انتقل إلى المحتوى

الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس/الناصر بن المنصور

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: الصفحات 152–160
 

الخبر عن دولة أمير المومنين الناصر بن المنصور بن يوسف بن عبد المومن بن علي

هو أمير المومنين محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المومن بن على الزناتى الكومي الموحد أمه حره اسمها أمة الله بنت السيد أبي إسحاق بن عبد المومن بن علي، لقبه الناصر لدين الله، نقش خاتمه على الله توكّلت و هو حسبي ونعم الوكيل، علامته فى الأوامر الحمد لله وحده، صفته أبيض تامّ القدّ نحيل الجسم مليح العينين أدعج وافر اللحية كبير الهمّة غليط الحواجب لا تكاد تصله الأمور إلا بعد الجهد معجب برأيه مستبدّ في أموره وتدبير مملكته بنفسه، وزراؤه ابن الشهيد وابن مثنى حاجبه وزيره الأكبر أبو سعيد بن جامع استبدّ بالوزارة والحجابة وبويع الناصر فى حياة أبيه و تجدّدت له البيعة بعد وفاته وذلك يوم الجمعة صبيحة الليلة التى توفّى فيها أبوه و أخذت له البيعة فى جميع أقطار طاعة الموحدين و خطب له و دعى على المنابر فأقام بحضرة مرّاكش بقية شهر ربيع الأوّل و ربيع الثانى و خرج فى أوّل جمادى الأولى من سنة خمس وتسعين المذكورة قاصدا إلى مدينة فاس فوصلها وأقام بها إلى آخر خمس المذكورة فخرج منها إلى جبال غمارة فغزا بها علودان الغماري الثائر بها و رجع إلى مدينة فاس فأقام بها وبنا قصبتها وأسوارها التى كان خرب جدّه عبد المومن حين دخلها ولم يزل قائما بها إلى سنة ثمان وتسعين ووردت عليه الأخبار من إفريقية انّ المايورقي قد غلب على كثير من بلادها فخرج الناصر من مدينة مرّاكش قاصدا إلى إفريقية فوصل إلى جزائر بني مزغنة فأخذ فى تجهيز الأساطيل والعساكر لقتال مدينة ميورقة حتى فتحها و أنزعها من يد المرابطين و كان فتحها فى ربيع الأوّل من سنة ستّ مائة ووصل أهلها إلى أمير المومنين الناصر فسلّموا عليه وبايعوه فعفا عنهم ووصلهم على قدر طبقاتهم وتكلّم إليهم الجميل وقدم على قضاء ميورقة الإمام المحدّث عبد الله بن حوط و ارتحل الناصر فى بلاد أفريقية يطوف على جميع أقطارها ويتفقّد أحوال أهلها و فرّ المايورقي أمامه حتى دخل الصحرا و ارتحل إلى المهدية وقد طاع له جميع من قد خرج عليه بافريقية دون قتال إلا المهدية وحدها فإن وليها إمتنع فيها وكان قد ولاه إياها يحيى المايورقي حين غلب عليها و كان هذا الوالي حاجّا شهما عالما بوجوه الحرب ومكائده فنزل عليه الناصر بظاهر المهدية و حاصره بها برّا و بحرا و نصب عليه المجانيق و الرعادات و كانت قبائل الموحدين وجنود المغرب يتناولون قتالها مع ساعات الليل والنهار فأظهر هذا الحاجّ المذكور بها مكائد الحرب وخدعه ما يقصر عنه الوصف فحاصره الناصر مدّة طويلة وأشهر أعديدة و كان الموحدون يسمونه الحاجّ الكافر ونصب