الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس/جواز يوسف بن تاشفين الاندلس
الخبر عن جواز امير المسلمين يوسف بن تاشفين الى الاندلس الجهاد وذكر غزاة الزلاقة
برسم قال المؤلف للكتاب لما جوز امير المسلمين يوسف جيوش المسلمين للجهاد وقدمها بين يديه فاستقروا بساحل الخضراء جاز هو في ءاثرم فالتقاه ملوك الاندلس مستبشرين بقدومه واتصل خبر جوازه بالفنش وهو محاصر سرقسطة فسقطت في يده وانحلت عزائمه فأنزعج عن سرقسطة وبعث الى ابن ردمير لعنه الله والى البرهنس وكان ابن ردمیر على مدينة طرطوشة محاصرا لها والبرهانس على بلنسية فأتوه بجيوشهم فلحقوا به وبعث الى بلد قشتلة وجليقية وبيونة فاتاه من تلك البلاد من حشود الروم لا تحصى فلما اجتمعت للفنش جيوش الكفر واستوفت بیدیه حشودهم ووفودة ارتحل إلى لقاء يوسف بن تاشفين وجيوش المسلمين وارتحل يوسف عن الخضراء قالب:وصدا خود وقدّم بين يديه قائده ابا سلیمان بن داوود بن عائشة في عشرة الاف فارس من المرابطين وتقدم أيضا المعتمد بن عباد امام ابن عائشة مع أمراء الاندلس وجيوشهم منهم أبن صلاح صاحب المربة وابن حبوس صاحب غرناطة وابن مسلمة صاحب الغر الاعلى وابن ذا النون وابن الافطش وبنو غرون فامرهم يوسف أن يكونوا مع المعتمد بن عباد فتكون ملوك الاندلس محلة واحدةً ومحلة المرابطين أخرى فتقدم بهم ابن عبد فكانوا اذا قلع ابن عباد ورؤساء الاندلس من موضع الى غيره نزلة يوسف بن تاشفين بمحلته فلم يزالوا على ذلك حتى نزلوا بمدينة طرطوشة فأقاموا بها ثلاثة أيام وكنب منها يوسف بن تاشفين كتابا الى الفنش يدعوه فيه إلى الجزية أو الحرب أو الاسلام فلما وصل كتابه الى الفنش ادركته الأنفة وداخله الكبر وقال للرسول قل للامير لا تتعب نفسك أنا أصل اليك فارتحل يوسف وارتحل الفنش حتى نزل بالقرب من مدينة بطليوس ونزل يوسف بموضع يعرف بالزلاقة من أحواز يطليوس وتقدم المعتمد وامراء الاندلس فنزلوا بجهة أخرى بينهما ربوة حاجزة ترهيبا للعدو وتخويفا وبين الفريقين وعسكر الروم نهر بطليوس نهر حاجز يشرب منه هؤلاء وهؤلاء فاقاموا ثلاثة أيام والرسل تختلف بينهم إلى أن أتفق رائهم أن تكون الملاقة يوم الاثنين الرابع عشر من شهر رجب سنة تسع وسبعين وأربع مائة فلما وقع الاتفاق بينهما على ذلك بعث المعتمد الى يوسف بن تاشفين أن يكون على أهبة واستعداد للحرب وان العدو صاحب مدر وخديعة في الحرب فلما جاء الليل من يوم الخميس العاشر رجب المذكور عبأ ابن عياد كتائبه وصف جيوشه واستعدّ للقتال وجعل على عسكر للعدو عيونا على خيل سبق ياتونه باخباره وما يرونه من حركاتهم فلم يزل كذلك إلى الفجر من يوم الجمعة فبينما ابي عباد في اخر ركعة من صلاة الصبح وكان قد غلّس بالصلاة اذ اقبلت الخيل التي كانت طائعة على العدو مسرعة اليه فاخبروه أن العدو قد زحف نحو المسلمين بامم كالجراد المنتشر فارسل في الحين بالخبر