50%

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الثاني/الجزء الأول/تتمةالأولى الباب الثالث والعشرون

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام في استصحاب الحال (2)
المؤلف: ابن حزم


ومن عجائب الدنيا: احتجاج من احتج بالخبر الذي فيه أوف بنذرك، وهو أو مخالف لهذا الخبر، لأنه ورد في معنيين. أحدهما: الوفاء بما نذره المرء في جاهليته وكفره وهم لا يقولون بإنفاذ ذلك. والثاني: أنه ورد في اعتكاف ليلة، وهم لا يقولون بذلك. فمن أعجب شأناً ممن يحتج بخبر عن النبي فيما ليس فيه منه شيء أصلاً، وهو قد عصى ذلك الخبر في كل ما فيه، ونعوذ بالله من هذه الأحوال، فليس في عكس الحقائق أكثر من هذا، وأما نحن فنلزم من نذر في كفره طاعة الله عز وجل، ثم أسلم أن يفي بما نذر من ذلك، اتباعاً لأمر رسول الله بذلك، وكذلك من نذر اعتكاف ليلة فإنه يلزمه الوفاء به أيضاً.

ومما قدمنا قبل من نذر الباطل وعقده: من شرط لامرأته إن نكح عليها فالداخلة بنكاح طالق، وإن تسرى عليها فالسرية حرة، وإن غاب عنها مدة كذا أو أرحلها فأمرها بيدها تطلق نفسها أو تمسك، فكل هذا معاص وخلاف لأمر الله تعالى، وتعد لحدود الله، لأن الله تعالى لم يجعل قط أمر امرأة بيدها إلا المعتقة ولها زوج فقط، بل جعل أمر النساء إلى الرجال وبأيديهم، فقال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً } وجعل الطلاق إلى الرجال لا إلى النساء، فقال تعالى: {يأيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ وَاتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً } ولم يجعل طلاقاً قبل نكاح، ولا عتقاً قبل ملك، فمسمى كل حكم مما ذكرنا حلالاً، مفتر على الله تعالى، منهي عن كل ذلك، فصح أنها عقود باطل لا يصح شيء منها. وكذلك بين الله تعالى حكم الطلاق، فجعله في كل حال واقعاً إذا وقع حيث أطلق الله تعالى إيقاعه، وغير واقع حيث لم يطلق الله تعالى إيقاعه، فمن طلق إلى أجل أو أخرج طلاقه أو عتاقه مخرج اليمين فقد تعدى حدود الله تعالى، وليس شيء من ذلك طلاقاً واقعاً، ولا عتاقاً واقعاً أصلاً، لا حين يوقعه مخالفاً لأمر الله تعالى، ولا حيث لا يوقعه أصلاً، وهذا بيان لا يحيل على من نصح نفسه وبالله التوفيق.

قال أبو محمد: ثم نظرنا فيما احتجوا به من قوله عز وجل: {الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } و: {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ } {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } فوجدنا هذه الآيات في غاية البيان في صحة قولنا {الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } لأن عهد الله إنما هو مضاف إلى الله تعالى، ولا يضاف إلى الله عز وجل إلا ما أمر به لا ما نهى عنه. وما كان خلاف هذا فهو عهد إبليس لا عهد الله تعالى، ومن أضافه إلى الله تعالى فقد كذب عليه.

ثم نظرنا في احتجاجهم بقول الله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ } فوجدنا حجة لنا عليهم، لأن الله تعالى لم يأمره عليه السلام بالتمادي على عهد من خاف منه خيانة، بل ألزمه تعالى أن ينبذ إليهم عهدهم، فصح أن كل عهد أمر الله عز وجل بنبذه وطرحه، فهو عهد منقوض مرفوض لا يحل التمادي عليه. ثم نظرنا فيما احتجوا به من قول الله عز وجل: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } فوجدناه لا حجة لهم فيه، لأن هؤلاء قوم عاهدوا الله عز وجل لئن رزقهم مالاً ليصدقن وليكونن من الصالحين، وهذا فرض على كل أحد، لأن الصدقة اسم يقع على الزكاة وعلى التطوع، فواجب حمله على عمومه ما لم يمنع من شيء منه نص، فدخل في ذلك مانع الزكاة وهذه كبيرة، وكذلك سائر فروض المال. وخرج منه صدقة التطوع لأنه نذر فيما لا يملك بعد، وكذلك كون المرء من الصالحين فرض عليه، نذره أو لم ينذره، وقد قال تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَللَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فهذا حكم من بخل بفرائض المال من الزكاة وغيرها، مما جاءت بإيجابه النصوص. حدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن محمد، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا زهير بن حرب، ثنا إسماعيل بن إبراهيم ــــ هو ابن علية ــــ ثنا أيوب ــــ هو السختياني ــــ عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن الحصين أن رسول الله قال: «لاَ وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ وَلاَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ العَبْدُ» .

حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، ثنا إبراهيم بن أحمد، ثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا وهيب، ثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بينما النبي يخطب، إذا برجل قائم فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي : «مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» . وبه إلى البخاري، ثنا أبو عاصم وأبو نعيم كلاهما عن مالك، عن طلحة بن عبد الملك، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أم المؤمنين قالت: قال النبي : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلاَ يَعْصِهِ» . حدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن محمد، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا ابن أبي عمر العدني، ثنا مروان بن معاوية الفزاري، ثنا حميد، حدثني ثابت عن أنس: أن نبي الله رأى سخيّاً يتهادى بين ابنيه فقال: «مَا بَالُ هذَا؟» قالوا: نذر أن يمشي، قال: «إِنَّ الله عَنْ تَعْذِيبِ هذَا لِنَفْسِهِ لَغَنِيٌّ وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ» . ثم نظرنا فيما احتجوا به من قول رسول الله : «إِنَّ إِخْلاَفَ الوَعْدِ خَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ النِّفَاقِ» فوجدناهم لا حجة لهم فيه. أول ذلك الحنفيين والمالكيين المخالفين لنا في كثير من هذا الباب ــــ مع عظيم تناقضهم في ذلك ــــ مجمعون على أن من قال لآخر: لأهبن لك غداً ديناراً، أو سأهبك اليوم هذا الثوب، وما أشبه هذا، فإنه لا يقضي عليه بشيء من ذلك عندهم، فهم أول تارك لما احتجوا به، وأما نحن فإننا رأينا الله عز وجل قد أسقط الحكم عمن وعد آخر أن يعطيه شيئاً سماه، وأكد ذلك باليمين بالله تعالى: ثم لم يفعل، فلم يلزمه الله عز وجل إلا كفارة اليمين فقط، لا الوفاء بما وعد، ولم يجعل عليه في ذلك ملامة، ثم وجدنا الله تعالى يقول: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـذَا رَشَداً } .

فصح بهذا أن من وعد وعداً ولم يقل إن شاء الله، فهو عاص لله عز وجل، مخالف لأمره، وإذا كان قوله ذلك معصية لله تعالى فهو مردود غير نافذ. ثم إننا وجدناه إن وعد وقال: إن شاء الله، فقد استثنى مشيئة الله تعالى، وبالضرورة ندري أن كل ما شاء الله تعالى كونه فهو واقع لا محالة، قال الله عز وجل: {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } وأن كل ما لم يكن فإن الله تعالى لم يشأ كونه، فإذا لم يفت هذا الواعد بما وعد ولو يوجبه إلا أن يشاءه الله تعالى، فقد أيقنا ضرورة أن الله تعالى لم يشأ كونه فلم يخالفه عقده، لأنه لم يوجبه إلا بمشيئة الله تعالى لم يشأها عز وجل. فصح بهذا يقيناً أن الوعد الذي يكون إخلافه خصلة من خصال النفاق، إنما هو الوعد بما افترض الله تعالى الوفاء به، وألزم فعله وأوجب كونه، كالديون الواجبة، والأمانات الواجب أداؤها، والحقوق المفترضة فقط، لا ما عدا ذلك، فإن هذه الوجوه قد أوجب الله تعالى الوعيد على العاصي في ترك أدائها، وأوقع الملامة على المانع منها، وأمر بأدائها، وإن كان عز وجل لم يرد كون ما لم يكن منها، ولا حجة لنا على الله تعالى، بل لله الحجة البالغة، فلو شاء الله لهداكم أجمعين، ووجدناهم أيضاً قد أجمعوا على أن الوصايا أوعاد يعدها الموصي ثم يختلفوا أن له الرجوع عنها إن شاء إلا العتق، فإنهم قد اختلفوا في جواز الرجوع عنه. وهذا كله رجوع منهم إلى قولنا، وتناقض في قولهم: وأما نحن فلم نجز الرجوع في العتق في الوصية، لأنه عقد حض الله تعالى عليه وغبط به، وما كان هكذا فلا يجوز الرجوع فيه، لأنه عقد قد لزم إذا التزمه فلا يسقط إلا بنص، ولا نص في جواز الرجوع فيه، والعتق المؤجل جائز بخلاف الهبات المؤجلة، وسائر العقود المؤجلة، لأن التأجيل شرط فلا يجوز إلا ما في كتاب الله تعالى، فلما صح أن النبي باع المدبر ولم ينكر التدبير، صح أن العتق إلى أجل شرط في كتاب الله تعالى، فهو نافذ لازم لا رجوع فيه، بخلاف سائر العقود المؤجلة التي لا نص في إجازتها.

