الأرواح المتمردة (1908)/السيدة ورده
ما اتعس الرجل الذي يجب صبية من بين الصبايا
ويتخذها رفيقة لحياته ويهرق على اقدامها عرق جبينه
ودم قلبه ويضع بين كفيها ثمار اتعابه وغلة اجتهاده ثم
ينتبه فجأة فيجد قلبها الذي حاول ابتياعه بجاهدة الايام وسهر الليالي قد أعطي مجانا لرجل آخر ليتمتع بمكنوناتــه ويسعد بسرائر محبته
وما اتعس المرأة التي تستيقظ من غفلة الشبيبة فتجد ذاتها في منزل رجل يغمرها بامواله وعطاياه ويسر بلها بالتكريم والموءانسة لكنهُ لا يقدر أن يلامس قلبها بشعلة الحب المحبية ولا يستطيع ان يشبع روحها من الخمرة السماوية التي يسكبها الله من عيني الرجل في قلب الامرأة
- * *
عرفت رشيد بك نعمان منذ حداثتي . وهو رجل لبناني الاصل بيروتي المولد والدار متحدر من اسرة قديمة غنية موصوفة بالمحافظة على ذكر الامجاد الغابرة فكان مولعاً بسرد الحوادث التي تبين نبالة آبائه وجدوده متبعاً بمعيشتهِ عقائدهم وتقاليدهم منصرفاً الى تقليدهم عن العادات والازياء الغربية المرفرفة كاسراب الطيور في فضاء الشرق
وكان رشيد بك طيب القلب كريم الاخلاق لكنه كالكثيرين من سكان سوريا لا ينظر الى ما وراء الاشياء بل الى الظاهر منها . ولا يصغي إلى نغمة نفسه بل يشغل عواطفه باستماع الاصوات التي يحدثها محيطهُ . ويلهي امياله ببهرجة المرئيات التي تعمي البصيرة عن اسرار الحياة وتحول النفس عن ادراك خفايا الكيان الى ملاحقة الملذات الوقتية . وكان من اولئك الرجال الذين يتسرعون باظهار محبتهم او مقتهم للناس وللاشياء ثم يندمون على تسرعهم بعد فوات الوقت عند ما تصير الندامة مجلبة للسخرية والاستهزاء بدلاً من العفو والغفران
هذه هي الصفات والاخلاق التي جعلت رشيد بك نعمان يقترن بالسيدة ورده الهاني قبل ان تضم نفسها نفسهُ في ظل المحبة الحقيقية التي تجعل الحياة الزوجية نعيماً
- * *
ذهبت لزيارة رشيد بك فوجدته ضعيف الجسد مكمد اللون تتمايل على سحنته المنقبضة أشباح الاحزان وتنبعث من عينيه الحزينتين نظرات موجوعة تتكلم بالسكينة عن انسحاق قلبه وظلمة صدره . وبعيد ان بحثت في محيطه ولم اجد اسباب نحوله وانقباضه سألته قائلاً: ما اصابك ايها الرجل واين تلك البشاشة التي كانت تنبعث كالشعاع من وجهك . واين ذهب ذاك السرور الذي كان ملاصقاً شبيبتك ؟ هل فصل الموت بينك وبين صديق عزيز ام سلبتك الليالي السوداء مالاً جمعته في الايام البيضاء ؟ قل لي بحق الصداقة ما هذه الكآبة المعانقة نفسك وهذا التحول المالك جسدك
