انتقل إلى المحتوى

الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس/بناء الامام ادريس مدينة فاس

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: الصفحات 15–27
 

الخبر عن بناء الامام أدريس مدينة فاس وذكر ما خصت به من
الفضائل والمحاسن التي تفوق بها بلاد المغرب

قال المؤلف عفا الله عنه لم تزل مدينة فاس من حين أُسست دار فقه وعلم وصلاح ودين وهي قاعدة بلاد المغرب وفقدها ومركزها وقطبها وهي ملك الادارسية الحسنيين الذين اختطـوهـا ودار مملكة زناتة من بنى يفرن ومغراوة وغيرهم من ملوك المغرب في الاسلام ونزلها لمتونة فى أول ظهورهم على المغرب ثم بنوا مدينة مراكش فانتقلوا اليها لقربها من بلادهم بلاد القبلة فاتي الموحدون بعدهم فنزلوا مراكش والتخذوها دار ملكهم لقربها من بلادهم وكونها مبنية في جوارهم وبين قبايلهم ومدينة فاس لم تزل المغرب ا فى القديم و الجديد و هى الان قاعدة ملوك بنى مرين اطال الله ايامهم و اعلى امرهم و خلّد سلطانهم فهى بهم فى المحلّ الرفيع و الشكل البديع و قد جمعت مدينة فاس بين عذوبة الماء و اعتدال الهواء و طيب المدرة و حسن الثمرة و سعة المحرث و عظيم بركته و قرب المحطب و كثرة عوده و شجرته و بها منازل مؤنقة و بساتين مشرقة و رياض مورقة و اسواق مرتّبة منشفّة و عيون منهمرة و انهار مندفقة منحدرة و اشجار ملتفة و جنات دايرة بها محتفة، و قالت الحكماء احسن موضوعات المدن ان تجمع المدينة خمسة اشياء و هى النهر الجارى و الحرث الطيب و المحطب القريب و الاسوار الحصينة و السلطان اذ به صلاح حالها و أمن سبلها و كفّ جبابرتها، و قد جمعت مدينة فاس هذه الخصال التى هى كمال المدن و شرفها و زادت عليها بمحاسن كثيرة نذكرها بعد ان شاء الله تعالى فلها المحرث العظيم سقيا و بعلا على كل جهة منها ما ليس هو على مدينة من مداين المغرب و عليها المحطب العظيم بجبال بنى بهلول التى فى قبلتها يصبح كلّ يوم على ابوابها من احمال حطب البلوط و الفحمة ما لا يوصف كثرة، و نهرها يشقّها بنصفين و يتشعّب فى داخلها انهارا و جداولا و خلجانا فتخلّل الانهار ديارها و بساتينها و جناتها و شوارعها و اسواقها و حمامتها و تطحن به ارحاؤها و يخرج منها و قد حمل اثقالها و اقذارها و رحاضاتها و قد انشد الفقيه الصالح الزاهد ابو الفضل بن النحوى فى مدحها و اوصافها

يا فاس منك جميع الحسن مستوق
و ساكنوك جميع الرزق قد رزق
هذا نسيمك ام روح لراحتنا
وماؤك السلسبيل الصافىّ ام الورق
ارض تخلّلها الانهار داخلها
حتى المجالس و الاسواق و الطرق

و كان الفقيه ابو الفضل بن النحوى من اهل العلم و الدين و الورع و الفضل ذكره صاحب كتاب التشوّف من اكبر رجال المغرب، و للفقيه الكاتب البارع ابى عبد الله المغيلىّ فى وصفها و يتشوّق اليها حين ولى القضاء بمدينة ازمور

يا فاس حبّ الله ارضك من ثرا
و سقاك من صوب الغمام المسبل
يا جنّة الدنيا التى اربت على
حمص بمنظرها البهىّ الاجمل
غرف على غرف و يجرى تحتها
ماء الدمن الرحيق السلسل
وبساتين من سندس قد زخرفت
بجداول كالايم او كالمفصل
بجامع القرويين شرف ذكره
انس تذكر يهيج تململ
و بصحنه زمان المصيف محاسن
جمع العشى القرب فيه استقبل
واجلس ازاء الخصة الحسنى
واكرع بها عينى فديتك و انهل
قال المؤلف ويخرج تهر مدينة فاس منها ويسقى جناتها ويحايرها إلى أن ينصب بوادي سبوا على مقدار الميلين منها وماء نهر مدينة فاس من أفضل مياه الارض وأهذبها واخفها يخرج من عيون من أعلاها في بسيط الأرض من ستين عنصرا كلها تنبعث من جهة القبلة وثلاثة عناصر من قبل المغرب على محو عشرة أميال من المدينة فيجتمع