عليه الناصر منجنيقا كبيرا لم يعلم مثله عظما يرمى مائة ربع فهدم البلد به فوقع الحجر من المنجنيق فى وسط دفّة باب المهدية فأطوى وسطه والدفّة من الحديد كلّه قائمة على قاعدة من زجاج أخضر و فى مواضع العثارات تماثيل أسد من نحاس أصفر فلما رءا ذلك الحاجّ والي المهدية علم أنه لا طاقة له بضبطها ولا بموافقة أمير المومنين فبايعه وأسلم إليه المهدية فأمنه الناصر وأكرمه كرامة عظيمة وأنزله منزلة رفيعة وذلك لما رءا منه لمراعاته لصاحبه وإجتهاده فى حقّه وأمر الموحدون أن يسمّوه الحاجّ الكافي و كان فتح المهدية سنة إحدى وستّ مائة، وفى سنة إثنتين وستّ مائة ولى أمير المومنين الناصر الشيخ أبا محمّد عبد الواحد بن أبي بكر بن أبي حفص جميع بلاد أفريقية وارتحل إلى المغرب فلما وصل إلى واد شلف خرج عليه يحيى المايورقي فى جيش عظيم من العرب و صنهاجة وزناتة فقاتلا قتالا شديدا هزم فيه المايورقى هزيمة عظيمة وذلك في يوم الأربعاء عقب ربيع الأوّل سنة أربع و ستّ مائة، وفيها أمر أمير المومنين الناصر ببناء مدينة وجدة فشرع فى بنائها فى مهلّ رجب من السنة المذكورة وفيها بنا السور على المزمة من بلاد الريف وبنيت قصبة بادس، و في شوال من السنة أربع المذكورة خرج أمير المومنين من مدينة فاس إلى حضرة مرّاكش بعد أن أمر بعمل الساقية بعدوة الأندلس منها و جلب الماء من عين بخارج باب الحديد وبنا الباب الجوفي المدرّج الذي بالصحن من جامع الأندلس شرّفه الله بذكره وأنفق فى ذلك أموالا كثيرة من بيت المال و فيها بنا مصلّى عدوة القرويّين وأمر أن لا يصلّى بمصلّى الأندلس فأقام الناس يصلّون بعدوة القرويّين ثلاث سنين ثم عادوا يصلّون بالأندلس والقرويّين كما كانوا بعد أن شهد أنها قديمة فأقام الناصر بمدينة مرّاكش سنة خمس وستّ مائة و سنة ستّ بعدها فاتّصلت به الأخبار من الأندلس أن الفنش لعنه الله يفتك فى بلاد الإسلام ويضرب على قراها وعلى حصونها يقتل الرجال و يسبي النساء والأموال فاستغاث أهلها بالناصر أمير المومنين فأخذ في الحركة للجهاد وفرق الأموال على القواد و الأجناد وكتب إلى جميع بلاد المغرب وأفريقية وبلاد القبلة يستنفر المسلمين لغزو الكفّار فأجابه خلق كثير وألزم كلّ قبيلة من قبائل المغرب حصة حيلا ورجالا يخرجون معه للجهاد فقدمت عليه الجيوش من سائر الأمصار وتسارع الناس حوله خفافا وثقالا من الأفاق والأقطار فلما تكاملت لديه الوفود واستوفت عليه الجنود والحشود خرج من حضرة مرّاكش في التاسع عشر لشعبان المكرّم سنة سبع وستّ مائة حتى وصل إلى قصر الجواز فنزل به وأخذ فى تجويز الناس فأقام بقصر الجواز يجوّز العساكر والقبائل والخيل والعدد من أوّل شهر شوال الى آخر شهر ذي قعدة من سنة سبع و ستّ مائة فلما تكاملت المجاهدون بالجواز جاز هو فى أثرهم فنزل بساحل طريف و ذلك فى يوم الإثنين الخامس والعشرين لذي قعدة المذكور فتلقاه