انتقل إلى المحتوى

الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس/ابو يحيى بن عبد الحق

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: الصفحات 194–198
 

له بلقائها فتخلاّ له عن البلاد، وبعث الى قبائل مرين واجتمعت اليه من كلّ واد. فارتحل بهم إلى قلعة نازا، وطامن بلاد الريف، وأتى السعيد حتى نزل مكناسة؛ فتلقاه اهلها باولادهم وعيالاتهم يطلبون عفوّه، فعفا عنهم وأمنهم، وارتحل عنهم الى مدينة فاس فنزل بظاهرها من ناحية القبلة، فخرج اليه اشياخها فسلّموا عليه، فتكلّم عنهم خيرا، وسالوه دخول المدينة؛ فابا وأرتحل إلى رباط تازا، فنزل بخارجها فبعث اليه الامير أبو يحيی ببیعته فقبلها، وكتب له بالامان هو وجميع قبائل مرین؛ على أن يبعث له حصّة من خمس مائة فارس من امجاد بني مرين برسم الخدمة. فقال له الامير أبو يحيى: يا أمير المومنين ارجع الى حضرتك، وقوّنى بالجيش والرماة، وأنا اكفيك أمر يغمراسن وافتح لك تلمسان وأحوازها؛ فعزم السعيد على ذلك ثم استشار وزراءه فيه، فقالوا له: يا أمير المومنين لا تفعل، فأن الزناتى أخو الزناتى لا ياخذ له ولا يسلمه، فتخاف أن يصطلحا عليك ويجتمعا على حربك، فكتب اليه أن يقعد بموضعه، وبعث اليه بالحصّة فبعث له خمس مائة فارس من انجاد بني مرين. فسار السعيد الى تلمسان فات على تامر جدية من أحوازها وهو محاصرا لها ليغرمراسن بن زيان، فاتّصل خبر موته بالامير أبى يحيى، وقدمت عليه الحصّة التي كانت توجّهت مع السعيد للخدمة، فاعلموه بموته وافتراق جيوشه ونهب امواله وعياله، فجدّ السير الى مكناسة فدخلها وملكها، فاقام بها أياما، وخرج الى رباط تازا، فملكها وفتح جميع حصون ملوية؛ وذلك كلّه في اخر شهر صفر من سنة ستّ وأربعين وستّ مائة وفي ءاخر شهر ربيع الاخير من سنة ستّ وأربعين المذكورة؛ ملك الأمير أبو يحيى مدينة فاس دخلها صلحا عن رضاء من اهلها، بعث اليه اشياخها فاتهم فبايعوه بالرابطة التي خارج باب الشريعة منها وكان أول من بايعه الشيخ الفقيه الصالح أبو محمّد القشتالي ثم الفقهاء والاشياخ، واخرجوا السيد أبا العبّاس من القصبة بعياله واولاده، فامنه الامير أبو يحيى وأعطاه خمسين فارسا يبلغونه الى واد امّ الربيع، ودخل الامير أبو يحيى مدينة فاس يوم الخميس قرب الزوال السادس والعشرين من ربيع الآخر من سنة ستّ واربعين وستّ مائة؛ وذلك بعد وفاة السعيد بشهرين. فاستقامت له الامور بالمغرب وتمهّد له الملك، وقدمت عليه الوفود للبيعة والتهنية. وتهدّنت البلاد وتامنت الطرقات، وكثرت الخيرات وتحرّكت التجار وأمر القبائل بسكنى الارضية وعمارة القرى والمجاشر الخالية والاستكثار من الحرث، فرخصت الاسعار وصلح أمر الناس واعطى رباط تازا لاخير يعقوب مع جميع حصون ملوية.

