اقتضاء الصراط المستقيم/16

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
اقتضاء الصراط المستقيم
المؤلف: ابن تيمية


ومثل النبي ﷺ مثل طبيب دخل على مريض فرأى مرضه فعلمه فقال له اشرب كذا واجتنب كذا ففعل ذلك فحصل غرضه من الشفاء

والمتفلسف يطول معه الكلام في سبب ذلك المرض وصفته وذمه وذم ما أوجبه ولو قال له مريض فما الذي يشفيني منه لم يكن له بذلك علم تام

على أن الكلام في بيان تأثير بعض هذه الأسباب قد يكون فيه فتنة لمن ضعف عقله ودينه بحيث يختلط عقله فيتوله إذا لم يرزق من العلم والإيمان ما يوجب له الهدى واليقين

ويكفي العاقل أن يعلم أن ما سوى المشروع لا يؤثر بحال فلا منفعة فيه أو أنه وإن أثر فضرره أكثر من نفعه

ثم سبب قضاء حاجة بعض هؤلاء الداعين الأدعية المحرمة أن الرجل منهم قد يكون مضطرا اضطرارا لو دعا الله بها مشرك عند وثن لاستجيب له لصدق توجهه إلى الله وإن كان تحري الدعاء عند الوثن شركا ولو استجيب له على يد المتوسل به صاحب القبر أو غيره لاستغاثته فإنه يعاقب على ذلك ويهوي في النار إذا لم يعف الله عنه كما لو طلب من الله ما يكون فتنة له كما أن ثعلبة لما سأل النبي ﷺ أن يدعو له بكثرة المال ونهاه النبي ﷺ عن ذلك مرة بعد مرة فلم ينته حتى دعا له وكان ذلك سبب شقائه في الدنيا والآخرة وقد قال ﷺ إن الرجل ليسألني المسألة فأعطيه إياها فيخرج بها يتأبطها نارا فقالوا يا رسول الله فلم تعطيهم قال يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل

فكم من عبد دعا دعاء غير مباح فقضيت حاجته في ذلك الدعاء وكانت سبب هلاكه في الدنيا والآخرة

تارة بأن يسأل مالا تصلح له مسألته كما فعل بلعام وثعلبة كخلق كثير دعوا بأشياء فحصلت لهم وكان فيها هلاكهم

وتارة بأن يسأل على الوجه الذي لا يحبه الله كما قال سبحانه ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين فهو سبحانه لا يحب المعتدين في صفة الدعاء ولا في المسئول وإن كانت حاجتهم قد تقضى كأقوام ناجوا الله في دعواتهم بمناجاة فيها جرأة على الله واعتداء لحدوده وأعطوا طلبتهم فتنة ولما يشاء الله سبحانه بل أشد من ذلك

ألست ترى السحر والطلسمات والعين وغير ذلك من المؤثرات في العالم بإذن الله قد يقضي الله بها كثيرا من أغراض النفوس الشريرة ومع هذا فقد قال سبحانه ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون فإنهم معترفون بأنه لا ينفع في الآخرة وأن صاحبه خاسر في الآخرة وإنما يتشبثون بمنفعته في الدنيا وقد قال تعالى ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم

كذلك أنواع من الداعين والسائلين قد يكون يدعون دعاء محرما لهم معه ذلك الغرض ويورثهم ضررا أعظم منه وقد يكون الدعاء مكروها ويستجاب له أيضا

ثم هذا التحريم والكراهة قد يعلمه الداعي وقد لا يعلمه على وجه لا يعذر فيه لتقصيره في طلب العلم أو تركه للحق وقد لا يعلمه على وجه يعذر فيه بأن يكون فيه مجتهدا أو مقلدا كالمقلد أو المجتهد اللذان يعذران في سائر الأعمال وغير المعذور قد يتجاوز الله عنه في ذلك الدعاء لكثرة حسناته من صدق قصده أو لمحض رحمة الله به أو نحو ذلك من الأسباب

فالحاصل أن ما يقع من الدعاء المشتمل على كراهة شرعية بمنزلة سائر أنواع العبادات

وقد علم أن العبادة المشتملة على وصف مكروه قد تغفر تلك الكراهة لصاحبها لاجتهاده أو تقليده أو حسناته أو غير ذلك ثم ذلك لا يمنع أن يعلم أن ذلك مكروه ينهى عنه وإن كان هذا الفاعل المعين قد زال موجب الكراهة في حقه

ومن هنا يغلط كثير من الناس فإنهم يبلغهم أن بعض الأعيان من الصالحين عبدوا عبادة أو دعوا دعاء وجدوا أثر تلك العبادة وذلك الدعاء فيجعلون ذلك دليلا على استحسان تلك العبادة والدعاء ويجعلون ذلك العمل سنة كأنه قد فعله نبي وهذا غلط لما ذكرناه خصوصا إذا كان ذلك العمل إنما كان أثره بصدق قام بقلب فاعله حين الفعل ثم تفعله الأتباع صورة لا صدقا فيضربون به لأنه ليس العمل مشروعا فلا يكون لهم الثواب المتبعين ولا قام بهم صدق ذلك الفاعل الذي لعله بصدق الطلب وصحة القصد يكفر عن الفاعل

ومن هذا الباب ما يحكى من آثار لبعض الشيوخ حصلت في السماع المبتدع فإن تلك الآثار إنما كانت عن أحوال قامت بقلوب أولئك الرجال حركها محرك كانوا في سماعه إما مجتهدين وإما مقصرين تقصيرا غمره حسنات قصدهم فيأخذ الأتباع حضور صورة السماع حضور أولئك الرجال سنة تتبع وليس مع المقلدين من الصدق والقصد ما لأجله عذروا أو غفر لهم فيهلكون بذلك

وكما يحكى عن بعض الشيوخ أنه رؤي بعد موته فقيل له ما فعل الله بك فقال أوقفني بين يديه وقال لي يا شيخ السوء أنت الذي كنت تتمثل بسعدي ولبني لولا أعلم أنك صادق لعذبتك

فإذا سمعت دعاء أو مناجاة مكروهة في الشرع قد قضيت حاجة صاحبها فاعلم أن كثيرا منها ما يكون من هذا الباب

