انتقل إلى المحتوى

الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس/ابو سعيد عثمان بن عبد الحق

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: الصفحات 191–193
 

ضعفت دولة الموحدين وظهر فيها النّقص وتبين أمى تبين و حمارت ملوكهم ليس لهم حكم في البوادي، وأنما سلطانهم وأمرهم في المدائن خاصّة، وكثرت الفتن بين القبائل، واشتدّ الخوف في الطرقات والمشاهد، ونبذ أكثر الناس الطاعة، وفارقوا الجماعة. وقالوا: لولاتهم لا سمع ولا طاعة، فاستوى الدني والشريف، وأكل القوى الضعيف، وكان من قدر على شيء صنعه، ومن أراد شرّا ابتدعه ليس لهم سلطان يكفّهم ولا أمير يردّهم ويصدّهم، وكانت قبائل فازان من جناتة وقبائل العرب والبربر؛ يقطعون الطرقات ويغيّرون على القرى والمجاشر مع الاحيان والاوقات، فلما وعا الامير ابو سعيد بن عبد الحقّ ملوك الموحدين قد ضعفت دولتهم، وضيعوا حرمتهم واهملوا راعيتهم، واعتكفوا في قصورهم، واحتجبوا عن مهمّات أمورهم، واشتغلوا بالخير والغواني، وتلذّذوا باللهو وسماع الاغانى، ورعا أن ضلالهم قد تبيّن وغزوهم على من له قوة قد تعيّن وخلعهم أوجب الوجائب لعجزهم عن القيام بالحقّ الواجب، فجمع اشياخ مرين وندبهم الى القيام بأمر الدين والنظر فى مصالح المسلمين، فوجدهم الى ذلك مسرعين، فسار بجيوشهم الوافرة وجنودهم المنصورة الظافرة في بلاد المغرب وقبائله وجباله وأوديته ومناهله، فمن سارع الى بيعته ودخل فى طاعته ءامنه ووضع عليه الخراج وتركه أمنا منيعا، ومن خادعه ونابذه أباده نهبا وقتلا وغادره سريعا، فكان أوّل من بايعه من قبائل بالمغرب هوارة وزجارة ثم تسول ومكناسة ثم بطوية وفشتالة ثم سدراتة وبهلولة ومديونة، فوضع عليهم الخراج واخرج لهم الحفاظ، وصالح اهل مدينة فاس ومكناسة ورباط تازا وقصر عبد الكريم على أموال معلومة يودونها اليه في كلّ سنة على أن يــومن بلادهم، ويرفع عنهم الغارات، ويرفع عنهم اذى من كان يوذيهم من القبائل، وفى سنة عشرين وستّ مائة غزا الامير أبو سعيد بلاد فازان و من بها من قبائل جناتة، فانخن فيهم حتى انحنوا له بالطاعة، وكفّوا أذاهم عن الناس، واستكفّوا عن الفساد، وفى سنة احدى وعشرين غزا من بفحص أزغار من القبائل والعرب، فابادهم واخلا البلاد منهم وكان رحمه الله شديد الحزم ذا نجدة وشجاعة، وعزم له رای سدید وعضد شديد وكرم وايثار وحماية الدمار وحفظ للجار وحياء والدين والفصل مستبين معظما للفقهاء مكرما للصلحاء، سلك بذلك منهاج أبيه وطريقته، ولم يزل على ذلك حتّى توفّى رحمه الله، اغتاله علي كان له رباه صغيرا ضربه بحربة في منكرة فات من حينه وذلك في في سنة ثمان وثلاثين وستّ مائة، فكان أيام أمارته على مرين وبواد المغرب من وفاة والده وبيعة قبائل مربن اليه ثلاث وعشرين سنة وسبعة أشهر.

الخبر عن دولة الامير ابى معرف محمد بن عبد الحق رحمة الله

لما قتل الامير عثمان بن عبد الحقّ؛ اجتمعت اشیاخ مرين الى أخيه محمّد، فبايعوه على السمع والطاعة، وأن يحاربوا من حارب ويسالموا من سالم، فاستقام له أمرهم وسار فيهم بسيرة أخيه، وفتح كثيراً من جبال المغرب وبواديه، وكان رحمه الله، شهما بطلا شجاعا مؤيدا منصورا مهابا مطاطا، كثير الغارات حسن السياسة والمحاولة، لا يفتر في أيامه عن قتال، ولم يزل مرتكبا للحرب والاهوال عارفا بمكائد الحرب وخدعه، فكان كما وصفه الشاعر في مدحه

ثم ولّى من بعده محمّد

فكان لا يغنر عن قنال

كم عسكر لغا وكم حشود

وكم من جيش جاء من مرّاكش

نهاره وليله طعان

وكان في أموره مسدّد

مواظبا للحرب والنزال

و من جموع جمة الجنود

أفناه في الحروب والتناوش

لاكنه مؤیّد معان

وكان الأمير أبو معرف مع ذلك مبارك الامارات ميمون النقيبة حسن الادارات؛ ذا عقل ودهاء وراى وصدق ووفاء، اذا صال أفنا واذا أعطى اغنا واذا رءا الفرصة انتهزها، لم يزل يحارب جيوش الموحدين، فيرجعون إليه خادمين الى ان كانت سنة اثنتين وأربعين، وقد تمكّن فى الملك أى تمكين، فاخبر السعيد بشدّة بأسه وجلاده، وأنه قد استحوذ على أكثر بلاده، فبعث اليه بجيش كثيف من عشرين الفا فارس من قبائل الموحدين والعرب وهسكورة وفواد الروم، فسار الجيش قاصدا اليه؛ فسمع الامير ابو معرف بإقباله، فاستعدّ لقتاله وعوّل عليه فالتقى الجيعان بموضع بعرف بصخرة الى بياس من أحواز مدينة فاس، فكانت بينهم حروب عظيمة لم يسمع مثلها من أوّل النهار الى ءاخره، فلما كان في العشى قتل الامير ابو معرف محمّد بن عبد الحقّ زعيم من الروم في المعتركة تحاملا، فطمرت به الفرس فامكنت الرومي منه الغرّة، فطعته فمات رحمة الله، وانهزمت مرين، واتخذوا الليل جملا فساروا طول ليلتهم بحللهم وعيالاتهم وأموالهم، فاصبحوا بجبل غياثة فتمنعوا بها أياما