وأما الكلام في قوله : «كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً» و: «كَانَتْ فِيهِ خصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ» فإن رسول الله لم يقل فيه إنه يكون كافراً، والمنافق أصله من نافقاء اليربوع، وهو باب يعده اليربوع في جحره مخفيّاً مغطى بالتراب، فلما كان المسِرُّ للكفر، المظهر للإيمان، يبطن غير ما يظهر، سمي منافقاً لما ذكرناه، فليس كل منافق كافراً، إنما المنافق الكافر الذي يسر الكفر ويظهر الإيمان، وأما من أسر شيئاً ما، وأظهر غيره ففعله نفاق وليس كفراً، وهو بذلك الفعل منافق لا كافر، فلما كان من إذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، يسرون خلاف ما يظهرون، ويقولون ما لا يفعلون، كان فعلهم ذلك نفاقاً، وكانوا بذلك منافقين، ومما يصح هذا: أن المرتد عن الإسلام إلى الكفر حكمه القتل، وهؤلاء المذكورون من المخاصم الفاجر، والواعد المخلف، والمعاهد الغادر، والمؤتمن الخائن، والكذاب في حديثه، لا قتل عليهم، لأنه لا نص في قتلهم، ولا قال به أحد فضلاً عن أن يكون فيه إجماع. فصح ما قلناه. والحمد لله رب العالمين.

ثم نظرنا فيما احتجوا به من قول رسول الله : «أَنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ» فهو داخل في هذا الخبر المتقدم، وكذلك قوله عن الله تعالى: «أَنَّهُ خَصْمُ مَنْ أعْطَى بهِ تَعَالَى ثُمَّ غَدَرَ» وإنما ذلك كله فيمن عاهد على حق واجب عهداً أمر الله تعالى به، نصّاً في القرآن، أو على لسان رسوله ثم غدر، فهذا عظيم جدّاً، وكذلك من وعد بأداء دين واجب عليه، وأداء أمانة قبله، ثم أخلف فهي معصية نعوذ بالله تعالى منها، وليس كذلك من عاهد أو وعد على معصية أو بمعصية، كمن عاهد آخر على الزنى، أو على هذم الكعبة، أو على قتل مسلم، أو على ترك الصلاة، أو على ما ذكرنا قبل من إيجاب ما لم يجب، أو اسقاط ما يجب أو تحريم ما أحل الله تعالى: أو إحلال ما حرم الله تعالى، أو وعد بشيء من ذلك، فهذا كله هو الحرام المفسوخ المردود، وبالله تعالى التوفيق. وهكذا القول فيما احتجوا به من قول رسول الله : «أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ» فإنما هذا بلا شك في الشروط التي أمر الله تعالى أن يستحل بها الفروج، من الصداق المباح ملكه الواجب إعطاؤه، والنفقة والكسوة والإسكان والمعاشرة بالمعروف، وتدك المضارة أو التسريح بإحسان لا بما نهى الله تعالى عن أن يستحل به الفروج من الشروط المفسدة من تحليل حرام أو تحريم حلال، أو إسقاط واجب أو إيجاب ساقط.

حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد، ثنا إبراهيم بن أحمد البلخي، ثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا عبيد الله بن موسى، عن زكريا بن أبي زائدة، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة عن النبي قال: «لاَ يَحِلُّ لامْرَأَةٍ أَنْ تَسْأَلَ طَلاَقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا، فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا» . وبه إلى البخاري، ثنا محمد بن عرعرة، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله : «عن التلقي، وأن يبتاع المهاجر للأعرابي، وأن تشترط المرأة طلاق أختها» وذكر باقي الحديث فصح أن اشتراط المرأة في نكاحها طلاق غيرها ممن هي في عصمة الناكح لها، أو طلاق من يتزوجها بعد أن تزوجها باطل وحرام منهي عنه، وشرط مفسوخ فاسد لا يحل عقده ولا إمضاؤه، وصح أن كل نكاح عقد على ما لا يحل فإنه لا يحل، وهو مفسوخ أبداً ولو ولدت فيه عشرات من الأولاد، لأنه عقد بصحة ما لا صحة له، وعلى أنه لا يصح إلا بصحة ما لا يصح فهو لا يصح، وهذا في غاية البيان، والحمد لله رب العالمين وقد صح عن رسول الله : «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .

ثم نظرنا فيما احتجوا به من حديث حذيفة، فوجدناه ساقطاً لا يصح سنده، أما من طريق شعبة فهو مرسل، ولا حجة في مرسل، وأما الطريق الأخرى فمن رواية الوليد بن جميع، وهو ساقط مطرح. وأيضاً فإن الله تعالى يأبى إلا أن يفضح الكاذبين والكذب في هذا الخبر ظاهر متيقن؛ لأن حذيفة مدني الدار هو وأبوه قبله حليف لبني عبد الأشهل من الأنصار، ولم يكن له طريق إلى النبي يؤديه إلى قريش أصلاً، لأن طريق المدينة إلى رسول الله إذ خرج إلى بدر خلفه لطريق قريش من مكة إلى بدر، فوضع كذب ذلك الحديث يقيناً وبالله تعالى التوفيق. ثم لو صح، وهو لا يصح، لكان منسوخاً بلا شك لما سنذكره إن شاء الله تعالى في خبر أبي جندل بعد هذا؛ وبالله تعالى نتأيد. ثم نظرنا في الحديث الذي فيه: «المُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» فوجدناه أيضاً قد ثناه أحمد بن محمد الطلمنكي، ثنا محمد بن يحيى بن مفرج، ثنا محمد بن أيوب الصموت الرقي، ثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار، ثنا عمرو بن علي، ثنا محمد بن خالد، ثنا كثير بن عبد الله بن زيد بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله : «المُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» وبه إلى البزار، ثنا محمد بن المثنى، نا محمد بن الحارث، نا محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله : «النَّاسُ عَلَى شُرُوطِهِمْ ما وَافَقُوا الحَقَّ» .

قال علي: وكل هذا لا يصح منه شيء، أما الطريق الأول ففيها كثير بن زيد/ وهو هالك تركه أحمد ويحيى، والثاني عن الوليد بن رباح/ وهو مجهول، والأخرى كثير بن عبد الله، وهو كثير بن زيد نفسه، مرة نسب إلى أبيه ومرة إلى جده، ثم أبوه أيضاً نحوه والثالثة من طريق محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني/ وهو ضعيف، ثم لو صح، وهو لا يصح، لكان حجة لنا عليهم؛ لأن فيه إضافة النبي الشروط إلى المسلمين، ولا شروط للمسلمين إلا الشروط التي أباح الله تعالى في القرآن أو السنة الثابتة عقدها، لا شروط للمسلمين غيرها، لأن المسلمين لا يستجيزون إحداث شروط لم يأذن الله تعالى بها هذه شروط الشيطان، وأتباعه لا شروط المسلمين؛ لقول رسول الله : «كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ وَالضَّلالَةُ فِي النَّارِ» . والعجب كله من احتجاج الحنفيين والمالكيين بهذه الأخبار؛ وهم أول مخالف لها. فيقولون: كل شرط في نكاح فهو باطل ما لم يعقده بيمين، ثم يتناقضون في اليمين فيجعلون يميناً ما لم يجعل الله تعالى قط يميناً ولا رسول الله ، فأي تناقض أكثر من هذا. وأيضاً ففي الخبر المذكور: «النَّاسُ عَلَى شُرُوطِهِمْ مَا وَافَقُوا الحَقَّ» ولعمري لو صح هذا لكان من عظيم حجتنا عليهم، لأنه أبطل كل شرط لم يوافق الحق، ولا يوافق الحق شيء إلا أن يكون في القرآن، أو في حكم النبي ، وهكذا القول فيما روي عن عمر: «الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً» فعاد كل ما شغبوا فيه ــــ من صحيح ثابت أو باطل زائف ــــ حجة لنا عليهم. والحمد لله رب العالمين.