الى يوسف بن تشفين فوجده على على اهبة للحرب قد عبا كتائبه طول ليلة لم ينم في محلّته احد تلك الليلة فارسل قائده المظفر داوود بن عائشة في جيش عظيم من المطوعة ووجوه المرابطين واقيالهم ليكون طليعة له وكان داوود بن عائشة لا نظير له في الحزم والعزم والنجدة وكان عدو الله الفنش قد قسم عساكره على فريقتين فتوجه هو وفرقته نحو امير المسلمين يوسف بن تاشفين فوقع في الجيش الذي كان مع القائد داوود بن عائشة فاقتتلوا قنالا عظيما وصبروا المرابطون صبرا جميلا وداسهم اللعين بكثرة جنوده حتی کاد يستاصلهم وكانت بينهم اقتطاع تفلتت فيه السيوف وتكسرت الرماح وسارت الفرقة الثانية من عسكر اللعين مع البرهانس وابن ردمير نحو محلة ابن عباد فداسوها واستمرت الهزيمة على رؤساء الاندلس الى جهة بطليوس لم يثبت منهم غير ابن عباد وجيشه فانهم تبتوا في ناحية يقاتلون لم ينهزموا وقاتلوا قتالا شديدا وصبروا صبر الكرام لحرب الليام فاتصل الخبر بيوسف أن الهزيمة قد استمرت على عساكر أمراء الاندلس وأن المعتمد و داوود بن عائشة صابرين يقاتلون لم ينهزموا فبعث قائده سیر بن أبى بكر في قبائل المغرب وزناتة والمصامدة وغمارة وسائر قبائل البرير الذين كانوا في محلته أمانة الى داوود بن عائشة وابن عياد وسار هو في جيش لمتونة وقبائل المرابطين من صنهاجة قاصدا إلى محلة الفنش حتى ضرب فيها والفنش مشتغل بقتال داوود بن عائشة فاضرموا نارا واحرقها وقتل من كان بها من الابطال والرجال والفرسان الذين تركهم الفنش بها يحرسونها ويحمونها وفر الباقون منهزمين نحو الفنش فاقبلت عليه خيله من محلته فارين وامير المسلمين يوسف في أثرهم بسافته وطـبـوله ويــنــوده وجيوش المرابطين بين يديه يحكمون في الكفرة بسيوفهم ويروون من دمائهم ومائهم فقال الفنش ما هذا فاخبره الخير بحرق محلته ونهبها وقتل حماتها وسبى حريمها فرد وجهه الى قتاله وصمم أمير المسلمين نحوه فانتشبت الحرب بينهما فكانت بينهما حروب عظيمة لم يسمع فط بمثلها وكان أمير المسلمين على فرس انثى يمر بين ساقات المسلمين يحرضهم ويقوى تفوسهم على الجهاد والصبر ويقول يا معشر المسلمين أصبروا لجهاد أعداء الله الكافرين ومن رزق منكم الشهادة فله الجنة ومن سلم فقد فاز بالأجر العظيم والغنيمة فقاتل المسلمون في ذلك اليوم قتال من يطلب الشهادة ويرغب في الموت، وكان المعتمد رحمه الله واصحابه الذين تبتوا معه قد يئسوا من الحياة ولا علم لهم بالحال ان نظروا الى الروم منهزمين على أعقابهم ناكصين فظنوا أنهم هم الذين هزموهم فقال لاصحابه شدّوا على اعداء الله فشدوا عليهم وحمل القائد سير بن أبي بكر بمن معه من قبائل المغرب وزناتة ومصامدة وغمارة فاستمرت الهزيمة على الروم وتراجعت الطائفة المنهزمة من المسلمين نحو بطليوس لما أخبروا أن أمير المسلمين يوسف قد ظفر وتدارك الناس بعضهم ببعض طائفة بعد طائفة وفوج بعد