انتقل إلى المحتوى

الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس/الامير الحسن بن كنون

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
 

الزناتيّ الذي ولاّه الناصر الأمويّ عليها، حين بايعه اهلها وقتل حماتها وأشياخها، ولهب المدينة وسبا أهلها، وهدم اسوارها، وكان الحادث بها عظيما، وكان دخول جوهر اياها ضحوة يوم الخميس الموفّى عشرين لشهر رمضان المعظم سنة تسع وأربعين وثلاث مائة. ثم سار جوهر في بلاد المغرب يقتل أولياء المروانيّين ويفتح البلاد والمعاقل، وفرّت أمامه القبائل من زناتة وغيرهم، فانفذ الأمر فى المغرب ثلاثين شهرا، ثم انصرف إلى مولاه معد بن اسمعيل العبدىّ، بعد أن دوّخ بلاد المغرب، وأثخن فيها وقتل حماتها وقطع الدعوة به للمروانيّين وردّها العبيديّين، فخطب لهم على جميع منابر المغرب، فوصل القائد جوهر إلى المهدية، وحمل معه احمد بن ابى بكر اليغرنىّ أمير فاس وخمسة عشر رجلا من أشيخها، ومحمّد بن الفتح امير سجلماسة، أُسّارا بين يديه في أقفاص من خشب على ظهور الجمال، وجعل على رؤسهم قلانسا من لبد مستطيلة مثبتة بالقرون، فطوّف بهم في أسواق القيروان ثم حملهم الى المهدية، فادخلهم المدينة بين يديه ثم حبسهم بها حتى ماتوا في سجنها، وكان الامير الحسن بن كنون قد بايع العبيديين فيمن بايعهم عند غلبة جوهر على المغرب، فلمّا انصرف جوهر الى افريقية في آخر سنة تسع وأربعين وثلاث مائه، نكث الحسن بن كنّون بيعة العبيديّين، وعاد إلى بيعة المرونيّين، وتمسّك بدعوة الناصر ودعوة ولده الحاكم المستنصر من بعد؛ خوفا منهم لا محبّة فيهم، لقرب بلاده منهم، فلم يزل في طاعتهم قائما بدعوتهم الى أن قدم بلقين بن زيرى بن مناد الصنهاجيّ من افريقية قاصداً إلى المغرب؛ لاخذ ثار أبيه، فقتل زناتة واستاصلهم وملك المغرب بأسره، وقطع أيضا منه دعوة الأمويّين، وقتل اولياءهم، وأخذ البيعة على جميع بلاد المغرب لمعد بن اسمعيل كما فعل جوهر قبله، فكان أوّل من سارع الى بيعته ونصرته وقتل أولياء المروانيّين، وقطع دولتهم من امراء المغرب الحسن بن کنّون صاحب مدينة البصرة وكشف وجهه فى ذلك، وعمل فيه جهده، فاتّصل خبره بالحاكم المستنصر، فحقد له ذلك، فلمّا انصرف بلقّين بن زيرى الى افريقيّة، بعث الحاكم قائده محمّد بن القاسم في جيش كثيف إلى قتال الحسن بن كنّون، فجاز اليه من الجزيرة الخضراء إلى سبتة فى خلق عظيم وعدد كثير وقوّة وعدّة كاملة؛ وذلك في شهر ربيع الأوّل من سنة اثنتين وستّين وثلاث مائة، فزحف إلى قتاله؛ الحسن بن كنّون في قبايل البربر، والتقى الجمعان باحواز طنجة بموضع يعرف؛ بفحص بنی مصرخ. فكانت بينهما حروب عظيمة، قتل فيها محمّد بن القاسم؛ قايد الحاكم المستنصر، وقتل معه خلق كثير من أصحابه، وفرّ الباقون، فدخلوا سبتة، فتحصنوا بها وكتبوا الى الحاكم يستغيثون به. به فبعت اليهم قائد مثير وصاحب حروبه غالبا مولاه، وكان غالب على غاية الحزم والنجدة والشهامة والدهاء والاقدام، فاعطاه الحاكم أموالا جليلة وعددا كثيرة وجيوشا وافرة، وأمر بقتال العلويّين واستنزالهم من معاقلهم، وقال له: عند وداعه يا غالب سر مسیّر من لا أذن له بالرجوع حيا الا منصوراً أو ميتا معذوراً، ولا تشح بالمال وأبسط يدك به يتبعك الناس، فخرج غالب بالعساكر والجيوش والعدد والاموال من قرطبة