فنظر الي نظرة متأسف أرته الذكرى رسوم ايام جميلة ثم حجبتها . وبصوت تتموج في مقاطعه معاني اليأس والقنوط قال : «اذا فقد المره صديقاً عزيزاً والتفت حوله يجد الأصدقاء الكثيرين فيتصبر ويتعزى واذا خسر الانسان مالاً وفكر قليلاً رأى النشاط الذي اتى بالمال سيأتي بمثله فينسى ويسلو . ولكن اذا اضاع الرجل راحة قلبه فاين يجدها وبم يستعيض عنها ؟ يمد الموت يده ويصفعك بشدة فتتوجع ولكن لا يمر يوم وليلة حتى تشعر بملامس اصابع الحياة فتبتسم وتفرح . يجيئك الدهر على حين غفلة ويحدق بك بأعين مستديرة مخيفة ويقبض على عنقك باظافر محددة ويطرحك بقساوة على التراب ويدوسك باقدامه الحديدية ويذهب ضاحكاً ثم لا يلبث أن يعود اليك نادما مستغفرا فينتشلك با كفه الحريرية ويغني لك نشيد الأمل فيطربك. مصائب كثيرة ومتاعب اليمة تأتيك مع خيالات الليل وتضمحل امامك بمجيء الصباح وانت شاعر بعزيمتك متمسك بامالك . ولكن اذا كان نصيبك من الوجود طائر ا تحبه وتطعمه حبات قلبك وتسقيه نور احداقك وتجعل ضلوعك له قفصاً ومهجتك عشا . وبينما أنت تنظر الى طائرك وتتمز ريشه بشعاع نفسك اذا به قد فر من بين يديك وطار حتى حلق السحاب ثم هبط نحو قفص اخر وما من سبيل الى رجوعه فماذا تفعل إذ ذاك ايها الرجل . قل لي ماذا تفعل واين تجد الصبر والسلوان وكيف تحيي الامال والاماني ؟ »
لفظ رشيد بك الكلمات الاخيرة بصوت مخنوق متوجع ووقف على اقدامه مرتجفا كقصبة في مهب الريح ومد يديه الى الامام كانه يريد ان يقبض باصابعه المعوجة على شيء ليمزقه إربا إرباً وقد تصاعد الدم الى وجهه وصبغ بشرته المتجعدة بلون قاتم وكبرت عيناه وجمدت اجفانه واحدق دقيقة كانه رأى امامه عفريتاً قد انبثق من العدم وجاء ليميته . ثم نظر الي وقد تغيرت ملامحه بسرعة وتحول الغضب والحنق في جسده المهزول الى التوجع والالم وقال باكياً : « هي المرأة المرأة التي انقذتها من عبودية الفقر وفتحت امامها خزائني وجعلتها محسودة بين النساء على الملابس الجميلة والحلى الثمينة والمركبات الفخيمة والخيول المطهمة - المرأة التي احبها قلبي وسكب على اقدامها عواطفه ومالت اليها نفسي فغمرتها بالمواهب والعطايا - المرأة التي كنت لها صديقاً ودودا ورفيقاً مخلصاً وزوجاً أميناً قد خانتني وغادرتني وذهبت الى بيت رجل آخر لتعيش معه في ظلال الفقر وتشاركه باكل الخبز المعجون بالعار وشرب الماء الممزوج بالذل والعيب - المرأة التي احببتها .. الطائر الجميل الذي اطعمته حبات قلبي واسقيته نور احداقي وجعلت ضلوعي له قفصاً ومهجتي عشاً قد فر من بين يدي وطار الى قفص اخر محبوك من قضبان العوسج لياكل فيه الحسك والديدان ويشرب من جوانبه السم والعلقم - الملاك الطاهر الذي سكنته فردوس محبتي وانعطافي قد نقل اب شيطاناً مخيفاً اهبط الى الظلمة ليتعذب باثامه ويعذبني بجريمته »
وسكت الرجل وقد حجب وجهه بكفيه كانه يريد ان يحمي نفسه من نفسه ثم تنهد قائلاً : » هذا كل ما اقدر ان اقوله فلا تسألني اكثر من ذلك ولا تجعل لمصيبتي صوتاً صارخاً بل دعها مصيبة خرساء لعلها تنمو بالسكينة فتميتني وتريحني » فقمت من مكاني والدموع تراود اجفاني والشفقة تسحق قلبي ثم ودعته ساكتاً لاني لم اجد في الكلام معنى يعزي قلبه الجريح ولا في الحكمة شعلة تنير نفسه
