الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس/ابو محمد عبد الحق
امورهم الا عن رايه و كان قليل الولد فريدا فى العدد فنام ليلة بعد ان فرغ من ورده و اكثر من ذكر الله و حمده فرءا فى منزلته منامة كانت له و لعقبه دليل الملك و الامامة و رءا كان قبس نار خرج من ذكره فيعلى فى الهواء و ارتفع حتى احتوا على اقطار المغرب فاجتمع و استولى على جهاته الاربع فقصّ روياه على بعض الصالحين فقال ابشر و لا تخف منها فهى لك عزّ و تمكين هذه رءيا جليلة لك و لعقبك بها شرف و فضيلة دلّت على الملك و التعظيم و التاييد و التفخيم انك تلد اولادا ذكورا يكون لهم فخر مذكور و شرف مشهور يملك المغرب منهم اربعة تكون الامة على ءاخرهم مجتمعة فيكون لهم التقديم و الرياسة و الامارة و السياسة يتورّث الملك فى بنيهم و اعقابهم و بهم يستقرّ الامر فى نصابه، فكان الامر كما نصّ عليه و لم يمت حتى رءا ما ذكر له قد صار اليه فملك امر بنى مرين اجمع و توارث الامر بعده بنيه الاربع، و فى شهر ذى حجّة من سنة ثلاث عشرة المذكورة زحف الامير ابو محمّد عبد الحقّ بجيش بنى مرين الى رباط تازا فوقف بازاء زيتونها فخرج لحربه عاملها فى جيش كثيف من الموحدين و العرب و الحشد من قبائل من تسول و مكناسة و غيرهم فقتل العامل و هزم جيشه و جمع ابو يحيى الاسلاب و الخيل و السلاح و قسّم ذلك كلّه فى قبائل مرين و لم يمسك منها شيا و قال لبنيه اياكم ان تاخذوا من هذه الغنيمة شيئا يكفيكم منها الثنا و الظهور على اعدائكم، و فى شهر جمادى الاخرة من سنة اربع عشرة و ستّ مائة كانت الملافات بين قبائل مرين و عرب رياح و من ظافرهم من بنى عسكر و كانت رياح اقوى قبائل عرب المغرب و اشجعها لكثرتها خيلا و رجالا و اموالا و لما اقبلوا لقتال مرين و سمعت بنوا مرين باقبالهم اجتمعوا الى اميرهم ابى محمّد عبد الحقّ فقالوا له انت اميرنا و رئسنا فما ترا فى امر هؤلاء العرب المقبلين الينا فقال لهم يا معشر مرين اما ان كنتم فى امركم مجتمعين و فى احوالكم متفقين و كنتم جميعا فى حرب عدوّكم اعوانا و فى ذات الله اخوانا فلا اخشى ان تلاقى بكم جميع اهل المغرب و لن اختلفت اقوالكم و شتّت اراؤكم ظفر بكم اعداؤكم فقالوا له انا نجدّد لك بيعة على السمع و الطاعة و على ان لا نختلف عليك و لا نفرّ عنك الى ان نموت دونك فانهض بنا اليهم على بركة الله تعالى، فالتقى الجمعان بقرية من واد سبوا على اميال من تافرطست فكانت بينهم حرب عظيمة قتل فيها الامير ابو محمّد عبد الحقّ و ولده ادريس فغضبت مرين لقتل اميرها و اسفت لموت رئسها و كبيرها و تراجعت كالاسد زهيرها و هريرها و اقسمت بايمانها الاّ يدفن حتى ناخذوا بثاره و نحمى دماره فحملوا على رياح حملة الاسد على الثعالب و انقضوا فى جيوشهم انقضاض البزات فى اليعاقيب فصبروا لقتال رياح صبرا جميلا و رءاوا ان لا محيد عن الموت فى حربهم و لا تحويلا فاشتدّ الحرب بينهم و الكفاح و قتل منهم خلق عديد و سار من بقى منهم مهزوما شديدا و احتوت مرين على جميع ما كان فى حللهم من الاموال و العدد و الثياب و الخيل و الابل و الدوابّ و اقام بامرهم بعد موت ابى محمّد عبد الحقّ اميرهم ولده عثمان، قال المؤلف عفى الله عنه اخبرنى الفقيه القاضى ابو محمّد عبد الله بن الولدون و اخوه الفقيه ابو الحجاج يوسف انهما قدما على امير المسلمين ابى يوسف بن عبد الحقّ رحمه الله و رضى عنه فى وفد اهل مدينة فاس من الشرفاء و الفقهاء و الصلحاء بمدينة رباط الفتح و ذلك فى شهر رمضان من سنة ثلاث و ثمانين و ستّ مائة للسلام عليه حين قدم من مدينة مرّاكش يريد الجواز الى الاندلس برسم الجهاد فجرا فى مجلسة رحمه الله ذكر والده الامير ابى محمّد عبد الحقّ فقال امير المسلمين ابو يوسف كان و الله الامير عبد الحقّ صادق اللسان اذا قال فعل و اذا عاهد وفا لم يحلف فط بالله تعالى برّا و لا حنثا و لا شرب مسكرا و لا ارتكب فاحشة ببركة ازاره تضع الحوامل اللوانى صعب عليهن الوضع و كان يسرد الصوم و يقوم اكثر الليل و اذا سمع بصالح او عابد قصد لزيارته و استوهب منه الدعاء شديد الخوف من الصالحين متواضعا لهم و كان مع ذلك سما لاعدائه قاهرا لهم و ما وجدنا الا بركته و بركة من دعا له من الصالحين.
الخبر عن دولة الامير ابى سعيد عثمان بن عبد الحق
قال المؤلّف عفا الله عنه لما فرغ بنوا مرين من قتال رباح و رجعوا من اتباعهم اجتمعوا الى امير ابى سعيد عثمان بن عبد الحقّ فعزّوه عن ابيه و اخيه و بايعوه عن رضاء منهم و تنويه فاخذ فى غسل ابيه و دفنه و قلبه يتلهب بالاسا من حزنه فلما فرغ من شانه وقف بين قومه و اخوانه فامر بجمع السلب و الاموال فقسمها بين قبائل مرين بالسوية و الاعتدال ثم سار الى غزو رياح و حلف الا يكفّ عنهم حتى يقتل منهم بابيه مائة شيخ من اشرافهم فقتل منهم خلقا عديدا فلما رءات رياح ذلك اذعنوا له بالطاعة فكفّ عنهم على مال جليل يودونه فى كلّ عام و فى هذه المدّة