انتقل إلى المحتوى

الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس/جواز أبو يوسف الرابع الى الاندلس

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: الصفحات 231–237
 

الخبر عن جواز امير المسلمين أبي يوسف الى الاندلس وهو الجواز الرابع

قال المؤلف عفا الله عنه جاز أمير المسلمين أبو يوسف الى الاندلس برسم الجهاد وهو الجواز الرابع وذلك يوم الخميس خامس من صفر من سنة أربع وثمانين وست مائة، فنزل بجزيرة طريفة ثم سار منها الى الجزيرة الخضراء فقام بها أياما ثم خرج منها غازيا الى بلاد الروم فسار حتى وصل الى وادى لك، فوجد الزرع في أقبالها والخيرات في تناهيها، فبث الغارات في بلاد الروم ثم ارتحل فنزل مدينة شريش، وشرع في افساد زرعها وقطع مرافقها وافساد أعنابها وأشجارها، وعزم رحمه الله على انه اذا دمر بلاد شريش ينتقل الى غيرها من بلاد الروم حتى باتي على اخر بلاد الروم التي تولاها المسلمون وينزل على كل قاعدة من قواعدهم يحاصرها حتى يقضى الله تعالى في ذلك بما يشاء فكانت هذه نيته وكان نزوله مدينة شريش فى اليوم الموفى عشرين من صفر من سنة أربع وثمانين وست مائة فكان من يوم نزوله اياها اذا صلى الصبح ركب وركب جميع المجاهدين فيقف على باب مدينة شريش ثم تفترق الجيوش في أحوازها لافسادالزرع وقطع الثمار وتخريب القرى فلا يزال رحمه الله واقعا من أول النهار إلى صلاة العصر، فاذا صلى العصر رجع إلى بيته ورجع المسلمون إلى محالهم فكان لا يفتر عن تحريض المسلمين ولا عن الوقوف عليهم وسبب مداومته على هذا الحال انه علم ان النصارى دمرهم الله قد فرغت مخازنهم من الزرع وأن الغلاء قد عم بلادهم والجوع قد استولى على سائر اقطارها فخاف أن يتمكنوا من هذه الضائقة فيتزودون بها ويكون لهم فيها بلغة عيش فداوم على افساد الزرع لاجل ذلك ودأب على قطع المرافق عنهم بالكلية، وفى اليوم الرابع والعشرين من شهر صفر المذكور وصل الى المحلة من كان بقى على بحير واقطارها من بني مرين والعرب بعد ما افسدت طول اأقامتها هنالك جميع ما كان على بحير من الزرع وجنات وكروم واشجار ومروا على مدينة ابن السليم فافسدوا زرعها وقتلوا منهم واسروا، وفي هذه الايام وصل من كان من فرسان المسلمين بطريفة ووصلت الرجال التي كانت مرتبة في حصون الاندلس بعددهم وأسلحتهم فاجتمعت الجيوش المنصورة، وفى يوم الاربعاء الخامس والعشرين من صفر المذكور بعث امير المسلمين عياد العاصمي إلى حصن سالوقة قاغار عليها وقتل هنالك جملة من الروم وفى يوم الخميس السادس والعشرين من الشهر المذكور ركب امير المسلمين في جميع المسلمين فوقف على مدينة شريش وبعث الخيل والبغال الى حصاد الزرع ونقله إلى الحلة ولم تبق بالمحلة دابة الا جاءت موقورة بالقمح والشعير فترغدت المجلة منه وبعث أمير المسلمين وزيريه الشيخين ابا عبد الله محمد بن عطوان وأبا عبد الله محمد بن عمران برسم التطلع على حصن القناطر وحصن روضة فركبا وسارا اليها في نحو الخمسين فارسا فداروا باسوارها من كل جهة فعاينوا من ضعف من بها من النصارى فاسرت نفوسهم ثم رجعوا فاخبروا بذلك امير المسلمين، وفى يوم الجمعة السابع والعشرين منه قعد أمير المسلمين في محلته ولم يركب وكان قعوده ذلك حيلة على النصارى حتى اطمأنوا أنه لن يركب اليهم فى ذلك اليوم فخرجوا ببقرهم وغنمهم يرعونها حول المدينة فكان لهم الأمير أبو علي منصور