الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس/ابو يعقوب بن ابو يوسف
الخبر عن دولة امير المسلمين ابى يعقوب بن امیر المسلمین ابى يوسف بن عبد الحق عفا الله عنهم
هو عبد الله يوسف امير المسلمين بن امير المسلمين ابى يوسف بن عبد الحفّ كنيته ابو يعقوب لقبه الناصر لدین الله امّه حرّة علويّة تسمّى امّ العز بنت محمّد بی حازم العلوی، مولده في شهر ربيع الاوّل من سنة ثمان وثلاثين وستّ مائة بويع له بالخلافة في الجزيرة الخضراء من بلاد الاندلس يوم وفاة ابيه وكان غائبا ببلاد العدوة فاخذ له بالبيعة الوزراء والاشياخ وبعثوا اليه فاتّصل اليه الخبر وهو ببعض احواز مدينة فاس فجدّ السير الى طنجة فوجد الاسطول هنالك ينتظر فجاز البحر الى الجزيرة وبها جميع قبائل مرین وقبائل العرب فجدّدتْ له البيعة بها واجتمع على بیعته كافّة قبايل مرين وقبائل العرب وجميع من بالعدوة والاندلس من المسلمين وذلك في غرّة صفر من سنة خمس وثمانين وستّ مائه وسنّه يوم بويع خمس واربعين سنة وثمانية اشهر، ولما تمّ له الامر واستقامت له الخلافة فرق الاموال على جميع قبائل مرين والعرب والاندلس والاغزاز وسائر الاجناد واحسن الى الفقهاء والصلحاء واخرج الصدقات الى الضعفاء وسرّح المسجونين في جميع بلاده وتصدّق بترك المغفرة على الناس وقال من وجب عليه اداؤها يتصدّق بها لنفسه حيث شد ورفع النزال عن دير الرعية وكفّ ايدى الظّلمة والعمل على الناس وازال المكوس وامر بهدم الروس وقمع البغاة واباد الطغاة وأمّن الطرقات وازال اكثر الرتب والقبلات التي دلت بالمغرب الا ما كان منها في البلاد الخالية والمفرات المخيفة فخضعت مرین تحت قهره واصلح امر الناس في ايامه، صفته ابيض اللون حسن الفد مليح الوجه افتا الانف هيبا لا يكاد احد يبتديه بالكلام من مهابته ذا أناة وسياسة فاذا عزم بطش واذا اخذ اقد يستبدّ برایه دون وزرانه قاهرا في سلطانه واذا اعطى أغنا واذا صال افنا شفيقا بالضعفاء متفقّدا لاحوال رعيته وبلاده غليظ الحجاب لا يكاد يوصل اليه الا بعد الحين، حاجبه عتيق مولاه ثم عنبر مولاه، وزراءه ابو على عمر السعود الحبشي وابو سالم ابراهيم بن عمران الفودودي وتوزّر له في اخر عمره يخلف بن عمران الفودودی، كتّابه الفقيه ابو زيد الحزان والفقيه ابو عبد الله العمراني ثم الفقيه الاجلّ المرحوم ابو محمّد عبد الله بن ابى مدين وهو القائم بامر المملكة كلّها وعلى يده تتصرّف احوالها ومن كتّابه الفقيه الكاتب البارع ابو عبد الله المغيلي كان يولّى العرض والانشاء و بيد العلامة الى ان مات رحمة الله فولّى العلامة بعده الفقيه الاجلّ ابو محمّد عبد الله بن ابى مدين ومن كتّابه الفقيه الاجلّ اوحد عصره ونخبة دهره ابو علىّ بن رشيق كان يتولّى التنفيد، قضاته بحضرة فاس الفقيه الصالح المبارك ابو عمر بن النضال ثم الفقيه الخطيب ابو عبد الله بن ابى الصبر ايوب ثم الفقيه ابو غالب المغيلى وقضاته بحضرة مرّاكش الفقيه ابو فارس العمراني والفقيه ابو عبد الله السقطي ثم الفقيه ابو عبد الله بن عبد الملك قاضیہ بحضرة تلمسان الجديدة الفقيه الاجلّ المحدّث