هنالك جميع قواد الأندلس وفقهاؤها وصلحاؤها فسلّموا عليه وأقام بطريف ثلاثة أيام وارتحل إلى إشبيلية فى جيوش لا تحصى وأمم كالجراد المنتشر قد ملات السهل والوعر وضاق بهم المتسع والنجد والغور فأدرك الناصر الإعجاب بما رءا من كثرة جنوده فقسم الناس على خمس فرق فجعل العرب فرقة وزناتة والمصامدة وغمارة وسائر أصناف قبائل بلاد المغرب فرقة والمطوعة فرقة و كانوا مائة و ستّين الفا بين فارس و راجل و قواد الأندلس و حشودها فرقة والموحدون فرقة وأمر كلّ فرقة تنزل ناحية، فوصل الخبر إلى إشبيلية فى السابع عشر من ذي حجّة عام سبعة المذكور فأقام بها واهتزت جميع بلاد الروم بجوازه ووقع خوفه فى قلوب ملوكهم وأخذ فى تحصين بلادهم وإخلا ما قرب من المسلمين من قراهم وحصونهم وكتب إليه أكثر أمرائهم يسلونه سلامته ويطلبون منه عفوه و جاءه منهم ملك بيونة مستسلما خاضعا مستصغرا يطلب صلحه و يسئل منه عفوه وصفحه، ولما سمع هذا اللعين بدخول أمير المومنين إلى إشبيلية أدركه الخوف فبادر إلى المدارات عن نفسه و بلاده فبعث رسوله إليه يستأذنه فى القدوم إليه فأذن له أمير المومنين فى الوصول و كتب إلى كلّ بلد من بلاد الأندلس هو على طريق هذا اللعين إذا مرّ بهم يضيفونه ثلاثة أيام فإذا عزم على الرحيل فى اليوم الرابع يحبسون عندهم من جيشه ألف فارس فخرج هذا اللعين من قاعدة ملكه بجيوشه قاصدا وداخلا إلى أمير المومنين فكان إذا وصل إلى بلد من بلاد المسلمين تلقاه قوادها و أجنادها و برز عليه أهلها فى أكمل عدّة وأحسن هيئة وأضافوه ثلاثة أيام خير ضيافة فإذا كان يوم رحيله حبسوا له ألف فارس من جيشه فلم يزالوا يفعلون ذلك به حتى وصل مدينة قرمونة و لم يبق معه من جيشه غير ألف فارس فأقام فى ضيافة أهلها ثلاثة أيام فلما أراد الرحيل فى الرابع حبست الألف الفارس الباقية معه فقال لقوادها كيف تمسكون بها وما بقي لى مع من أسير غيرها فقالوا له تسير فى ذمّة أمير المومنين و تحت ظلال سيوفه فخرج لعنه الله من قرمونة فى خاصّته و زوجته وخدامه و هديته التى قدم بها إلى الناصر وقدم بين يديه كتاب النبىّ صلّى الله عليه و سلّم الذى كان كتبه إلى هرقل ملك الروم يستشفع به ويعلمه أن الملك عنده موروثا كابرا عن كابر وكان هذا الكتاب عندهم يتوارثونه محفوظا مطيئا فى حلة خضرا فى وسط صندوق من ذهب علوا مسكنا تعظيما له واجلالا لحقّه وأمر أمير المومنين الناصر أن يجعل له بروزا من باب مدينة قرمونة إلى باب إشبيلية فاصطفّت الخيل والرجال أمامها عن اليمين و الشمال صفّين بالثياب الحسنة والعدّة الكاملة والسيوف المضية والرماح المشرعة والقسى الموثورة من قرمونة إلى إشبيلية أربعين ميلا ونحوها فخرج ملك بيونة يمشى تحت ظلال سيوف المسلمين ورماحهم فلما قرب من إشبيلية أمر أمير المومنين الناصر بالقبّة الحمرا أن تضرب له بخارج المدينة مما يلي قرمونة ويجعل له فيها ثلاثة