ما يخرج من تلك العناصر من الماء فيصير نهرا كبيرا فيجرى فى بسيط من الارض على الدريس والسعداء من منبعته حتى ينحدر على المدينة فى مروج خضر لا يزال كذلك صيفا وشتا حتى يدخل البلد فينقسم في داخلها على جداول كثيرة كما قدمنا، ومن فضايل ما هذا النهر أنه يقتت الحصى ويذهب الحنان لمن اغتسل به ودام على شربه ويلين البشرة وبقطع القمل ويسرع الهضم ويشرب على الريق فلا يعدى ومن يستكثر من شربه فلا يضره وذلك لأجل جريانه على الكرفس والسعداء فهو في نهاية الحقة والعذوبة ومن فصايل ماء هذا النهر ما ذكره ابن جنون المتطبب انه ينبه شهوة الجماع اذاشرب على الريق ومن فضله أنه تغسل فيه الثياب بغير صابون يبيضها ويكسوها رونقا وبصيصا ورائحة طيبة كما يفعل الصابون فيقسم عليها أنها غسلت بالصابون، ومن فضائل نهر مدينة فاس أنه يخرج الصدف الحسن الذي يقوم مقام الجوهر النفيس تباع الحبة منه متقال ذهب واقل وأكثر وذلك لحسنه وصفايه وعظم جرمه ويوجد في مياه هذا النهر السواطين وليست توجد في مياه الاندلس الا نادرا ويخرج فيه أيضا أنواع من لموت اللبيس والبوارى والسنياج والبوقة وهو حوت لذيذ الطعم كثير المنفعة وعلى الجملةأن ماء نهر مدينة فاس يفوق مياه المغرب فى العذوبة والخفة وكثرة المنفعة، وتفوق مدينة فاس غيرها من بلاد بمعدن الملح الذي عليها ليس فى معصور الارض معدن مليح مثله وهو على نحو ستة أميال منها وحلول هذه الملاحة نحو ثمانية عشر ميلا أولها من محشر الشطبى واخرها بوادی مکس عند دمنة القبول وفى هذه الملاحة اصناف من الملح لا يشبع بعضها بعضا في الالوان والصفات فالملح بالمدينة كثير جدا يباع عشرةأصواع بدرهم وأقل وأكثر بحسب ما يجلب ومن بركة هذه الملاحة أنها كلها تحرث بالزرع فتجد فدادين التزرع في وسط الملح خضرة ناعمة تتمايل خاماتها فضلا من الله تعالى وبركة منه وكان الملح قبل هذا يباع بالمدينة حمل بدرهم لا يجد بايعه من يشتر به منه لكثرته، وعلى مسيرة ثلاثين ميلا من مدينة فاس جبال بني يازغة حيث يقطع عشب الارز فيجلب الى المدينة منه في كل يوم ما لا ما لا يحصى كثره، ومن هذا الجبال ينبعث نهر سبوا من عنصر واحد شبه مغارة فيسير حتى يمر بشرقي مدينة فاس على مقدار من الميلين منها فيصيد اهل المدينة الشابل و البورى و اصناف الحوت و يحملون منها احمالا الى المدينة فتصل طرية لم تتغيّر و اكثر نزهات اهل المدينة نهر سبوا، و بالقرب ايضا من مدينة فاس على مسيرة اربعة اميال منها و نحوها حامّة عظيمة تعرف بحامّة خولان ماؤها اشدّ ما يكون من السخانة، و بالقرب ايضا منها حامّة و شتاتة و حامّة يعقوب و هى من الحمامات المشهورة بالمغرب، و سكّان مدينة فاس احدّ اهل المغرب اذهانا و اشدّهم فطنة و ارجحهم عقلا و الينهم قلوبا و اكثرهم صدقة و اعزّهم نفوسا و الطفهم شمايلا و اقلّهم خلافا على الملوك و اكثرهم طاعة لولاتهم و حكامهم و كيف ما تقلّبت الاحوال فهم يسمون على سائر اهل بلاد المغرب علما و فقها و دينا، و مدينة فاس لم تزل من يوم اسّست ماوى الغرباء من دخلها استوطنها و صلح حالها بها و قد نزلها كثير من العلماء و الفقهاء و الصلحاء و الادباء و الشعراء و الاطباء و غيرهم فهى فى القديم و الحديث دار علم و فقه و حديث و عربية و فقهاؤها الفقهاء الذين يقتدى بهم جميع فقهاء المغرب لم يزل على ذلك على مرّ الزمان و ذلك ببركة دعوة بانيها ادريس رضى الله عنه فانه لما اراد الشروع فى بنائها رفع يده و قال اللهمّ اجعلها دار علم و فقه يتلى بها كتابك و تقام بها حدودك و اجعل اهلها متمسكين بالسنة و الجماعة ما ابقيتها ثم اخذ المعول بيده فابتدا بحفر الاساس فلم تزل منذ بنيت الى يومنا هذا و هو عام ستّة و عشرين و سبع مائة دار علم و فقه و السنّة و الجماعة بها قائمة و يكفى من فضلها و شرفها ما ورد عن النبىّ صلى الله عليه و سلّم فى وصفها و انه وجد فى كتاب درّاس بن اسمعيل ابى ميمونة بخطّ يده رحمه الله حدّثنى ابو مضر بالاسكندرية قال حدّثنى محمّد بن ابراهيم المواز عن عبد الرحمان بن القاسم عن ملك بن انس عن محمّد بن شهاب الزهرىّ عن سعيد بن المسيب عن ابى هريرة رضى الله عنهم عن النبىّ صلى الله عليه و سلّم انه قال ستكون بالمغرب مدينة تسمّى فاس اقوم اهل المغرب قبلة و اكثرهم صلاة اهلها على السنّة و الجماعة و منهاج الحقّ لا يزالون متمسكين به لا يضرّهم من خالفهم يدفع الله عنهم ما يكرهون الى يوم القيامة، و ذكر ابن غالب فى تاريخه ان الامام ادريس لما عرم على بنائها و وقف بموضعها ليختطّها مرّ به شيخ كبير راهب