المشاور ابو الحسن عليّ بن ابى بكر المليلي، شعراؤه الفقيه البارع ابو الحكم مالك بن مرحل والفقيه الاديب ابو فارس المكناسي والفقيه ابو العباس الفشتالي والفقيه ابو العبّاس الحيشى هؤلاء الشعراء الذين هم كانوا ملتزمون لخدمة بابه الكريم تجرى عليهم المرتبات والاحسان، اطباؤه الوزير الطبيب ابو عبد الله بن الغليط الاشبيلي والوزير ابو محمّد بن عمار المكناسي، قال المؤلّف عفا اللہ عنہ لما تمّت البيعة لامير المسلمين ابى يعقوب خرج من الجزيرة الخضراء إلى مربالة فنزل بظاهرها وبعث رسوله الى ابن الاحمر ليجتمع به فبادر الله في احتفال عظيم وعسكر حسيم فاجتمع له هنالك فعزاه عن ابيه الامير ابن الاحمر فهنئه بالخلافة فصالحه امير المسلمين ابو يعقوب وصرف عليه جميع ما كان بيده مما كان له من بلاد الاندلس ولم يحبس منها حتى الجزيرة ورندة وطريف ووادی باش واحوازهم وكان اجتماعه به وصلحه اياه في العشر الاول من شهر ربيع الاوّل من سنة خمس وثمانين وستّ مائة ورجع الى الجزيرة فاقام بها بقية ربيع الاوّل المذكور، وفي يوم الاحد الثاني من شهر ربيع الاخر منها قدم عليه ارسال الفنش فجدّد معه الصلح على ما كان عقده مع والده رحمه الله فلما فرغ من اصلاح بلاد الاندلس وهدّنت وسكن دهماءها عاد باخيه الاميرا ابي عطية بن أمير المسلمين ابي يوسف فعقد له على ما بیده من بلاد الاندلس واوصاه بتقوى الله تعالى وضبط ثغوره والحزم في جميع اموره ثم دعا بالشيخ المجاهد المرحوم ابى الحسن علىّ بن يوسف بن برجاتن فعقد له على اعنة خيل الاندلس وجندها وقلده امر حربها وغزوها وترك معه ثلاثة الاف فارس من بنی مرین والعرب وجاز الى العدوة يوم الاثنين سابع ربيع الآخر من السنة المذكورة فنزل بقصر المجاز ثم سار الى مدينة فاس فدخلها في الثّاني عشر من جمادي الاولى من العام المذكور، فلما استقرّ بحضرة فاس الجديدة خرج عليه ابن عمّه محمّد بن ادريس بن عبد الحقّ في جماعة من بنيه بجبال ورغة من احواز فاس فسار اليهم الامير ابو معرف محمّد بن امير المسلمين الى يوسف فتابعهم في خلافهم وانضمّوا الى جملتهم فلم ينزل امير المسلمين يبعث اليهم بالجيوش ويدبّر عليهم السياسة حتّى نزل عليه اخوه فامنه وناب الى طاعته وفرّ محمّد بن ادريس وبنوه الى تلمسان فقبض عليهم في الطريق فقيدوا بالحديد واتا بهم الى رباط تازا فبعث امير المسلمين اخاه الامير ابا زيان لقتلهم فقتلوا بخارج باب الشريعة منها وذلك في شهر رجب من سنة خمس وثمانين وستّ مائة، وفي هذه السنة خرج عليه عمر بن عثمان بن يوسف الهسكورى بقلعة فندلاوة من جبال بني يازغة فامر امير المسلمين ابو يعقوب قبائل بني عسكر ومن بتلك الجهات من قبائل البربر من سدراتة وبنى وارتين وبنی يازغة وہنی سیتان وغیرهم بحصاره وقتاله فحاصروه مدّة من شهر ثم خرج امیر المسلمين اليه بنفسه فسار حتى وصل الى قرية سدورة من بلاد بني وارتين وقدّم بين يديه الرماة والمجانيق وءالة الحرب فعلم عمر بن عثمان بقدومه فرءا انه لا طاقة له بالحصار ولا مقدرة له بمدافعة أمير المسلمين فبعث اليه الصلحاء ياخذون له الامان منه فامنه