ثم نظرنا في حديث أبي جندل فوجدناه لا حجة لهم فيه، لوجوه ستة: أولها: أنه لم يكن عقد للنبي بعد رده من جاء من قريش إليه، إذ جاء أبو جندل كما ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد، نا إبراهيم بن أحمد، حدثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا عبد الله بن محمد هو المسندي ــــ نا عبد الرزاق، حدثنا معمر، أخبرني الزهري، أنا عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه ــــ فذكر حديث الحديبية ــــ وفيه: فقال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين، وقد جاء مسلماً، فبينما هو كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إليَّ، فقال : «إِنَّا لَمْ نَفُضَّ الكِتَابَ بَعْدُ» قال: فوالله إذاً لا أصالحك على شيء أبداً فقال النبي : «فَأَجِزْهُ لِي» فقال: ما أنا بمجيز ذلك لك، قال: «بَلَى فَافْعَلْ» ما أنا بفاعل. قال مكرز: بلى قد أجزناه لك، فهذا أمر لا يقول به المخالفون لنا أن يرد إليهم من جاء منهم قبل أن يتم التعاقد على ذلك، فكيف يحتجون بما لا يحل عندهم، أليس هذا من البلايا والفضائح؟. والوجه الثاني: أنه كما ترى لم يرده عليه السلام إلا حتى أجازه من لا تقدر قريش على معارضته، وهو من رهط سهيل بن عمرو؛ لأنه سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، والذي أجار أبا جندل هو مكرز بن حنفص بن الأخيف بن علقمة بن عبد الحارث بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي من سادات بني عامر بن لؤي، فبطل تعلقهم برد النبي أبا جندل، إذ لم يرده إلا بجوار وأمان. والوجه الثالث: أن النبي لم يرد إلى الكفار أحداً من المسلمين في تلك المدة، إلا وقد أعلمه الله عز وجل أنهم لا يفتنون في دينهم، ولا في دنياهم، وأنهم سينجون ولا بد. كما حدثنا عبد الله بن يوسف، نا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب بن عيسى، حدثنا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، نا مسلم بن الحجاج، نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا عفان، نا حماد بن سلمة، عن ثابت عن أنس: أن قريشاً صالحوا النبي فاشترطوا على النبي أن من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاء منا رددتموه علينا، قالوا: يا رسول الله: أتكتب هذا؟ قال: «نَعَمْ إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ الله، وَمَنْ جَاءَ مِنْهُمْ إِلَيْنَا فَسَيَجْعَلُ الله لَهُ فَرَجاً وَمَخْرَجاً» .