بن عبد الواحد في الزيتون في نحو ثلاث مائة فارس من المسلمين مفترقة فأغاروا عليهم فقتلوا الرجال وغنموا الاموال ومع اقامة أمير المسلمين في ذلك اليوم بالمحلة لم يقعد المجاهدون على الغارات، وفي يوم السبت الثامن والعشرين من الشهر المذكور ركب أمير المسلمين وركب معه سائر المجاهدين فسار حتى وقف على مدينة شريش فقاتلها ساعة ثم انصرف عنها وأمر الناس بقطع العنب والكرمات فقُطع منها شيء كثير ورجع في عشي النهار الى محلّته، وفى يوم الاحد التاسع والعشرين من الشهر الذكور عقد امير المسلمين لحفيده الامير ابى على منصور بن عبد الواحد راية على الف فارس وبعنه الى اشبيلية وركب هو على عادته الى شريش فوقف عليها وأمر الناس أيضا بحصدالزرع وقطع الكرمات والزيتون وسار أبو على منصور بالف فارس من بني مرين وعرب المعاصم والخلط والافتج والاغزاز غدوة الأحد المذكور إلى نصف النهار فنول على جبل اجرين فصلّى هنالك العصر فركب وركب الناس فساروا حتى غربت لهم الشمس على القنطرة من تحت الاقواس فنزل هنالك حتى اكلت الدواب بسير من علفها وأسرى بالخيل حتى أصبح بين جبل الرحمة وبين أشبيلية وكمن هنالك حتى ارتفعت الشمس فاستدعا الأمير أبو على منصور رؤوس الجيش من المسلمين واخذ معهم فى المشاورة فيمن يغير على اشبيلية ومن يبقى معه فتفوق رايهم رأيهم على أن تُغير خمس مائة فارس منهم وتبقى خمس مائة مع الامير ابي على فاغارت الخمس مائة فارس على اشبيلية والأمير أبو على يمشى فى اثرهم على مهل والنصارى يُقتلون عن يمين الجيش ويساره ويوسرون وتسبى حريمهم وتخرب ديارهم واغارت طائفة من المسلمين من بني سوجم وبنى نجوم وبعض برغواطة فصادفوا جمعا وافرا من النصاری فقاتلوهم قتالا شديدا حتى منحهم الله تعالى اكتافهم فقتلوهم وأسروا منهم جملة واجتمع سائر جيش الامير ابى على منصور فقال للشيخ ابى الحسن على بن يوسف بن يرجاتن على أى طريق يكون رجوعنا فقال له أبو الحسن الرأي المبارك ان شاء الله تعالى فى اخذ الطريق الذي بين قرمونة والقلعة فامر الامير أبو على بالغنائم فجمعت فجعلها في يد امين وقدمها بين يديه وانصرف الى قرمونة فاشتد الحر على المسلمين والعطش فبعث الأمير أبو على الفارس أبا سمير وأمره أن يتقدم ويتطلع على اخبار قرمونة فمر أبو سمير مغيرا فلقى جمعا من المسلمين ممن خرج الى الاغارة في أول النهار وهم قد جدوا السير مستحفرين ومستوفرين فقال لهم أبو سمير ما بالكم قالوا أجرينا قرمونة فخرجت علينا عنها الخيل والرجال وهاهم في أثرنا خلف هذه الربوة فوقف أبو سمير هنالك مع المسلمين حتى وصل أبو على بالجيش والغنائم فاعلموه بذلك فقصد نحو النصارى ففروا أمامهم فادركهم قريبا من الباب فقتل منهم جماعة وتحصن الباقون بالمدينة ثم أمر بحرق الزرع بقرمونه وقطع ثمارها فقام كذلك الى العصر فارتحل ولحق بغنيمة مع غروب الشمس فبات بها بوادى لآن ورحل منه الى الاقواس فافسد ما هنالك من الزرع وقام الى أن صلى العصر فارتحل بغنائمه الى وادى الملاحة ثم ارتحل منها الى المحلة فوصلها غدوة النهار سالما غانما ، وفى يوم الاثنين الموفى ثلاثين من صفر المذكور ركب أمير المسلمين وأمر سائر المجاهدين بقطع الكروم والزيتون واحراق الزرع فافسد المسلمون من ذلك شيا كثيرا وقام رحمه الله يحرض المسلمين على تدمير أموال النصارى إلى أن صلى العصر وكان يوما شدید الحر فامر رحمه الله سعيد بن يخلف