مراتب ثم سأل عمّن يحفظ لسان العجمية من القواد فقيل له أبو الجيوش عسكر فأمر بإحضاره فحضر بين يديه فقال له يا أبا الجيوش إنّ هذا الكافر قد قدم علىّ و لا بدّ من إكرامه فان قمت له عن مجلسي إذا دخل كنت قد تدممت وخالفت السنّة فى قيامي لرجل كافر بالله تعالى وإن قعدت ولم أقم له كنت مقصرا فى حقّه وملك كبير وضيف وارد ودخيل قاصد و لكنّي آمرك أن تقعد في المرتبة التى فى وسط القبّة فإذا دخل العلج من باب القبّة دخلت أنا له من الباب المقابل له فتقم أنت فتاخذ بيدي وتقعدني على يمينك وتاخذه بيده أيضا فتقعده عن شمالك ثم تكون بعد هذا تترجم بيننا فقعد القائد أبو الجيوش فى وسط القبّة فلما دخلا عليه أقعد الناصر عن اليمين وملك بيونة عن الشمال ثم قال له هذا أمير المومنين فسلّم عليه ثم تكلّما ما يجب و تحدّنا مليا ثم ركب أمير المومنين وركب ملك بيونة متأخر عنه قليلا وركب الموحدون وجيوش المجاهدين وحشر الناس ضحى وصنع أهل إشبيلية بروزا عظيما وكان من الأيام المشهورة فدخل الناصر إشبيلية وملك بيونة على أثره قريبا منه فأنزله بداخل المدينة وأعطاه تحفا جليلة وصالحه صلحا موبدا ما دامت دولة الموحدين ولعقبه ثم صرفه إلى بلاده مكرما مسعفا بجميع مطالبه وخرج الناصر فى أثره قاصدا لغزو بلاد قشتيلة وذلك فى أوّل يوم من صفر سنة ثمان وستّ مائة فسار حتى نزل حصن سريطوة وهو حصن عظيم على رأس جبل عال قد تعلّق بعنان السماء ليس له مسلك إلا طريق واحد فى أوعار ومضائق و نزل عليه وأدار به الجيوش وأخذ في قتاله ونصب عليه أربعين منجنيقا فهتك أرياضه ولم يقدر منه على شاء، و كان وزيره ابو سعيد بن جامع لم يكن شريفا النسب في الموحدين فلما ولى حجابة الناصر و وزارته أخذ يقهر أعيان الموحدين و يهين الأشراف منهم حتى فرّ من بساط الناصر كثير من الأشياخ الذين قام الأمر بهم فَانفرد هو بالخدمة هو ورجل معدل يعرف بابن منسا فكان الناصر لا يقطع أمرًا إلا بمشاورتهما فلما أمر الناصر بهذا الحصن يريد قشتيلة تعجب من منعته فقال له يا أمير المؤمنين لا نتجاوزه حتى نفتحه فيكون أوّل الفتح إن شاء الله تعالى ويقال أنه أقام على ذلك الحصن حتى عشش الخطّاف فى خبائه وباض وأفرخ وطار فراخه من طول مقامه فأقام على ذلك الحصن ثمانية أشهر ودخل فصل الشتاء واشتدّ البرد وقلّت العلوفات وفنيت أزواد الناس ونفدت نفقاتهم وكلّت عزائمهم وفسدت نياتهم التي قصدوا بها للجهاد وقنط الناس من المقام وتقطعت المدد من المحلّة فغلت الأسعار فلما تحقّق عدوّ الله الفنش ذلك دلّه وعلم أنّ شوكة المسلمين قد تكسّرت والجدّة التى قدموا بها قد خمدت فانفجر لطلب الثأر ورفع صلبانه سعارا فى جميع بلاد الكفّار فجاءت ملوك الروم في جيوشهم مستعدّين فى غاية الإستعداد وقد شمروا للطعان والجلاد وأقبلت نحوه عباد شنتمربة وأظهر حمية الجاهلية فلما أشرفت على الفنش جيوشه وحشوده وتكاملت