انتقل إلى المحتوى

الأرواح المتمردة (1908)/مقدمة وانتقاد

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: نيويورك، الولايات المتحدة: مطبعة جريدة المهاجر (1908)، الصفحات 3–14
 


مقدمة وانتقاد


بقلم صاحب جريدة المهاجر

يقول لنا المثل السائر ان لكل جديد طلاوة وهو قول ينطبق على كل شيء ما خلا الافكار في المسائل الاجتماعية. فالناس لا يحبون استبدال عادة من عاداتهم بغيرها ولا يقبلون ملاحظة على طريقة من طرق معيشتهم لكنهم في كل الاحيان يجدون انفسهم سالكين رويداً رويداً في السبيل الذي ما احبوه وبموجب الملاحظة التي لم يتقبلوها.

من ذلك الحقائق العلمية التي كلما شاع امر واحدة جديدة منها ينكرها الناس اولاً ثم تراهم بعد حين اخذوا يعتقدون بها ويستعملونها. ومن ذلك الازياء والاخلاق التي يظن كل منا أنه تابع فيها اثار اسلافه بكل تدقيق وضبط ويفتخر بكونه محافظاً عليها في حين اننا نعلم ان كل عصر من العصور مستقل عن سواه بعاداته واخلاقه . ما هي الافكار الجديدة؟ كلما قام اديب في عصر وقال قولاً مخالفاً للنظام الجاري يقوم بعض معاصريه وينكرون عليه كون ذلك القول جديدا. يقولون ان فلاناً سبقك الى هذا الفكر ولم يستطع اثباته وتأييده. اما عند كاتب هذه المقدمة فالشيء لا يكون قديماً او جديداً بحد ذاته لانه كائن مستقل عن الزمان والمكان لكنه يكون كذلك بالنظر الى من يسمعه او يراه. ما ليس جديداً عندك ربما يكون جديدا عندي. وما هو قديم عند كلينا ربما يكون جديدا عند كثيرين غيرنا

والافكار الجديدة هي قسم من الاشياء التي تدخل خلايا الدماغ في رؤوس البشر عن طريق العين والاذن والفم والانف واليد. عن طريق الحواس الخمس. وهناك تتجسم وتتصور ثم تخرج لابسة الثياب التي أعدتها لها نفس الانسان من طبيعتها ومواهبها. هذا يرسم لنا رسماً وذاك يسمعنا نغماً وذلك يكتب لنا كتابة وغيره يسمعنا كلاماً وهلمَّ جراً

وهي ايضاً من الاشياء التي تؤثر على ناظريه وسامعيها والشاعرين بها تأثيرا لا يمكن أن يرد أو يعارض فمتى سمعت بفكر جديد لا تطمعن بمقاتلته لان ذلك لا يقتله بل اتركه يسير في سبيله والظروف المؤلفة من مجموع آراء الهيئة الاجتماعية تتكفل بقتله أن كان مضراً وبأحيائه وتعزيزه إن كان نافعا ما هو غرض الفلسفة الاجتماعية ? غرضها هو البحث عن الأسباب الأولية التي تؤول إلى سعادة البشر أو تعاستهم. والفلاسفة يختلفون في استقصاء تلك الأسباب وتصويرها لكن اختلافهم يجيء دائما بالنتائج الحسنة لان الأشياء تتميز بأضدادها. هذا يشخص أمراض الناس المعنوية ويعترض على عادات وأخلاق لا ترضيه ويصف لها أدوية حسبما يقيس ويرى. وذاك يعارضه في الرأي ويصف أدوية من غير نوع. ولا تكون نتيجة هذا الاحتكاك والاختبار إلا نبذ الباطل والتمسك بالحقيقي قارئ هذه السطور سمع بدون شك في حياته كثيراً من الشكاوى والتذمرات وربما اشتكى وتذمر غير مرة من أمور مختلفة في هذه الدنيا لا يستنسب وجودها على الشكل الحاضر. وجبران خليل جبران كاتب هذا الكتاب هو مثل قارئ هذه السطور إنسان قد سمع ورأى الشكاوى والتذمرات وتأثر أيضاً في دوره واشتكى وتذمر. فخطرت بباله طرق عديدة لإصلاح ما يتمرمر الناس منه ووضع منذ مدة قريبة كتاباً دعاه عرائس المروج ثم أضاف الآن إليه حلقة ثانية في كتاب الأرواح المتمردة.