قال أبو محمد: قد قال الله عز وجل واصفاً لنبيه : {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى } فأيقنا أن إخبار النبي بأن من جاءه من عند كفار قريش مسلماً فسيجعل الله له فرجاً ومخرجاً: وحي من عند الله صحيح لا داخلة فيه، فصحت العصمة بلا شك من مكروه الدنيا والآخرة لمن أتاه منهم حتى تتم نجاته من أيدي الكفار، لا يستريب في ذلك مسلم يحقق النظر. وهذا أمر لا يعلمه أحد من الناس بعد النبي ، ولا يحل لمسلم أن يشترط هذا الشرط، ولا أن يفي به إن شرطه، إذ ليس عنده من علم الغيب ما أوحى الله تعالى به إلى رسوله، وبالله تعالى التوفيق. والوجه الرابع: أن رسول الله لم يرد من رد المسلمين إلى المشركين، إلا أحراراً إلى أهلهم وآبائهم وقومهم، والمخالفون في هذا لا يردون المسلمين الأحرار إلا عبيداً إلى الكفار الذين يعذبونهم أشد العذاب، ويأتون الفاحشة المحرمة في النساء وربما قتلوهم، فما ندري كيف يستسهل مثل هذا مسلم. والوجه الخامس: أن أبا سعيد الجعفري حدثنا قال: نا محمد بن علي بن الأدفوي، نا أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس، عن أحمد بن شعيب، عن سعيد بن عبد الرحمن، نا سفيان، عن الزهري ــــ قال سفيان: وثبتني معمر بعد ذلك عن الزهري ــــ عن عروة بن الزبير قال: إن المسور بن مخرمة ومروان أخبراه بخبر الحديبية ــــ فذكر الحديث، وفي آخره خروج أبي بصير وهو عتبة بن أسيد بن جارية الثقفي حليف بني نوفل بن عبد مناف، إلى سيف البحر، وانفلات أبي جندل بن سهيل إليه ــــ قال: فجعل لا يخرج رجل من قريش قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير لقريش تخرج إلى الشام إلا اعترضوا لهم فيقتلونهم ويأخذون أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي يناشدونه بالله وبالرحم إلا أرسل إليهم؛ فمن أتاه فهو آمن؛ فأرسل النبي إليهم.

قال أبو محمد: فهذا أبو بصير وأبو جندل ومن معهما من المسلمين؛ قد سفكوا دماء قريش المعاهدين لرسول الله ، وأخذوا أموالهم، ولم يحرم ذلك عليهم ولا كانوا بذلك عصاة، ولا شك في أن رسول الله كان قادراً على منعهم من ذلك لو نهاهم، فلم يفعل، فصح يقيناً أنه عهد منسوخ بخلاف ما يقوله المخالفون اليوم، وإنه إنما لزم من كان بالمدينة فقط دون من كان خارجاً عنها. والوجه السادس: وهو القاطع لكل شغب، والحاسم لكل علقة: وهو صحة اليقين بأن ذلك العهد منسوخ ممنوع منه محرم عقده في الأبد، مما في سورة براءة من قول الله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وبقوله تعالى أيضاً في سورة براءة: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } وبقوله تعالى أيضاً في سورة براءة: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ } وبقوله تعالى أيضاً في سورة براءة: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } وسورة براءة آخر سورة أُنزِلت، كما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد، ثنا إبراهيم بن أحمد البلخي، ثنا الفربري، ثنا البخاري، نا أبو الوليد ــــ هو الطيالسي، ثنا شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن البراء بن عازب قال: آخر آية أنزلت: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِن امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } وآخر سورة نزلت براءة.

قال أبو محمد: وبها عهد النبي آخر عهده إلى الكفار، عام حجة أبي بكر الصديق بالناس، وبعد الحديبية التي كانت فيها قصة أبي جندل بثلاثة أعوام وشهر، لأن الحديبية كانت في ذي القعدة عام ست من الهجرة قبل خيبر، فلما كان ذو القعدة المقبل بعد الحديبية بعام كامل اعتمر رسول الله عمرة القضاء، سنة سبع من الهجرة، ثم كان فتح مكة في رمضان سنة ثمان من الهجرة بعد عمرة القضاء بعام غير شهرين، وحج تلك السنة عتاب بن أسيد بالمسلمين ثم حج أبو بكر في ذي الحجة سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام وشهرين، كما ثنا حمام، ثنا الأصيلي، ثنا المروزي، ثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا سعيد بن عفير، نا الليث، نا عقيل عن ابن شهاب، أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة.

