الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس/بيعة الامام ادريس الحسنى
الخبر عن بيعة الامام ادريس الحسنى
هو الامام القادم بالمغرب الاقصى ادريس بن عبد الله بین الحسن بن لحسين بن علّى بن أبى طالب رضى الله عتهم بويع له بمدينة وليلى يوم الجمعة الرابع من شهر رمضان المعظم سنة اتنين وسبعين ومائة وكان أول من بايعه قبائل أوربة بايعوه على الامارة والقيام بأمرهم وصلواتهم وغزوهم واخدامهم وكانت أوربة في ذلك الوقت أعظم قبايل المغرب وأكثرها عددا واشدّها قوة وباسّا واحدها شوكة ثم بعد ذلك اتته قبايل زناتة واصناف قبائل البربر من أهل المغرب منهم زواغة وزوارة ولماية ولواتة وسدراتة وغياثة ونفرة ومكناسة وغُمارة فبايعوه ودخلوا في طاعته فقويت أموره وتمكّن سلطانه ووفدت عليه الوفودُ من كلّ ناحية وساير البلدان وقصد اليه الناس من كلّ شقع ومكان فاستقام أمره بالمغرب واخذ جيشًا عظيمًا من وجوه قبايل زناتة وأوربة وصنهاجة وهوارة وغيرهم تخرج بهم غازيًا إلى بلاد تامسنا فنزل أولاً مدينة شالة ففتحها ثم فتح بعدها ساير بلاد تامسنا ثم سار إلى بلاد تادلا ففتح معاقلها وحصونها وكان أكثر هذه البلاد على دين النصرانيّة ودين اليهوديّة والاسلام بها قليل فاسلم جميعهم على يدَيْه ثم قفل الى مدينة وليلى فدخلها في أخر شهر ذي حجّة من سنة أثنين وسبعين المذكورة فأقام بها شهر المحرّم مفتتح سنة ثلاث وسبعين حتى استراح الناس ثم خرج برسم غزو مَن بقي بالمغرب من البربر على دين النصرانيّة واليهوديّة المجوسيّة وكان قد بقى منهم بقية متحصّنون في المعاقل والجبال المنيعة فلم يزل الامام ادريس يجاهدهم ويستنزلهم حتى ادخلوا في الاسلام طوعًا وكرهًا وفتح بلادهم ومعاقلهم وأباد من ابى الاسلام منهم بالقتل والسبي ودمر بلادهم وعدم معاقلهم منها حصون بنى لاوة وحصون مديونة وبهلولة وقلاع غياثة وبلاد فازان تم رجع الى مدينة وليلى فدخلها في النصف من جمادى الاخرة من سنة ثلاث وسبعين المذكورة فاقام بها بقية جمادى المذكورة والنصف من رجب التالى له حتى استراح جيشه ثم خرج من نصف رجب المذکور برسم غزو مدينة تِلِمْسان ومَنْ بها من قبايل مغراوة و بنى يافرن فوصل مدينة تلمسان و نزل خارجها فاتاه اميرها محمد بن خزر بن صولات المغراوىّ الخزرىّ فطلب منه امانه فامنه ادريس وبايعه محمّد بن خزر وجميع مَنْ معه بتلمسان من قبائل زناتة فدخل ادريس مدينة تلمسان صلحا فأمن اهلها وبنا مسجدها واتفنها وصنع فيها منبرًا وكتب عليه بسم الله الرحمان الرحيم هذا ما امر به الامام ادريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسين رضى الله عنهم وذلك فى شهر صفر سنة اربع وسبعين ومائة، فاتّصل بالرشيد ان ادريس قد استقام له امر المغرب وبايعه كافة مَنْ به من القبائل وانه قد فتح مدينة تلمسان وبنا مسجدها وأُخْبر بحزمه وحاله وكثرة جنوده وشدّتُهم فى الحرب وانه قد عزم على غزو افريقيّة فخاف الرشيد ان يعظم امره فيصل اليه لما يعلم من فضله وكماله ومحبّةالناس فى اهل بيت النبىّ صلّى الله عليه وسلّم فاغتمّ لذلك غمّا شديدًا وعظُم عليه شانه فبعث الى وزيره القايم بامر مملكته وصلاح سلطانه يحيى بن خالد بن برمك فاخبره بامر ادريس واستشاره فيه وقال له انه ولد علىّ بن ابى طالب وابن فاطمة بنت النبىّ صلّى الله على وسلّم وقد قوى سلطانه وكثرت جيوشه