وأقام هو بمدينة فاس سنة كاملة والوفود تقصد اليه من كلّ ناحية، فلما كان من شهر ربيع الاول من سنة سبع وأربعين، خرج الأمير أبو يحيى من بلاد فاس إلى معدن العوام من فازاز، واستخلف عليها مولاه السعود بن خرباش الحشى فلما وغل أبو يحيى في بلاد فاز از اجتمعت نغر من أشياخ فاس إلى قاضيها أتى عبد الرحمان المغيلي وتوامروا على خلع الامير ابى يحيى، وقتل مولاه السعود الذي تركه خليفة عليهم وأن يبعثوا ببيعتهم الى المرتضى، ويضبطون بلادهم إلى أن يأتيهم عامله فيمكنوه منها، فاتّفق رأيهم على ذلك. وبعثوا الى القائد شديد الروم فتوافقوا معه على ذلك، وكان شديد القائد قد ولاّه الموحدين قيادة مدينة فاس، فكان بها في مائتين فارس من الروم الى أن دخلها بنوا مرين، فاقرّوه على حاله وخدمته وكان مايلا بسبب ذلك الى الموحدين؛ فقالوا له: تقتل هذا الاسود وتضبط بعده البلاد، ونبعث الى المرتضى ببيعتنا فيبعث لنا من يقوم بامرنا؛ فتضمن لهم الرومى قتل السعود، فلما كان صبيحة يوم الثلثلاء الموفى عشرين لشوال سنة سبع واربعين وستّ مائة؛ طلع الاشياخ الى القصبة يصبحون على السعود، فسلّموا عليه وقعدوا بين يديه فانتهرهم السعود، وغلظ عليهم في القول وتوعدهم، فردّوا عليه بسوء رد ثم نادوا بشعارهم إلى القائد الرومي، وكان وقفا في عسكره أمام القبّة، فقتلوا السعود واربعة من رجاله واحترّوا رأسه وجعلوه على عصى وطوّفوه في أسواق المدينة وطرقها، ودخل الاشياح القصر فاخذوا ما وجدوا به من الاموال والثياب والحرم، واقتسموا ذلك وسدّوا ابواب المدينة، وبعثوا ببيعتهم الى المرتضى، فاتصل الخبر بامير ابي يحيي، فجدّ السير نحوهم، فوجد أبواب المدينة مغلوقه في وجهه وأشياخها مستعدّين لقتاله؛ فحاصرهم بها مدّة تسعة أشهر فلم يقدر عنها على شيء، واتّصل الخبر بيغمراسن بن زیان وخرج من تلمسان برسم رباط تازا، فترك على فاس حصة من بني مرين، تحاصرها ويتباكر بها بالقتال ويتراوحها وارتحل عنها إلى لقاء بيغمراسن وقتاله فالتقاه بواد ابسلي من احواز وجدة؛ فكانت بينهما حرب عظيمة، هزم فيها يغمراسن. وترك امواله ومحلّته، فاحتوى الامير أبو يحيى على ذلك كلّه وقتل من بني عبد الواد في هذه الهزيمة أنجادهم، ثم رجع الأمير أبو يحيى الى فاس فوصلها في جمادى الآخرة من سنة ثمان وأربعين، فشدّ عليهم الحصار والقتال فلما رءا ذلك اهلها سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلّوا في فعلهم أن لم ياتهم ناصر من قبل الموحدين وليس لهم طاقة على بني مرين، بعثوا إلى الأمير أبى يحيى يطلبون منه الامان ويسالون