فوج واشتد القتال على الفنش حتى أيقن بالفناء ولم يزل القتال يشتد عليه إلى غروب الشمس فلما رءا الفنش اللعين أن الليل قد أقبل وأكثر جنوده قد قتل ورءا صبرا المرابطين وصدى نيات المسلمين في جهادهم علم أنه لا طاقة له بقتالهم ففر منهزما على وجهه في نحو الخمسمائة فارس على غير طريق وركبهم المرابطون بالسيف فيقتلونهم في كل فجّ وسهل ويلتقطونهم التقاط الحمام الحب القليل إلى أن حال الليل بظلمه بينهم وبات المسلمون بتلك الليلة على خيولهم يقتلون ويأسرون ويغنمون ويشكرون الله على ما منحهم حتى اصبح فصلوا صلاة الصبح في وسط القتلة وكانت هذه الهزيمة العظيمة على أعداء الله من أعظم الوقائع قتل فيها ملوك الشرك وانصاره وحماته شجعاته ولم ينج من جميعهم الا الفنش اللعين متقلا بالجراح في شرذمة قليلة نحو الخمسمائة فارس متخنين بالجراح فمات منهم في الطريق أربع مائة فارس ودخل طليطلة في مائة فارس هن حماة من رجاله وكانت هذه الغزوة المباركة يوم الجمعة الثانى عشر من شهر رجب الفرد عام تسع وسبعين وأربع مائة واستشهد فيها من المسلمين نحو الثلاثة آلاف رجل ممن سبقت له من الله الحسنى وختم له بالشهادة، وأمر أمير المسلمين - يوسف بقطع روس القتلي من الروم فقطعت وجمعت بين يديه كامثال الجبال وبعث منها الى اشبيلية عشرة الاف رأس والى قرطبة كذلك والى بلنسية مثلها والى سرقسطة ومرسية مثلها وبعث الى بلاد العدوة اربعين ألف رأس فقسمت على مدن العدوة ليراها الناس فيشكرون الله على ما منحهم من النصر والخير والعظيم، وكان عدد الروم فيما نقل ثمانين ألف فارس ومائة ألف رجل فقتلوا أجمعين ولم يتج منهم الا الفنش في مائة فارس وفيها أذل الله الشرك يبلاد الاندلس فلم تقم له قائمة نحو الستين سنة وفى هذا اليوم تسمى يوسف بن تشفين بأمير المسلمين ولم يكن يدعا به من قبل واظهر الله تعالى الاسلام واعز اهله وكتب أمير المسلمين بالفتح الى بلاد العدوة والى تميم المعز صاحب المدينة فعلمت المفرحات في جميع بلاد افريقية وبلاد المغرب والاندلس واجتمعت كلمة الاسلام واخرج الناس الصدقات واعتقوا الرقاب شكرا لله تعالى على صنعه الجميل وفضله، ومن فصول الكتاب الذي كتب به امیر المسلمين يوسف بن تاشفين الى بلاد العدوة، اما بعد حمد لله المكفل بنصر أهل دينه الذي ارتضاه والصلاة على سيدنا محمد افضل رسله وأكرم خلقه خلقه وأسراه فانّ العدو الطاغية لعته الله لما قربنا من حماه وتوافقنا بارائه بلغناه الدعوة وخيرناه بين الاسلام والجزية والحرب فاختار الحرب فوقع الاتفاق بيننا وبينه على الملاقات الاتنين الخامس عشر لرجب وقال الجمعة عيد المسلمين والسيت عيد اليهود وفى عسكرنا منهم خلق كثير والاحد عيدنا نحن فافترقنا على ذلك واضمر اللعين خلاف ما شرطناه وعلمناه أنهم أهل خدع ونقض عهود فاخذنا اهبة الحرب لهم وجعلنا عليهم العيون ليرفعوا الينا احوالهم فاتتنا