ونزل اليه فبايعه وصرفه الي تلمسان بجميع اهله وماله، وفى شهر رمضان من سنة خمس وثمانين ارتحل امير المسلمين ابو يعقوب من مدينة فاس الى حضرة مرّاكش فدخلها في شوال من السنة المذكورة فاقام بها الى يوم الخميس الثالث عشر من ذي قعدة من العام المذكور فهرب الحاجّ طلحة بن علىّ البطوى الى بلاد السوس فاقام بها ودعا لنفسه فاتّصل خبره بامير المسلمين فقط بابن اخيه الامير ابى علىّ منصور بن الامير ابى محمّد عبد الواحد فعقد له على بلاد السوس وامدّه بالاموال والجيوش وامره بقتال طلحة بن علىّ الخارج بها ومَنْ وافقه ببلاد السوس من قبائل بنى حسان فسار الامير ابو عليّ منصور في جيوش عظيمة الى بلاد السوس فغزا بها عرب بنى حسان فقتل منهم خلقا كثيرا وذلك في شهر ذي حجّة من العام المذكور ثم سار الى قتال طلحة وحصاره، ثم دخلت سنة ستّ وثمانين وستّ مائة وفي يوم الاثنين الثالث عشر من جمادى الاخرة منها قتل طلحة بن علىّ الثاير ببلاد السوس في المعترك وقطع رأسه فبعث به الامير ابو علىّ منصور الى عمّه امير المسلمين ابى يعقوب فامر رحمه الله أن يطوف به في جميع بلاده ويعلق على باب رباط تازا فلم يزل عليها طول ايام خلافته معلقا في شبكة من نحاس، وفى شهر رمضان منها خرج أمير المسلمين أبو يعقوب لغزو العرب ببلاد قبيلة درعة الذين كانوا يقطعون على طريق سجلماسه فخرج اليهم من حضرة مرّاكش فى اثنى عشر ألف فارس من بني مرين فجدّ السير على جبل هسكورة حتّى خرج الى بلاد درعة ثم سار حتّى ادركهم في القبلة لمّا يلى الصحراء فصبحهم وقتل منهم خلقا كثيرا وسبا أموالهم وأمر بقطع رؤسهم وحملها إلى مرّاكش وفاس وسجلماسة وتعليقها في الاسوار ثم رجع الى مرّاكش فدخلها في ءاخر شوّال من سنة ستّ المذكورة فاقام بها بقية عامه وعيّد بها عید الاضحی، ثم دخلت سنة سبع وثمانين وستّ مائة فى نصف ربيع الآخر منها خرج امير المسلمين أبو يعقوب رحمه الله من حضرة مرّاكش الى حضرة فاس وفيها وافته ارسال ابن الاحمر مع ابنة الامير موسى ابن رحوا فاعترس بها بحضرة مرّاكش وفيها أعطى امیر المسلمین لابن الاحمر مدينة وادی یاش وحصن رانجة وحصن بيانة وحصن الدير والاتنير وغون وغورب وذلك في شهر صفر من سنة سبع وثمانين وستّ مائة، وفى نصف ربيع الاخر منها تحرّك أمير المسلمين من مرّاكش الى فاس كما قدمنا فاقام بها وخرج عليه ولده الامير أبو عامر فسار إلى حضرة مرّاكش وذلك يوم السبت الرابع والعشرين من شوّال فثار بها مع واليها محمّد بن عطوا البربري الجنانيّ وكان دخوله مرّاكش وقيامه بها في أوّل يوم من ذي قعدة من سنة سبع وثمانين وستّ مائة فانتهى الخبر الى أمير المسلمين ابى يعقوب فبادر الى مرّاكش فوصلها ونزل بظاهرها فخرج ولده الأمير أبو عامر الى حربه فرجع مهزوما ودخل مرّاكش وغلقها في وجه أبيه فأقام بقصرها الى الليل فقتل مشرفها ابن ابى البركات وحمل ما كان في بيت مالها وخرج منها نصف الليل فارّا إلى بلاد القبلة وأسلم البلد فدخلها أمير المسلمين من الغد وهو اليوم التاسع من ذى حجّة من السنة المذكورة فعفا عن اهلها وسار الأمير أبو عامر مع ابن عطوا