من رهبان النصرى قد نيف على مائة و خمسين سنة كان مترهّبا فى صومعة قريبة من تلك الجهة فوقف بادريس و سلّم عليه ثم قال له ايها الامير ما تريد ان تصنع بين هذين الجبلين قال ادريس اريد ان اختطّ بينهما مدينة لسكنائى و سكناء و لدى من بعدى يعبد الله تعالى بها و يتلى بها كتابه و تقام بها حدوده قال ايها الامير ان لك عندى فى ذلك بشرى قال و ما هى ايها الراهب قال انه اخبرنى راهب كان قبلى فى هذا الدير هلك منذ مائة سنة انه وجد فى كتاب علمه انه كان بهذا الموضع مدينة تسمّى ساف خربة منذ الف سنة و سبع مائة سنة و انه يجدّدها و يحيى ءاثرها و يقيم دارسها رجل من ءال بيت النبوّة يسمّى ادريس يكون لها شان عظيم و قدر جسيم لا يزال دين الاسلام قائم بها الى يوم القيامة فقال ادريس الحمد لله انا ادريس و انا من ءال بيت رسول الله صلى الله عليه و سلم و انا بانيها ان شاء الله تعالى، فكان ذلك مما قوى عزم ادريس على بنائها فشرع فى حفر اساسها، قال المؤلف و يدلّ على صحّة هذه الروائة ما رواه البرنوسىّ أنّ رجلا من اليهود احتفر اساس دار يبنيها لسكناه بقنطرة عزيلة من المدينة المذكورة و الموضع يومئذ شعرة بالطخش و البلوط و الطرفاء و غير ذلك فوجد فى الاساس دمية رخام على صورة جارية منقوشة على صدرها بالخطّ المسند هذا موضع حمام عمر الف سنة ثم خرب فاقيم بموضعه بيعة للعبادة، و كان تاسيس ادريس لمدينة فاس على ما ذكره المورّخون الذين عنوا بتاريخها و بحثوا عن ابتداء امرها فى يوم الخميس غرّة ربيع الاوّل المبارك سنة اثنين و تسعين و مائة للهجرة اسّس عدوة الاندلس منها و ادار بها السور و بعدها بسنة اسّست عدوة الفرويين و ذلك فى غرّة ربيع الاخر من سنة ثلاث و تسعين و مائة و ابتدا ببناء سورة عدوة الاندلس القبلى فادار السور على جميعها و بنا بها الجامع الذى برحبة البير المعروف بجامع الاشياخ و اقام به الخطبة ثم شرع فى بناء العدوة القروبين فى سنة ثلاثة و تسعين المذكورة و كان موضعها شعرة و غياضا ملتفة فكان يقطع الشجرة و الخشب و يبنى فى موضعه و عجبه ما رءاه من كثرة العيون بها و تدفّق الانهار فانتقل عن عدوة الاندلس اليها و نزل منها بموضع يعرف بالفرمدة و ضرب فيه قيطونة فاخذ فى بناء الجامع فبنا المسجد المعروف الان بجامع الشرفاء شرّفه الله بذكره و اقام فيه الخطبة ثم اخذ فى بناء داره المعروفة الان بدار القيطون التى يسكنها الشرفاء الجوطيون من ولده ثم بنا القيسارية الى جانب المسجد الجامع و ادار الاسواق حوله من كلّ جانب و امر الناس بالبناء و الغرس و قال لهم من انشاء موضعا و اغترسه قبل تمام السور بالبناء فهو له هبة ابتغاء وجه الله تعالى فبنا الناس الديار و اغترسوا الثمار و كثرت العمارة و الغيطة فكان الرجل يختطّ موضع منزله و بستانه من الشعرا ثم يقطع منه الخشب فيبنى به لا يحتاج الى خشب غيره، و وفد عليه فى تلك الايام جماعة من الفرس من بلاد العراق فانزلهم بناحية عين علون و منهم بنو ملونة و كانت عين علون شعرا من طخش و عليون و كلخ و بسباس و اشجار برية و كان بها عبد اسود يقطع الطريق هنالك و كان الناس قبل بناء المدينة يتحامونها و لا يمرّون بتلك الناحية و لا يقدر احد على سلوكها من اجل علون المذكور و التفات الاشجار و هرير المياه و الانهار و كثرة الوحش المؤدية بها و كان الرعات يتحامونها بمواشيهم و لا يسلكها الا الجماعة من الناس فعرف ادريس بخبر علون حين شرع فى بناء عدوة الاندلس فامر بالقبض عليه فخرجت الخيل فى طلبه فقبض عليه و اتى به اليه فامر بقتله و صلب على شجرة هنالك كانت على راس العين المذكورة فبقى علون مصلوبا على تلك العين حتى تمزقت اشلاءه و سقطت اوصاله فسمّيت العين به الى الان، و ادار الامام ادريس سور عدوة القرويين و ابتداه من راس عقبة عين علون و صنع براس العقبة بابا و سمّاه باب افريقيّة و هو اوّل باب صنع بالمدينة المذكورة ثم هبط بالسور على عين ذردور حتى وصل به الى عقبة السعتر فصنع هنالك بابا و سمّاه باب حصن سعدون ثم هبط بالسور الى اوّل اغلان فصنع هنالك بابا و سمّاه باب الفرس