في اخر شوّال من سنة اثنتين وستّين وثلاث مائة فاتّصل خبر قدومه بالحسن بن کنّون، فخاف منه واخلى مدينة البصرة، وحمل منها حرمه وجميع امواله و دخائره الى حصن حجر النسر القريب من سبتة، وأخذ معقلا ليتحصّن فيه لمنعته، فجاز غالب البحر من الخضرا الى قصر مصمودة، فتلقاه الحسن بن كنّون هنالك بجيوشه فقاتله أياما وأخرج غالب الأموال. فبعث بها الى رؤساء البربر الذين مع الحسن بن كنّون ووعدهم وامنهم ففرّوا عن الحسن، واسلموا حتّى لم يبق معه ألاّ خاصّته ورجاله، فلمّا راء ذلك، سار إلى حصن حجر النسر، قحصّن فيه وأتبعه غالب فحاصره به، ونزل بجميع جيوشه عليه وقطع عنه المواد، وامدّ الحاكم بالعرب الذين ببلاد الاندلس كافّة ورجال التغوير، فوصل المدد الى غالب في غرّة محرّم؛ سنة ثلاث وستّين وثلاث مائة، فاشتدّ الحصار على الحسن بن كنّون، فطلب من غالب الأمان على نفسه واهله وماله ورجاله، وينزل الله فيسير معه الى قرطبه، فيكون بها، فاجابه غالب الى ذلك وعاهده عليه، فنزل الحسن باهله وماله ورجاله، واسلم الحصن إلى غالب فلكه، واستنزل غالب جميع العلويّين الذين بارض العدوة من معاقلهم واخرجهم عن أوطانهم، ولم يترك في العدوة رئيسا منهم، وسار إلى مدينة فاس فلكها، واستعمل عليها محمّد بن علىّ بن قشوش في عدوة القرويّين وعبد الكريم بن ثعلبه على عدوة الاندلس، فلم تزل بایدی عمال بني أميّة الى ان غلب عليها زيرى بن عطية الزناتيّ المغراويّ، وانصرف غالب الى الاندلس، وحمل معه الحسن بن كنّون وجميع ملوك الادارسة، وقد وطأ جميع بلاد المغرب، وفرّق العمال في جميع النواحي، وقطع دعوة بني عبيد من جميع افاقه، وردّ الدعوة الى الاموية الحاكمية، فخرج بهم غالب من مدينة فاس في ءاخر شهر رمضان؛ سنة ثلاث وستّين وثلاث مائة، فوصل إلى سبتة، فركب البحر منها واستقرّ بالخضراء، وكتب الى الحاكم المستنصر بالله يعلمه بقدومه وبمن قدم به من العلويّين، فلمّا وصل كتابه الى الحاكم، أمر الناس بالخروج الى لقائهم، وركب هو في جمع عظيم من وجوه اهل دولته، فتلقاهم فكان يوم دخوله قرطبة؛ بوما عظيما مشهورا. وكان دخولهم قرطبة أوّل يوم من شهر المحرّم سنة أربع وستّين وثلاث مئة، وسلّم الحسن بن كنّون على الحاكم، فاقبل عليه وعفى عنه ووفى بعيده وأوسع له ورجاله في العطاء واجرا عليهم الجرايات الكثيرة والخلع الرفيعة، واثبت جميع أهله ورجاله في ديوان العطاء، وكانوا سبع مائة رجل النجاد؛ يعدون بسبعة الاف من غيرهم، واسكنه قرطبه،

فبقى الحسن بن كنّون بقرطبة الى سنة خمس وستّين وثلاث مائة، وكان له قطعة عنبر غريبة الشكل كثيرة الجرم، ظفر بها في بعض سواحله من بلاد العدوة أيام ملكه بها، فسواها منشورة يتوسّد بها، فبلغ أمير المومنين الحاكم خبرها، فسله حملها اليه، وضمّنها الى دخائره على أن يرضيه عنها بحكمه، فامتنع من ذلك، وأبى أن يسلمها اليه، فنكبة عليها وأخذ أمواله وسلبه من جميعها، وأخذ القطعة، فبقيت في خزانته الى ان ظهر علىّ بن حمود الحسنيّ على ملك الاندلس، ودخل قرطبة وسكن القصر وظفر ببني امية، فاصاب تلك العنبرة متاع ابن عمه الحسن في الخزانة؛ قد أعفنتها الايام حتّى صارت إلى أيدي العلويّة أربابها، ولمّا نكب الحاكم الحسن بن كنّون، وأخذ أمواله امر به وبالعلوية، فاخرجوهم من قرطبة، واجلاهم الى المشرق، فجوزوا