انتقل إلى المحتوى

الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس/الدولة الموحدة المومنية

ملاحظات: الصفحات 110–114
 

الخبر عن الدولة الموحدة المومنية وقيامها على يد محمد بن تومرت المسمى بالمهدی

قال المؤلف عفا الله عنه اما المهدى القائم بدولة بني عبد المؤمن بالمغرب الاقصى فهو على ما ذكره المؤرّخون لدولتهم محمّد بن عبد الله بن عبد الرحمان بن هود بن خالد بن تماح بن عدنان بن صفوان بن جابر بن يحيى بن عظاء بن رياح بن يسار بن العبّاس ابن محمّد بن الحسن بن علىّ بن ابى طالب رضى الله عنهم وقيل هو دُعِىَّ فى هذا النسب الشريف ذكره ابن مطروح القيسى فى تاريخه وقال هو رجل من هرغة من قبائل المصامدة يعرف بمحمّد بن تومرت الهرغى وقيل هو من جنفيسة والله اعلم بذلك كلّه، كان اوّلَ امره وابتداء حاله رجلاً فغيرًا مشتغلاً بطلب العلم وتحصيله وكان له قاموس عظيم فارتحل الى المشرق في طلب العلم فرءا مشايخ وسمع منهم واخذ عنهم علما كثيراً وحفظ كثيرا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم واتبع فى علم الاصول والاعتقادات وكان في جملة من لقى من العلماء الذين اخذ عنهم العلمَ الشيخ الامام الاوحد ابو حامد الغزالي رحمه الله ورضى عنه لازمه لاقتباس للعلم عنه من ثلاث سنين فكان الامام ابو حامد اذا دخل عليه المهدی يتامله ويختبر احوالة الظاهرة والباطنة فاذا خرج عنه يقول لجلسائه لا بدّ لهذا البربرى من دولة اما انه يثور بالمغرب الاقصى ويظهر امره ويعلوا سلطانه ويتّسع ملكه فان ذلك ظاهر عليه في صفاته وبان عنه في شمائله وردت بذلك الاخبار ودلّت عليه العلا العلامات والاثار فنقل اليه الخبرَ بعضُ الاصحاب وأخبره أن ذلك عند الشيخ في كتاب فلم يزل يجتهد في خدمة الشيخ ويقرب اليه حتى اطلعه على العلم الذي كان عنده فيه فلما تحقّقت عنده الحالة استخار الله سبحانه وعزم على الترحال، قال المؤلف عفا الله عنه أقبل محمّد المهدى المذكور من الشرق ويؤمّ بلاد المغرب متوكّلا على الله عازما على اقامة شرايع الله وسنّة نبيه عليه السلام وكانت رحلته عن بلاد المشرق في أوّل يوم من ربيع الأول المبارك من عام عشرة وخمس مائة فكان حيثما حلّ من مدن افريقية وبلاد المغرب يدرس العلم ويظهر التقشّف والورع والزهد في الدنيا ويامر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى وصل إلى بلاد تلمسان فنزل منها بقرية تعرف بتاجر من أحواز تلمسان فلقيه بها عبد المؤمن بن علىّ فائضاف على خدمته وقرأ عليه واخذ عنه وعلّمه بمراده وما قصده من طلب الخلافة فوافقه على حاله وتبعه في أمره وبايعه على موازرته فى الشدة والرخاء والعسر واليسر والامن والخوف وقدم معه الى المغرب الاقصى وكان المهدى أوحد عصره في علم الكلام وعلوم الاعتقاد حافظا للحديث والفقه له لسانة وفصاحة فاخذ يشيع عند الناس أنه الامام المهدى المنتظر المخبر به القائم فى أخر الزمان الذي يملا الارض عدلا كما مليت جورا واخذ يستنقص المرابطين ملوك المغرب ويطعن