وذكر الحديث، وفيه: ثم أردف النبي بعليّ بن أبي طالب وأمره أن يؤذن ببراءة. قال أبو هريرة: فأذن معنا علي رضي الله عنه يوم النحر في أهل منى ببراءة وألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. فصح باليقين أنه لا يحل أن يعاهد مشرك عهداً، ولا يعاقد عقداً إلا على الإسلام فقط، أو على غرم بالجزية والصغار إن كان كتابيّاً وصح يقيناً أن كل عهد أو عقد أو شرط عقد معهم أو عوهدوا عليه أو شرط لهم بخلاف ما ذكرنا، فهو باطل مردود، لا يحل عقده ولا الوفاء به إن عقد، بل يفسخ ولا بد. وأول ما نسخ الله عز وجل من العهد الذي كان يوم الحديبية، فردَّ النساء كما حدثنا حمام بن أحمد، ثنا الأصيلي، ثنا المروزي، ثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا عبد الله بن محمد، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر قال: أخبرني الزهري، أخبرني عروة، عن المسور بن مخرمة ومروان ــــ فذكر حديث الحديبية وشرط سهيل الذي ذكرنا وفيه: ثم جاء نسوة مؤمنات فأنزل الله عز وجل: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } إلى قوله: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .

حدثنا محمد بن سعيد بن نبات، حدثنا محمد بن أحمد بن مفرج، ثنا عبد الله بن جعفر بن الورد، ثنا عمرو بن أحمد بن سرح، وأحمد بن زغبة قالا: حدثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث بن سعد، عن عقيل، عن الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، ومروان بن الحكم، عن أصحاب رسول الله : أن رسول الله لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ ــــ يعني يوم الحديبية فذكر الحديث وفيه ــــ: فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلماً، وجاء المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله يومئذ وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون رسول الله أن يرجعها إليهم، فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله عز وجل فيهن: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .

حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، نا أبو إسحاق البلخي، نا الفربري، نا البخاري، نا إسحاق، ثنا يعقوب، ثنا ابن أخي ابن شهاب عن عمه قال: أخبرني عروة بن الزبير، أنه سمع مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة يخبران خبر من رسول الله في الحديبية. وذكر الحديث، وفيه أن سهيلاً كاتب النبي على ألا يأتيه من المشركين أحد وإن كان على دين الإسلام إلا رده إلى المشركين ــــ قالا: وجاءت المؤمنات مهاجرات فكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون رسول الله أن يرجعها إليهم حتى أنزل الله في المؤمنات ما أنزل. حدثنا عبد الله بن ربيع، نا محمد بن إسحاق، ثنا ابن الأعرابي، ثنا أبو داود، ثنا محمد بن عبيد أن محمد بن ثور حدثهم، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة قال: خرج النبي من الحديبية. فذكر الحديث وشرط قريش في رد من جاء مسلماً إليهم وفيه: ثم جاء نسوة مهاجرات مؤمنات فنهاهم الله أن يردوهن وأمرهم أن يردوا الصداق.

قال أبو محمد: فإذا نسخ الله تعالى عهد نبيه عليه السلام وعقده وشرطه، فمن هذا الجاهل الذي يجيز هذا الشرط لأحد بعده، تبرأ إلى الله من ذلك. قال أبو محمد: وهكذا القول في حديث أبي رافع أنه منسوخ ببراءة على أنه حديث ننكره، وإن كنا لا نعلم في سنده علة، ولكنا نعجب منه، لأن أبا رافع كان مولى النبي مولى عتاقة، فكيف صار مع مشركي قريش رسولاً إلى النبي ونزول براءة كان بعد إسلام جميع قريش وبعد حديث أبي رافع بلا شك.

قال أبو محمد: فلما لاح بكل ما ذكرنا أنه لا حجة في شيء مما ذكرنا لمن أجاز النذور والعقود والشروط والعهود على الجملة إلا ما عين بنص أو إجماع، على أنه لا يجوز منها، رجعنا إلى القول الثاني فوجدناه صحيحاً، ووجدنا النصوص التي احتجوا بها مبينة مفسرة قاضية على هذه الجملة التي احتج بها خصومهم، وجدنا النصوص شاهدة بصحة قولهم. فمن ذلك نص النبي عليه السلام وهو الذي قال فيه الله تعالى: {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } فقال عليه السلام: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطَاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ الله، كُلُّ شَرْطٍ فِي كِتَابِ الله فَهُوَ بَاطِلٌ وإِنْ كَانَ مِائَةً شَرْطٍ، شَرْطُ الله أَوْثَقُ وَكِتَابُ الله أَحَقُّ» فصح بهذا النص. وقد ذكرنا في هذا الباب بسنده: أن كل شرط اشترطه إنسان على نفسه أو لها على غيره فهو باطل، لا يلزم من التزمه أصلاً، إلا أن يكون النص أو الإجماع قد ورد أحدهما بجواز التزام ذلك الشرط بعينه أو بإلزامه، وليس ذلك إلا في شروط يسيرة قد ذكرناها في كتابنا المرسوم بذي القواعد.