المظلمة ٢
بعد أيام التقيت لاول مرة بالسيدة ورده الهاني في بيت حقير محاط بالزهور والاشجار وكانت قد سمعت فظ اسمي في منزل رشيد بك نعمان ذلك الرجل الذي داست قلبه و تركته ميتاً بين جوافر الحياة . ولما رأيت عينيها المنيرتين وسمعت نغمة صوتها الرخيمة قلت في ذاتي : «أتقدر هذه المرأة ان تكون شريرة . وهل بامكان هذا الوجه الشفاف ان يستر نفساً شنيعة وقلباً
مجرماً ؟ أهذه هي الزوجة الخائنة - أهذه هي المرأة التي جنيت عليها مرات عديدة بتصويرها لفكري كثعبان ١٨
مخيف مختبئ في جسم طائر بديع الشكل؟» ولكني رجعت وهمست في سري قائلًا: (إذًا أي شيء ذلك الرجل تعسًا إذا لم يكن هذا الوجه الجميل؟ أوَلم نسمع ونرَ أن المحاسن الظاهرة كانت سببًا لمصائب خفية هائلة وأحزان عميقة أليمة؟ أوَليس القمر الذي يسكب في قرائح الشعراء شعاعًا هو القمر الذي يهيج سكينة البحار بالمد والجزر)
جلستُ وجلستْ السيدة وردة وكأنها قد سمعتني مفتكرًا، فلم ترد أن يطول الصراع بين حيرتي وظنوني، فأسندت رأسها الجميل بيدها البيضاء وبصوت يحاكي نغمة الناي رقةً قالت: «لم ألتقِ بك قبل الآن أيها الرجل، ولكني سمعت صدى أفكارك وأحلامك من أفواه الناس، فعرفتك شَفُوقًا على المرأة المظلومة، رؤوفًا بضعفها ١٩
٢٠
٢١
٢٢
فلم أتعلم لأن المحبة هي قوةٌ تبتدع قلوبنا، وقلوبنا لا تقدر أن تبتدعها، ثم صليت وتضرعت، وباطلًا تضرعت وصليت في سكينة الليالي أمام السماء لتولد في أعماقي عاطفة روحية تقربني من الرجل الذي اختارته رفيقًا لي، فلم تفعل السماء لأن المحبة تهبط على أرواحنا بإيعاز من الله لا بطلب من البشر.وهكذا بَقِيتُ عامين كاملين في منزل ذلك الرجل أحسد عصافير الحقل على حريتها، وبنات جنسي يَحْسُدْنَنِي على سجني، وكالثكلى الفاقدة وحيدها كنت أندب قلبي الذي وُلِدَ بالمعرفة، واعتل بالشريعة، وكان يموت في كل يوم جُوعًا وعطشًا، ففي يوم من تلك الأيام السوداء نظرت من وراء الظلمة، فرأيت شعاعًا لطيفًا ينسكب من عَيْنَيْ فتى يسير وحدَه على سبل الحياة، ويعيش منفردًا بين أوراقه وكتبه في هذا البيت
٢٣
الحقير، فأغمضت عينيَّ كَيْ لَا أرى ذلك الشعاع وقلت لنفسي (نصيبك يا نفسُ ظلمةُ القبر فلا تطمعي بالنور) ثم أصغيت فسمعت نغمة علوية تهز جوارحي بعذوبتها، وتمتلك كُليتي بطهرها فأغلقت أذني وقلت (نصيبك يا نفسُ صُراخ الهاوية فلا تطمعي بالأغاني)...أغمضت أجفاني كي لا أرى، وأغلقتُ أُذُنَيَّ كي لا أسمع، لكن عينيَّ ظَلَّتَا تريان ذلك الشعاع، وهما مُطْبَقَتَاِن، وأُذُنَيَّ تسمعان تلك النغمة، وهما معلقتان فخِفت لأول وهلة خوفَ فقير وجد جوهرة بقرب قصر الأمير، فلم يجسر أن يلتقطها لخوفه، ولم يقدر أن يتركها لفاقته، وبكيت بكاء ظامئٍ رأى الينبوع العذب محاطًا بكواسِر الغاب، فارتمى على الأرض مترقبًا جازعًا.