من المرية إلى تونس ليستريح من نفقاتهم؛ وذلك في سنة خمس وستّين وثلاث مائة، فسار الحسن وبنو عمّه الى مصر، فنزلوا بها على نزار بن معدّ، فاقبل عليهم نزار وبالغ فى اكرامهم، ووعد للحسن النصرة والاخذ بثاره، فاقام عنده مدّة طويلة إلى أن دخلت سنة ثلاث وسبعين وثلاث مائة في أيام هشام المؤيّد، فكتب له نزار بن معدّ بعبده على المغرب وأمر عامله بافريقيّة بلقّين بن زيرى بن مناد أن يقوّيه بالجيوش، فسار الحسن الى بلقين، فاعطاه جيشا؛ من ثلاثة الاف فارس، فافتتح بهم بلاد المغرب، فسارعت اليه قبائل البربر بالطاعة، فشرع في اظهار دعوته، فاتّصل خبر بالمنصور بن ابی عامر حاجب هشام المؤيّد والقائم بملكه، فبعث اليه ابن عمّه الوزير؛ أبا الحاكم عمرو بن عبد الله بن أبي عامر في جيش كثيف، وقلده أمر المغب وسائر اعماله، وأمره بحرب الحسن بن كنّون، فنفذ لوجهه وجاز البحر إلى سبتة، وخرج الى حرب الحسن، فاحاط به وحصره أياما ثم جوّز المنصور بن أبي عامر ولده عبد الملك فى انار الوزير أبى الحاكم فى جيوش كثيرة ممّدا له، فلمّا رءا ذلك الحسن بن كنّون، سقط فى يده ولم يجد حيلة، فطلب الامان على نفسه على ان يسير إلى الاندلس، كمثل حاله الأوّل، فاعطاء الوزير أبو المحاكم من ذلك ما وثق به وكتب الى ابن عمه المنصور خبره فامره بتعجيله الى قرطبة موكلا به، فبعثه، ووصل الخبر إلى المنصور بقدومه وجوازه، فلم يمض امان ابن عمّه وانفذ اليه من يقتله في طريقه، فقتل وقطع راسه ودفن جسده وحمل الرأس إلى المنصور وذلك في جمادى الأولى سنة خمس خمس وسبعين وثلاث مائة فكانت دولة الحسن بن كنون الأولى بالمغرب ست عشرة سنة من سنة سبع وأربعين الى سنة أربع وستين وثلاث مائة ومدة اقامته بدولته الثانية سنة واحدة وتسعة أشهر وكرت ريح العلوية بالمغرب وتفرق جمعهم وبقى منهم جماعة بقرطبة فكانوا في ديوان السلطان في جماعة المغاربة الى أن ملك علي بن حمود الاندلس قسما ذكرهم، ولما قتل الحسن بن كنون هبت ريح عاصف في الوقت فاحتملت رداء الحسن فلم يوجد بعد، وكان الحسن بن كنون على ما ذكره ابن الغيات فظا غليظا شديد الجرّة قاسي القلب قليل الشفقة كان اذا ظفر باحد من اعداءه أو سارق أو قطع طريق امر به قطرح من ذروة قلعته المسماة حجر النسر وهو هناء الى الارض مد البصر يرفع الرجل بخشبة تمد اليه فلا يصل الى الارض الا وقد تقطع، قال المؤلف الكتاب فانقرضت أيام الادارسة بالمغرب يموت الحسن بن كنون اخر ملوكهم، وكانت مدة ملهم به من يوم بميع أدريس بن عبد الله بن حسن بمدينة وليلي وذلك يوم الخميس السابع من ربيع الاول سنة اثنتين وسبعين ومائة إلى أن قتل الحسن بن كنون في شهر جمادى الأولى سنة خمس وسبعين وثلاث مائة وذلك مائتي سنة وسنتين وخمسة اشهر وكان عملهم بالمغرب من السوس الاقصى الى مدينة وهران وقاعدة ملكهم مدينة فاس ثم البصرة وكانوا يكابدون مملكتين عظيمتين و عملين كبيرين دونة العبيديين بمصر وافريقية ودونة بني أمية بالاندلس وكانوا ينازعون الشاهداء الى درك الخلافة ويقعد يتم ضعف سلطاتهم وقلة مالهم فكان سلطانهم اذا امتد وقوى البي مدينه تلمسان واذا اضطرب الحال عليهم وضعفوا لا يجاوز سلطانهم البصرة وأصيلا وحجر النسر الى أن اعتراعم الادبار والفرقة وانقضت ايامهم وانقطعت مدتهم والبقاء لله وحده لا رب غيره ولا معبود سواه