الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس/الخليفة ابو سعيد
الخبر عن دولة ملك الزمان وسراج الاوان الامام السعيد
والخليفة
الرشيد امير المسلمين ابى سعيد
هو الخليفة في وقتنا هذا وفي سنة ستّ وعشرين وسبع مائة اطال الله ايامه وخلّد ملكه ونصر علامة وامضى فى الاعداء سيوفه واقلامه وهو عبد الله عثمان امير المسلمين بن امير المسلمين المنصور بالله القائم بالحقّ الى يعقوب بن عبدالحقّ ، کنيته ابو سعيد لقبه السعيد بفضل الله امّه حرّة اسمها عايشة بنت أمير عرب الخلط ابى عطية مهلهل بن يحيى الخلطى مولده يوم الجمعة التاسع والعشرين لجمادى الاخرة من سنة خمس وسبعين وستّ مائة، صفته ابيض اللون ازهر معتدل القدّ مليح الوجه جميل الصورة حسن القبول وطىء الاكتاف متواضعا في ذات الله تعالى شديدا في حدود الله شفيقا رفيقا جوادا كريما متوقفا في سفك الدماء ذا اناعة وحلم ودهاء وسياسة وعقل وهو احد السوابق من الملوك ، وزراءه في اوّل دولته ابو الحجاج يوسف بن عيسى الحشمى وابو علىّ عمر بن موسى بن عمران القودودى ثم توفّيا فاستوزر بعدهما ابا عبد الله محمّد بن ابى بكر بن علىّ وابا سالم ابراهيم بن عيسى اليرنانىّ، كتّابه الحاجّ الفقيه ابو عبد الله بن ابي مدين وابو المكارم منديل الكناني ثم توفّيا فكتب له بعدهما الفقيه الاجلّ الكاتب الابرع الافتل ابو محمّد عبد المهيمن بن الفقيه العالم الاوحد المجتهد المشاور القاضي الاعدل ابو عبد الله محمد الحضرمى والفقيه الكاتب ابو محمد صالح بن حجاج والفقيه الكاتب ابو العبّاس بن الفراق، قضاته الفقيه القاضي ابو عمران الزرهوني ثم الفقيه الاجلّ العالم الاوحد المشاور المجتهد قاضي الجماعة ابو عبد الله محمّد بن الشيخ والفقيه العالم المحدّث المجتهد الصالح الورع المبارك قاضى الجماعة ابو الحسن بن ابى بكر المليلي، اطباؤه ابو عبد الله بن الغليط الاشبيليّ ثم ولده الوزير ابو الحسن والوزير ابو محمّد غالب الشقوري، بويع له بالخلافة ليلة الاربعاء منسلخ جمادى الاخرة من سنة عشر وسبع مائة بقصبة رباط تازا بابعه الوزراء والكتّاب والاشياخ والخاصّة وكتب الاوامر فى تلك الليلة وصرف بها البريد للبلاد يخبر بوفاة سليمان وبيعته وبعث ولده الامير الاجلّ المبارك الاسعد الاكمل ابا الحسن علىّ الى مدينة فاس فوصلها في وقت العصر من يوم الاربعاء غرّة شهر رجب من سنة عشر وسبع مائة فدخل المدينة الجديدة دار ملكهم وقرار سلطانهم فملكها وضبط امورها وحوز القصر وبيوت الاموال والخزائن والسلاح وامر بضرب الطبول والمفرحات ولما اصبح امير المسلمين ابو سعيد بيوم الاربعاء غرّة رجب المذكور ركب من قصر رباط تازا الى خارج المدينة فى زى عجيب واحتفال عظيم فجدّدت له البيعة هنالك فبايعه جميع قبائل مرين وكافّة العرب والاندلس والاغزاز والقواد والروم ثم بايعه الفقهاء والقضاة والصلحاء واشياخ المدينه ببيعة عامّة من جميع الناس رضاء من قلوبهم وطيبا من نفوسهم واختيارا له على من سواء وذلك لِمّا جمع الله عزّ وجلّ فيه من الحلال السنية والاخلاق السرية الرضية والشيم المحمودة والمآثر الجميلة المشهودة والحزم والدين والشفقة على سائر المسلمين والفضائل الوافية والسياسة الشافية التي لا تصلح للخلافة إلا بها فكان كما قيل