لديه ووفوده أقبل فى جيوشه حتى نزل ثغرا من ثغور المسلمين تسمّى قلعة رياح كان فيها القائد الأجلّ المشهور البطل الشجاع المذكور أبو الحجاج بن قادس فى سبعين فارسا من المسلمين يضبط بهم ذلك الثغر فحاصره وشرع فى قتاله وضيّق عليه تضييقا كثيرا وابن قادس صابر لقتاله يبعث فى كلّ يوم كتابا إلى أمير المؤمنين الناصر يعلمه بحاله ويستنصره على أعدائه وهو على أشدّ حصره فكانت كتبه إذا وصلت الوزير حبسها ولم يطلع عليها أمير المؤمنين لئلا يقلع عن الحصن قبل أن يفتحه وكان ذلك غشا منه لأمير المؤمنين الناصر ولجميع المسلمين فإنه لم يكن يخبره بشاء من أخبار بلاده ولا من أمور رعيته ويخفى عنه مهمّات الأمور التى لا ينبغي أن يغفل عنها ولا يتناول بها فلما طال الحصار على إبن قادس وفنى ما كان عنده بالحصن من الأقوات والسهام ويئس من الإعانة وخشى أن يدخل الحصن على من به من المسلمين والعيال والذرّية أسلمه إلى الفنش على أن يسلم جميع من فيه من المسلمين فلما خرج المسلمون من حصن قلعة رياح وملكه العدوّ وسار إبن قادس إلى أمير المؤمنين فتبعه صهره وكان مثله فى النجدة فعزم عليه إبن قادس أن يرجع ويتركه وحده فقال له ارجع فأنا والله مقتول لا محالة ولا أعيش بعد هذا أبدا ولكنّي بعت نفسي من الله تعالى بسلامة من كان فى الحصن من المسلمين فأبى أن يرجع وقال له لا خير فى الحياة بعدك فلما وصلا إلى محلّة الناصر تلقاهما قواد الأندلس يسلّمون عليهما فَاتّصل خبرهما بابن جامع الوزير فخرج إليهما مسرعا وأمر العبيد أن ينزلوهما بالحتف فأُنزلا وكتّفا ثم دخل على الناصر فقال له ابن قادس ندخل معك فقال لا يدخل على أمير المؤمنين فاجر ثم دخل فأغوى الناصر بهما حتى أمر بقتلهما فخرج فأمر عليهما بالرماح فقتلا في الحين فحمد الناس عند قتلهما وحقدوا على الناصر وانفسدت نيات قواد الأندلس فخرج الوزير إبن جامع إلى قبّات الساقة فأمر بإحضار قواد الأندلس فأُحضروا بين يديه فقال اعتزلوا من جيش الموحدين فلا حاجة بنا إليكم كما قال الله تعالى ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ وسينظر بعد هذه المغافلة فى أمر كلّ فاجر، فلما سمع الناصر بإقبال الفنش إليه وتملّكه قلعة رياح التى هي أمنع ثغور المسلمين شقّ ذلك عليه حتى امتنع من الطعام والشراب حتى مرض من شدّة التغير لذلك ثم شدّ فى قتال سريطوة وبذل الأموال الجليلة فى حقها حتى فتحها صلحا وذلك فى آخر ذي حجّة من سنة ثمانٍ وستّ مائة فلما سمع الفنش أنّ الناصر قد فتح سربطوة تحرّك نحوه بجميع من كان معه من ملوك الروم وحشودهم فَاتّصل خبر قدومه بالناصر فقصد إلى لقائه بجيوش المسلمين والتقى الجمعان بموضع يسمّى بحصن العقبان فكانت المقابلة به فضربت القبّة الحمرا المعدة لقتال الأعداء على رأس ربوة وأتى الناصر حتى نزل بها وقعد على درقته وفرسه أمامه ودارت العبيد بالقبّة من كلّ ناحية