وعلا شانه واشتهر اسمه وفتح مدينة تلمسان وهو باب افريقيّة ومَنْ ملك الباب يوشك ان يدخل الدارَ وقد عزمتُ ان ابعث له جيشا عظيما لقتاله ثم انى فكرت فى بُعْدِ البلاد وطول المسافة وتنافى المغرب عن المشرق ولا طاقة لجيوش العراق على المُوصل الى السوس من ارض المغرب فرجعتُ من ذلك وقد هالنى امره فاشِر علىّ برايك فيه، وقال له يحيى بن خالد يا امير المومنين ان امن الراى ان تبعث اليه برجل ذى حزم ومكر ودهاء ولسان واقدام وجرءة فيقتله ويستريح منه فقال الراى ما ذكرتَ فمن يكن الرجل فقال يا امير المومنين اعرف فى حاشيتى رجلا اسمه سليمان بن جرير من اهل الحزم والاقدام والفتك والشجاعة والعلم بالجدل والكلام والمكر والدهاء تبعث به اليه فبعث له قال اسرع بذلك الان فخرج الوزير يحيى الى سليمان بن جرير فعرّفه المقصود وما يريد منه امير المومنين ووعد له على ذلك الرفعة والمنزلة العالية والهنات السنية وعطاه اموالا جليلة وتحفا مستظرفة و جهّزه بما يحتاج اليه، فخرج سليمان بن جرير من بغداد يجدّ السير حتى وصل الى المغرب فقدم على ادريس بمدينة وليلى فسلّم عليه فسأله الامام ادريس عن اسمه ونسبه ومن اىّ البلاد قدم وما سبب قدومه الى المغرب فذكر له انه من بعض موالى ابيه وانه اتّصل به خبره فاتاه برسم خدمته لاجل محبّته وولايته لاهل البيت اذ لا يعدل فيهم احد ولا يقاس بهم سواهم فانس به ادريس وسكن الى قوله وسرّ به سرورًا عظيمًا وركن اليه وحلّ من قلبه بمنزلة رفيعة فكان لا يقعد و لا يأكل الا معه لانه لم يجد فى بلاد المغرب مَنْ يأنس به ويستريح اليه غيره وذلك بجهل اهل المغرب فى ذلك الوقت وجفاء طباعهم ولما ظهر له ايضا من سليمان بن جرير من النُبْل والادب والظرف و لبلاغة فحلّ منه محلًا رفيعا فكان سليمان بن جرير اذا قعد الامام ادريس بين رؤساء البربر ووجوه القبائل يتكلّم سليمان فيذكر فضائل اهل البيت و عظْم بركتهم ويقيم الدليل على امامة ادريس وانه الامام لا امام غيره وياتى على ذلك بالحجج البينة والبراهين القاطعة وباحاديث تُعْجِب ادريس فكان ادريس يتعجّب من فصاحته وبلاغته ومعرفته بالجدال ويستظرفه ويحبّه، فلم يزل سليمان بن جرير عند ادريس يرتقب فيه الفرصة ويعمل فى قتله الحيلة فلا يجد الى ذلك سبيلًا من اجل مولاه راشد الذى لا يزايله ولا يفارقه الى ان غاب راشد ذات يوم فى بعض شونه فدخل عليه سليمان بن جرير فوجده وحده وجلس بين يدَيْه على عادته فتحدّث معه قليلا فلم يرّ لراشد اثرا فانتهز الفرصة واغتنم الخلوّة فقال له يا سيدى جعلتُ فداك انى جئتُ من المشرق بقارورة الطيب ثم انى رايتُ هذه البلاد ليس بها طيب فرايت ان الامام أوّلى بها منّى فخذها تطيب بها فقد ءاثرتك بها على نفسى وهو من بعض ما يجب لك علىّ ثم اخرجها من وُعاء ووضعها بين يدَيْه فشكره ادريس على ذلك ثم اخذ القارورة ففتحها وشمّها فلما راى سليمان بن جرير الامام ادريس قد فتح القارورة وشمّها وتحصل به مراده منه وتمّتْ حيلتُه فيه جعل يدَه فى الارض وخرج كانّه يريد قضاء حاجة الانسان فسار الى منزله وركب فرسًا له من عناق الخيل وسبّاقها كان قد اعدّها لذلك وخرج من مدينة وليلى يطلب النجاة، وكانت القارورة مسمومة فلما استنشق ادريس الطيب صعد السمّ فى خيشومه وانتهى الى دماغه فغشى عليه وسقط بالارض على وجهه لا بفهم ولا يعقل و لايعلم احدٌ ما به ولا ما