ولهذا كان الأئمة العلماء بشريعة الله يكرهون هذا من أصحابهم وإن وجد أصحابهم أثره كما يحكى عن سحنون المحب قال وقع في قلبي شيء من هذه الآيات فجئت إلى دجلة فقلت وعزتك لا أذهب حتى يخرج لي حوت فخرج حوت عظيم أو كما قال فبلغ ذلك الجنيد فقال كنت أحب أن تخرج إليه حية فتقتله

وكذلك حكي لنا أن بعض المجاورين بالمدينة جاء إلى قبر النبي ﷺ فاشتهى عليه نوعا من الأطعمة فجاء بعض الهاشميين إليه فقال إن النبي ﷺ بعث إليك هذا وقال لك اخرج من عندنا فإن من يكون عندنا لا يشتهي مثل هذا

وآخرون قضيت حوائجهم ولم يقل لهم مثل هذا لاجتهادهم أو تقليدهم أو قصورهم في العلم فإنه يغفر للجاهل مالا يغفر لغيره كما يحكى عن برخ العابد الذي استسقى في بني إسرائيل

ولهذا عامة ما يحكى في هذا الباب إنما هو عن قاصري المعرفة ولو كان هذا شرعا أو دينا لكان أهل المعرفة أولى به

ولا يقال هؤلاء لما نقصت معرفتهم ساغ لهم ذلك فإن الله لم يسوغ هذا لأحد لكن قصور المعرفة قد يرجى معه العفو والمغفرة

أما استحباب المكروهات أو إباحة المحرمات فلا فرق بين العفو عن الفاعل والمغفرة له وبين إباحة فعله أو المحبة له سواء كان ذلك متعلقا بنفس الفعل أو ببعض صفاته

وقد علمت جماعة ممن سأل حاجة من بعض المقبورين من الأنبياء والصالحين فقضيت حاجته وهو لا يخرج عما ذكرته وليس ذلك بشرع فيتبع ولا سنة

وإنما يثبت استحباب الأفعال واتخاذها دينا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما كان عليه السابقون الأولون وما سوى ذلك من الأمور المحدثة فلا يستحب وإن اشتملت أحيانا على فوائد لأنا نعلم أن مفاسدها راجحة على فوائدها

ثم هذا التحريم والكراهة المقترنة بالأدعية المكروهة إما من جهة المطلوب وإما من جهة نفس الطلب وكذلك الاستعاذة المحرمة أو المكروهة فكراهتها إما من جهة المستعاذ منه وإما من جهة نفس الاستعاذة فينجون من ذلك الشر ويقعون فيما هو أعظم

وأما المطلوب المحرم فمثل أن يسأل الله ما يضره في دنياه أو آخرته وإن كان لا يعلم أنه يضره فيستجاب له كالرجل الذي عاده النبي ﷺ فوجده مثل الفرخ فقال هل كنت تدعو الله بشيء قال كنت أقول اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة فعجله لي في الدنيا قال سبحان الله إنك لا تستطيعه أو لا تطيقه هلا قلت ربنا أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وكأهل جابر بن عتيك لما مات فقال النبي ﷺ لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون

وقد عاب الله على من يقتصر على طلب الدنيا بقوله فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق فأخبر أن من لم يطلب إلا الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب

ومثل أن يدعو على غيره دعاء منهيا عنه كدعاء بلعام بن باعوراء على قوم موسى عليه السلام وهذا قد يبتلى به كثير من العباد أرباب القلوب فإنه قد يغلب على أحدهم ما يجده من حب أو بغض لأشخاص فيدعوا لأقوام وعلى أقوام بما لا يصلح فيستجاب له ويستحق العقوبة على ذلك الدعاء كما يستحقها على سائر الذنوب فإن لم يحصل له ما يمحو ذلك من توبة أو حسنات ماحية أو شفاعة غيره أو غير ذلك وإلا فقد يعاقب إما بأن يسلب ما عنده من ذوق طعم الإيمان ووجود حلاوته فينزل عن درجته وإما بأن يسلب عمل الإيمان فيصير فاسقا وإما بأن يسلب أصل الإيمان فيكون كافرا منافقا أو غير منافق

وما أكثر ما يبتلى بهذا المتأخرون من أرباب الأحوال القلبية بسبب عدم فقههم في أحوال قلوبهم وعدم معرفة شريعة الله في أعمال القلوب وربما غلب على أحدهم حال قلبه حتى لا يمكنه صرفه عما توجه إليه فيبقى ما يخرج منه مثل السهم الخارج من القوس وهذه الغلبة إنما تقع غالبا بسبب التقصير في الأعمال المشروعة التي تحفظ حال القلب فيؤاخذ على ذلك وقد تقع بسبب اجتهاد يخطئ صاحبه فتقع معفوا عنها

ثم من غرور هؤلاء وأشباههم اعتقادهم أن استجابة مثل هذا الدعاء كرامة من الله تعالى لعبده وليس في الحقيقة كرامة وإنما يشبه الكرامة من جهة كونها دعوة نافذة وسلطانا قاهرا وإنما الكرامة في الحقيقة ما نفعت في الآخرة أو نفعت في الدنيا ولم تضر في الآخرة وإنما هذا بمنزلة ما ينعم به الله على بعض الكفار والفساق من الرياسات والأموال في الدنيا فإنها إنما تصير نعمة حقيقية إذا لم تضر صاحبها في الآخرة ولهذا اختلف أصحابنا وغيرهم من العلماء هل ما ينعم به على الكافر نعمة أم ليس بنعمة وإن كان الخلاف لفظيا قال الله تعالى أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون وقال تعالى فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم فإذا هم مبلسون وفي الحديث إذا رأيت الله ينعم على العبد مع إقامته على معصيته فإنما هو استدراج يستدرجه به

ومثال هذا في الاستعاذة قول المرأة التي جاءت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليخطبها فقالت أعوذ بالله منك فقال لقد عذت بمعاذ ثم انصرف عنها فقيل لها إن هذا النبي ﷺ فقالت أنا كنت أشقى من ذلك

