انتقل إلى المحتوى

الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس/جواز ابو يوسف الثاني للاندلس

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: الصفحات 217–219
 

الخبر عن جواز امير المسلمين أتى يوسف الى الاندلس برسم

الجهاد وهو الجواز الثاني

قال المؤلف عفا الله عنه لما رءا امير المسلمين أبو يوسف تثاقل الناس عن الجهاد خفّ اليه بخاصّته ونهض الى الجواز وسار نحوه بعزيمته فخرج من رباط الفتح في أوّل يوم محرم مفتتح عام ستة وسبعين فوصل الى قصر المجاز وقد تلاحق به الناس حين راوا عزمه وعلموا جدّه فتداركت فى اخره قبائل بني مرين والعرب والمطوعة وقبائل المغرب من المصامدة وصنهاجة وأوربة وغمارة ومكناسة وغيرهم فاخذ في تجويز الجيوش حتى فرغ منها ثم جاز هو في اثرهم فنزلوا بساحل طريف وذلك في اليوم الثامن والعشرين من محرم المذكور ثم ارتحل عنها الى الجزيرة فاقام بها ثلاثة أيام وخرج الى رندة فوصلها ونزل خارجها واتاه هنالك بنو اشقيـلونة وهم الرئيس أبو اسحاق صاحب واد ياش والرئيس أبو محمد صاحب مالقة فسلموا عليه وساروا معه وتحت لوائه إلى غزو اشبيلية فارتحل عن رندة في أول يوم من ربيع الأول المبارك من سنة ستّ وسبعين فوصل أشبيلية فنزل قريبا منها وكان بها الفنش ملك النصرانية فلما سمع بنزول أمير المسلمين اليه لم يمكنه الا الخروج اليه فخرج بجيوشه وجنوده ووقف حول المدينة بعساكره وحشوده واصطفت عساكر الروم على ضفة الواد الكبير في استعداد عظيم وعدد كثير جسيم وكلّيم في الدروع السابعة والبياضة اللمعة والسيوف البواثر والجوائش والحراب والمغافر شعاعها يذهب بالابصار ويدهش الادهان والافكار فزحف اليه أمير المسلمين بجيوش المجاهدين وأبطال بني مرين وذلك يوم مولد نبينا محمد صلى الله علیہ وسلم فلما تضارب الجمعان والتقى العيان بالعيان نزل أمير المسلمين فصلّى ركعتين على عادته ودعا الله تعالى بنصره ومعونته ثم قال يا معشر مرين جاهدوا في الله حق جهاده واشكروه أن جعلكم مسلمين فوالله لا يصبر حرّ النار من جاهد أعداء الله الكافر بن وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم للحقّ وهو قائله لا يجتمع في النار كافر وقاتله فطوبى لمن يكثر السواد ولم يباشر طعانا ولا جلادا أما والله أن أجر الجهاد الكبير وخطره عند الله تعالى عظيم ومن مات فيه فهو حي يرزق وهذه مرتبة عالية لا تلحق، قلما سمع المسلمون منه الموعظة وعاينت ابطال مرين جيوش الكفرة عاد الجبان منهم قسورة والضعيف كمعمر وعنترة فدفعت عليهم كتائب المسلمين يقدمها النصر والسعد والتمكين وتقدّم الأمير أبو يعقوب برايته السعيدة في ألف فارس من انجاد بني مرين أمام ابيه أمير المسلمين فاقتحم جيوش الروم فارتفعت الغبرات وضنّج المسلمون بالتكبير والشهادات فكان بينهما قتال عظيم وموقف كريم ثم أقبل أمير المسلمين على اثر ولده بساتته وجيوشه و طبوله وبنوده فلما سمع الروم هرير طبوله وعاينوا اشراق رايته المنصورة وبنوده ولّوا منهزمين ونكسوا على أعقابهم مدّبرین كانهم مستنفرة فرّت داهلة أمام قسورة فالجاهم بنوا مرين الى الواد وحكموا فيهم السيوف والصعاد فكل من تاه منهم في البرية قتل في التيه ومن اقتحم الواد غرق فيه ومن بقى في المعترك مشمرا للقتال قتل أو أسر فمات منهم في الواد ألوف كثيرة واقتحم المسلمون الماء يعومون في اثرهم فيقتلونهم في لجّة الغزيرة حتى صار الواد من دمائهم أحمر وطلعت جيفهم على وجه الماء وكان منظرهم عبرة للورى ومزقت جيوشهم تمزيقاً وفرقت كتائبهم تفرقا وجائت جيوش المسلمين في تلك النواحي تقتل وتأسر وتحرق وتخرب الى الليل وبات أمير المسلمين تلك الليلة راكبا على جواده واقفا على باب اشبيلية والطبول تضرب والنيران تضرم حتى عاد الليل كالنهار والروم يضربون قرونهم ويحترسون بالاسوار فلما ولى الليل بظلمته وأشرق الصبح بغرّته على أمير المسلمين صلّى صلاة الوسطى مغلسا وارتحل إلى جبل الشرف فلم بزل في انحائه راحلا ومعرسا وتفرق المجاهدون فيه يقتلون وياسرون وبضرمون النار ويخربون ودخل أمير المسلمين حصن تينالة وحصن حليانة وحصن القلعة بالسيف وقتل جميع رجاله وسبى كافّة نسائهم واولادهم وغنمت امواتم وخربت حصونهم وحرقت ديارهم ومرّ التحريق والتخريب على اكثر قرى الشرف وحصونه ورجع أمير المسلمين بالغنائم والسبى الى الخضراء فدخلها في الثامن والعشرين لربيع الأول المبارك من سنة ست وسبعين وست مائة فاقام بالجزيرة حتى اقتسم الغنائم

على على المجاهدين واستراح الناس ثم خرج غازيا الى شريش في أول جمادي الاولى من هذه السنة توفى الرئيس أبو محمد بن اشقيلولة بمالقة عند انصرافه من هذه الغزوة