عليهم وبنسبهم الى الكفر والتجسيم ويدعوا الى خلع طاعتهم ويمشى في الاسواق ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويكسر المزامير وآلات اللهو ويريق الخمر حيثما وجده ففعل ذلك في ايّ بلد حلّ فيه واىّ موضع نزل به الى ان وصل الى مدينة فاس فنزل بها في مسجد طرياتة قاقام به يدرس العلم إلى سنة أربع عشرة وخمس مائة فارتحل الى مدينة مراكش دار مملكة المرابطين لعلمه أنه لا يظهر أمره إلا منها فسار حتى وصلها وبها أمير المسلمين على بن يوسف بن تاشفين فدخل المدينة بزى الزهد و قصد مسجدا ياوى اليه ومعه عبد المومن في خدمته مريع بامامته فكان يمشى فى اسواق المدينة وشوارعها يامر بالمعروف وينهى عن المنكر ويريق الخمر ويكسر الات الطرب من غير اذن أمير المسلمين ولا موارة من أحد من القضاة والوزراء فاتّصل خبره بامير المسلمين علىّ بن يوسف فامر باحضاره فلما مثل بين يديه نظر الى تقشفه ورثاثة حاله فاستحقره وهان عليه أمره وقال له ما هذا الذي بلغنا عنك قال وما بلغك أيها الامير انما انا رجل فقير طالب الاخرة وليس بطالب دنيا ولا حاجة لي بها غير انى امر بالمعروف وانهى عن المنكر وانت أولى من يفعل ذلك فانك المسؤل عنه وقد وجب عليك أحياء السنة واماتة البدعة وقد ظهرت ببلدك المنكرات وفشت البدع وقد أمرك الله بتغييرها واحياء السنة بها اذا لك القدرة على ذلك وانت الماخون به والماسول عنه وقد عاب الله العظيم امة تركوا النهي عن المنكر فقال تعالى كانُوا لا يَتَنَاهُونَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِثْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ فلما سمع ذلك أمير المسلمين على بن يوسف من مقالته هابه وأطرق براسه الى الارض مليا يفكر في أمره ومقالته وينظر فى حاله ثم رفع راسه الى وزرائه نامرهم باحضار الفقهاء إلى مناظرته واختباره قاحضر فقهاء مراكش وطلبتها وأشياخ المتونة والمرابطين حتى امتلا المجلس وغص بالناس وعرفهم أمير المسلمين بأمر المهدى وبمقالته وقال لهم انما بعثت فيكم لتختبروا أمره فان كان عالما أتبعناه وأن كان جاهلا أدبناه فاكثروا الكلام واخذوا في الملام وكان المهدى عالما بالمجدل وقال لهم قدموا منكم من تقوم به جندم وتدبوا باداب أهل العلم وسلموا عند شروط المناظرة واتركوا اللحجاج فقدموا أحدكم ممن توثقوا بمعرفته وتقدمه، وكان رجل من حضر ذلك المجلس من الفقيد، اصحب حديث وفروع وليس منهم من له المعرفة بالاصول والجدل فكان أول ما سألهم عنه أن قال للذي تقدّم لكلامه أيها الفقيه انت لسان الجماعة المتقدّم للكلام فاخبرنى هل تحصر طرق العلم أم لا تنحصر فاجابه في تنحصر من الكتاب والسنة والمعانى التي بنيت عليها فقال له المهدى انما سألتك عن طرق العلم هل تنحصر أم لا فلم تذكر الا واحدة منها ومن شرط الجواب أن يكون مطابقا للسؤال فلم يفهم مقالته وعجز الجواب ثم ساله عن أصول الحق والباطل ما هي فعاد الى جوابه الأول فلما رعا عجزه وعجز أصحابه عرفهم السؤال ومجرى الخطاب ولم