على بلاد القبلة فاقام بها مدّة من ستّة اشهر ثم سار إلى تلمسان فوصلها في الثاني عشر من رجب من سنة ثمان وثمانين وستّ مائة، ثم دخلت سنة ثمان وثمانين فيها رجع الأمير ابو عامر الى والده امیر المسلمين فعفا عنه وفيها كتب أمير المسلمين الى عثمان بن يغمراسن امیر تلمسان أن يسلم اليه عامله ابن عطوا الذي لجا اليه فامتنع عثمان بن يغمرأسن من ذلك فقال والله لا أسلمه ابدا ولا أبيع حرمتى وأترك مَنْ استاجرنى حتى أموت فليصنع ما بدا له وأغلظ للرسول في القول وتكلّم له القبيح فثقفه بالحديد فانف لذلك أمير المسلمين أبو يعقوب وعمل على غزوه فسار اليه، وفي سنة تسع وثمانين في السابع والعشرين من ربيع الآخر منها خرج أمير المسلمين أبو يعقوب من حضرة فاس الى غزو تلمسان ومّنْ بها من بنى عبد الوادى وهى أوّل غزواته اليها فسار نحوها وبقى يرتحل في أحوازها ياكل زروعها ويسبى أموالها ويخرب قراها فلم يخرج اليه أميرها فلما رأى عجزه عن ملاقاته قصد الى حصاره فنزل عليه في أوّل يوم من رمضان من سنة تسع وثمانين وستّ مائة محاصره وضيّق عليه بالقتال ونصب عليه المجانيق وقام عليه ستّة عشر يوما وارتحل عنه راجعا الى المغرب فدخل رباط تازا في ثالث ذي قعدة من العام المذكور، ثم دخلت سنة تسعين وست ّ مائة فيها انفسد الصلح بين أمير المسلمين والفنش شانجة فكتب أمير المسلمين إلى قائده وهو الشيخ أبو الحسن على بن يوسف بن يرجاتن يامره أن ينزل مدينة شريش ويشنّ الغارات على بلاد النصارى شرقا وغربا فسار أبو الحسن بن يرجاتن بمَنْ معه من المجاهدين حتى نزل مدينة شريش وذلك في ربيع الاخر من سنة تسعين المذكورة وشرع في قتالها وشنّ الغارات على أحوازها، وفى شهر ربيع الآخر المذكور خرج أمير المسلمين أبو يعقوب من حضرة فاس الى قصر المجاز برسم الجواز الى الاندلس والجهاد وكتب إلى قبائل المغرب يستنفرهم الى الغزو فوصل الى قصر المجاز في جمادى الاولى من السنة المذكورة فشرع في تجويز المجاهدين من بني مرين والعرب فسمع الفنش لعنه الله بقدومه فاراد قطع المجاز عليه فعمر الاجفان فبعثهم إلى الزقاق فنزلوا به فنشط امير المسلمين عن الجواز بقصر المجاز وأمر بتعمير الاجفان يقابل بها أجفان الروم، وفى شعبان من هذه السنة انفسدت قطائع المسلمين في الزقاق فقتل قوادها وقطع غزاتها فاقام أمير المسلمين بقصر المجاز حتى عمر الاجفان واستعدّ للجواز فجاز ونزل بطريف وذلك في العشر الاخر من شهر رمضان من سنة تسعين وستّ مائة، ثم خرج الى غزو بلاد الروم فنزل على حصن بجر فاقام محاصرا له مدّة من ثلاثة اشهر وجيوشه تخرج في كلّ يوم من المحلّة فتغير على شريش واحوازها وحصن الوادى حتى هتك جميع تلك البلاد ودخل فصل الشتا فاقلع عنه ورجع إلى الجزيرة فجاز منها الى العدوة في أوّل شهر محرّم من سنة احدى وتسعين وستّ مائة وقد انفسد ما بينه وبين ابن الاحمر وفى سنة احدى وتسعين اصطلح ابن الأحمر مع الفنش وتراضى معه أن ينزل طريف حتى يملكها ليقطع جواز أمير المسلمين ابى يعقوب الى الاندلس وشرط له أن ينفق عليه وعلى محلّته بطول أقامته عليها فنزلها الفنش فى أوّل