ثم ادار السور مع اغلان حتى وصل به شفير الوادى الكبير الفاصل بين العدوتين فصنع هنالك بابا و سمّاه باب الفصيل و هو الباب الذى يخرج منه الى بين المدينتين ثم جاز الوادى بالسور و طلع به مع طفّة النهر خمس مسافات و صنع هنالك بابا سمّاه باب الفرج و هو الذى يسمّى الان باب السلسلة ثم جاز النهر ايضا بالسور الى عدوة القرويين و طلع به مع النهر الكبير فى اسفل القلعة الى عيون بين اللصادى الى الجرف و صنع هنالك بابا سمّاه باب الحديد و هو فى اعلاء القلعة مما يلى الجرف ثم سار بالسور من باب القلعة المذكورة الى باب افريقيّة فجاءت عدوة القرويين مدينة متوسّطة كثيرة الانهار و العيون و البساتين و الارحا لها ستّة ابواب و ابتدا ايصا سور عدوة الاندلس من جهة القبلة فبنا باب الفوّارة هنالك و منه يخرج الى مدينة سجلماسة و هو الان مبنى يعرف بباب زيتون ابن عطيّة لم ينفتح من سنة عشرين و ستّ مائة و هبط بالسور على المخفية الى الوادى الكبير الى برزخ و عمل هنالك بابا يقابل باب الفرج من عدوة القرويين ثم سار بالسور على الشبيوبة و فتح هنالك باب يعرف بباب الشبيوبة مقابل لباب الفصيل من عدوة الفرويين ثم سار بالسور الى راس حجر الفرج فصنع هنالك بابا سمّاه باب ابى سفيان و منه يخرج الى بلاد غمارة و الى الريف ثم سار بالسور على جروارة فصنع هنالك بابا شرقيا يعرف بباب الكنيسية و منه كان يخرج الى بلاد تلمسان و منه يخرج الى حارّة المرضى فلم يزل الباب على ما بناه ادريس الى ان هدمه عبد المومن بن علىّ ايام ظهوره على المغرب و فتحه لمدينة فاس و ذلك فى سنة اربعين و خمس مائة فلم يزل الباب مهدوما الى ان بناه الناصر بن المنصور المؤحّد حين جدّد سور المدينة و ذلك فى سنة احدى و ستّ مائة و سمّاه باب الخوخة و كانت حارّة المرضى بخارج هذا الباب ليكون سكناهم تحت مجراالريح الغربية فتحمل الرياح ابحرتهم و لا يصل منها لاهل المدينة شى و ليكون تصرّفهم من الماء و غسلهم بعد خروجه من البلد، فلما كانت المجاعة العظما التى خلا فيها المغرب و توالت به الفتن و عدم الاقوات و ذلك من سنة تسعة عشر الى سنة سبع و ثلاثين و ستّ مائة لما اراد الله تعالى من انقراض الدولة الموحّديّة و ظهور الدولة المرينيّة بالمغرب اطالها الله و خلّدها فانتقل الجذماء فى ايام المجاعة و الفتنة من خارج باب الخوخة و سكنوا بالكهوف التى بخارج باب الشريعة من ابواب عدوة القرويين و هى الكهوف التى بقرب الوادى بنى مطمر الزرع و جنّة المصارات فاقاموا هنالك الى ان ظهرت دولة المرينيّة على المغرب و استقام امرها و اشرع نور عدلها و شمل الناس من بركتها فانجبر الناس و عمرت البلاد و تأمنت الطرفات و كثرت الخيرات فرفع الى امير المسلمين ابى يوسف يعقوب بن عبد الحقّ رحمهم الله و رضى عنهم امر الجذماء و ان تصرفهم و غسل ثيابهم و انيتهم و اقدارهم فى نهر مدينة فاس لقربهم منه و ان ذلك ضرر لاهل المدينة فامر رحمه الله عامله على المدينة و هو الشيخ ابو العلاء ادريس بن ابى قريش ان ينقلهم من هنالك ليبعدوا من ماء النهر فنقلهم الى كهوف برج الكوكب الذى بخارج باب الجيسة من ابواب عدوة القرويين و ذلك فى سنة ثمان و خمسين و ستّ مائة و بنا ايضا ادريس بسور عدوة الاندلس القبلى بابا و سمّاه باب القبلة فلم يزل الباب على ما بناه ادريس الى ان هدمه ذوناس الازداجىّ حين غلب على عدوة الاندلس فدخلها بالسيف فبناها الفتوح بن المعزّ بن زيرى بن عطية الزنانىّ المغراوىّ ايام ولايته على المدينة المذكورة و قيل ان الذى بناها الفتوح بن معنصر اليفرنىّ و به سمّيت قاله ابن غالب فى تاريخه، و قال عبد الملك الورّاق كانت مدينة فاس فى القديم بلدين لكلّ بلد منها سور يحيط بها و ابواب تختصّ بها و النهر بين البلدين فاصلا و هو الوادى الكبير الداخل من ناحية باب الحديد من ابواب عدوة القرويين فيجرى بين العدوتين حتى يخرج من موضع يسمّى بالرميلة قد صنع له هنالك فى السور بابين عظيمين يخرج عليهما سبائك من خشب الارز مزردة وثيقة يخرج منها الماء و كذلك صنع له فى موضع دخوله باب كبير عليها شبّاك