا الله تعالى على ما خوّلهم من نعمه الجسيمة و هابهم جميع من بالمغرب من الناس و دخل فلّ جيش الموحدين الى رباط تازا و مدينة فاس حفاة عراة منهزمين بالمشعلة محتزمين و باوراقها مستترين قد علاهم الغبار و اعتراهم الادبار و بدت عليهم الذلّة و الصغار دموعهم مرسلة و قلوبهم بالحزن مشعلة فسمّى العام عام المشعلة و فيه قوى امر بنى مرين و ضعف ملك الموحدين فخلت بلادهم و قلّ خراجهم و فنا اشرافهم و قتل حماتهم و انصارهم و جعل الله باسهم بينهم فكان اشياخهم يولّون سلطانا ثم يخلعونه و يولّون غيره ثم يقتلونه و ينهبون دخائره و امواله و يقتسمون خوله و عياله فخلعوا عبد الواحد ثم قتلوه و بايعوا بعده العادل ثم دخلوا عليه فخنقوه و بعثوا الى المامون بيعتهم ثم نكثوا و بايعوا ابن اخيه يحيى فى الحين و ما تلبثوا فضعف ملكهم بذلك و دوى و ظهر مرين و اعتزّ و قوى.

الخبر عن الامير المبارك ابى محمد عبد الحق

هو الامير ابو محمّد عبد الحقّ بن الامير ابى خالد محيو ابن ابى بكر بن حمامة بن محمّد الزنانىّ المرينىّ ثم الحمامىّ امير بن امير الى مرين بن ورتاجن بن مخوخ شهد والده ابو خالد محيو ابن ابى بكر غزوة الارك مع امير المومنين المنصور متطوّعا فعقد له فى ذلك اليوم على جميع من فى عسكره من زناتة و ابلى بلاء حسنا و توفّى رحمة الله عليه فى سنة اثنتين و تسعين و خمس مائة ببلاده من قبلة زاب افريقية بعد انصرافه من غزوة الارك المذكورة من جراحات نالته من تلك الغزوة فانتقضت عليه فمات شهيدا فاقام بامر بنى مرين بعده ولد الامير ابو محمّد عبد الحقّ و كان فى بنى مرين مشهورا بالتقى و الفضل و الدين و الصلاح و البركة و اليقين معروفا بالورع و العفاف موصوفا فى احكامه بالعدل و الانصاف يطعم الطعام و يكفل الايتام و يوثر على المساكين و يحنوا على المستضعفين كانت له بركة معروفة و دعوة مستجابة موصوفة كانت قلنسوته و سراويله يتبرّك بهما فى جميع احياء زناتة يحملون الى الحوامل اللواتى صعب عليهن الوضع فيهوّن الله تعالى عليهن الوضع و يسهل عليهن الولادة ببركته و كانت بقية ماء وضوءه يحملها الناس فيستشفون بها لمرضاهم و كان رحمه الله على سنن اهل الفضل يسرمد الصوم فلا يزال صائما فى شدّة الحرّ و البرد و لا يرا مفطرا الا فى ايام الاعياد خاصّة كثير الذكر و التسبيح و الاوراد لا يفتر عن الذكر على اى حالة كان و لا ياكل الا الحلال المحض من طيب كسبه من لحوم ابله و غنمه و البانها و مما يعانيه بيده من الصيد فكان فى قبائل مرين علما مشهورا و اميرا مطاعا مذكورا يقفون عند امره و نهيه و لا يصدرون فى جميع