وأما التحريم من جهة الطلب فيكون تارة لأنه دعاء لغير الله مثل ما يفعله السحرة من مخاطبة الكواكب وعبادتها ونحو ذلك فإنه قد يقضى عقب ذلك أنواع من القضاء إذا لم يعارضه معارض من دعاء أهل الإيمان وعبادتهم أو غير ذلك ولهذا تنفذ هذه الأمور في زمان فترة الرسل وفي بلاد الكفر والنفاق مالا تنفذ في دار الإسلام وزمانه

ومن هذا أني أعرف رجالا يستغيثون ببعض الأحياء في شدائد تنزل بهم فيفرج عنهم وربما يعاينون أمورا وذلك الحي المستغاث به لم يشعر بذلك ولا علم له به البتة وفيهم من يدعو على أقوام أو يتوجه في إيذائهم فيرى بعض الأحياء أو بعض الأموات يحول بينه وبين إيذاء أولئك وربما رآه ضاربا له بسيف وإن كان الحي لا شعور له بذلك وإنما ذلك من فعل الله سبحانه بسبب يكون بين المقصود وبين الرجل الدافع من اتباع له وطاعة فيما يأمره من طاعة الله ونحو ذلك فهذا قريب

وقد يجري لعباد الأصنام أحيانا من هذا الجنس المحرم ما يظنون أنه محبة من الله بما تفعله الشياطين لأعوانهم فإذا كان الأثر قد يحصل عقب دعاء من يتيقن أنه لم يسمع الدعاء فكيف يتوهم أنه هو الذي تسبب في ذلك أو أنه له فيه فعلا وإذا قيل إن الله يفعله بذلك السبب

فإذا كان السبب محرما لم يجز كالأمراض التي يحدثها الله عقب أكل السموم وقد يكون الدعاء المحرم في نفسه دعاء لغير الله وأن يدعو الله مستشفعا بغيره إليه كما تقول النصارى يا والدة الإله اشفعي لنا إلى الإله وقد يكون دعاء لله لكنه توسل إليه بما لا يحب أن يتوسل به إليه كما يفعل المشركون الذين يتوسلون إلى الله بأوثانهم وقد يكون دعا الله بكلمات لا تصلح أن يناجي بها الله أو يدعي بها لما في ذلك من الاعتداء

فهذه الأدعية ونحوها وإن كان قد يحصل لصاحبها أحيانا غرضه لكنها محرمة لما فيها من الفساد الذي يربو على منفعتها كما تقدم ولهذا كانت هذه فتنة في حق من لم يهده الله وينور قلبه فيفرق بين أمر التكوين وأمر التشريع ويفرق بين أمر القدر وأمر الشرع ويعلم أن الأقسام ثلاثة

أمور قدرها الله وهو لا يحبها ولا يرضاها فإن الأسباب المحصلة لهذه تكون محرمة موجبة لعقابه

وأمور شرعها فهو يحبها من العبد ويرضاها ولكن لم يعنه على حصولها

فهذه محمودة عنده مرضية وإن لم توجد

والقسم الثالث أن يعين الله العبد على ما يحبه منه

فالأول إعانة الله والثاني عبادة الله والثالث جمع له بين العبادة والإعانة كما قال تعالى إياك نعبد وإياك نستعين

فما كان من الدعاء غير المباح ذا اثر فهو من باب الإعانة لا العبادة كدعاء سائر الكفار والمنافقين والفساق ولهذا قال تعالى في مريم وصدقت بكلمات ربها وكتبه ولهذا كان النبي ﷺ يستعيذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر

ومن رحمة الله تعالى أن الدعاء المتضمن شركا كدعاء غيره أن يفعل أو دعائه أن يدعو الله ونحو ذلك لا يحصل به غرض صاحبه ولا يورث حصول الغرض شبهة إلا في الأمور الحقيرة فأما الأمور العظيمة كإنزال الغيث عند القحوط وكشف العذاب النازل فلا ينفع فيه هذا الشرك كما قال تعالى قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون وقال تعالى وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا وقال تعالى ام من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض وقال تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم اقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا وقال تعالى أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا

فكون هذه المطالب العظيمة لا يستجيب فيها إلا هو سبحانه دل على توحيده وقطع شبهة من أشرك به وعلم بذلك أن ما دون هذا أيضا من الإجابات إنما حصولها منه وحده لا شريك له وإن كانت تجري بأسباب محرمة أو مباحة كما أن خلقه للسموات والأرض والرياح والسحاب وغير ذلك من الأجسام العظيمة دل على وحدانيته وأنه خالق كل شيء وأن ما دون هذا بأن يكون خلقا له أولى إذ هو حاصل عن مخلوقاته العظيمة فخالق السبب التام خالق للمسبب لا محالة

وجماع الأمر أن الشرك نوعان

شرك في ربوبيته بأن يجعل لغيره معه تدبير إما كما قال سبحانه قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ومالهم فيهما من شرك وماله منهم من ظهير فبين أنهم لا يملكون مثقال ذرة استقلالا ولا يشركونه في شيء من ذلك ولا يعينونه على ملكه ومن لم يكن مالكا ولا شريكا ولا عونا فقد انقطعت علاقته

وشرك في الألوهية بأن يدعو غيره دعاء عبادة أو دعاء مسألة كما قال تعالى إياك نعبد وإياك نستعين فكما أن إثبات المخلوقات أسباب لا تقدح في توحيد الربوبية ولا تمنع أن الله خالق كل شيء ولا توجب أن يدعي مخلوق دعاء عبادة أو دعاء استغاثة كذلك إثبات بعض الأفعال المحرمة من شرك أو غيره أسبابا لا يقدح في توحيد الإلهية ولا يمنع أن يكون الله هو الذي يستحق الدين الخالص ولا يوجب أن تستعمل الكلمات والأفعال التي فيها شرك إذ كان الله يسخط ذلك ويعاقب العبد عليه وتكون مضرة ذلك على العبد أكثر من منفعته إذ قد جعل الله الخير كله في أنا لا نعبد إلا إياه ولا نستعين إلا إياه وعامة آيات القرآن تثبت هذا الأصل الأصيل حتى إنه سبحانه قطع أثر الشفاعة بدون إذنه كقوله سبحانه من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه وقوله سبحانه وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع وقوله تعالى وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وكقوله تعالى قل أندعوا من دون الله مالا ينفعنا ولا يضرنا الآية وكقوله سبحانه ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمت أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون وسورة الأنعام سورة عظيمة مشتملة على أصول الإيمان والتوحيد وكذلك قوله تعالى ثم استوى على العرش مالكم من دونه من ولي ولا شفيع وقوله سبحانه والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى وقوله تعالى أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا وسورة الزمر أصل عظيم في هذا