يوم من جمادى الاخرة من سنة أحدى وتسعين وستّ مائة فاقام الفنش يقاتلها برًّا وبحرًا ليلاً ونهارًا ونصب عليها المجانيق والرعدات وابن الاحمر يبعث اليه بالميرة والعدد والسهام وكلّما يحتاج اليه حتى ملكها صلحا من أهلها فدخلها فى ءاخر يوم من شوّال من سنة احدى وتسعين وستّ مائة وكان قد اتّفق مع ابن الأحمر اذا أخذها أن يسلمها اليه فلما ملكها تمسّك بها فاعطاه ابن الأحمر بسببها حصن شكيش وطبيرة ونقلة وأبلش وقشتلة والمسجين وهب ذلك كلّه في حقّ طريف ولم يقض منها شيئًًا وذلك في سنة أحدى وتسعين المذكورة، وفي شهر شعبان منها اقبل عمر بن يحيى الوزير الوطاسى الى حصن تازوطا من قلاع الريف فدخلها ليلاً غدرًا من اهلها وكان بها الامير ابو علىّ منصور بن عبد الواحد فخرج منصور منها فارًّا بنفسه في جوف الليل فلحق برباط تازا واخذت أمواله وقتلت رجاله وملكها عمر بن يحيى الوزير بجميع ما كان بها من المال والسلاح والامتعة واعشار الروم التي كانت مختزنة بها كما قال المتنبي رحمه الله
فاتصل الخبر بامير المسلمين ابى يعقوب فبعث اليها من حينه وزيره أبا علىّ بن السعود فسار في جيش عظيم حتى نزل عليها فحاصرها هو والامير أبو علىّ منصور فاقام أبو علىّ منصور أياما ثم مرض ومات غمّا رحمه الله ودفن بجامع تازا، وفى شهر شوّال من سنة إحدى وتسعين خرج أمير المسلمين أبو يعقوب من فاس إلى حصار تازوطا ومعه عامر بن يحيى بن الوزير اخو عمر الثائر بها فضمن له اخراج اخيه عمر عنها واستاذنه في الدخول اليه فاذن له فدخل الحصن وتكلّم مع أخيه فيما احبّ فاخذ عمر كلّ ما كان فيها من الاموال والمتاع فخرج به ليلًا على حين غفلة من الناس وتوجّه به الى تلمسان وأسلم الحصن لاخيه فبلغ عامر أن أمير المسلمين أبا يعقوب عزم على قتله بابن اخيه منصور لافلاته لاخيه عمر الجانى عليه فتمسّك بالحصن وامتنع من الهبوط فاقام بها إلى أن قدم الرئيس ابو سعيد فخرج ابن اسمعيل بن الاحمر صاحب مالقة بهدية من الاندلس الى أمير المسلمين ابى يعقوب راغبا في الصلح مع ابن الاحمر فنزل باجفانه في مرسى عساسة فبعث اليه عامر بن يحيى بن الوزير وسأله أن يشفع له عند أمير المسلمين ابى يعقوب فشفع له فاظهر له أمير المسلمين الاسعاف بذلك فلم يطمئن عامر بنفسه وبعث بعض خدامه إلى المرسى نهارا فطلع اكثرهم فى اجفان الرئيس أبى سعيد ليرحلوا فيها الى الاندلس وبقى عامر الى جوف الليل فخرج من القلعة كانه يريد التوجّه الى المرسى ففرّ الى تلمسان فخرجت الخيل فى أثره فركض الفرس فنجا وقبض على ولده بالخيل فقتل بفاس وصلب وأهبط رجاله من أجفان الرئيس ابى سعيد فضربت أعناقهم وظفر بمن كان في الحصن من القلعيين وغيرهم فقتلوا عن ءاخرهم وحمل نساؤهم واولادهم الى رباط تازا فثقفوا بها، وفي هذه السنة قدم على أمير المسلمين وهو بتازوطا رومیّ جنوى بهدية جليله فيها شجرة مموهة بالذهب عليها طيور تصوت بحركات هندسية مثل التي صنع المتوكل العباسيّ، وفي هذه السنة رفع عن أولاد الامير ابى يحيى بن عبد الحقّ الغدر ففرّوا الى تلمسان واقاموا بها إلى أن أرسل اليهم أمير المسلمين بالرجوع