منه. منه العفو والامتنان، فامنهم على أن يعطوه ما أخذوه من المال وذلك مائة ألف دينار على الكمال، فوفقهم على ذلك وفتحوا له ابواب المدينة؛ فدخلها في أحسن ترتيب وأكمل زينة وذلك في ثلاثة وعشرين من جمادى الاخرة المذكورة، فأقام بها أياما الى شهر رجب الثانى وهم يسوفونه فى المال ويلدون له في المقال فلما رءا ذلك منهم، قبض على أشياخها ورؤسائها واشرافها، فثقفهم بالحديد وطالبهم في المال والاثاث الذي انتهبوا من قصره. فقال له: شيخ منهم يعرف بابن الخبا، أنما فعل الذنب منّا ستّة، فكيف تهلكنا بما فعل السفهاء منّا؟ ولو فعلت ما أقول لك لكان صوابا وحزما. قال: وما هو أيها الشيخ؟ قال: تخرج هؤلاء الستّة الذين سعوا في الفتنة وكانوا رأسها للسيف، فتشعف بهم وتاخذنا نحن بغرم الاموال. قال: صدقت في مقالك، فقتل الاشياخ الستة؛ وهم القاضي أبو عبد الرحمان المخيلى وولده والمشرّف بن داش واخوه وابن ابى صاط وولده، ونهبت ديارهم وأموالهم واخذت أرباعهم، وكان قتلهم بخارج باب الشريعة يوم الاحد؛ الثامن من شهر رجب المذكور عام ثمانية وأربعين وستّ مائة. واخذ سائر الاشياخ بغرم المال فذلوا ولم يكن فيهم من يرفع رأسا بعدها الى يومنا هذا ، وفى سنة تسع واربعين؛ ملك الأمير أبو يحيى مدينة سلا وولّى عليها؛ ابن اخيه يعقوب بن عبد الحقّ وفى ثلاث وخمسين، هزم أبو يحيى المرتضى بجبال بهلولة من أحواز فاس، واحتوى على جميع ما كان في محلّته من الأموال والعدد والاخبية والقباب والخيل والابل، وملك فيها بنوا مرين أموالا جليلة، وفي سنة خمس وخمسين؛ ملك الأمير أبو يحيى مدينة سجلماسة ودرعة وكانا للمرتضى، فطمع فيهما يغمراسن وسار نحوها في جيش كثيف من بنى عبد الواد والعرب، واتّصل خبر مسيره اليها بالامير ابى يحيى؛ وهو بمدينة فاس، فجمع عساكر مرين، وجدّ السير إلى سجلماسة، فوجد يغمراسن قد نزل بخارجها بباب ناحسنة، فكانت بينهما حرب عظيمة، فهزم فيها يغمراسن وفرّ إلى تلمسان، وأسلم له سجلماسة ودرعة، فلكهما وأقام بهما حتى أصلح أحوالهما، وولّى عليهما عامل أبا يحيى القطراني، وأوصاه بما أحبّ. وارتحل الى مدينة فاس؛ فدخلها وقد عظم ملكه وكثر جيشه وجنوده و تامنت البلاد وانقمع اهل الفساد وكثرت العمارات وفنا اهل الدعرات، وفي سنة ستّ وخمسين في رجب منها؛ مرض الامير ابو يحيى بمدينة فاس فات بها بعد أيام حتفه انقه، ودفن بداخل باب الجزبين من أبواب عدوة الاندلس بازاء قبر الشيخ الفقيه الصالح ابى محمّد الفشتالي، تبرّكا به، فانه رحمه الله كان أوصى بذلك في حياته، فكانت ايام ملكه من يوم بويع بعد وفاه السعيد في أوّل ستّ وأربعين الى أن توفى في شهر رجب سنة ستّ وخمسين عشر سنين كاملة وأشهر ولما توفى الأمير أبو يحيى قام عامله أبو يحيى القطرانى بسجلماسة فدعا لنفسه وبابعه أهلها فأقام عليها أميرا سنتين تم قتل في سنة ثمان وخمسين وقام بها على بن عمر بدعوة المرتضى فلكها ثلاث سنين ونصف الى ان توفى علي بن عمر المذكور فى سنة اثنتين وستين فقام عليها عرب الملبات بدعوة يغمراسن بن زيان وبعثوا اليه ببيعتهم فبعث اليه عملا من بني عبد الواد فلم تزل بيد يغمراسن بن زيان الى ان دخلها عليه أمير المسلمين أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق في ءاخر يوم من صفر سنة ثلاث وسبعين وستّ مائة*