تكن لهم معرفة بالجواب شرح لهم في تبيين أصول الحق والباطل فقال لهم اما اصول الحق والباطل فهي أربع العلم والجهل والشك والظن فالعلم أصل الهدى والشك والفن والجهل أصل الضلال ثم أخذ في تبيين طريق العلم فبصرهم بأنوار العلم وغلقت دونهم أبواب الفهم وعجزوا عن جوابه ولم يفهموا معنى خطابه فلما رعاوا باهر علمه واصابة معرفته أخذتهم فضيحة العجز وركنوا إلى ظلمة الجحد والافكار قلببوا عليه وقالوا لامير المسلمين على هذا رجل خارجی مسعور احمق صاحب جدل ولسان يُضِلَّ جهال الناس وأن بقى في المدينة يفسد عقائد أهلها ونشروا ذلك عند الناس حتى رسم ذلك في قلوب أكثر العامة فامره أمير المسلمين بالخروج عن المدينة فخرج منها فبنى خيمة بالجبانة بين القبور بقرب المدينة وقعد فيها فحان ياتيه بعض الطلبة فيقرون عليه وياخذون عنه حتى كثر عليه الجمع وعز عليه اتباعه وتلاميده وتكاثر عليه الدس وامتلات قلوبهم له محبّة ومهابة وتعظيما فأعلم الخاصّة منهم بالذي قصده وبما يريده وأخذ يطعن على المرابطين هم كفرة مجسمون وغزوهم واجب على كل من يعلم أن الله تعالى واحد في ملكه أوجب من غزو الروم والمجوس وتابعه على ذلك ما يزيد على ألف وخمس مائة رجل فعرف خبره إلى أمير المسلمين على وعرّفه انه يطعن في دولةالمرابطين ويكفرهم وانه قد كثر أتباعُه على مذهبه فبعث الیہ فقال له أيها الرجل اتّق الله في نفسك ألم أنهِك عن عقد الجموع والمحازب وأمرتك بالخروج عن المدينة قال امتثلتُ أمرك وخرجت عن المدينة إلى الجبانة فبنيت خيمة بين الموتى واشتغلت بطلب الآخرة فلا تسمع لاقوال المضلّين فأغلظ له أمير المسلمين بالقول وتوعده بالنكال وهمّ بالقبض عليه فعصمه اللہ منه لیقضی الله أمرا كان مفعولا فامره بالانصراف فانصرف يريد خيمته فبينما هو في بعض الطريق أذ أغوى به أمير المسلمين وشرح له جلية حاله ويدعوا الناس اليه من إمامته وبيعته فبدا له في أمره وعزم على فتله وبعث مَنْ بأتيه برأسه فسمع بذلك بعض تلاميذه فأتاه مسرعّا حتى وقف بالقرب من خيمته ونادی بأعلى صوته یا موسی إن الملأ ياتمرون بك ليقتلوك فاخرج إنى لك من الناصحين فكرّر الندا ثلاث مرّات ثم سكت ففطن المهدي لندائه وخرج في الحين مسرعًا مستخفيا حتى بلغ بلاد تينمل وذلك فى شهر شوال من سنة أربع عشرة وخمس مائة فنزل هنالك ولحق به أصحابه العشرة وهم عبد المؤمن بن على وابو محمد البشير وعمر(أبو حفص) بن يحيى أبنتى، وأبو حفص عمر بن على أصناك، وسليمان بن خلوف، وإبراهيم بن اسماعيل الهزرجيّ، وابو محمد عبد الواحد الحضري، وابو عثمان بن يخلف، موسى بن ثماري، وأبو يحيى بن يجيت. فهؤلاء العشرة أصحاب المهدي السابقون إلى دعوته والمصدقون بإمامته المنقادون لإمارته المسارعون الى بيعته.