الانباء في سحر يوم الجمعة الثاني عشر من رجب المذكور أن العدوّ قد قصد بجيوشه نحو المسلمين يرا انه قد اغتنم فرصته في ذلك الحين فنبذت اليه ابطال المسلمين وفرسان المجاهدين فتغشته قبل أن يتغشاها وتعدّته قبل أن يتعداها وانقضت جيوش المسلمين فى جيوشهم انقضاض العقاب على عقيرته ووثبت عليهم وثوب الاسد على فريسته وقصدنا برايتنا السعيدة المنصورة في سائر المشهدة المنشرة ونظروا الى جيوش لمتونة نحو الفنش فلما أبصر النصارى رايتنا المشتهدة المنتشرة ونظروا الى مراكبنا المنتظمة المظفرة واغشتهم بروق الصفاح واظلتهم سحائب الرماح ونزلت بحوافر خيولهم رعود الطبول بذلك الفياح فالتحم النصارى بطاغيتهم الفنش وحملوا على المسلمين جلدة منكرة قتلقاهم المرابطون بنيات خالصة وهم عالية تعصفت ريح الحرب وركبت دائم السيوف والرماح بالطعن والضرب وضاحب المهج وأقبل سيل الدماء في هرج ونزل من سماء الله على أوليائه النصر العزيز والفرج وولى الفنش مطعونا فى احدي ركبتيه طعنة أفقدته احدى ساقية في خمس مائة فارس من ثمانين ألف فارس ومانتى الف رجل قادهم الله إلى المصارع والمحتف العاجل وتخلّص لعنه الله إلى جبل هنالك ونظروا النهب والنيران في محلّته من كل جانب وهو من أعلى الجبل ينظرها شزراً ويحيد عنها صبرًا ولا يستطيع عنها دفعا ولا لها نصراً فاخذ يدعوا بالتبور والويل ويرجوا النجاة فى ظلام الليل وأمير المسلمين يحمد الله قد ثبت في وسط مراكبه المطفرة تحت ظلال بنوده المنتشرة منصوراً لجهاد مرفوع الاعداد وبشكر الله تعالى على ما منحه من نيل السؤال والمراد فقد سرح الغارات في محلاّتهم تهدم بنائها وتصطلم دخائرها وأسبابها وتريه رأى العين دمارها ونهبها والفنش ينظر اليها نظر المغشى عليه ويعضّ غيطا وأسفا على أنامل كفيه فتتابعت البهرجة الفرار رؤساء الاندلس المنهزمين نحو بطليوس والغار فتراجعوا حذارا من العار ولم يثبت منهم غير زعيم الروساء والقواد أبو القاسم المعتمد بن عباد فأتى الى أمير المسلمين وهو مهيض الجناح مريض عنة وجراح فهنأه بالفتح الجليل والصنع الجميل وتسلّل الفنش تحت الظلام فارّاً لا يهدى ولا ينام ومات من الخمسمائة فارس الذين كانوا معه بالطريق اربع مائة فلم يدخل طليطلة الا فى مائة فارس والحمد لله على ذلك كثيرا وكانت هذه النعمة العظيمة والمنّة الجسيمة يوم الجمعة الثاني عشر لرجب سنة تسع وسبعين واربع مائة موافق الثالث والعشرين لشهر اكتوبر العجمي وفي ذلك يقول ابن اللياقة
وقال ابن جمهور
ولم يكن لرؤساء الاندلس الذين شهدوا الزلاقة في هذا اليوم اثر يشكر فيقيد عنهم ويؤثر الا ابن عباد وطائفة من جيوشه فانه ثبت وابلى بلاء حسنا وجرح ستّ جراحات وفي ذلك يقول يخاطب بعض ولده