ومن هذا قوله سبحانه ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين يدعو من دون الله مالا يضره ومالا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير وكذلك قوله تعالى مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون والقرآن عامته إنما هو في تقرير هذا الأصل العظيم الذي هو أصل الأصول

وهذا الذي ذكرناه كله من تحريم هذا الدعاء مع كونه قد يؤثر إذا قدر أن هذا الدعاء كان سببا أو جزءا من السبب في حصول طلبته

والناس قد اختلفوا في الدعاء المستعقب لقضاء الحاجات

فزعم قوم من المبطلين متفلسفة ومتصوفة أنه لا فائدة فيه أصلا فإن المشيئة الالهية والأسباب العلوية إما أن تكون قد اقتضت وجود المطلوب وحينئذ فلا حاجة إلى الدعاء أو لا تكون اقتضته وحينئذ فلا ينفع الدعاء

وقال قوم ممن تكلم في العلم بل الدعاء علامة ودلالة على حصول المطلوب وجعلوا ارتباطه بالمطلوب ارتباط الدليل بالمدلول لا ارتباط السبب بالمسبب بمنزلة الخبر الصادق والعلم السابق

والصواب ما عليه الجمهور من أن الدعاء سبب لحصول الخير المطلوب أو غيره كسائر الأسباب المقدرة والمشروعة وسواء سمي سببا أو شرطا أو جزءا من السبب فالمقصود هنا واحد فإذا أراد الله بعبد خيرا ألهمه دعاءه والاستعانة به وجعل استعانته ودعاءه سببا للخير الذي قضاه له كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إني لا أحمل هم الإجابة وإنما أحمل هم الدعاء فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه كما أن الله تعالى إذا أراد أن يشبع عبدا أو يرويه الهمه أن يأكل أو يشرب وإذا أراد أن يتوب على عبد ألهمه أن يتوب فيتوب عليه وإذا أراد أن يرحمه ويدخله الجنة يسره لعمل أهل الجنة والمشيئة الإلهية اقتضت وجود هذه الخيرات بأسبابها المقدرة لها كما اقتضت وجود دخول الجنة بالعمل الصالح ووجود الولد بالوطء والعلم بالتعلم فمبدأ الأمور من الله وتمامها على الله لا أن العبد نفسه هو المؤثر في الرب أو في ملكوت الرب بل الرب سبحانه هو المؤثر في ملكوته وهو جاعل دعاء عبده سببا لما يريده سبحانه من القضاء كما قال رجل للنبي ﷺ يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقي نسترقي بها وتقى نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا قال هي من قدر الله وعنه ﷺ أنه قال إن الدعاء والبلاء ليلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض

فهذا في الدعاء الذي يكون سببا في حصول المطلوب

وأعلى من هذا ما جاء به الكتاب والسنة من رضا الله وفرحه وضحكه بسبب أعمال عباده الصالحة كما جاءت به النصوص وكذلك غضبه ومقته

وقد بسطنا الكلام في هذا الباب وما للناس فيه من المقالات والاضطراب في غير هذا الموضع

فما فرض من الأدعية المنهي عنها سببا فقد تقدم الكلام عليه

فأما غالب هذه الأدعية التي ليست مشروعة فلا تكون هي السبب في حصول المطلوب ولا جزءا منه ولا يعلم ذلك بل لا يتوهم إلا وهما كاذبا كالنذر سواء فإن في الصحيح عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر وقال إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئا لم يكن الله قدره له ولكن النذر يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل مالم يكن البخيل يريد أن يخرجه

فقد أخبر النبي ﷺ أن النذر لا يأتي بخير وأنه ليس من الأسباب الجالبة لخير أو الدافعة لشر أصلا وإنما يوافق القدر موافقة كما توافقه سائر الأسباب فيخرج من البخيل حينئذ مالم يكن يخرجه قبل ذلك ومع هذا فأنت ترى الذين يحكون أنهم وقعوا في شدائد فنذروا نذرا لكشف شدائدهم أكثر أو قريبا من الذين يزعمون أنهم دعوا عند القبور أو غيرها فقضيت حوائجهم بل من كثرة اغترار الضالين المضلين بذلك صارت النذور المحرمة في الشرع مآكل لكثير من السدنة والمجاورين العاكفين على القبور أو غيرها يأخذون من الأموال شيئا كثيرا وأولئك الناذرون يقول أحدهم مرضت فنذرت ويقول الآخر خرج علي المحاربون فنذرت ويقول الآخر ركبت البحر فنذرت ويقول الآخر حبست فنذرت ويقول الآخر أصابتني فاقة فنذرت

وقد قام بنفوسهم أن هذه النذور هي السبب في حصول مطلوبهم ودفع مرهوبهم وقد أخبر الصادق المصدوق أن نذر طاعة الله فضلا عن معصيته ليس سببا لحصول الخير وإنما الخير الذي يحصل للناذر يوافقه موافقة كما يوافق سائر الأسباب فما هذه الأدعية غير المشروعة في حصول المطلوب بأكثر من هذه النذور في حصول المطلوب بل تجد كثيرا من الناس يقول إن المكان الفلاني أو المشهد الفلاني أو القبر الفلاني يقبل النذر بمعنى أنهم نذروا له نذرا إن قضيت حاجتهم وقضيت كما يقول القائلون الدعاء عند المشهد الفلاني أو القبر الفلاني مستجاب بمعنى أنهم دعوا هناك مرة فرأوا اثر الإجابة بل إذا كان المبطلون يضيفون قضاء حوائجهم إلى خصوص نذر المعصية مع أن جنس النذر لا أثر له في ذلك لم يبعد منهم إذا أضافوا حصول غرضهم إلى خصوص الدعاء بمكان لا خصوص له في الشرع لأن لأن جنس الدعاء هذا مؤثر فالإضافة إليه ممكنة بخلاف جنس النذر فإنه لا يؤثر