وألقى عليَّ مسئولية النظر في كتابه الثاني كما كلفني مثل هذا الحمل الثقيل في كتابه الأول على رغم ما اشعر واعترف به من العجز عن الأتيان بشيء مفيد من موضوع لا يكتفي بالنظر السطحي إليه بل يقتضي الدرس والتفكير مدة الليالي الطويلة التي نتج هذا الكتاب عن طول السهر فيها

جميع التعاليم الجديدة تموت إن كان مصدرها الخيال والوهم وتحيا إذا كانت منبثقة من سر خفي من أسرار القلب البشري وكانت صدى العاطفة الوضعية التي أوجدها الله في النفس من حينما خلق النفس وصورت للناس بكلام صريح تلك الحاسات التي يشعر بها ويعرف حقيقتها كل بشري لكنه يخاف من قريبه فلا يظهرها لقريبه

ومعلوم ان لكل مسائل خاصة به تشغل افکار بنيه. ومسئلة المسائل التي تحوم الفكرة البشرية في أيامنا هذه حولها على غير معرفة منها تتألف من ثلاثة اشياء: البيت (العائلة) والكنيسة (الدين) والمحكمة (الشريعة) وسوف تبقى الفكرة البشرية حائمة حتى تدرك القصد والسر من هذه الاشياء الثلاثة فتبلغ بواسطة ادراكها هذا احضان السعادة. والسعادة هي السبب الاولي الذي نحيا ونموت من اجله

ثم اننا لا نقدر على بلوغ السعادة بواسطة ما يحيط بنا من الصور والاشباح والاصوات والعقائد بل بواسطة العاطفة النفسية الوضعية الكائنة في اعماق الفرد الواحد. فعلى عاطفة الفرد الواحد بنى المؤلف تعاليمه لان متاعب الحياة كلها في هذه الدنيا ناتجة عن اختلاف ذلك الفرد الواحد مع زوجته في البيت. وكاهنه في الكنيسة وشريعته في المحكمة. وفوق ذلك لا ريب في ان استسلام الانسان الذي وجد حرًّا لافكار غيره وعقائد اسلافه قهرًا وجبرًا هو اكبر اسباب تعاسته لان الانسان يرضي ويتسلى عن كل ما ينتابه من يده لكنه قلما يرضى وينسلي عما ينتابه من يد غيره

يقول لك الوالد «انت عقوق اذا كنت لا تفعل مثلي» ويقول لك الكاهن «انت كافر اذا كنت لا تصلي صلاتي» وتقول لك المحكمة «انت مجرم اذا كنت لا تتبع شرائعي» فتجيبهم «ولماذا، فيقولون لك „لان جميع الناس يفعلون ذلك“ فتصرخ متوجعًا „ولكن جميع الناس تعساء وانا اريد ان اكون سعيدًا“ فيقولون لك „كن مثل جميع الناس لانك لست افضل منهم“ وهكذا ايها القارى يظل البشر عائشين واشباح جدودهم حية في اجسادهم كما سيريك جبران في كتابه هذا

ففي الرواية الأولى وهي السيدة ورده قد استمد افکاره من اوليات يعترف الناس بها لكنهم عن خوف من اشباح الجدود لا يقولون انهم سيتبعونها. اوليات هي تحرير العاطفة الوضعية في نفس الفرد الواحد من عبودية كل من وما يحيط به. وانقاذ أسال القلب من آراء الناس غير المبنية على قياس صحيح وظاهر . والاقرار لكل فرد بحق السعي المتواصل لما فيه سعادته من حيث لا يضر بالآخرين . فالذي يقرأ السيدة ورده يظن ان جبران مثلاً يخالف شرائع الله ويحسن للناس حالة المرأة الخائنة التي طلقت زوجها لتقترن بغيره . يظن كذلك لانه لا يكن عارفاً من معنى قولنا ( المرأة الخائنة ) ومن معنى كلمة ( زوجها ( الا ما قال له بعض الناس انها تعني

يقول لنا السيد المسيح في انجيله المقدس . ما از وجه الله لا يفرقه الانسان ، ونحن بكل احترام ننحني أمام هذا هذا القول المقدس ونسلم به تسليماً مطلقاً لا يقبل الشك ولا الارتياب . لا نحاول تفريق ما از وجه الله ولكن كم من زيجة في هذا العالم الفاسد نعيد الله وعدله من ان يكون هو الذي ازوجها . كم من زيجة سعى بها الوالد الشرير والوالدة الظالمة وعقدها الكاهن المغشوش او الكاهن الكاذب بين رجل وامرأة لا يعرف احد قلبيها القلب الآخر ولا تمتزج أحدى نفسيها بالنفس التي القيت غصبا عليها

لا يكفي ان يتلو الكاهن امام الشهود صلاة الاكليل المعروفة حتى يصير الرجل والامرأة زوجاً وزوجة. انما هنالك في اعمق اعراق القلب صلاة يتلوها اللّٰه الذي هو المحبة والمحبة هو—وبدون ان تتلى لا يكون ما ازوجه الكاهن زواجاً ولا يجوز فقط بل يجب على الانسان تفريقه. فالسيدة ورده كما سيرى القارئ الكريم لم يزوجها اللّٰه بالرجل الذي طلقته من بعد الزواج وقال الناس انها خائنة وكافرة. انما ازوجها به الانسان والناس قد عميت بصائرهم حتى ما عادوا يفرقون بين اللّٰه والوالدين والكاهن وصاروا كلما بدت تعاسة عائلية في موضع يتمتمون لنا كالببغاء قول الانجيل الذي لا يفهمونه صائحين „ما ازوجه اللّٰه لا يفرقه انسان“.

