انتقل إلى المحتوى

الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس/ابو العلا بن المنصور الموحد

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: الصفحات 166–169
 

العادل فسارعوا لأمره وقتلوا العادل وكتبوا إليه ببيعتهم وخطبوا له على منبر جامع المنصور ثم بدا لهم فى ذلك لأمور خافوا منها من أجله فنكثوا بيعته وبايعوا ابن أخيه يحيى فى عشى ذلك اليوم بعينه، فوصلته بيعة الموحدين وهو بإشبيلية فأمر بها فقرئت على منابر الأندلس ثم أخذ في الحركة إلى حضرة مرّاكش دار ملكهم فسار حتى وصل إلى الجزيرة الخضراء يريد الجواز منها فانّصل به أنّ الموحدين قد نكثوا بيعته وبايعوا ابن أخيه يحيى فأطرق مليا ثم أنشد متمثّلاً لقول حسان حين قتل أمير المؤمنين عثمان

تسمعن وشيكا فى ديارهم
يا للرجال إلى ثارات عثمان

ثم بعث من حينه إلى ملك قشتيلة يستنصره على الموحدين ويسأله أن يبعث له جيشًا من الروم يجوز بهم إلى العدوة لقتال يحيى ومن معه من الموحدين فقال له ملك قشتيلة لا أعطيك جيشًا إلا على شريطة أن تعطينى عشر حصون مما يلي بلادي أختارها لنفسي إذا منّ الله عليك ودخلت مدينة مرّاكش تبني للنصارى الذين يسيرون معك كنيسة فى وسطها يظهرون بها دينهم ويضربون فيها نواقيسهم أوقات صلواتهم وإن أسلم أحد من الروم لا يقبل إسلامه ويردّ إلى إخوانه فيحكمون فيه بحكمهم ومن تنصّر من المسلمين فليس لأحد عليه من سبيل فأسعفه فى جميع ما طلب منه فبعث إليه بجيش كثيف من اثني عشر ألف فارس من النصارى برسم الخدمة معه والجواز إلى العدوة فهو أوّل من جوّز الروم إلى العدوة وخدمهم بها فوصله الجيش فى شهر رمضان من سنة ستّ وعشرين وستّ مائة فجاز به إلى العدوة واستخلف على الأندلس وقد اختلفت عليه أحوالها وبايع أكثر بلادها لابن هود القائم بشرق الأندلس فجاز من الجزيرة إلى سبتة وذلك فى شهر ذي قعدة من سنة ستّ وعشرين المذكورة فأقام فى سبتة أياما ثم خرج إلى مرّاكش حتى قرب منها فتلقاه يحيى بجيوش الموحدين وذلك فى وقت صلاة العصر من يوم السبت الخامس والعشرين لربيع الأوّل من سنة ستّ وعشرين وستّ مائة فهزم يحيى وفرّ إلى الجبل وقتل كثير من جيشه ودخل المأمون مدينة مرّاكش فبايعه الموحدون كافّة فصعد المنبر بجامع المنصور وخطب الناس ولعن المهدي وقال أيها الناس لا تدعوه بالمعصوم وادعوه بالغوي المذموم إنه لا مهدي إلا عيسى وأنا قد نبذنا أمره النحيس فلما أتى على آخر خطبته قال يا معشر الموحدين لا تظنّونى أنى إدريس الذى تندرس دولتكم على يديه كلا إنه سيأتي بعد إن شاء الله تعالى ثم نزل فكتب إلى جميع بلاده بتغيير سير المهدي وما كان ابتدعه للموحدين وجرى عليه عملهم وسير ملوكهم وأمر بإسقاط إسم المهدي من الخطبة وإزالته عن الدنانير والدراهم ودوّر الدراهم المركنة التى كان ضربها المهدي وقال كلّ ما فعله المهدي وتابعه عليه أسلافنا فهو بدعة ولا سبيل لإبقاء البدع ثم دخل قصره فاحتجب فيه عن الناس ثلاثة أيام ثم خرج فى اليوم الرابع فأمر بأشياخ الموحدين وأعيانهم فحضروا بين يديه فقال لهم يا معشر الموحدين إنكم قد أظهرتم علينا العناد وأكثرتم فى الأرض الفساد ونقضتم العهود وبدلتم حربنا المجهود وقتلتم الإخوان والأعمام ولم تراعوا عهدًا ولا ذمامًا ثم أخرج لهم كتب بيعتهم التى بعثوا له وبيّن لهم عهدهم الذى نكثوا فوقعت الحجّة على جميعهم فبهتوا وسقط في أيديهم فردّ رأسه إلى قاضي المكيدي وكان بإزائه قد قدم معه من إشبيلية فقال له ما ترى أيها الفقيه فى أمر هؤلاء الناكثين فقال يا أمير المؤمنين الله تعالى يقول فى كتابه المبين ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا قال صدق الله العظيم نحن نحكم فيهم بحكم الله تعالى فإنه من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون فأمر بقتل جميع أشياخ الموحدين وأشرافهم فقتلوا عن آخرهم ولم يبق منهم أحد ولم يراع والدًا ولا ولدًا حتى أنه أتى إليه بولد أخته وهو صبي صغير ابن ثلاث عشرة سنة وكان قد حفظ القرآن فلما قدم ليقتل قال له يا أمير المؤمنين اعف عني لثلاث قال ما هنّ فقال صغر سنّي وقرب رحمي منك وحفظي لكتاب الله العزيز فنظر إلى القاضي المكيدي كالمستشير له ثم قال له كيف رأيت قوّة جأش هذا الغلام وإقدامه على الكلام في هذا المقام فقال له القاضى يا أمير المؤمنين إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرًا كفّارًا فأمر به فقتل ثم أمر بتعليق الرؤس على أسوار المدينة فعلقت بدائرها فكانت حسبتها أربعة آلاف رأس وستّ مائة رأس وكان زمان الصيف فنتنت منها المدينة وتأذى الناس من روائحها فرفع إليه ذلك فكان من جوابه أن قال هنا مجانين وتلك الرؤس لهم أحراز لا يصلح حالهم إلا بها وإنها لعطرة عند المحبّين ونتنة عند المبغضين ثم أنشد ارتجالًا