والغرض بأن يعرف أن الشيطان إذا زين لهم نسبة الأثر إلى مالا يؤثر نوعا ولا وصفا فنسبته إلى وصف قد ثبت تأثير نوعه أولى أن يزينه لهم ثم كما لم يكن ذلك الاعتقاد منهم صحيحا فكذلك هذ إذا كلاهما مخالف للشرع

ومما يوضح ذلك أن اعتقاد المعتقد أن هذا الدعاء أو هذا النذر هو السبب أو بعض السبب في حصول المطلوب لا بد له من دلالة ولا دليل على ذلك في الغالب إلا الاقتران أحيانا أعني وجودهما جميعا وإن تراخى أحدهما عن الآخر مكانا أو زمانا مع الانتقاض أضعاف أضعاف الاقتران ومجرد اقتران الشيء بالشيء بعض الأوقات مع انتقاضه ليس دليلا على العلة باتفاق العقلاء إذا كان هنالك سبب آخر صالح إذ تخلف الأثر عنه يدل على عدم العلية

فإن قيل إن التخلف لفوات شرط أو لوجود مانع

قيل بل الاقتران لوجود سبب آخر وهذا هو الراجح فإنا نرى الله في كل وقت يقضي الحاجات ويفرج الكربات بأنواع من الأسباب لا يحصيها إلا هو وما رأيناه يحدث المطلوب مع وجود هذا الدعاء المبتدع إلا نادرا فإذا رأيناه قد أحدث كان شيئا وكان الدعاء المبتدع قد وجد إحالة حدوث الحادث على ما علم من الأسباب التي لا يحصيها إلا الله أولى من إحالته على ما لم يثبت كونه سببا

ثم الاقتران إن كان دليلا على العلة فالانتقاض دليل على عدمها

وهنا افترق الناس على ثلاث فرق مغضوب عليهم وضالون والذين أنعم الله عليهم

فالمغضوب عليهم يطعنون في عامة الأسباب المشروعة وغير المشروعة

ويقولون الدعاء المشروع قد يؤثر وقد لا يؤثر ويتصل بذلك الكلام في دلالة الآيات على تصديق الأنبياء عليهم السلام

والضالون يتوهمون في كل ما يتخيل سببا وإن كان يدخل في دين اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم والمتكايسون من المتفلسفة يحيلون ذلك على أمور فلكية وقوى نفسانية وأسباب طبيعية يدورون حولها لا يعدلون عنها

فأما المهتدون فهم لا ينكرون ما خلقه الله من القوى والطبائع في جميع الأجسام والأرواح إذ الجميع خلق الله لكنهم يؤمنون بما وراء ذلك من قدرة الله التي هو بها على كل شيء قدير ومن أنه كل يوم هو في شأن ومن أن إجابته لعبده المؤمن خارجة عن قوة نفس العبد وتصرف جسمه وروحه وبأن الله يخرق العادات لأنبيائه لإظهار صدقهم ولإكرامهم بذلك ونحو ذلك من حكمه وكذلك يخرقها لأوليائه تارة لتأييد دينه بذلك وتارة تعجيلا لبعض ثوابهم في الدنيا وتارة إنعاما عليهم بجلب نعمة أو دفع نقمة أو لغير ذلك ويؤمنون بأن الله يرد ما أمرهم به من الأعمال الصالحة والدعوات المشروعة إلى ما جعله في قوى الأجسام والأنفس ولا يلتفتون إلى الأوهام التي دلت الأدلة العقلية أو الشرعية على فسادها ولا يعلمون بما حرمته الشريعة وإن ظن أن له تأثيرا

وبالجملة فالعلم بأن هذا كان هو السبب أو بعض السبب أو شرط السبب في هذا الأمر الحادث قد يعلم كثيرا أو قد يظن كثيرا وقد يتوهم كثيرا وهما ليس له مستند صحيح إلا ضعف العقل

ويكفيك أن كل ما يظن أنه سبب لحصول المطالب مما حرمته الشريعة من دعاء أو غيره لا بد فيه من أحد أمرين

إما أن لا يكون سببا صحيحا كدعاء مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا وإما أن يكون ضرره أكثر من نفعه

فأما ما كان سببا صحيحا منفعته أكثر من مضرته فلا ينهى عنه الشرع بحال وكل مالم يشرع من العبادات مع قيام المقتضي لفعله من غير مانع فإنه من باب النهي عنه كما تقدم

وأما العلم بغلبة السبب فله طرق في الأمور الشرعية كما له طرق في الأمور الطبيعية

منها الاضطرار فإن الناس لما عطشوا وجاعوا على عهد رسول الله ﷺ فأخذ غير مرة ماء قليلا فوضع يده الكريمة فيه حتى فار الماء من بين أصابعه ووضع يده الكريمة في الطعام وبرك فيه حتى كثر كثرة خارجة عن العادة فإن العلم بهذا الاقتران المعين يوجب العلم بأن كثرة الماء والطعام كانت بسببه ص - علما ضروريا كما يعلم أن الرجل ذا ضرب بالسيف ضربة شديدة صرعته فمات أن الموت كان منها بل أوكد فإن العلم بأن كثرة الماء الطعام ليس له سبب معتاد في مثل ذلك أصلا مع أن العلم بهذه المقارنة يوجب علما ضروريا بذلك وكذلك لما دعا النبي ﷺ لأنس بن مالك أن يكثر الله ماله وولده فكان نخله يحمل في السنة مرتين على خلاف عادة بلده ورأى من ولده وولد ولده أكثر من مائة فإن مثل هذا الحادث يعلم أنه كان بسبب ذلك الدعاء

ومن رأى طفلا يبكي بكاء شديدا فألقمته أمه الثدي فسكن علم يقينا أن سكونه كان لأجل ارتضاعه اللبن