فاقبلوا إلى مدينة فاس فسمع بذلك الأمير أبو عامر وهو ببلاد الريف فجعل العيون عليهم فاتاه الجاسوس فاخبره بقدومهم فخرج الى الفتك بهم فوافاهم بصبرة من بلاد ملوية فقتلهم ورجع الى البراءة وهو يرا انه قد وافق راى ابيه و غرضه في قتلهم فاتّصل الخبر بامير المسلمين ابى يعقوب فاضهر الى البراءة من فعل ولده أبي عامر وأبعده وأقصاه فلم يزل طريدا في بلاد الريف وبلاد غمارة إلى أن مات ببلد بنى سعيد من جبال غمرة وحمل الى مدينة فاس فدفن بها بالزاوية التي بداخل باب الفتوح وذلك في شهر ذي حجّة عام ثمانية وتسعين وستّ مائة وخلف ثلاثة من الولد عمر وسليمان وداوود كبلهم جدّهم امير المسلمين أبو يعقوب الى ان مات فولّى عامر الخلافة بعد جدّه ثم ولّى سليمان بعد وفاة أخيه عامر وسياتى ذكر أيامهما بعدُ ان شاء الله تعالى، وفي شهر ذي قعدة من سنة احدى وتسعين المذكورة أعطى ابن الاحمر حصن الابط الى الفنش شانجة وفيها أمر أمير المسلمين أبو يعقوب بعمل المولود وتعظيمه والاحتفال له في جميع بلاده وذلك في شهر ربيع الاوّل المبارك من السنة المذكورة ونفذ الامر به عنه رحمه الله وهو بصبرة من بلاد الريف في ءاخر شهر صفر من السنة المذكورة فوصل برسم اقامة بحضرة فاس الفقيه ابو يحيى بن ابي أصصبر، ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين فيها وفد على أمير المسلمين رسل ولد الرنك ملك برتقال ورسل ملك بيونة ورسل صاحب تلمسان ورسل ملك تونس وذلك في جمادى الاولى من سنة اثنتين وتسعين وستّ مائة وفيها فتح حصن تازوطا وذلك يوم الجمعة الحادى عشر من جمادى الآخرة من السنة المذكورة وانصرف ارسال ابن الاحمر الرئيس ابو سعيد وابو سلطان الدالى من حضرة امير المسلمين ابى يعقوب بفاس الى الاندلس في العشر الاواسط من رجب عام اثنين وتسعين وخرج الامير ابو عامر إلى قصر المجاز برسم النظر في امر الاندلس يوم الاثنين الرابع والعشرين من رجب من السنة المذكورة وجاز السلطان ابو عبد الله بن الاحمر برسم لقاء امير المسلمين ابى يعقوب والاعتذار اليه بما فعل في امر طريف ويرغب منه نصرة بلاد الاندلس فخرج بساحل بليونش من حوز مدينة سبتة ثم ارتحل إلى طنجة وقدّم بين يديه هدية عظيمة منها المصحف العزيز الذي كانت ملوك بني امية يتوارثونه بقصر قرطبة يقال انه بخطّ امير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وكان وصوله إلى طنجة فى يوم السبت الثانى والعشرين لذى قعدة من سنة اثنتين وتسعين وستّ مائة فتلقاه بها الامير ابو عبد الرحمان يعقوب وابوه عامر وخرج لقاته امير المسلمين برسم لقاءه من مدينة فاس وذلك بعد صلاة العصر من يوم الاربعاء الثاني والعشرين من ذي قعدة المذكور وخرج معه جميع بنيه فتوفى ولده الامير ابو محمد عبد المؤمن في طريقه ذلك ببلد ارجار وذلك يوم الاحد الموفى ثلاثين من ذى قعدة وحمل الى مدينة فاس ودفن بالصحن الذي بقبلة الجامع بالمدينة الجديدة وسار امير المسلمين ابو يعقوب الى طنجة فاجتمع بها مع ابن الاحمر فاراه من القبول فوقف ما امله وبالغ في برّه واكرامه واسعفه بجميع مطالبه ولم يعد شيًا مما سلف منه