كلّهم بالسلاح والعدد ووقفت السافات والبنود والطبول أمام العبيد مع الوزير أبي سعيد بن جامع فأقبلت إليهم جيوش الروم على مصافّها كأنهم الجراد المنتشر فتلقاهم المطوعة وحملوا عليهم أجمعين وكانوا مائة وستّون ألفًا فغابوا فى صفوفهم فانطبقت عليهم جيوش الروم فاقتتلوا قتالا شديدا وصبر المسلمون صبرا جميلا فاستشهد المطوعة عن آخرهم وعساكر الموحدين والعرب وقواد الأندلس ينظرون إليهم لم يتحرّك منهم أحد فلما فرغ الروم من المطوعة حملوا على عساكر الموحدين والعرب حملة منكرة فلما أُنشب القتال بين الفريقين فرّت قواد الأندلس وحشودها لما كانوا حقدوه فى قلوبهم من قتل ابن قادس وتهديد ابن جامع لهم وطرده إياهم فلما رأى الموحدون والعرب وقبائل البربر أنّ المطوعة قد قتلوا وجيوش الأندلس قد فرّوا وكثر القتل فيمن بقى وتكاثرت عليهم الروم انهزموا أمامهم وكشفوا عن الناصر وركبهم الروم بالسيف حتى وصلوا إلى الدائرة التى دارت على الناصر من العبيد والحشم فوجدوها كالبنيان المرصوص فلم يستطيعوا إدخالها فرّدوا أكفال الخيل المدرعة إلى رماح العبيد وهي منصوبة إليهم فدخلوا فيها والناصر قاعد على درقته أمام أخبائه فيقول صدق الرحمان وكذب الشيطان وهو في مكانه لايتزحزح حتى كادت الروم أن تصل إليه وقتل حوله من عبيد الدائرة ما يزيد على عشرة آلاف عبد فأقبل إليه أعرابي على فرس أنثى فقال له إلى متى قعودك يا أمير المؤمنين قد نفذ حكم الله وتمّ مراده وفنى المسلمون فحينئذ قام إلى أجود سابق الخيل كان أمامه ليركب فترجّل العربى عن الفرس التى كان عليها وقال له إركب على هذه الحرّة فإنها لا ترضى بعار فلعلّ الله عزّ وجلّ أن يسلمك عليها فإن فى سلامتك الخير كلّه فركبها الناصر وركب العربي جواده وتقدم أمامه فى كبكبة عظيمة من العبيد دائرة بهم والروم فى أعقابهم وبقي القتل فى المسلمين إلى الليل وتحكّمت فيهم سيوف الروم فاستأصلوهم حتى فنى جميعهم ولم ينج منهم إلا الواحد من الألف ونادى منادى الفنش لا أسار إلا القتل ومن أتى بأسير قتل هو وأسيره ولم يأسر العدوّ فى هذه الوقعة أحدًا من المسلمين وكانت هذه الكاينة المليمة والرزية العظيمة يوم الإثنين خامس عشر من صفر وهي سنة تسع وستّ مائة فذهبت قوّة المسلمين بالأندلس من تلك الهزيمة ولم تنصر لهم راية بها واستطال العدوّ عليها فملك معاقلها واستحوذ على أكثر بلادها حتى كاد أن يملك جميعها لولا أن الله عزّ وجلّ تداركها بجواز أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحقّ رحمه الله ورضى عنه فأحيا ديارها وأقام منارها وغزا بلاد الكفرة فدمّرها، ولما فرغ الفنش لعنه الله من وقعة العقاب سار إلى مدينة أبرة فدخلها على المسلمين بالسيف عنوة فلم يحيى بها كبيرا ولا صغيرا ومن بعدها لم يزل يملك الأندلس بلدا بعد بلد حتى استولى على جميع قواعدها ولم يبق بأيدى المسلمين منها إلا القدر