والاحتمالات وإن تطرقت إلى النوع فإنها قد لا تتطرق إلى الشخص المعين وكذلك الأدعية فإن المؤمن يدعو بدعاء فيرى المدعو بعينه مع عدم الأسباب المقتضية له أو يفعل فعلا كذلك فيجده كذلك كالعلاء بن الحضرمي رضي الله عنه لما قال يا عليم يا حليم يا علي يا عظيم اسقنا فمطروا في يوم شديد الحر مطرا لم يجاوز عسكرهم وقال احملنا فمشوا على النهر الكبير مشيا لم يبل أسافل أقدام دوابهم وأيوب السختياني لما ركض الجبل لصاحبه ركضة فنبعت له عين ماء فشرب ثم غارت فدعا الله وحده لا شريك له دل الوحي المنزل والعقول الصحيحة على فائدته ومنفعته ثم التجارب التي لا يحصي عددها إلا الله

فتجد أكثر المؤمنين قد دعوا الله وسألوه أشياء أسبابها منتفية في حقهم فأحدث لهم تلك المطالب على الوجه الذي طلبوه على وجه يوجب العلم تارة والظن الغالب أخرى أن الدعاء كان هو السبب في هذا وتجد هذا ثابتا عند ذوي العقول والبصائر الذين يعرفون جنس الأدلة وشروطها واطرادها

وأما اعتقاد تأثير الأدعية المحرمة فعامته إنما نجد اعتقاده عند أهل الجهل الذين لا يميزون بين الدليل وغيره ولا يفهمون ما يشترط للدليل من الاطراد وإنما يقع في أهل الظلمات من الكفار والمنافقين أو ذوي الكبائر الذين أظلمت قلوبهم بالمعاصي حتى لا يميزون بين الحق والباطل

وأما ما ذكر في المناسك أنه بعد تحية النبي ﷺ وصاحبيه والصلاة والسلام يدعو فقد ذكر الإمام أحمد وغيره أنه يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره لئلا يستدبره وذلك بعد تحيته عليه الصلاة و السلام ثم يدعو لنفسه وذكر انه إذا حياه وصلى عليه يستقبله بوجهه بأبي هو وأمي ﷺ فإذا أراد الدعاء جعل الحجرة عن يساره واستقبل القبلة ودعا وهذا مراعاة منهم لذلك فإن الدعاء عند القبر لا يكره مطلقا بل يؤمر به للميت كما جاءت به السنة فيما تقدم ضمنا وتبعا وإنما المكروه أن يتحرى المجيء إلى القبر للدعاء عنده

وكذلك ذكر أصحاب مالك قالوا يدنو من القبر فيسلم على النبي ﷺ ثم يدعو مستقبل القبلة يوليه ظهره وقيل لا يوليه ظهره وإنما اختلفوا لما فيه من استدباره فأما إذا جعل الحجرة عن يساره فقد زال المحذور بلا خلاف وصار في الروضة أو أمامها

ولعل هذا الذي ذكره الأئمة أخذوه من كراهة الصلاة إلى القبر فإن ذلك قد ثبت النهي فيه عن النبي ﷺ كما تقدم فلما نهى أن يتخذ القبر مسجدا أو قبلة أمروا بأن لا يتحرى الدعاء إليه كما لا يصلي إليه

قال مالك في المبسوط لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو ولكن يسلم ويمضى ولهذا والله أعلم حرفت الحجرة وثلثت لما بنيت فلم يجعل حائطها الشمالي على سمت القبلة ولا جعل جدارها مربعا وكذلك قصدوا قبل أن تدخل الحجرة في المسجد

فروى ابن بطة بإسناد معروف عن هشام بن عروة حدثني أبي قال كان الناس يصلون إلى القبر فأمر عمر بن عبد العزيز فرفع حتى لا يصلي إليه الناس فلما هدم بدت قدم بساق وركبة قال ففزع من ذلك عمر بن عبد العزيز فأتاه عروة فقال هذه ساق عمر وركبته فسرى عن عمر بن عبد العزيز

وهذا أصل مستمر فإنه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي إليه ألا ترى أن المسلم لما نهى عن الصلاة إلى جهة المشرق وغيرها فإنه ينهى أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء ومن الناس من يتحرى قت دعائه استقبال الجهة التي يكون فيها معظمه الصالح سواء كانت في المشرق أو غيره وهذا ضلال بين وشرك واضح كما أن بعض الناس يمتنع من استدبار الجهة التي فيها بعض مقدسيهم من الصالحين وهو يستدبر الجهة التي فيها بيت الله وقبر رسول الله ﷺ وكل هذه الأشياء من البدع التي تضارع دين النصارى

ومما يبين لك ذلك أن نفس السلام على النبي ﷺ قد راعوا فيه السنة حتى لا يخرج إلى الوجه المكروه الذي قد يجر إلى إطراء النصارى عملا بقوله ﷺ لا تتخذوا قبري عيدا وبقوله لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله فكان بعضهم يسأل عن السلام على القبر خشية أن يكون من هذا الباب حتى قيل له إن ابن عمر كان يفعل ذلك

ولهذا كره مالك رضي الله عنه وغيره من أهل العلم لأهل المدينة كلما دخل أحدهم المسجد أن يجيء فيسلم على قبر النبي ﷺ وصاحبيه قال وإنما يكون ذلك لأحدهم إذا قدم من سفر أو أراد سفرا ونحو ذلك

ورخص بعضهم في السلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها

وأما قصده دائما للصلاة والسلام فما علمت أحدا رخص فيه لأن ذلك نوع من اتخاذه عيدا مع أنا قد شرع لنا إذا دخلنا المسجد أن نقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته كما نقول ذلك في آخر صلاتنا بل قد استحب ذلك لكل من دخل مكانا ليس فيه أحد أن يسلم على النبي ﷺ لما تقدم من أن السلام عليه يبلغه من كل موضع

فخاف مالك وغيره أن يكون فعل ذلك عند القبر كل ساعة نوعا من اتخاذ القبر عيدا

وأيضا فإن ذلك بدعة فقد كان المهاجرون والأنصار على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم يجيئون إلى المسجد كل يوم خمس مرات يصلون ولم يكونوا يأتون مع ذلك إلى القبر يسلمون عليه لعلمهم رضي الله عنهم بما كان النبي ﷺ يكرهه من ذلك وبما نهاهم عنه وأنهم يسلمون عليه حين دخول المسجد والخروج منه وفي التشهد كما كانوا يسلمون عليه كذلك في حياته والمأثور عن ابن عمر يدل على ذلك