اما حكاية صراخ القبور فهي كلمة صغيرة من ذلك الحديث الموجع الذي ترويه قراني المحاكم وزوايا السجون هي خلاصة قصيرة لما يستره المحامون والقضاة من احكامهم تحت ستور الالفاظ الكثيرة والجمل الطويلة. والقارئ يتصور بامير هذه الحكاية اما بربر اغا في طرابلس واما الجزار في عكا واما ابرهيم باشا المصري في سوريا. ولا يتصور قاضياً من قضاة هذا العصر يقول ما يقوله الامير ولكن متى تأمل القارئ بنتيجة عدالة هذه الايام ومتى رأى كثيرًا من القتلة وسفاكي الدماء يسرحون ويمرحون وكثيرًا من البائسين المساكين يثنون في ظلمات السجون متى رأى المجرم الكبير حرًّا والمجرم الصغير مقيدًا مسجونًا عند ذلك يرى ان جبران لم يصور في أحكامه الا الحقيقة الحاضرة في ايامنا هذه انما بثوب غير ثوبها الريائي الشفاف من الالفاظ. هي حكاية حسنة لكنها في عرف الاكثرين مخيفة — مخيفة لان الحقيقة التي تتخذ لها من اطمار هذا العصر وظلمه ثوباً اسود تكون مخيفة ومزعجة للذين يعيشون في ظل الغباوة

اما حكاية مضجع العروس فتروي ان عروستها اكثر تمردا من ابطال سائر الروايات لانها كسرت القيود الظالمة والضالة قبل ان تفرغ يد الجامعة من حبكها. وفضلت الموت مع حبيبها على البقاء مع الرجل الذي اختاره الكذب والخبث بعلاً لها ولقد قال لنا احد فضلاء الكهنة لما انتشرت هذه الرواية في جريدة المهاجر انها خالية من مقاربة الحقيقة وهذا كما يعلم ارباب هذا الفن من أوجب الصفات لامثال هذه الروايات. فقلنا له ولماذا. فقال لانني لا اعتقد بان كاهناً مسيحياً يكلل عروساً قبل ان يثق منها برغبتها في اقتبال بركة الاكليل. فقلنا له عفوًا ايها الاب الفاضل ولكن نحن نعتقد...وليس كل ما تقوله كل عروس في مثل تلك الظروف يعني ضرورة ما يخالج اعماق قلبها. فهنالك العادات والملاحظات وما جرى مجراها

اما حكاية خليل الكافر فهي اشبه شيء بحكاية يوحنا المجنون في كتاب عرائس المروج. والفرق بينهما هو ان يوحنا مات مغلوبًا اما خليل فعاش منتصرًا على اعدائه التعساء والمساكين. يوحنا شعر بالنير الثقبل الذي وضعه الرهبان والكهان على اعناق الفلاحين الفقراء فصرخ صوتاً عميقاً محزناً ومات. اما خليل فكان قادراً بحجته القوية على الوقوف امام الامراء والقضاة ولذلك عاش مغبوطاً في تلك القرية القريبة من غابة ارز لبنان

صعب على فتى ايامنا هذه ان يصدق كل ما يحكى عن استبداد بعض الاعيان والكهان في الشعوب التي سبقها الزمان في سيره فرتمت وهي في العصر العشرين في العصور الغابرة المظلمة. صعب على الواقف في النور ان يرى الاشباح المنسابة في اعماق الظلمة . وصعب على المستيقظ ان يروي حقيقة الاحلام المزعجة . ولكن بين فتيان هذه الايام شيوخ عاشوا في النصف الأول من القرن التاسع عشر . فمن يتهم جبران بالمبالغة والغلو عليه ان يسأل اولئك الفتيان الذين بيض الدهر مفارقهم فيسمع ما يذيب النفس ويدمي الفواد

وهكذا يرى القارئ اللبيب ان كتاب الارواح المتمردة الذي يجتمع فيه المجنون بالعاقل والمتمرد بالمطيع والمظلوم بالظالم والساقطة بالفاضلة والعاشق بالخلي هو الجدار الثاني من بيت يبنيه جبران وكانت عرائس المروج جداره الأول وعلى جدران هذا البيت يحاول الكاتب الذي ذكاء لبنان الى اجتهاد الولايات المتحدة وافكار الفيلسوف القاسية جمع والمرجفة الى الفاظ المصور الرقيقة والموسيقية ان يرسم عواطف طبقات الناس المتفاوتة من المستعطي الى الامير ومن الكافر الى القديس ويصور حالات الازمنة والفصول من ظلام الليل الى ضوء النهار ومن نواح الخريف الى اغاني الربيع

(امين الغريب)