اليسير ولم يوقفهم على أخذ تلك الفيئة إلا حماية الله عزّ وجلّ لها على يد الدولة المرينيّة خلّد الله ملكها ويقال أنه لم يبق من ملوك الروم الذين حضروا وقعة العقاب ودخل أبرة أحد إلا مات فى تلك السنة بعينها ولما وصل الناصر من هزيمة العقاب قدم إلى إشبيلية فدخلها فى العشر الأواخر من ذي حجّة من العام المذكور وكان الناصر قد أدركه الإعجاب في هذه الغزوة وأشهد بكثرة جيوشه وجنوده وتوفر حشوده لأنه اجتمع له فى تلك الحركة من المقاتلين خيول ورجال ما لم يجتمع لملك قبله كان فى عسكره من المتطوعة مائة وستّون ألفًا بين فارس وراجل ومن الرجال المحشدة ثلاث مائة ألف رجل ومن العبيد الذين يمشون بين يديه فى الحرب ويدورون حوله ثلاثون ألف عبد ومن الرمّاة والأغزاز عشرة آلاف دون المرتزقة من الموحدين وزناتة والعرب وغيرهم فاعتمد على كثرة جنوده وظنّ أنّ لا غالب له من الناس فأراه الله عزّ وجلّ تلك الآية ليعلم أنّ النصر من الله تعالى والقدرة والحول والقوة بيد الله سبحانه، ولما دخل الناصر مرّاكش عند انصرافه من العقاب أخذ البيعة لولده السيد أبي يعقوب يوسف الملقب بالمنتصر فبايعه كافّة الموحدين وخطب له فى جميع منابرهم فى العشرة الآخرة من ذي حجّة من سنة تسع وستّ مائة ولما تمّت البيعة دخل الناصر قصره فاحتجب فيه عن الناس وانغمس فى لذّاته فأقام فيه مصطبحا ومغتبقا إلى شهر شعبان المكرم من سنة عشر وستّ مائة فمات مسموما بأمر وزرائه كسّوا إليه من يسمّه من جواريه فى كأس خمر فمات من حينه لأنه كان قد عزم على قتلهم فعاجلوه قبل ذلك فكانت وفاته يوم الأربعاء الحادي عشر لشعبان من عام عشره وستّ مائة بقصره من قصبة مرّاكش فكانت دولة أيامه خمسة آلاف يوم وأربع مائة يوم واحدًا وخمسين يوما يجب لها من السنين خمس عشرة سنة وأربعة أشهر وثمانية عشر يوما أوّلها يوم الجمعة الثاني والعشرين لربيع الأوّل سنة خمس وتسعين وخمس مائة وهو الذي بويع فيه بعد وفاة أبيه وآخرها يوم الثلاثاء العاشر لشعبان من سنة عشر وستّ مائة وهو الذي توفّي فيه مسموما في إناء من خمر.

الخبر عن دولة أمير المومنين يوسف المنتصر بالله بن الناصر بن المنصور بن يوسف بن على

هو أمير المومنين يوسف بن أبي عبد الله الناصر بن يعقوب المنصور بن يوسف الشهيد بن عبد المومن بن علي الزناني الكومي أمّه فاطمة بنت السيد أبي علي بن يوسف بن عبد المومن، لقبه المنتصر بالله، كنيته أبو يعقوب، صفته شابّ السنّ حسن القدّ أزهر اللون جميل الصورة أقنى الأنف سبط الشعر، كتّابه كتاب أبيه وزراؤه أعمامه هم الذين كانوا يدبّرون الدولة مع الأشياخ لأنه كان حين بويع صغير السنّ كما راهق الحلم لا حنكة له ولا تجربة ولا معرفة بالأمر فأقام أشياخ الموحدين دولته مع أشياخ العادة من أعمامه فاستقرّت خلافته لأجل ذلك ولم يتنازع عليها ولم يغز فى أيامه ولم يقدر عليه وكانت أوامره لا تمتثل