محكم وثيق، و اسوار المدينة منيعة مرتفعة و ابوابها حصينة فلعدوة القرويين فى سورها الغربى باب الحديد و منه يخرج الى واديها و الى جبال فازان و معدن عوّام و باب سليمان و هو بابها الاعظم و منه يخرج الى مدينة مرّاكش و بلاد المصامدة و غير ذلك من بلاد المغرب و لها ايضا فى سورها المرضى باب الجوف و هو باب مقبرة و منه يخرج الى الرابطة القديمة التى براس المغيه سدّ فى زمان المجاعة سنة سبع و عشرين و ستّ مائة فلم يزل على حاله الى الان و لها ايضا فى سورها الجوفى باب حصن سعدون و هو الباب الذى كان انشاه ادريس بعقبة السعتر فلما اكثر الناس بالمدينة و اتّسع الارياض بخارجها فى ايام زناتة ادار عليها الامير عجيسة بن المعزّ سورا و صنع فيه بابا فوق باب حصن سعدون المذكور و سمّاه باسم عجيسة كما فعل اخوه الفتوح فى عدوة الاندلس فلم يزل باب عجيسة على حاله بقيّة ايام زناتة و ايام لمتونة الى ايام امير المومنين ابى عبد الله الناصر المؤحّد حين امر ببناء سور المدينة الذى كان هدمه جدّه عبد المومن عام اربعين و خمس مائة فبنا فوق باب عجيسة بالقرب منه بابا كبيرا و سمّاه باسم باب عجيسة و ترك باب عجيسة على حاله ثم امر بتغيير اسم الباب الذى بناه و ترك اضافته الى عجيسة فاسقط الناس العين من اسم عجيسة و ادخلوا الالف و اللام عوضا منها فقالوا باب الجيسة و لم يزل باب الجيسة على ما بناه الناصر منها الى ان تهدّمت و تخرّب اكثرها لمرّ السنين عليها و توالى الايام و الليالى فعرف امير المسلمين ابو يوسف يعقوب بن عبد الحقّ رحمه الله و رضى عنه بامرها و هو فى بلاد الاندلس فنفذ امره الكريم من الجزيرة الخضرا ببناء الباب و اصلاحه فجدّدت باسرها ما عدا القوس البرانى منها فانه وجد صحيحا فترك على حاله و ذلك فى سنة اربع و ثمانين و ستّ مائة و كذلك امر ايضا امير المسلمين ابو يوسف رحمه الله باصلاح السور القبلى من عدوة الاندلس فجدّد اكثره و زمّ ما تخلق منه و هدم من باب زيتون بن عطية الى باب الفتوح على يد قاضيه الفقيه ابى امية الدلايى فاصلحه و اتفنه و ذلك فى سنة احدى و ثمانين و ستّ مائة، و دور مدينة فاس اكثرها على طبقتين الاعلا و الاسفل و منها ما يكون على ثلاثةطبقات و اربع طبقات و ذلك لعقد ترّبتهم و كثرة خشب الارز عندهم و هو اطيب خشب فى الارض يعمر العود منه فى سقف البيت الف سنة لا يعفن و لا و بتسوس و لا يعتربه شئ ما لم يصبّه الماء، و لم تزل الخطبة تقام فى عدوتى مدينة فاس من حين بنيت الى الأن خطبة بعدوة الاندلس و خطبة بعدوة القرويين و قيسارية و دار سكّة بكلّ عدوة منها، و كان بها فى ايام زناتة سلطانان اخوان اشغاء ابنا الامير المعزّ بن زيرى بن عطية و هما الفتوح و عجيسة فكان الفتوح بالاندلس و عجيسة بالفرويين و كلّ واحد منهما له جيش و حشم و القا الله تعالى بينهما العدوة و البغضاء كلّ ذلك على طلب الرياسة و تنافسا على الظهور فى الدنيا فلم تزل الحرب بين الفريقين على قديم الزمان و القتال بينهما على ضفّة النهر الكبير بموضع يعرف بكهف الرقادين بين المدينتين و كان اهل عدوة الاندلس اهل نجدة و شدّة و اكثرهم ينتحل الحراث و الفلاحة و اهل عدوة القرويين اهل رفاعة و نخوة فى البناء و اللباس و الفرش و المطعم و المشرب و اكثرهم صنّاع و تجار و سوقة و رجال عدوة القرويين اجمل من رجال عدوة الاندلس و نساء عدوة الاندلس اجمل من نساء عدوة القرويين، و بمدينة فاس من اصناف الازهار و الفواكه ما لا يوجد فى غيرها من البلاد الا مفترقة فى اقاليم شتّى و توجد فى مدينةفاس مجتمعة فى نهاية الحسن و الطيب و تختصّ عدوة القرويين بكثرة الانهار و الارحاء و العيون العذبة و الابار الفريبة الطيبة و بها الرمّان السفرىّ الذى ليس فى المغرب مثله حلاوة و لذّة و التين السفرىّ و السبتىّ الطيب الحسن و العنب و الخوخ و الجوز و العناب و السفرجل و الانرج و ساير الفواكه الخريفية نانى فى عدوة القرويين فى نهاية الطيب و الحسن و الحلاوة و تختصّ عدوة الاندلس ايضا بحسن الفاكهة الصيفية و طيبها كالتفّاح الاطرابلسىّ الحلو الاصفر الذى ليس