أهل الحرابة والفساد من الورى
يغرون فى التشبيه للذُّكَّار
ففساده فيه الصلاح لغيره
بالقطع والتعليق بالأشجار
مرآهم ذكرى إذا ما أبصروا
فوق الجذوع وفى ذرى الأسوار
وكذا القصاص حياة أرباب النهى
والعدل مألوف بكلّ جوار
لو عمّ حلم الله كافّة خلقه
ما كان أكثرهم من أهل النار

وقبض المأمون على قاضي الجماعة بمرّاكش وهو أبو محمّد عبد الحقّ فقيّده ودفعه إلى هلال بن حميدان ابن مقدم الخلطي فحبسه حتى افتدى منه بستّ آلاف دينار وأقام المأمون بمرّاكش خمسة أشهر ثم خرج إلى الجبل لقتال يحيى ومن معه من الموحدين وذلك فى شهر رمضان المعظم من سنة سبع وعشرين المذكورة فالتقى معه على بلد لكّاغة فهزم يحيى وقتل من عسكره من أهل الجبل خلق كثير سيق من رؤسهم إلى مرّاكش أربعة عشر ألف رأس، وفى سنة ثمان وعشرين نفدت كتب المأمون إلى سائر بلاده بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وفيها خرجت بلاد الأندلس كلّها عن ملك الموحدين وملكها ابن هود القائم بها، وفى سنة تسع وعشرين خرج على مأمون أخوه السيد أبو عمران بن المنصور بمدينة سبتة وتسمّى بالمؤيد فاتّصل الخبر بالمأمون فخرج إليه فحاصره مدّة فلم يقدر منه على شيء فلما طالت غيبته اغتنم يحيى الفرصة فنزل من الجبل ودخل مرّاكش وهدم كنيسة الروم التي بنيت فيها وقتل كثيرًا من اليهود وبني فرخان وسبى أموالهم ودخل القصر وحمل جميع ما وجد فيها إلى الجبل فاتّصل الخبر بالمأمون وارتحل عن سبتة مسرعًا إلى مرّاكش وذلك فى شهر ذي قعدة من السنة المذكورة فلمّا بعد عن سبتة جاز أبو موسى إلى الأندلس فبايع ابن هود وأعطاه سبتة فولاّه ابن عود المرية عوضًا منها فمات بها فوصل المأمون وهو في الطريق أنّ ابن هود قد ملك سبتة فتوالت عليه الفجائع فمرض فمات مفقوعًا بوادي العبيد وهو قافل من حصار سبتة وذلك يوم السبت منسلخ شهر ذي حجّة عام تسعة وعشرين وستّ مائة فكانت أيامه ألف يوم واحد وثمان مائة يوم وثمانية وخمسين يومًا يجب لها من السنين خمسة أعوام وثلاثة أشهر ويوم واحد أوّلها الخميس وآخرها السبت وكانت أيامه كلّها شقية فى منازعة يحيى افترق الموحدون فيها فرقتين فصارت الدولة دولتين فكان محو دولتهم وذهاب نخوتهم على يديه لأنّه وضع السيف فيهم حتّى أفناهم ولو لا أنّ الحال فى دولته تغيّرت والفتن فى نواحي المغرب والأندلس قد اشتعلت لكان المأمون موافقًا لوالده المنصور في الخلال متابعًا له فى جميع الأعمال والأحوال.