وسكتت السيدة وردة دقيقةً وقد أغمضت عينيها الكبيرتين كأن ذلك الماضي قد انتصب امامها فلم تجسر ان تحدق به وجهاً لوجه ثم عادت وقالت : «هؤُلاء البشر الذين يجيئون من الابدية ويعودون اليها قبل ان يذوقوا طعم الحياة الحياة الحقيقية لا يمكنهم ان يدركوا كنه اوجاع المرأة عندما تقف نفسها بين رجل تحبـه بارادة السماء. ورجل تلتصق به بشريعة الارض هي مأساة أليمة مكتوبة بدماء الانثى ودموعها يقرأُها الرجل ضاحكاً لانهُ لا يفهمها وان فهمها انقلب ضحكه فجوراً وقساوة وانزل على رأس المرأة من غضبه ناراً وكبريتاً وملاءَ اذنيها لعناً وتجديفاً. هي رواية موجعة تمثلها الليالي السوداءُ بين ضلوع كل امرأة تجد جسدها مقيداً بمضجع رجل عرفته زوجاً قبل ان تعرف ما هي الزيجة. وترى روحها مرفرفة حول عنق رجل آخر تحبه بكل ما في لروح من المحبة وبكل ما في المحبة من الطهر والجمال. هو نزاع مخيف قد ابتدأ منذ ظهور الضعف في المرأة والقوة في الرجل ولا ينتهي حتى تنقضي ايام عبودية الضعف للقوة. هي حرب هائلة بين شرائع الناس الفاسدة وعواطف القلب المقدسة قد طُرحتُ بالامس في ساحتها وكدت اموت جزعاً واذوب دموعاً. لكنني وقفتْ ونزعت عني جبانة بنات جنسي وحللتْ جناحيَّ من رابط الضعف والعواطف. وكنت دنسة ودنيئة امام نفسي وامام الله والاستسلام وطرت في قضاء الحب والحرية وانا سعيدة الآن بقرب الرجل الذي خرج وخرجتْ شعلةً واحدة من يد الله قبيل ابتداء الدهور ولا توجد قوة في هذا العالم تستطيع ان تسلبني سعادتي لانها منبثقة من عناق روحين يضمهما التفاهم ويظللهما الحب» ونظرت اليَّ السيدة ورده نظرةً معنوية كانها تريد ان تخترق صدري بعينيها لترى تأثير كلامها في عواطفي وتسمع صدى صوتها من بين ضلوعي. لكنني بقيت صامتاً كيلا اوقفها عن الكلام. فقالت وقد قارن صوتها بين بين مرارة الذكرى وحلاوة الخلاص والحرية «يقول لك الناس ان ورده الهاني امرأة خائنة جحودة قد اتبعتْ شهوة قلبها وهجرت الرجل الذي رفعها اليه وجعلها سيدة في منزله. ويقولون لك هي زانية عاهرة قد اتلفتْ بمقابضها القذرة اكليل الزواج المقدس الذي ضفرتهُ الديانة واتخذت عوضا عنهُ اكليلاً وسخاً محبوكاً من اشواك الجحيم. والقت عن جسدها ثوب الفضيلة وارتدت بلباس الاثم والعار. ويقولون لك اكثر من ذلك لان اشباح جدودهم ما زالت حية في اجسادهم فهم مثل كهوف الاودية الخالية يرجعون صدى الاصوات ولا يفهمون معناهـا. هم لا يعرفون شريعة الله في مخلوقاته ولا يفقهون مفاد الدين الحقيقي ولا يعلمون متى يكون الانسان خاطئاً او باراً. بل ينظرون باعينهم الضئيلة الى ظواهر الاعمال ولا يرون اسرارها فيقضون بالجهل ويدينون بالعماوة ويستوي امامهم المجرم والبريءُ، والصالح والشرير· فويل لمن يقضي وويلٌ لمن يدين.. انا كنت زانية وخائنة في منزل رشيد نعمان لانه جعلني رفيقة مضجعه بحكم العادات والتقاليد قبل ان تصيرني السماءُ قرينة له بشريعة الروح والعواطف. وكنت دنسة ودنيئة امام نفسي وامام الله عندما كنت اشبع جوفي من خيراته ليشبع امياله من جسدي. اما الان فصرت طاهرة نقية لان ناموس الحب قد حررني. وصرت شريفة وامينة لانني ابطلت بيع جسدي بالخبز وايامي بالملابس. نعم كنت زانية ومجرمة عندما كان الناس يحسبوني زوجة فاضلة واليوم صرت طاهرة وشريفة وهم يحسبونني عاهرة دنسة لانهم يحكمون على النفوس من مآتي الاجساد ويقيسون الروح بمقاييس المادة»
والتفتت السيدة ورده نحو النافذة وإشارت بيمينها نحو المدينة ورفعت صوتها عن ذي قبل وقالت بلهجة الاحتقار والاشمئزاز كانها رأَت بين الازقة وعلى السطوح وفي الاروقة اشباح المفاسد وخيالات الانحطاط «انظر الى هذه المنازل الجميلة والقصور الفخيمة العالية حيث يسكن الاغنياء والاقوياءُ من البشر. فبين جدرانها المكسوة بالحرير المنسوج تقطن الخيانة بجانب الرياء.