واتصل بامير المسلمين يوسف بن تاشفين في ذلك اليوم وفاة ولده ابى بكر وكان تركه مريضا بسبتة فاغتم لذلك وانصرف راجعا الى العدوة بسبب وفاة ولده ولولا ذلك لم يرجع فجاز الى العدوة ودخل حضرة مراكش فاقام بها الى سنة ثمانين واربع مائة فخرج في شهر ربيع الاخر منها يتطوّف على بلاد المغرب يتفقّد أحوال الرعية وينظر في امور المسلمين ويسئل عن سير عماله في البلاد وقضاته، وفي سنة احدى وثمانين واربع مائة جاز امير المسلمين الى الاندلس الجواز الثانى برسم الجهاد وسبب جوازه انّ الفنش لعنه الله لما هزم وجرح وقتلت جموعة عمد الى حصن لبيط الموالي لعمل ابن عبّاد فشحنه بالخيل والرجال والرمات وامرهم يدخلون من حصن لبيط المذكور فيغيرون في اطراف البلاد ابن عبّاد دون سائر بلاد الاندلس اذ كان المسبّب في جواز امير المسلمين يوسف فكانوا يدخلون منه خيلا ورجالا فيقتلون وياسرون في كل يوم جعلوا ذلك وظيفة عليهم فساء ابن عباد لذلك وضاق ذرعه فلما رعا تماديهم على ذلك عبر البحر الى العدوة الى لقاء امير المسلمين يوسف بن تاشفين فلقيه بالمعمورة من حلق وادى سبوا فشكي اليه حصن لبيط وشدّة ضرره على المسلمين واستغاث به في ذلك فوعده بالجواز والوصول اليه فرجع المعتمد وسار يوسف في اثره فركب البحر من قصر المجاز الى الخضراء فتلقاه ابن عباد بها بالف دابّة تحمل الميرة والضيافة فلما نزل نزل يوسف بالخضراء كتب منها الى امراء الاندلس يدعوهم الى الجهاد وقال لهم الموعد بيننا حصن لبيط ثم تحرّك يوسف من الخضراء وذلك في شهر ربيع الاول من سنة احدى وثمانين واربع مائة فنزل على حصن لبيط فلم يأته ممن كتب اليه من أمراء الاندلس غير ابن عبد العزيز صاحب مرسية والمعتمد بن عباد فنزلا معه للحصن وشرعوا في قتاله والتضيق عليه وشنّ يوسف الغارات على بلاد الروم في كل يوم فدام الحصار على لبيط اربعة اشهر لا يفتر عنه القتال ليلاً ولا نهارًا الى ان دخل فصل الشتاء ووقع بين ابن عبد العزيز امير مرسية وبين ابن عباد امير اشبيلية نزاع وشنان فشكي المعتمد الى امير المسلمين يوسف بابن عبد العزيز فدعا يوسف قائده امير ابن ابي بكر يامره بالقبض على ابن عبد العزيز وثقافه فقبص عليه ثقفه بالحديد واسلمه إلى المعتمد فاختلّت المحلّة بسبب ذلك وقرّ جيش ابن عبد العزيز وقواده عنها وقطعوا الميرة على المحلّة ووقع بها الغلاء فلما رعا ذلك الفنش حشد وقصد الى حماية حصن لبيط في امم لا تحصى فلما قرب الفنش من لبيط انحرف له يوسف عن الحصن الى ناحية لورقة ثم الى المرية ثم جاز الى العدوة وقد تغيّر على امراء الاندلس لكونه لم ياته منهم احد الى نزول حصن لبيط الذي كتب لهم به، ولما رحل يوسف عن لبيط مجاز الى العدوة أقبل الفنش حتى نزل على لبيط فاخلاه واخرج مَنْ كان فيه من بقايا النصارى المنفلتين من مخالب الموت وارتحل إلى طليطلة فاخذ ابن عباد الحصن بعد خلائه وفناء جميع من كان به بالقتل والجوع وكان فيه لما نزلة يوسف من النصارى اثني عشر الف مقاتل دون العيال والذّرّية فنى جميعهم بالقتل والجوع ولم يبق فيه غير من