وجماعة من الاعربيين باحضار زقاق الماء العذب فيقفون بادوات الماء خلف المجاهدين يتناولون مَن شاء أن يشرب منهم فلم يزالوا على ذلك مدة الحصر، وفي يوم الثلاثاء من غرة شهر ربيع الاول المبارك من السنة المذكورة ركب أمير المسلمين ونادى مناديه في الناس بالخروج الى فساد الزرع وقطع الشجر فلم يرجع أيضا الى بيته حتى صلى العصر وفى هذا اليوم أمر رحمه الله عرب العاصم ان يطوفوا على أبواب شریش برسم اخذ من فر منها وقتل من اراد الدخول فيها وأمرهم بالاغارة على حصن شلوقة فاغاروا عليها فالفوهم مطمئنين وقد خرجوا يجميع أموالهم من البقر والغنم والبغال فغنموها وأسروا منهم أربعة عشر رجلا فاتى عياد العاصمى وجمعه بالغنيمة إلى الحلة، وفى يوم الاربعاء الثانى من ربيع المذكور قدم امير المسلمين رحمه الله بحقة من خمس مائة فارس وبعث بها الى غزو اسجة واحوازها وفى هذا اليوم وصل الأمير أبو على عمر بن عبد الواحد إلى المحلة من العدوة ومعه جمع كثير من المجاهدين والمطوعة خيلا ورجالا بالعدد الصافية والاسلحة الوافية وفى هذا اليوم وصل العقيد قاسم بن الفقيه ابى القاسم الازفى بغزاة سبتة وهم خمس مائة رامٍ مع مقاتلة ففرح أمير المسلمين بقدومه، وفي هذا اليوم أمر أمير المسلمين الامير مهلهل بن يحيى الخلطى أن يختار من عرب الخلط ألف فارس يقيمون على شريش يحترسون أهلها ليلا يخرج منهم أحد وليقطع عنهم الميرة فلم يزل الخلط يطوفون عليها ليلا ونهارا، وفى يوم الخميس الثالث من شهر ربيع المذكور عقد أمير المسلمين رحمه الله رايته لحفيده السعيد ابى على عمر بن عبد الواحد على ألف فارس من المسلمين برسم الاغارة على بلاد الكفرة فخرج عند طلوع الشمس بعد أن وادع جده بخباء الساقة وسار بالجيش يجدوا الى العصر فنزل بمرج الملاحة حتى علف الخيل ثم أسرى من أول الليل فأصبح له على قلعة جابر فكمن دونها الى المغرب ثم أسرى بهم الى ثلت الليل الاول ونزل بوادي لاك فأقام بها حتى أصبح فلما صلّى الظهر قسم الجيش على فرقتين فرقة أمرها بالإغارة على النصارى وفرقة أمرها أن تبقى معه انقسم المغيرون على فرقتين فرقة أغارت على مرشانة حتى وقفوا على بابها ثم انتشروا في نواحيها فقتلوا خلقا كثيرا من النصارى وغنموا نساءهم وأولادهم ممن وجدوه فى الطرقات والارحية والجنات وفي نوادر الزرع وبكوا في تلك النواحى الى اخر النهار فاوصلوا غنيمتهم الى وادى لك، وأما الفرقة المغيرة من المجاهدين على جهة قرمونة فتوجهت اليها وسار الأمير أبو حفص في إثرها حتى وقف على برج هنالك فيه من النصارى نحو ثلاث مائة رجل وقاتلوهم فتالا شديدا حتى فتح الله تعالى له فى أخذ البرج واحتوى أمير المسلمين على ما فيه من السلاح والامتعة والاموال والروميات وقتل جميع من وجد به من الرجال وهدم البرج وانصرف بالغنيمة سالما منصورا حتى وصل بها وادى لك واجتمع بالفرقة التي غارت على مرشانة وباتوا بجميع غنائمهم هنالك فلما أصبح قدم الغنيمة بين يديه وسار وبات بالاقواس وسار إلى المحلة ففرح به امير المسلمين ودعا له بالخير بالخير، وفى يوم الخميس المذكور أغار رماة سبتة على حصن من حصون الروم فسبوا منه ثمانين نفسا بين الرجال والنساء والاولاد وقدموا بها إلى المحلة فصرف عليهم أمير المسلمين خمسة منها فاقتسموا غنيمتهم بينهم، وفى يوم الجمعة الرابع من ربيع الأول المذكور ركب أمير المسلمين فسار معه جميع من في المحلة