وتحت سقوفها المطلية بالذهب المذوب يقيم الكذب بقرب ٢٩
التَّصَنعِ، انظر وتأمل جيدًا بهذه البنايات التي تمثل لك المجد والسؤدد والسعادة، فهي ليست سوى مغائر يختبئ فيها الذل والشقاء والتعاسة، هي قبورٌ مكلسة يتوارى فيها مكر المرأة الضعيفة وراء كحل العيون واحمرار الشفاه، وتنحجب في زواياها أنانية الرجل وحيوانيته بلمعان الفضة والذهب، هي قصور تتشامخ جدرانها تيهًا وافتخارًا نحو العلاء، ولو كانت تشعر بأنفاس المكاره والغش السائلة عليها لتشققت وتبعثرت وهبطت إلى الحضيض، هي منازل ينظر إليها القروي الفقير بأعين دامعة، ولو علم بأنه لا يوجد في قلوب سكانها ذَرَّةٌ من تلك المحبة العذبة التي تملأ صدر رفيقته لابتسم مستهزئًا وعاد إلى حقله مشفقًا»
وأمسكت السيدة وردة بيدي وقادتني إلى جانب النافذة التي كانت تنظر منها نحو تلك المنازل والقصور ٣٠
٣١
٣٢
٣٣
٣٤
وتسيل رقة وتولد في قلبه النور بانعطافها، وتوحي إليه الأقوال الخالدة بابتساماتها ونظراتها»
وسكتت السيدة وردة هنيهَةً، وقد جلست على مقعد بجانب النافذة كأن نفسها قد تعبت من التجول في مخادع تلك المنازل الخفية، ثم عادت تقول بهدوء: «هذه هي القصور التي لم أَرْضَ أن أكون من سُكَّانِهَا، هذه هي القبور التي لم أرد أن أدفن حية طي لحودها، هؤلاء هم الناس الذين تخلصت من عوائدهم، وخلعت عني نير جامعتهم، هؤلاء هم المتزوجون الذين يقترنون بالأجساد، ويتنافرون بالروح ولا شفيع بهم أمام الله سوى جهلهم ناموس الله، أنا لا أدينهم الآن بل أشفق عليهم، ولا أكرههم بل أكره استسلامهم عفوًا إلى الرياء والكذب والخباثة، ولم أكشف أمامك خفايا قلوبهم وأسرار معيشتهم؛ لأنني لا أحب الاغتياب ٣٥
والنميمة بل فعلت ذلك لأريك حقيقة قوم كنت بالأمس مثلهم فنجوت، وأبين لك معيشة بشر يقولون عني كل كلمة شريرة لأنني خسرت صداقتهم لأربح نفسي، وخرجت عن سبل خداعهم المظلمة، وحولت عيني نحو النور حيث الإخلاص والحق والعدل، وقد نَفَوْنِي الآن من جامعتهم، وأنا راضية لأن البشر لا ينفون إلَّا من تمرَّدت روحُه الكبيرة على الظلم والجور، ومن لا يؤثر النفي على الاستعباد لا يكون حرًّا بما في الحرية من الحق والواجب.