قال سعيد بن منصور في سننه حدثنا عبد الرحمن بن زيد حدثني أبي عن ابن عمر أنه كان إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فسلم وصلى عليه وقال السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه

وعبد الرحمن بن زيد وأن كان يضعف لكن الحديث المتقدم عن نافع الصحيح يدل على أن ابن عمر ما كان يفعل ذلك دائما ولا غالبا

وما أحسن ما قال مالك لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم ونقص إيمانهم عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك وغيره ولهذا كره الأئمة استلام القبر وتقبيله وبنوه بناء منعوا الناس أن يصلوا إليه وكانت حجرة عائشة التي دفنوه فيها ملاصقة لمسجده وكان ما بين منبره وبيته هو الروضة ومضى الأمر على ذلك في عهدالخلفاء الراشدين ومن بعدهم وزيد في المسجد زيادات وغيروا الحجرة عن حالها هي وغيرها من الحجر المطيفة بالمسجد من شرقيه وقبليه حتى بناه الوليد بن عبد الملك وكان عمر بن عبد العزيز عامله على المدينة فابتاع هذه الحجر وغيرها وهدمهن وأدخلهن في المسجد فمن أهل العلم من كره ذلك كسعيد بن المسيب ومنهم من لم يكرهه

قال أبو بكر الأثرم قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل قبر النبي ﷺ يمس ويتمسح به فقال ما أعرف هذا قلت له فالمنبر فقال أما المنبر فنعم قد جاء فيه قال أبو عبد الله شيء يروونه عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن ابن عمر أنه مسح على المنبر قال ويروونه عن سعيد بن المسيب في الرمانة قلت ويروون عن يحيى بن سعيد أنه حين أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا فرأيته استحسنه ثم قال لعله عند الضرورة والشيء قيل لأبي عبد الله إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر وقلت له رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسونه ويقومون ناحية فيسلمون فقال أبو عبد الله نعم وهكذا كان ابن عمر يفعل ثم قال أبو عبد الله بأبي هو وأمي ﷺ

فقد رخص أحمد وغيره في التمسح بالمنبر والرمانة التي هي موضع مقعد النبي ﷺ ويده ولم يرخصوا في التمسح بقبره وقد حكى بعض أصحابنا

رواية في مسح قبره لأن أحمد شيع بعض الموتى فوضع يده على قبره يدعو له والفرق بين الموضعين ظاهر

وكره مالك التمسح بالمنبر كما كرهوا التمسح بالقبر

فأما اليوم فقد احترق المنبر وما بقيت الرمانة وإنما بقي من المنبر خشبة صغيرة فقد زال ما رخص فيه لأن الأثر المنقول عن ابن عمر وغيره إنما هو التمسح بمقعده

وروى الأثرم بإسناده عن العتبي عن مالك عن عبد الله بن دينار قال رأيت ابن عمر يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه وعلى أبي بكر وعمر

الوجه الثالث في كراهة قصد القبور للدعاء أن السلف رضي الله عنهم كرهوا ذلك متأولين في ذلك قوله ﷺ لا تتخذوا قبري عيدا كما ذكرنا ذلك عن علي بن الحسين والحسن بن الحسن ابن عمه وهما أفضل أهل البيت من التابعين وأعلم بهذا الشأن من غيرهما لمجاورتهما الحجرة النبوية نسبا ومكانا

وقد ذكرنا عن أحمد وغيره أنه أمر من سلم على النبي ﷺ وصاحبيه ثم أراد أن يدعو أن ينصرف فيستقبل القبلة وكذلك أنكر ذلك غير واحد من العلماء المتقدمين كمالك وغيره ومن المتأخرين مثل أبي الوفاء بن عقيل وأبي الفرج بن الجوزي

وما أحفظ لا عن صحابي ولا عن تابعي ولا عن إمام معروف أنه استحب قصد شيء من القبور للدعاء عنده ولا روى أحد في ذلك شيئا لا عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الأئمة المعروفين وقد صنف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته وذكروا فيه الآثار فما ذكر أحد منهم في فضل الدعاء شيء من القبور حرفا واحدا فيما أعلم

فكيف يجوز والحالة هذه أن يكون الدعاء عندها أجوب وأفضل والسلف تنكره ولا نعرفه وتنهى عنه ولا تأمرنا به

نعم صار من نحو المائة الثالثة يوجد متفرقا في كلام بعض الناس فلان ترجى الإجابة عند قبره وفلان يدعى عند قبره ونحو ذلك كما وجد الإنكار على من يقول ذلك ويأمر به كائنا من كان فإن أحسن أحواله أن يكون مجتهدا في هذه المسألة أو مقلدا فيعفوا الله عنه

أما إن هذا الذي قاله يقتضي استحباب ذلك فلا بل قد يقال هذا من جنس قول بعض الناس المكان الفلاني يقبل النذر والموضع الفلاني ينذر له ويعينون عينا أو بئرا أو شجرة أو مغارة أو حجرا أو غير ذلك من الأوثان فكما لا يكون مثل هذا القول عمدة في الدين كذلك الأول

ولم يبلغنا إلى الساعة عن أحد من السلف رخصة في ذلك إلا ما روى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور بإسناده عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك قال أخبرني سليمان بن يزيد الكعبي عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال من زارني بالمدينة محتسبا كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة

قال ابن أبي فديك وأخبرني عمر بن حفص أن ابن أبي مليكة كان يقول من أحب أن يقوم وجاه النبي ﷺ فليجعل القنديل الذي في القبلة عند رأس القبر على رأسه

قال ابن أبي فديك وسمعت بعض من أدركت يقول بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي ﷺ فتلا هذه الآية إن الله وملائكته يصلون على النبي فقال صلى الله عليك يا محمد حتى يقولها سبعين مرة ناداه ملك صلى الله عليه يا فلان ولم تسقط له حاجة