مثله فى جميع المغرب لحسنه و حلاوته و لذّته و مطعمه و خفّته و رقّة بشرته و طيب رائحته و اعتدال خلقته، و التفّاح الابومىّ الطلحىّ و الكلخىّ و اصناف الكمثرى و المشمش و البرفوق و التوت كلّ ذلك بها فى نهاية الطيب و الحسن و بخارج بنى مسافر من ابوابها موضع يعرف بمرج فرتة تثمر بها الاشجار مرّتين فى كلّ سنة فياكل الناس التفاح و الكمثرى بالمدينه الصيف و الشتاء و يحصد الزرع بفحص المصارات التى بخارج باب الشريعة من ابواب عدوة الفرويين عن اربعين يوما، قال المؤلف للكتاب قد شاهدت الزرع حرث بالمصارات المذكورة فى خامس عشر من شهر ابريل و حصد فى اخر شهر ماية منشاه فى الطيب و البركة عن خمس و اربعين يوما و ذلك فى سنة تسعين و ستّ مائة و هو عام الشرفية دامت فيه الريح الشرقية اربعة اشهر و لم ينزل مطر تلك السنة و لم ترو ارض الا فى الثانى عشر من شهر ابريل المذكور فحرث الزرع مخاطرة فجاء كما ذكرنا، و مما تفوق به مدينة فاس سائر مدن الارض ان بها ماءان ماء العيون و مياه الانهار فمياه العيون باردة فى الصيف حين يراد ذلك منها لتبريد للحرّ و قطع الظماء و هى ايضا مستخنة فى الشتاء حين يحتاج الى ذلك منها و مياه الانهار فى العكس فى ذلك سخينة فى الصيف باردة فى الشتاء فلا يزال الماء المسخن و البارد موجودان بها فى الشتاء و الصيف فهى بسبب ذلك معينة على الدين و الطهارة و الصلاة و التنظّف، و اختلف الناس فى السبب الذى سمّيت من اجله فاس فقيل ان ادريس لما شرع فى بنائها كان يعمل فيها بيده مع الصنّاع و الفعلة و البناءين تواضعا منه لله تعالى و رجاء الاجر و الثواب فصنع له بعض خدمته فاسا من ذهب و فضّة فكان ادريس يمسكه بيده و يبدا به الحفر و يختطّ به الاساسة للفعلة فكثر عند ذلك ذكر الفاس على السنتهم فى طول مدّة البناء فكان الفعلة يقولون هاتوا الفاس خذوا الفاس احفروا بالفاس فسميّت مدينة فاس لاجل ذلك قاله صاحب كتاب الاستبصار فى عجائب الامصار، و يقال انه ايضا لما شرع فى حفر اساسها من جهة القبلة وجد فى الحفير فاسا كبيرا طوله اربعة اشبار و سعته شبرا و زنته ستين رطلا فسمّيت المدينة به و اضيفت اليه، و قيل ان ادريس لما شرع فى بنائها قال له كاتبه ايها الامير كيف تسمّيها قال سمّوها باسم اوّل رجل يطلع عليكم فمرّ بهم رجل فسالوه عن اسمه و كان التغ فقال اسمى فارس فاسقط الراء من لفظه لاجل اللثغة فقال ادريس سمّوها كما نطق بها فقالوا فاس، و قيل سمّيت فاسا لان قوما من الفرس نزلوها مع ادريس حين اسّسها فسقط عليهم جرف فماتوا تحته من حينهم و لم ينجوا منهم الا قليل فسميّت بهم مدينة الفرس ثم خفّف الناس الاسم فقالوا مدينة فارس ثم اسقطوا الراء من اللفظ اختصارا فقالوا مدينة فاس، و قيل لما تمّت بالبناء قيل لادريس كيف تسمّيها قال اسمّيها باسم المدينة التى كانت قبلها فى موضعها الذى اخبرنى الراهب انه كان هنا مدينة أزليّة من بنيان الاوّل فخربت قبل الاسلام بالف و سبع مائة سنة و كان اسمها مدينة ساف لاكن اقلب اسمها الاوّل و اسمّيها به فقلبه فانى منه فاس فسمّيت مدينة فاس و هذا اصح ما يمكن فى تسميتها و الله اعلم، و لما فرغ ادريس من بناء المدينة و ادار السور على جميعها و ركب الابواب انزل بها القبائل كلّ قبيلة بناحية فنزلت العرب القيسيّة من باب افريقيّة الى باب الحديد من ابواب القرويين و نزلت الازد على حدّهم و نزلت الخصبيون على حدّ الفيسيّة من الجهة الاخرى و نزلت صنهاجة و لواتة و مصمودة و الشيخان كلّ قبيلة بناحيتها فامرهم ادريس بغرس الارض و عمارتها فغرسوا جانبى الوادى من منبعثة بفحص ءاسائس الى مصبّه بنهر سبوا بالشجر و الكرم و الزيتون و ضروب الثمار فعمرت الارض بالحراثة و الغراسة و اينعت الثمار و اطعمت الكروم و الاشجار من سنتها و ذلك ببركة ادريس و اسلافه الطاهرين صلوات الله عليهم و رحمته و نيته الصالحة و طيب التربة و عذوبة المياه و اعتدال الهواء فظهرت البركات و توالت الخيرات و زادت العمارات، و قصدها الناس من جميع البلاد و الجهات و اتاها من رغب فى جوار السلالة الكريمة الطاهرة اهل بيت