أنا كنت بالأمس مثل مائدة شهية، وكان رشيد بك يقترب مني عندما يشعر بحاجة إلى الطعام، أما نفسانا فتظلان بعيدتين كخادمين ذليلين، ولما رأيت المعرفة كرهت الاستخدام وقد حاولت الخضوع لما يدعونه نصيبًا فلم أقدر؛ لأن روحي أبت أن أصرف العمر كله راكعة أمام صنم مخيف أقامته ٣٦
الأجيال المظلمة، ودعته الشريعة، فكسرت قيودي لكنني لم أُلْقِهَا عني حتي سمعت الحب مناديًا، ورأيت النفس متأهبة للمسير، فخرجت من منزل رشيد نعمان خروج الأسير من سجنه تاركة خلفي الحُلِيَّ والحُلَلَ، والخدم والمركبات وجئت بيت حبيبي الخالي من الرياش المملوء من الروح، وأنا عالمة بأنني لم أفعل غير الحق والواجب؛ لأن مشيئة السماء ليست بأن أقطع جناحي بيدي وأرتمي على الرماد حاجبة رأسي بساعدي ساكبة حُشاشتي من أجفاني قائلة هذا نصيبي من الحياة، إن السماء لا تريد أن أصرف العمر صارخة متوجِّعة في الليالي قائلة متي يجيء الفجر، وعندما يجيء الفجر أقول متى ينقضي هذا النهار.
إن السماء لا تريد أن يكون الإنسان تعسًا؛ لأنها وضعت في أعماقه الميل إلى السعادة؛ لأنه بسعادة الإنسان يتمجد الله. هذه هي حكايتي أيها الرجل وهذا ٣٧
٣٨
إذ ذاك عابر الطريق بجانب قبري ويُلقي عليه السلام قائلًا: ههنا رقدت وردة الهاني التي حررت عواطفها من عبودية الشرائع البشرية الفاسدة لتحيا بناموس المحبة الشريفة، وحوَّلت وجهها نحو الشمس كي لا ترى ظل جسدها بين الجماجم والأشواك»
*•*•*
٣٩
صامتين لانشغال كل مِنَّا بمعرفة رأي الآخر فيه حتى إذا مرت دقيقة مملوءة من السكينة التي تستميل النفوس إلى الملأ الأعلى نظرت إليهما، وقد جلسا أحدهما بجانب الآخر فرأيت ما لم أره قط، وعرفت بلحظة معنى حكاية السيدة وردة وأدركت سر احتجاجها على الهيئة الاجتماعية التي تضطهد الأفراد المتمردين على شرائعها قبل أن تستفحص دواعي تمردهم، رأيت روحًا واحدة سماوية متمثلة أمامي بجسدين يجملهما الشباب ويسربلهما الاتحاد، وقد وقف بينهما إله الحب باسطًا جناحيه ليحميهما من لوم الناس وتعنيفهم، وجدتُ التفاهم الكلي منبعثًا من وجهين شفافين ينيرهما الإخلاص ويحيط بهما الطهر: وجدت لأول مرة في حياتي طيف السعادة منتصبًا بين رجل وامرأة يرذِلهُما الدينُ وتنبذهما الشريعة.
وبعد هنيهة وقفت وودعتهما مظهرًا بغير الكلام ٤٠
٤١
٤٢
وردة الهاني كانت امرأة تعسة، فطلبت السعادة فوجدتها وعانقتها، وهذه هي الحقيقة التي تحتقرها الجامعة الإنسانية، وتنفيها الشريعة.
همستُ تلك الكلمات في مسامع الأثير ثم قلت مستدركًا: ( ولكن أيسوغ للمرأة أن تشتري سعادتَها بتعاسة بعلها؟ ) فأجابتني نفسي قائلة: ( وهل يجوز للرجل أن يستعبد عواطف زوجته ليبقى سعيدًا؟ )
***
٤٣
٤٤
الأيام ليحيا بالروح وللروح؟ أيبقى الإنسان محدقًا بالتراب أم يحول عينيه نحو الشمس كي لا يرى ظل جسده بين الأشواك والجماجم؟
تمت