ولما تمّت له البيعة واستقام له الامر فرق الاموال على قبائل بني مرين والعرب والاجناد ووصل الفقهاء والصّلحاء واحسن الى الخاصّة والعامّة وجلس الناظر في امر بلاده ورعيته وباشرها بنفسه فرفع المظالم عن الناس وحطّ المغارم وسرّح اهل السجون الا اهل الفساد في الارض واصحاب الدماء ومَنْ حبس في حقّ شرعى وامر بتفريق الصدقات في الضعفاء واهل التستر من البيتات ورفع عن اهل مدينة فاس ما كان يلزم رباعهم من الوظائف المخزنية في كلّ سنة فاصلح حال الناس في ايامه وكثرت الخيرات بايديهم فلايام بدولته مشرفة والخيرات بها متتابعة متسعة والرعية بحمد الله تعالى بها فى جناب رطب ومشرب عذب وظلّ ظليل وحرز كفيل وخیر کامل وصلاح شامل فلياليهم مشرقة بواسم وايامهم اعياد ومواسم وذلك بيمن خلافة امير المسلمين وبركة امامته التى اّتّخذ الحقّ فيها امامه وملك يده زمامه واجرى عليه في القوى والضعيف اعماله واحكامه ورفع لدعوة المظلوم حجابة وفتح على الضعفاء بالخير بابه ووطا للرعية بالحلم اكنافه وافاض عليهم عدله وابدل انصافه اطال الله عمره وخلد ملكه، وفي العشر الاخر من شهر رجب خرج امير المسلمين ابو سعيد من رباط تازا الى مدينة فاس فدخلها وقدمت عليه وقود البلاد بها وفقهأوها وقصاتها واشياخها للسلام والتهنية بالخلافة قاقام بمدينة فاس وعيد بها عيد الفطر، وفي شهر ذى قعدة خرج امير المسلمين ابو سعيد من مدينة فاس الى رباط الفتح برسم التفقّد لامور رعيته والنظر فى احوال بلاد الاندلس وانشا الاجفان لغزو العدوّ فوصلها في اخر في قعدة فعيّد فيها عيد الاضحى واصلح أحوالها وامر بانشاء الاجفان في بحرها ورجع الى مدينة فاس ، وفى سنة احدى عشرة ولّى امير المسلمين ابو سعيد اخاء الامير ابا البقاء يعيش الجزيرة ورندة واحوازها من بلاد الاندلس وامر بانشاء الاجفان بدار صناعة مدينة سلا برسم غزو الروم وكان بهذه السنة قحط واستسقى الناس له فخرج امير المسلمين ابو سعيد إلى اقامة السنة للاستسقاء خشي على قدميه حتّى غير وصل المصلّى والفقهاء والصلحاء والقراء بين يديه بالذكر كلّ ذلك تضرّعا لله تعالى وتواضعا لجلالة واقامة لسنة نبينا ومولانا محمّد صلى الله عليه وسلّم وقدم بين يدى نجواه بالصدقات وفرق الاموال لذوى الحاجات وكان خروجه للاستسقاء المذكور فى يوم الاربعاء الرابع والعشرين من شعبان المكرم من سنة احدى عشرةوسبع مائة ثم سار فى يوم السبت السابع والعشرين من شعبان المذكور في جميع جيوشه حتى وصل الى جبل الكندرتين لزيارة قبر الرجل الصالح ابي يعقوب الاشقر نفعنا الله به فدعا الله تعالى هنالك فقبل الله تعالى دعوته ورحمه ورحم بلاده واغاث عباده ولم يرجع من هنالك الا بالمطر العام لجميع البلاد ولم يزل امير المسلمين ابو سعيد اطال الله ايامه من اوّل خلافته الى الان يعود المرضى ويشهد جنائز الصلحاء ويعطى الشرفاء والفقهاء والصلحاء في كلّ سنة الاموال والخلع والزرع ما يحتاجون اليه، وفى سنة ثلاث عشرة وسبع مائة خرج على امير المسلمين ابي سعيد عدي بن هنوا الهسكورى ببلاد هسكورة فخرج اليه امير المسلمين حتى نزل على قلعته فامكنه الله تعالى منه فدخلت بلاده ونهبت امواله وتقف بالحديد وقدّمه بين يديه موقعا مغلولا الى مدينة فاس فثقفه بها، وفي سنة اربع عشرة وسبع مائة فى شهر ذى حجّة منها عقد امير المسلمين أبو سعيد لولده الامير الاجل اني على عمر على بلاد القبلة ومدينة سجلماسة وبلاد