من المجاهدين وأمرهم بإفساد الزرع وقطع الثمار على حسب عادتهم فوصل المسلمون الى فدادين الزرع فاخذوا فى حصاده ودرسه وسار أمير المسلمين الى زيتون شريش وقعد فيه ليلا يخرج من النصارى من يضر المسلمين فقام هنالك رحمه الله حتى صلى المغرب وعلم أن جميع المجاهدين قد رجعوا الى منازلهم فانصرف الى محلته، وفى يوم السبت الخامس من الشهر المذكور ركب أمير المسلمين بعد أن صلّى الظهر فوقف على مدينة شريش فقاتلها قتالاً شديدًا حتى دخل المسلمون أرياضها وحرقوها وقتل بها خلق كثير من النصارى ما يزيد على سبع مائة رجل ولم يمت بها من المسلمين رجلا واحدا، وفى يوم الاحد السادس من ربيع الأول المذكور ركب امير المسلمين أيضا الى شريش فوقف عليها وأمر الناس بالمسير الى حصاد الزرع وأقام هو رحمه الله بزيتون حتى صلى المغرب حوطة على المسلمين أن يخرج اليهم العدو من البلاد ورجع إلى المحلة بعد أن علم أن المسلمين قد خرجوا من حصاد الزرع ونقله وفى هذا اليوم خرج على ابن عجاج الفتحى في سبعين فارسا من اخوانه فاغار على روضة فغنمها وقتل بها عدة من الروم ورجع إلى المحلة بغنيمته، وفي يوم الثلاثاء الثامن منها بعث أمير المسلمين سرية من خمس مائة فارس من المجاهدين فاغاروا على اركش فغنموها وسبوا منها ثمانين أمرأة من الروميات وبقرا وغنما ودوابا وقتلوا رجالا كثيرا وأتوا إلى المحلة بغنيمتهم، وفى يوم الاربعاء التاسع منه عقد أمير المسلمين لولده الأمير ابى معرف على الف فارس من المجاهدين وأمره بتخريب اشبيلية والاغارة على أحوازها فسار اليها، وفى هذا اليوم اغار بعض عرب الخلط على برج من احواز شريش فغنموا منها ثمانية علوج/عجول وثلاث مائة رأس من الغنم ومائة وسبعين رأسا من البقر والبغال والرمك وقدموا بها الى المحلة، وفي هذا اليوم أغار رماة سبتة وغزاتها على بعض حصون الروم وقتلوا بها خلقا كثيرا وسبوا منها ثلاثة عشر عليا ورومية واحدة وقسيسهم وشنتهم ووجدوا مع القسيس ذهبا كثيرا من ضرب المسلمين فصرف لهم أمير المسلمين خمسة منها، وفى هذا اليوم اغار بعض قواد الاندلس على برج من بروج الروم فدخلوه بالسيف وقتلوا من به سبوا منه ستة علوج وأربع روميات ومائة رأس من البقر وقسيا وسلاحا كثيرا فاتوا بها الى المحلة فصرف عليهم خمسة من ذلك كما فعل باهل سبتة وأنصرف الامير أبو معرف في جيشه الذي عقد له عليه وركب معه أمير المسلمين مشيعا له حنى ودعه ودعا له وأوصاه بتقوى الله في السر والعلانية والصبر والثبات ثم انصرف عنه وجد الامير ابو معرف السير يومه ذلك حتى وصل جبل ابريز فقام به حتى صلى العصر وركب وجد السير إلى المغرب فعلف الخيل بوادى لاك ثم أسرى طول الليل حتى أصبح على حصن عين الصخرة فكمن هنالك إلى العصر فركب وسار جيشه الى وقت المغرب فنزل وعلف الخيل ثم اسرى فاصبح وقد قارب القلعة فجمع الأمير أبو معرف اشياخ المجاهدين وشاورهم فيمن يغير من المسلمين ومن يبقى معه فاختار للاغارة خمس مائة فارس فاطلقت أعنتها نحو اشبيلية ونشر الامير ابو معرف جنوده وقدم العلام المنصور أمامه وسار رويدا في أثر المغيرين وكان انتصاري قد خرجوا من أشبيلية خيلا ورجلا في عدد كثير لقتال المغيرين فلما عاينوا العلام المنصور الجيوش على أثره بادروا الى المدينة فدخلوها وغلقوا الابواب وتمتعوا بالاسوار والسهام فوقف الأمير ابو معرف قريبا من حيث لا تلحقه السهام وأمر المجاهدين