أقاموا معه بتينمل إلى شهر رمضان المعظم من سنة خمس عشرة وخمس مانة، فكثر أتباعه، وعظم صيته في جبل درن واجتمع عليه خلق عظیم. فلما رأى ذلك أظهر دعوته ودعا الناس الى بيعته، فكان أوّل من بايعه أصحابه العشرة المذكورون وكانت بيعتهم له بعد صلاة الظهر يوم الجمعة الخامس عشر من شهر رمضان عام خمسة عشر وخمس مائة. فلما كان من الغد وهو يوم السبت السادس عشر من رمضان المذكور السادس عشر من رمضان المذكور خرج إلى المسجد الجامع بتينمل مع أصحابه العشرة متقلدين بسيوفهم فصعد المنبر وخطب الناس وأعلمهم أنه الإمام المهدي المنتظر الذى يملأ الارض عدلا وأظهر دعوته ودعاهم الى بيعته فبايعه كافة اهل تينمل ومن جاورهم بها من الناس. وبعد ذلك يستجلب القبائل واهل الجهل وبعث أصحابه دعوة إلى القبائل، وفرّق من يثق بسياسته من تلاميذه في البلاد القاصية والدانية يدعون الى بيعته ويثبتون عند الناس إمامته ويزرعون في قلوبهم محبته مما يذكرون له من الفضائل والكرامات ويصفونه به من الزهد في الدنيا. وأظهر الحق فقصد الناس اليه من جهات ومدن يبايعونه ويتبركون برؤيته فياخذ عليهم البيع ويعلمهم أنه المهدي المنتظر حتى علا أمره وقوي سلطانه ويسمى كلّ من دخل في طاعته وبايعه وتابعه على طريقته بالموحدين. وعلمهم التوحيد باللسان البربرى، وجعل لهم فيه الأعشار والأحزاب والسور وقال لهم: من لا يحفظ هذا التوحيد فليس بموحد، وإنما هو كافر لا تجوز إمامته ولا تؤكل ذبيحته. فصار هذا التوحيد عند قبائل المصامدة كالقرآن العزيز. إنه وجدهم قوما جهلة لا يعرفون شيئا من أمر الدين ولا من أمر الدنيا فاستهواهم بكيده وغلبهم بعذوبة لفظه ولسانه ومكرد حتى كانوا لا يذكرون غيره ولا يمتثلون أمرا إلا أمره وبه يستغيثون في شدتهم ويتبركون بذكره على موائدهم ويقولون هذا الإمام المعلوم والمهدى المعصوم على منابرهم، فدخل الناس فى طاعته أفواجا وأخذوا سنته شريعة ومنهجا فرتب العشرة والخمسين وتمكن في الملك أي تمكين وسمى العشرة من أصحابه السابقين الأولين، وجعل الخمسين للرأى والمشورة وعقد لنفسه الإمامة والنظر للمسلمين، فلم يزل تقبل اليه الجموع والقبائل وتفد عليه الوفود ويخطب له في المحافل حتى كمل له من أنصاره الموحدين واصناف قبائل المصامدة ما يزيد على العشرين ألف رجل، فقام فيهم خطيبا، وندبهم إلى جهاد المرابطين فانتدب إليه الناس وبايعوه على الموت بين يديه، وانتخب منهم جيشا من عشرة آلاف رجل من أجناد الموحدين وقدم عليهم أبا محمد البشير وعقد راية بيضاء ودعا لهم وودعهم فخرجوا قاصدين إلى مدينة أغمات، فاتصل خبرهم بأمير المسلمين على بن يوسف فبعث لقتالهم جيشا من الحشم والأجناد وقدم عليهم الأحول الناظر على لمتونة، فهزم جيش علي بن يوسف وقتل الأحول أكلتوم واستمرت الهزيمة على لمتونة وتبعهم الموحدون بالسيف حتى أدخلوهم مدينة مراكش. فأقاموا عليها محاصرين لها أياما، ثم ارتحلوا عنها إلى الجبل لما تكاثرت عليهم جيوش لمتونة وذلك في ثلاث شعبان المكرم من سنة ستّ عشرة وخمس مائة فانتشر أمر المهدی بجميع بلاد المغرب والأندلس، وقسم الغنائم التي غنموا من عسكر لمتونة على الموحدين وتلا عليهم قوله تعالى: (وَعَدَكُمُ الله مَغَانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه.) الآية