الرجال وهم الذين اخرجهم الفنش حين اخلاه، واقام يوسف ببلاد العدوة الى سنة ثلاث وثمانين جاز الى الاندلس برسم الجهاد وهي الغزاة الثالثة فسار حتى نزل طليطلة وحاصرها والقنش بها وهتكها وقطع ثمارها وخرب احوازها وقتل وسبا ولم ياته احد من امراء الاندلس ولم يعرج فغاظه ذلك، فلما رجع من غزو طليطلة سار الى غرناطة فنزلها فان صاحبها عبد الله بن بلقين بن باديس بن حبوس كان قد صالح الفنش وظافره على يوسف وبعث اليه بمال واشتغل بتحصين بلده وفي ذلك يقول بعض ادباء عمره
فلما وصل يوسف الى غرناطة تحصّن منه صاحبها عبد الله بن بلقين واغلق الابواب في وجهه فحاصره أمير المسلمين مدة من شهرين فلما رعا نمادی لحصار اليه قبعت اليه بالامان ثامنه واسلم اليه البلد فلك يوسف غرناطة واحوازها وجميع ما كان يبد عبد الله بن بلقين من الاعمال والبلاد وبعث بعبد الله بن بلقين صاحب غرناطة وأخيه تمیم صاحب مالقة الى مراكش مع حريمهما واولادها فأقاما بها واجرا عليهما النفقة الى ان ماتا بها فلما خلع يوسف بنى بلقين بن باديس من غرناطة ومالقة وملك بلادهما خاف منه ابن عباد وانقض عنه فسعى بينهما الوشاة بالنمايم فتغيّر عليه یوسف وجاز الى العدوة في شهر رمضان المعظّم من سنة ثلاث وثمانين المذكورة وقصد الى مراكش وقدم على الاندلس قائده سير بن ابى بكر اللمتونىّ وفوّض اليه جميع الامور كلها ولم يامره فى ابن عباد بشىء فسار سير بن ابى بكر نحو اشبيلية وهو يظنّ انّ ابن عبّاد اذا سمع به يخرج اليه ويتلقاه على بعد بالضيافات فلم يفعل وتحصّن منه ولم يصيفه ولم يلتفت اليه فراسله سير بن ابى بكر ان يسلم اليه البلاد ويدخل في طاعته فامتنع المعتمد من ذلك فاخذ سير في احصاره وقتالة وبعث قائده بطى الى جيان محاصرها حتى دخلها صلحا وملكها المرابطون وكتب سير بالفتح الى يوسف وامر القائد بعلى ان يرتحل عن جيان ويسير الى قرطبة فسار الى قرطبة وبها يومئذ المامون بن المعتمد بن عبّاد فنزل عليه بطى بعساكر المرابطين حتى فتحها وفتح حصونها ومعاقلها وكان فتحُ المرابطين لقرطبة يوم الاربعاء الثالث من صفر سنة اربع وثمانين واربع مائة ثم فتح بياسة وايده وحصن البلاط والمادون والصخيرة وسقورة ولم ينقض شهر صفر المذكور حتى لم يبق لابن عبّاد بلد الا وقد ملكه المرابطون ما عدا قرمونة واشبيلية واقام القائد بطى ابن اسمعيل بقرطبة حتى سكّنها وزمّ ثغورها وبعث الى قلعة رباح قاضية بلاد المسلمين فائدا من لمتونة في الف فارس من المرابطين ليظبطها ويسدّ ثغورَها وارتحل سير بن ابى بكر الى قرمونة فقاتلها حتى دخلها عنوة وذلك يوم السبت عند الزوال السابع عشر من ربيع الاول من سنة اربع وثمانين المذكورة فاشتدّ الأمر على ابن عباد وطال عليه الحصار فبعث الى الفنش لعنه الله يستغيث به ويستصرخه على لمتونة وبعده باعطاء البلاد وبذل الطارف والتلاد إن كشف عنه ما هو فيه من الحصار