اصابه فاتّصل خبر غشيته بمولاه راشد فاقبل اليه مسرعًا فدخل عليه فوجده يحرّك نفسه و قد اشرف على الموت لا يقدر ان يبين الكلام فقعد عند راسه متحيرًا فى امره لا يعلم ما به حتى قطع سليمان بن جرير مسافة من الارض واقام ادريس فى غشيته الى عشى النهار فتوفّى رحمه الله وكانت وفاته فى مستفتح ربيع الاخر سنة سبع وسبعين ومائة فكانت امارته بالمغرب خمسة اعوام وسبعة اشهر، واختلف فى سبب وفاته فقيل سمّه فى طيب كما تقدّم وقيل سمّه فى حوت من الشابل وقيل سمّه فى سَنُون لانه كان يشتكى باسترخاء لثاته و الله اعلم بصحّة ذلك، فلما توفّى ادريس نظر راشد الى سليمان بن جرير فلم يجده فسأل عنه فاخْبِر انه قد لقى على اميال كثيرة من البلاد فعلم حينئذ انه هو الذى سمّه فركب فى جمع كثير من البربر وخرج فى طلبه وجدّ السيرّ طول ليلته و تقطعت الخيل فى اثره فلم يلحق به احدٌ من القوم الا راشد وحده ادركه وهو يجوز نهر ملوية فصاح به راشد وشدّ عليه بالسيف فقطع يدَه اليمنى وشجّه فى راسه ثلاث شجّات وجرحه فى جسده كلّ ذلك لا يصيب له مقتلا وعيا جواد راشد ففرّ سليمان بن جرير وهو مثخن بالجراح فسار حتى وصل العراق فاخبر بعض الناس انه رءاه ببغداد مبطولة يده اليمنى وبراسه وجسده ءاثار الجراحات قد برئِتْ، فرجع راشد مِنْ تبع سليمان بن جرير الى مدينة وليلى فدفن بقربها ادريس ليتبرّك الناس بقبره وزيارة تربته رحمه الله ورضى عنه، ولم يكن لادريس حين وفاته ولد الا وليدة تركها حُبلى، قال محمّد عبد الملك بن محمود الورّاق فى كتاب المقباس والبكرىّ والبرنوسىّ وغيرهم ممن عُنِىَ بتاريخ ايام الادارسة ان الامام ادريس بن عبد الله لما توفّى لم يترك ولدًا مولودًا الا انه ترك جارية له مولدة من تاليد البربر اسمها كنْزة حاملًا منه فى الشهر السابع من حملها فجمع راشد رؤساء القبائل ووجوه الناس بعد فراغه من دفن ادريس فاخبرهم ان ادريس لم يترك ولدًا الا حملا بجاربته كنزة وهى فى الشهر السابع من حملها فان رايتم ان تصبروا على الجارية حتى تضع حملها فإن كان ذكرًا ربّيناه فاذا بلغ مبلغ الرجال بايعناه تبرّكا باهل البيت وذرية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وان كان جارية نظرتم لانفسكم مَنْ ترونه اهلا لذلك فقالوا له ايها الشيخ المبارك ما لنا راى الا ما رأيتَ فانك عندنا عوض من ادريس تقوم بامرنا كما كان ادريس وتصلّى بنا وتحكم فينا بما يقتضى الكتاب والسنّة حتى تضع هذه الجارية فان وضعت غلامًا ربّيناه وبايعناه وان وضعت جارية نظرنا فى امرنا على انك احقّ الناس به لفضلك ودينك وعلمك فشكرهم راشد على ذلك ودعا لهم وانصرفوا فقام راشد بامر البربر حتى تمّتْ الجارية اشهر حملها فوضعت غلاما اشبه الناس بوالده ادريس فاخرجه راشد الى رؤساء البربر حتى نظروا اليه فقالوا هذا ادريس بعينه كانه لم يمُتْ فسمّاه راشد ادريس باسم ابيه وقام بامره وامر البربر وكفله حتى فُطِم فشبّ فادّبه احسن ادب واقراه القران فحفظه وله من السنّ ثمانية اعوام وعلّمه السنّة والفقه والنحو وروى الحديث والشعر وامثال العرب وحُكْمها وسير الملوك وسياستها وعرّفه بايام الناس وردّه مع ذلك على ركوب الخيل والرمى بالسهام ومكايد الحروب فلما درب فى ذلك كلّه وكمل له من السنّ احدى عشرة سنة اخذ له مولاه راشد البيعة على قبائل المغرب فبويع له بجامع مدينة وليلى.