وبذل له هدية عظيمة اضعاف ما قدم به وانصرف ابن الاحمر الى الاندلس وذلك يوم السبت الموفى عشرين لذى حجّة من عام اثنين وتسعين وستّ مائة، وفى هذه السنة بذل امير المسلمين ابو يعقوب الى ابن الاحمر الجزيرة ورُندة وما والاها من الحصون مثل حصن يامنة وابدونة ورنيش والصخيرات ويمغ والغار ونشيط وتردلة ومنتعور واطيط وحصن المداو وادياروا والشطيل والطشاش وابن الدليل والشطبونة ومجلوش وشمينة والنجور وتنبول ونجارش، ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين فيها جاز جيش امير المسلمين ابى يعقوب مع وزيره ابى علىّ عمر بن السعود الى الاندلس لحصار مدينة طريف فنزل عليها وحاصرها مدّة وفيها كانت المجاعة الشديدة بالمغرب والوباء العظيم فكان الموتى يحملون اربعة وثلاثة واثنين على مغسل وبلغ القمح فيها عشرة دراهم للمد والدقيق ستّة اواق بدرهم، وفيها امر امير المسلمين ابو يعقوب بتبديل الصيعان وجمعها على مد النبي صلى الله عليه وسلم وذلك على يد الفقيه ابى فارس الملزوزي المكناسي، ثم دخلت سنة اربع وتسعين وستّ مانة فيها صلح امر الناس وانجبرت احوالهم ورخصت الاسعار في جميع الامصار فبيع القمح عشرين درهما للصحفة والشعير ثلاثة دراهم، ثم دخلت سنة خمس وتسعين فيها خرج امير المسلمين ابو يعقوب لغزو بلاد تلمسان فوصل الى حصن تاوريرت وكان نصفه لعثمان بن يغمارسن ونصفه لامير المسلمين لانه كان الحدّ بين بلادهما فردّ عنه عمال عثمان بن يغمراسن المذكور ثم اخذ في بناء الحصن فابتدا في بناء سوره في اوّل يوم من شهر رمضان من سنة خمس وتسعين وستّ مائة ففرغ من تشييده وبنائه وركب ابوابه مصفحة بالحديد وذلك يوم الخامس من شهر رمضان المعظم المذكور فكان رحمه الله يصلى الصبح ثم يقف على بنائه بنفسه ثم رجع الى رباط تازا فعيّد عيد الفطر على وادى ملوية بعد ان سكّن حصن تاوريرت المذكور بقبائل بني عسكر وقدّم عليهم اخاه الامير ابا يحيى بن امير المسلمين ابي يوسف رحمه الله، وفى سنة ست وتسعين وست مائة غزا امير المسلمين ابو يعقوب بلاد تلمسان خرج اليها من حضرة فاس فسار حتى نزل مدينة ندرومة فحاصرها وشدّ في قتالها ايامًا ثم ارتحل عنها فنزل على وجدة وامر ببنائها وبنيت وحصنت اسوارها وبنا بها قصبة ودارا وحماما ومسجدا ونقل اليها قبيلة بنى عسكر مع اخيه الامير ابي يحيى وامره بالغارات على مدينة تلمسان واحوازها مع الساعات والاحيان ورجع إلى مدينة فاس، ثم دخلت سنة سبع وتسعين فيها غزا امير المسلمين ابو يعقوب ايضا مدينة تلمسان فنزل عليها وحاصرها وفيها نكب امير المسلمين جماعة من خدامه منهم ابو فارس عبد العزير الشاعر وابو عبد الله الكناني والفقيه ابو يحيى ابن ابى الصبر وفيها قتل اشياخ مراكش عبد كريم بن عيسي وعلي بن محمد الهنتاتي قتلهم ولده الامير على المعروف بابن زريجة بكتاب لبس بہ علیہ کاتب ابيه ابو العبّاس الملياني وفيها مات الامير ابو زيان، ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وست مائة فيها نزل امير المسلمين ابو يعقوب مدينة تلمسان النزول الاخر الذي لم يقلع منها الا ميتا رحمه الله*