فبعث اليه الفنش قائده القرمش في جيش من عشرين الف فارس واربعين الف رجل فلما علم سير بقدوم الروم اليه انتخب من جيشه عشرة الاف فارس من اهل النجدة والشجاعة وقدم عليهم ابراهيم بن استحاق اللمتونى وبعثهم للقاء الروم فالتقى الجمعان بالقرب من حصن حصن المدوّر فكانت بينهم حروب شدیده مات فيها خلق كثير من المرابطين ومنحهم الله النصر فهزموا الروم وقتلوهم ولم يفلت منهم الا قليل ثم يزل سير بن ابى بكر وقواده من لمتونة بالحصار والتضييق على اشبيلية حتى دخلها على المعتمد قامنه في نفسه واهله وولده وبعث بهم الى امير المسلمين فكانوا عنده باغمات الى ان اتاهم الموت وكان دخول سير بن ابى بكر اشبيلية وتملّك المرابطين لها يوم الاحد الثاني والعشرين لرجب من سنة اربع وثمانين المذكورة وفى شعبان من هذه السنة ملك المرابطون مدينة نبرة، وفى شهر شوال منها دخل القائد يوسف بن داوود بن عائشة مدينة مرسية واعمالها وكتب بالفتح الى امير المسلمين يوسف وكان القائد يوسف بن عائشة عادلاً في احكامه صالحًا ورعًا لا تاخذه في الله لومة لائم فاحبّه الناس وفيها رحل القائد محمّد بن عاشة بجيش المرابطين فنزل المرية فهرب عنها صاحبها معزّ الدولة بن صمادح في البحر الى افريقية بامواله وعياله واسلم له البلد لملك المرابطون وكتب محمّد بن عاشة بالفتح الى يوسف فملك يوسف مملكة خمسة امراء من امراء الاندلس في سنة ونصف وهم ابن عباد وابن حبوس وأبو الاحوص وأبن عبد العزيز وعبد الله بن بكر صاحب جيان وابلة واسجة، وفى سنة خمس وثمانين امر مير المسلمين يوسف بن تاشفين قائده ابن عاشة ان يسير الى دانية فسار لها فملكها وملك شاطبة وكان صاحبها ابن منقد ففرّ عنها ودخلها المرابطون ثم سار القائد ابن عاشة الى مدينة شقورة فملكها وسار إلى بلنسية وكان بها القادر بن ذى الشون يحكم الرجل في جمع من النصارى يجبون خراجها ففرّ عنها ودخلها القائد ابن عاشة وكتب بالفتح الى امير المسلمين يوسف، وفي سنة ستّ وثمانين واربع مئة فتح المرابطون مدينة افراغ من بلاد شرق الاندلس ولم يزل امير المسلمين يوسف بن تاشفين يبعث قواده وجيوشه اليها برسم جهاد الروم وخلع امرائها المتغلّبين عليها حتى ملك جميع بلاد الاندلس واستوثق له امره، وفي سنة ستّ وتسعين واربع مائة اخذ امير المسلمين البيعة لولده علىّ بقرطبة فبايعه جميعُ امراء لمتونة واشياخ البلاد وفقهائها وذلك في شهر ذي حجّة منها وكان علىّ غائباً بسبتة وبها نُشىء وفى اخر سنة ثمان وتسعين مرض امير المسلمين يوسف وابتدات به العلّة التي توفّى منها وهو بمدينة مرّاكش فلم يزل المرض يشتدّ وحاله يضعف الى ان توفّى رحمه الله في مستهلّ شهر محرّم عام خمس مائة وقد بلغ عمره مائة سنة فكانت مدّة ملكه من يوم دخل مدينة فاس سنة اثنتين وستين واربع مائة الى ان توفّى ثمان وثلاثين سنة ومن حين قدمه أبو بكر عمر نيف واربعين سنة