المصطفى صلى الله عليهم و سلّم و من ركن الى الانس و العافية فاجتمع بها خلق كثير من اليهود ممن رغب فى العافية فانزلهم بناحية اغلان الى باب حصن سعدون و فرض عليهم الجزية فكان مبلغ جزيتهم فى كلّ سنة ثلاثين الف دينار و انزل جميع اجناده و فواده بعدوه الاندلس و جعل بها جميع كسبه من الخيل و الابل و البقر و الغنم بايدى ثقانه و لم ينزل معه بعدوة القرويين غير مواليه و حشمه و سائر رعيته من التجار و الصنّاع و السوقة، فاقامت مدينتى فاس على ما بناه طول مدّته و ايام ولده من بعده الى ايام زناتة فكثرت العمارات بها و بنيت الارياض عليها و اتّصل البناء حولها من كلّ جهة فبنيت بها الفناديق و الحمامات و الارحا و المساجد و الاسواق من باب افريقيّة الى عين ايصيلن و بنا الناس من الجانب القبلىّ و الجوفىّ و الشرقىّ و نزلتها القبائل من زناتة و لواتة و مغيلة و جراوة و اوربة و هوارة و غيرهم و اقتطعوا الجهات فنزلت كلّ قبيلة جهة مثل حارّة لواتة و حارّة الربط و اغلان و الضرامنة و حارّة ابن ابى برقوقة و برزخ و حارّة بنى عامر و الجر الاحمر و غير ذلك و دارت الارياض بالمدينة من كلّ الجهات و اتّصل البناء بعضه ببعض، و اما اهل الاندلس من قرطبة حين اوقع بهم الامام الحاكم بن هشام و اجلاهم عن الاندلس الى العدوة فصعدوا الى مدينة فاس و كانوا ثمانية الاف بيت فنزلوا بعدوة الاندلس و شرعوا بها فى البناء يمينا و شمالا الى ناحية الكدّان و مصمودة و الفوارة و حارات البادرة و الكنيف الى الرميلة فسمّيه بهم عدوة الاندلس، و سمّيت عدوة القرويين لان من نزلها مع ادريس ثلاث مائة بيت من اهل القروبين فسمّيت بهم و نسبت اليهم، و بنا بعدوة القرويين فى ايام زناتة حمام قرقف و حمام الامير و حمام الرشاشة و حمام الربض و بنا بعدوة الاندلس حمام جزواوة و حمام الكدّان و حمام الشيخان و حمام الحريرة و بنوا الفناديق و زادوا مساجد كثيرة و ازالوا الخطبة عن جامع الشرفاء الذى بناه ادريس لصغرها و اقاموها بجامع القرويين لسعتها و لم تزل مسجد الشرفاء على ما بناه ادريس بن ادريس لم يزد بها احد من الملوك و لا من الرعيّة زيادة تحريا منها و تبرّكا بابقاء ما بناه ادريس منها الى ان عفنت سقوفها و تخلّفت جدارتها و اشرفت جميها على السقوط و الانكباء لتقادم العهد و مرير الايام عليها فانتدب الى بنائها الفقيه الموفى الحاج المبارك ابو مدين شعيب بن الفقيه الحاج المبرور المرحوم ابى عبد الله بن ابى مدين ابتغاء وجه الله تعالى و رجاء مغفرته و ثوابه فشرع فى نقضها و بنائها و ردّها الى ما كانت عليه من غير زيادة و لا نقصان و ذلك فى سنة ثمان و سبع مائة، و انتهت مدينة فاس فى ايام المرابطين و ايام المؤحّدين من بعدهم من العمارة و الغبطة و الرفاهية و الدعة ما لم تبلغه مدينة من مدن الغرب انتهى عدد مساجدها فى ايام المنصور المؤحّد و ولده الناصر سبع مائة مسجد و خمسة و ثمانون مسجدا، و احصى ما بها من السقايات و ديار الوضوء مائة و اثنان و عشرون موضعا منها ديار الوضوء اثنان و اربعون و باقيها سقايات منها بمياه العيون و منها بمياه الانهار، و احصيت الحمامات بها المبرزة للناس فى تلك المدّة فكانت ثلاث و تسعين حماما، و احصيت الارحاء التى دار عليها سور المدينة فوجدت اربع مائة حجر و اثنين و سبعين حجرا دون ما بخارجها من الارحا، و احصيت الديار بها فى ايام الناصر فكانت تسعة و ثمانون الف دار و مائتى دار و ستّة و ثلاثون دار و تسعة عشر الف مضربة و احدى و اربعون مضربة و من الفناديق المعدّة للتجارة و المسافرين و الغرباء اربع مائة فندقا و سبعة و ستّون فندقا، و احصيت الحوانيت بها فى المدّة المذكورة فكانت تسعة الاف حانوت و اثنان و ثمانون حانوتا، و قيسارتان احداهما بعدوة القرويين و الثانية بعدوة الاندلس على وادى مصمودة، و احصى بها من الترابيع و الاطرزة المعدّة لصناعة و الحياكة ثلاثة الاف موضعا و اربعة و ستّون موضعا، و كان بها من الديار المعدّة لعمل الصابون سبعة و اربعون دارا، و من الديار للدبّاغ ستّة و ثمانون دارا، و ديار الصبّاغ مائة