درعة وما والى ذلك الى الصحراء وخوض له الامر فى خراجها وجميع امورها وفى هذه السنة ولى امير المسلمين أبو سعيد القائد يحيى بن الفقيه ابى طالب العزفى مدينة سبتة وفوّض له في جميع امورها وعقد له على اسطولها، وفى سنة خمس عشرة وسبع مائة امر امير المسلمين ابو سعيد ببناء الباب امام القنطرة من مدينة الجزيرة من مدينة الجزيرة ثم بعد ذلك دار الستارة بالمدينة المذكورة، وفيها سار امير المسلمين الى حضرة مراكش فاقام بها مدّة حتى اصلح حوالها وعاد الى مدينة فاس وفي سنة ستّ عشرة وسبع مائة نزل القائد يحيى جبل الفتح وحاصرها اياما حتّى دخل ربطه، وفيها افسد يحيى المذكور اجفان الروم ببحر الزقاق وقتل قائدها جرياق وكان اذية على المسلمين فروّح الله منه الناس، وفى شوّال من هذه السنة تار يحيى العزفى بسبتة وتمنع عن الوصول الى حضرة امير المسلمين ابى سعيد فبعث اليه امير المسلمين وزيرَه ابا سالم ابراهيم بن عيسى اليونانى فسار اليه في جيش عظيم فنزل عليه وحاصره مدّة، وفى سنة تسع عشرة وسبع مائة خرج امير المسلمين ابو سعيد من مدينة طنجة برسم النظر في مر سبتة وبلاد الاندلس، وفيها امر ببناء الجبوب براس قبور الاغزاز فبنيت واقام امير المسلمين بمدينة طنجة اياما ثم رجع الى فاس، وفى شعبان من سنة عشرين وسبع مائة خرج امير المسلمين ابو سعيد الى مراكش فاقام بها مدّة حتى سكّن احوالها وتفقّد امور رعيتها وضبط ثغورها واستخلف عليها جَنْدون بن عثمان ورجع الى مدينة فاس ودخلها في اخر سنة عشرين وسبع مائة، وفي سنة احدى وعشرين تحرّك امير المسلمين ابو سعيد الى رباط تازا فاقام بها مدّة من ثلاثة اشهر وامر ببناء حصن تاوريرت وسكّنه بالرجال والرماة والخيل، وفي هذه السنة امر ببناء سور مدينة اجرسيف، وفى سنة اثنتين وعشرين وسبع مائة في ربيع الاخر منها خرج امير المسلمين الى مرّاكش فوصلها واقام بها مدّة حتى سكّن احوالها وضبط امورها ورجع الى مدينة فاس، وفى سنة ثلاث وعشرين وسبع مائة كان الفحط الشديد بالمغرب فاستسقا الناس وخرج ايضا امير المسلمين ابو سعيد الى اقامة سنة الاستسقاء وقدّم بين يديه الصدقات، وفي سنة اربع وعشرين وسبع مائة وصدرا من خمس وعشرين كانت المجاعة بالمغرب وارتفع السعر في جميع البلاد وغلت الاسعار في الامصار فوصلت صحفة القمح تسعين دينارا ومد القمح خمسة عشر درهما والدقيف اربع اواق بدرهم واللحم خمس اواق بدرهم والزيت اوقيتان بدرهم والعسل كذلك والسمن اوقية ونصف بدرهم وعدمت الخضرة باسرها دام ذلك من اول سنة اربع وعشرين الى شهر جمادى الاولى من سنة خمس وعشرين فاغاث الله عزّ وجلّ بلاده ورحم عبده وصنع امير المسلمين في هذه الشدّة والمجاعة مع رعيته ما لا يقدر احد ان يصفه فتح اهراء الزرع واخرجه للبيع اربعة دراهم للمد والناس يبيعونه ستّة عشر درهما وامر بالصدقات فلم يزل يفرقها بطول ايام الشدّة بمرّ بها الثقات على حرائر المدينة يعطونها لاهل التستر والبيتات وذوي الفاقة والحاجة كلّ على قدر حاله وضعفه وكانوا ياخذونها من دينار ذهبا الى ربع دينار ولم يزل من يوم ولايته الى الان يامر بالجبات والاكسية في زمن الشتاء والقرّ للضعفاء والمساكين وامر بمَنْ مات من الغرباء ان يجهز ويكفن في الثياب الجديدة ويقام بحقّ دفنهم احسن قيام نفعه الله تعالى يفعله وابقى على المسلمين ايامه بمنّه وفضله*