بالغارات فى انحائها وتحريق زرعها وتخريب قراها وقطع أشجارها ولم يزل واقفا أمام بابها الى الليل حتى اجتمع اليه جميع المسلمين الذين خرجوا للغارة والطبول تضرب على راسه ترهيبا للعدو فغنم المسلمون غنيمة عظيمة وقتل من النصارى ما يزيد على ثلاثة آلاف رجل وذلك يوم مولد نبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلّم وكان جملة ما غنموا فيها من الروميات والاولاد ثلاث مائة وثمانين نفسا والبغال والحمير الغا رأس وخمسة وستين راسا ومن البقر والغنم شيئا كثيرا ولم يُؤسر فيها رجل الا قُتِل ورجع إلى المحلة بغنائمه سالما، وفى يوم الثلاثاء الخامس عشر من ربيع الاول المذكور بعث أمير المسلمين حفيده الأمير أبا على عمر بن عبد الواحد في جملة من المجاهدين وبعث معه مائة من رماة أهل سبتة والف رجل من متطوعة المصامدة وبعث معهم بالبغال تحمل جواليق السهام والمساحى والفؤوس والمعاول الى برج كان بينه وبين المحلة نحو الثمانية أميال كانوا يقطعون الطريق على من خرج منها منفردا او في قلة وسار المسلمون الى البرج فشرعوا في قتاله واظهر من فيه من النصارى من الصبر على الحرب ما لا يوصف ورتبوا الرجال والرماة في علاه وفي أسفله فتزل الأمير أبو على من فرسه واخذ درقته بيده وزحف الى البرج على قدميه وتولى القتال القتال بنفسه ونزلت معه فرسان العرب ففعلوا كفعله وتبعهم رماة سبتة ورجال االمصامدة، فدخلوا عليهم البرج عنوة بالسيف فقتلوا فيه ثمانين علجا وأسروا ما بقى من الرجال والنساء والمسبلات واخذوا ما فيه من السلاح والامتعة والادام والدقيق شيئا كثيرا فوصلوا الى المحلة في يومهم بعد أن هدموا البرج ونسفوا أثره، وفي يوم الثلاثاء المذكور ركب أمير المسلمين فى سائر جيوش المجاهدين فوقف على شريش وقاتلها قتالا شديدا وخرج لقتاله في ذلك اليوم جميع من كان بها من الخيل والرجال والرماة فتقدمت الاغزار ورماة المسلمين الى جهادهم فرشقوهم بالنبال ثم رجعت عليهم خيل بني مرين والعرب فهزم النصارى وقتلوا منهم خلقا كثيرا بباب المدينة ، وفى يوم الخميس السابع عشر منه ركب أمير المسلمين وسائر المجاهدين فسار الى برج كان بينه وبين المحلة نحو اثنى عشر ميلا يعرف بمشقريط كان فيه من زعماء النصارى وأشرارهم خلق كثير فتشمر المسلمون لحريه وتحصن الكفرة بالبرج واستعدوا للقتال فقاتلهم المسلمون قتالا شديدا واحدقت بهم رماة المسلمين فقتلوا منهم نحو الستين رجلا وانضم الرجال تحت البرج فدخلوا عليهم في أسفله وملأوه حطبا وأضرموا فيه النيران وخرجوا عنه فبقيت النار تعمل فى البرج بقية يومهم ذلك والليل كله ويوم الجمعة إلى نصف النهار فلما رءا النصارى ما لا طاقة لهم به من النار والسهام استسلموا والقوا بايديهم الى الأسر، وأسر فيه مائة وتسعون علجا واربع وسبعون امرأة وغنم المسلمون جميع أموالهم ودوابهم واسلحتهم وهدم البرج وقطع ما حوله من الاشجار ورجع أمير المسلمين إلى المحلة، وفى يوم السبت التاسع عشر منه وصل الى المحلة عبد الرزاق البطوى فاخبر أمير المسلمين بقدوم ولده الامير يعقوب من بلاد العدوة وانه ترکه بمحلته على مدينة ابن السليم وأنه وصل بجيش عظيم من المسلمين يغص بهم الفضاء وتضيق بهم الارض وانه قاتل اهل مدينة ابن السليم قتالا شديدا، فقتل منهم خلقا عديدا ففرح المسلمون بقدومه وخرج الى لقائه الشيخ ابو الحسن على بن زجدان/جدار في جماعة من بني عـســـكر.