دار و ستّة عشر دارا، و كان بها اثنا عشر دارا لسبك النحاس، و كان بها من الكوش المعدّة لعمل الخبز و بيعه مائة كوشة و خمس و ثلاثون كوشة، و كان بها احدى عشر موضعا لعمل الزجاج، و بخارجها من الديار المعدّة لعمل الفخّار مائة دار و ثمانية و ثمانون دارا، و كان بضفّتى الوادى الكبير الذى يشقّها من حيث يبتدى لدخول البلد الى ءاخرها حيث يخرج بالرميلة بالجانبين منه دار الصبّاغين و حوانيتهم و دار الدبّاغ و دار الصبانين و حوانيت الحناطين و القصّابين و السفاجين و الكوش و الافران المعدّة لطبخ الغزل و غيرهم مما يحتاج الى الماء و فى اعلاء ذلك كلّه اطرزة للحياكة و لم يكن بالمدينة واد يظهر للناس حشا الوادى الكبير المذكور و باقى انهارها بنى عليها ديار و بنى اعلاها دوايرا و مصارى و حوانيت و لم يكن داخلها رياض و لا غرس حاشا زيتون ابن عطية خاصّة، و كان بها اربع مائة حجر لعمل الكاغيد، و خرب ذلك كلّه فى ايام المجاعة و الفتنة التى كانت فى ايام العادل و اخيه المامون و الرشيد و ذلك من سنة ثمانية عشر الى سنة سبع و ثلاثين و ستّ مائة و كان توالى مدّة الخراب عليها عشرين سنة الى ان ظهرت دولة المرينيّة فانجبرت البلاد و تامّنت الطرقات، قال المؤلف نقلت ذلك كلّه من تقييد بخطّ الشيخ الفقيه المشرّف ابى الحسن علىّ بن عمر الاوسىّ نقله من زمام بخطّ المشرّف القوبقر مشرّف المدينة فى ايام الناصر المؤحّد، و ذكر ابن غالب فى تاريخه ان الامام ادريس لما فرغ من بناء المدينة و حضرت الجمعة صعد المنبر و خطب الناس ثم رفع يده فى ءاخر خطبته فقال اللهمّ انك تعلم انى ما اردت ببناء هذه المدينة مباهاة و لا مفاخرة و لا سمعة و لا مكابرة و انما اردت ان تعبد بها و يتلى كتابك و تقام بها حدودك و شرايع دينك و سنّة نبيّك محمّد صلّى الله عليهم و سلّم ما ابقيت الدنيا اللهمّ وفّق سكّانها و قطّانها للخير و اعنّهم عليه و اكفّهم مؤنة اعدآئهم و ادرّ عليهم الارزاق و اغمد عنهم سيف الفتنة و الشقاق و النفاق انك على كلّ شاء قدير، فامن الناس على دعائه فكثرت الخيرات بالمدينة و ظهرت البركات فكان الزرع بها فى ايام ادريس و ايام ذريته لا يباع و لا يشترى لكثرته فبلغ وسق القمح بها فى ايامهم درهمين و وسق الشعير درهما و القطنيه ما لها سوم و الكبش بدرهم و نصف و البقرة باربعة دراهم و العسل خمسة و عشرين رطلا بدرهم و الفاكهة لا تباع و لا تشترى من كثرتها دام ذلك بها خمسين سنة، و لما فرغ ادريس من بناء المدينة و انتقل اليها بجملته و استوطنها و اتخذها دار ملكه اقام بها الى سنة سبع و تسعين و مائة فخرج الى غزو نفيس و بلاد المصامدة فوصل اليها فدخل مدينة نفيس و مدينة اغمات و فتح سائر بلاد المصامدة و رجع الى مدينة فاس فاقام بها الى شهر محرّم من سنة تسع و تسعين فخرج منها برسم غزو قبائل نفزة فسار حتى غلب عليهم و دخل مدينة تلسمان فنظر فى احوالها و صلح اسوارها و جامعها و صنع فيها منبرا، قال ابو مروان عبد الملك الورّاق دخلت مسجد تلمسان فى سنة خمس و خمسين و خمس مائة فرايت فى راس منبرها لوحا من بقية منبر قديم قد سمّر عليه هنالك مكتوب هذا ما امر به الامام ادريس بن ادريس بن عبد الله بن حسن بن الحسين بن علىّ رضى الله عنهم فى شهر محرّم سنة تسع و تسعين و مائة، فاقام ادريس بمدينة تلمسان و احوازها ثلاث سنين ثم رجع الى مدينة فاس فلم يزل بها الى ان توفّى رحمه الله فى سنة ثلاث عشر و مائتين و هو ابن ثلاث و ثلاثين سنة و دفن مسجده بازاء الحائط الشرقّى منها و قيل دفن قبلتها، و قال البرنوسىّ توفّى ادريس بن ادريس بمدينة و ليلى من بلاد زرهون فى الثانى عشر من جمادى الاخرة سنة ثلاث عشر و مائتين المذكورة و سنه يومئذ ثمان و ثلاثين سنة و دفن الى جانب قبر ابيه برباطة وليلى و كان سبب وفاته انه اكل عنبا فسوّق حبّة منه فمات من حينه فكانت ايام ملكه بالمغرب ستّ و عشرين سنة و خلف من الولد اثنى عشر ذكرا اوّلهم محمّد و عبد الله و عيسى و ادريس و احمد و جعفر و يحيى و القاسم و عمر و علىّ و داوود و حمزة فولى بعده محمّد و هو اكبر منهم.