فهذا الأثر من ابن أبي فديك قد يقال فيه استحباب قصد الدعاء عند القبر ولا حجة فيه لوجوه

أحدها أن ابن أبي فديك روى هذا عن مجهول وذكر ذلك المجهول أنه بلاغ عمن لا يعرف ومثل هذا لا يثبت به شيء أصلا وابن أبي فديك متأخر في حدود المائة الثانية ليس هو من التابعين ولا تابعيهم المشهورين حتى يقال قد كان هذا معروفا في القرون الثلاثة وحسبك أن أهل العلم بالمدينة المعتمدين لم ينقلوا شيئا من ذلك

ومما يضعفه أنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرا فكيف يكون من صلى عليه سبعين مرة جزاؤه أن يصلي عليه ملك من الملائكة وأحاديثه المتقدمة تبين أن الصلاة والسلام عليه تبلغه من البعيد والقريب

الثاني أن هذا إنما يقتضي استحباب الدعاء للزائر في ضمن الزيارة كما ذكر ذلك العلماء في مناسك الحج وليس هذا من مسألتنا فإنا قد قدمنا أن من زاره زيارة مشروعة ودعا في ضمنها لم يكره هذا كما ذكره بعض العلماء مع ما في ذلك من النزاع مع أن المنقول عن السلف كراهة الوقوف عند القبر للدعاء وهو أصح وإنما المكروه الذي ذكرناه قصد الدعاء عنده ابتداء كما أن من دخل المسجد فصلى تحية المسجد ودعا ضمنها لم يكره ذلك أو توضأ في مكان وصلى هناك ودعا في ضمن صلاته لم يكره ذلك ولو تحرى الدعاء في تلك البقعة أو في مسجد لا خصيصة له في الشرع دون غيره من المساجد نهي عن هذا التخصيص

الثالث أن الاستجابة هنا لعلها لكثرة صلاته على النبي ﷺ فإن الصلاة عليه قبل الدعاء وفي وسطه وآخره من أقوى الأسباب التي يرجى بها إجابة سائر الدعاء كما جاءت به الآثار مثل قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي يروى موقوفا ومرفوعا الدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك رواه الترمذي

وذكر محمد بن الحسن بن زبالة في كتاب أخبار المدينة فيما رواه عنه الزبير بن بكار وروى عنه عن عبد العزيز بن محمد الداروردي قال رأيت رجلا من أهل المدينة يقال له محمد بن كيسان يأتي إذا صلى العصر من يوم الجمعة ونحن جلوس مع ربيعة بن أبي عبد الرحمن فيقوم عند القبر فيسلم على النبي ﷺ ويدعو حتى يمسي فيقول جلساء ربيعة انظروا إلى ما يصنع هذا فيقول دعوه فإنما للمرء ما نوى

ومحمد بن الحسن هذا صاحب أخبار وهو مضعف عند أهل الحديث كالواقدي ونحوه لكن يستأنس بما يرويه ويعتبر به

وهذه الحكاية قد يتمسك بها على الطرفين فإنها تتضمن أن الذي فعله هذا الرجل أمر مبتدع عندهم لم يكن من فعل الصحابة ولا غيرهم من علماء أهل المدينة وإلا لو كان هذا أمرا معروفا من عمل أهل المدينة لما استغربه جلساء ربيعة وأنكروه بل ذكر محمد بن الحسن لها في كتابه مع رواية الزبير بن بكار ذلك عنه يدل على أنهم على عهد مالك وذويه ما كانوا يعرفون هذا العمل وإلا لو كان هذا شائعا بينهم لما ذكروا في كتاب مصنف ما يتضمن استغراب ذلك

ثم إن جلساء ربيعة وهم قوم فقهاء علماء أنكروا ذلك وربيعة أقره فغايته أن يكون في ذلك خلاف ولكن تعليل ربيعة له بأن لكل امرئ ما نوى لا يقتضي الإقرار على ما يكره فإنه لو أراد الصلاة هناك لنهاه وكذلك لو أراد الصلاة في وقت نهي

وإنما الذي اراده ربيعة والله أعلم أن من كانت له نية صالحة أثيب على نيته وإن كان الفعل الذي فعله ليس بمشروع إذا لم يتعمد مخالفة الشرع

فهذا الدعاء وإن لم يكن مشروعا لكن لصاحبه نية صالحة قد يثاب علىنيته

فيستفاد من ذلك أنهم مجمعون على أن الدعاء عند القبر غير مستحب ولا خصيصة في تلك البقعة وإنما الخير قد يحصل من جهة نية الداعي

ثم إن ربيعة لم ينكر عليه متابعة لجلسائه إما لأنه لم يبلغه أن النبي ﷺ نهى عن اتخاذ قبره عيدا وعن الصلاة عنده فإن ربيعة كما قال أحمد كان قليل العلم بالآثار أو بلغه ذلك لكن لم ير مثل هذا داخلا في معنى النهي أو لأنه لم ير هذا محرما وإنما غايته أن يكون مكروها وإنكار المكروه ليس بفرض أو أنه رأى أن ذلك الرجل إنما قصده السلام والدعاء جاء ضمنا وتبعا

وفي هذا نظر ولا ريب أن العلماء قد يختلفون في مثل هذا كما اختلفوا في صحة الصلاة عند القبر ومن لم يبطلها قد لا ينهى عن فعل ذلك

والعمدة على الكتاب والسنة وما كان عليه السابقون مع أن محمد بن الحسن هذا قد روى أخبارا عن السلف تؤيد ما ذكرناه فقال حدثني عمر بن هرون عن سلمة بن وردان قال رأيت أنس بن مالك يسلم على النبي ﷺ ثم يسند ظهره إلى جدار القبر ثم يدعو

فهذا إن كان ثابتا عن أنس فهو مؤيد لما ذكرناه فإن أنسا لم يكن ساكنا بالمدينة وإما كان يقدم من البصرة إما مع الحجيج أو نحوهم فيسلم على النبي ﷺ ثم إذا أراد الدعاء فالذي ينبغي في حق مثله إنما يكون ضمنا وتبعا وهو مستدبر القبر