وأما النذور: فإن عبد الله بن يوسف حدثنا قال: حدثنا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن محمد، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم بن الحجاج، نا محمد بن المثنى، نا محمد بن جعفر، نا شعبة بن منصور، عن عبد الله بن مرة، عن عبد الله بن عمر/ عن النبي أنه نهى عن النذر وقال: «إِنَّهُ لاَ يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ قال ابن المثنى: وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن عبد الله بن مرة، عن ابن عمر، عن النبي به. وبه إلى مسلم، نا قتية، نا عبد العزيز، يعني الدراوردي، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله قال: «لاَ تَنْذِرُوا فَإِنَّ النَّذْرَ لاَ يُغْنِي مِنَ القَدَرِ شَيْئاً، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخيل» . حدثنا عبد الله بن ربيع، نا عمر بن عبد الملك، نا محمد بن بكر، نا أبو داود، ثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام هو الدستوائي، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله لما بلغه أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية قال: «إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنْ نَذْرِهَا مُرْهَا أَنْ تَرْكب» . فبطلت بهذين النصين النذور كلها، ولم يلزم منها شيء إلا ما أتى به النص إما بإيجابه وإما بإباحة التزامه، وليس ذلك إلا فيما كان طاعة لله عز وجل فقط، على ما بينه عليه السلام إذ يقول: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ» وقد ذكرناه بسنده في هذا الباب، وما عدا ذلك فلا يلزم من التزامه أصلاً.

وأما العقود فإن عبد الله بن يوسف حدثنا قال: نا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب بن عيسى، نا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، نا مسلم، نا إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد كلاهما عن أبي عامر العقدي، نا عبد الله بن جعفر الزهري، عن سعد بن إبراهيم، أن القاسم بن محمد قال له: أخبرتني عائشة أن رسول الله قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» فصح بهذا النص بطلان كل عقد عقده الإنسان والتزمه، إلا ما صح أن يكون عقداً جاء النص، أو الإجماع بإلزامه باسمه أو بإباحة التزامه بعينه، وكذلك حكم رسول الله بإبطال صلح الذين صالح الذي زنى ابنه بامرأته. وأما: «وَأْيُ المُؤْمِنِ وَاجِبٌ» فمرسل، وفيه أيضاً هشام بن سعد/ وهو ضعيف، وكذلك: «لاَ تَعِدْ أَخَاكَ وَتُخْلِفْهُ» مرسل أيضاً، والمحتجون بذلك أشد الناس خلافاً له، فلا يقضون على من وعد بإنجازه. وأما إذا قلت لصبي: «تَعَالَ هَاه لَكَ» فمنقطع لأن ابن شهاب لم يلق أبا هريرة ولو صح لم يكن لهم فيه حجة، لأن ذلك اللفظ هبة صحيحة لازمة.

وأما العهود فإن الله عز وجل يقول في سورة براءة التي هي آخر سورة أنزلها، آخر عهد عهد به إلى المسلمين والمشركين، نسخ به جميع ما تقدم فقال تعالى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } فأبطل عز وجل كل عهد يعهده أحد لمشرك، إلا على ما نص في السورة المذكورة من غرم الجزية مع الصغار لأهل الكتاب خاصة، واستثنى تعالى الذين عاهد رسول الله عند المسجد الحرام خاصة، وهم الذين ذكروا في أول السورة، إذ يقول تعالى: {بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ } فلما انقضت تلك الأربعة الأشهر لم يبق لمشرك على مسلم عهد إلا السيف أو الإسلام، إلا أن يكون كتابياً فيرضى بغرم الجزية مع الصغار، فيجاب إلى ذلك، وإلا فالسيف، فصح بهذا النص أن كل عهد عاهده مسلم مشركاً على غير الجزية مع الصغار، فهو عهد الشيطان مفسوخ مردود لا يحل الوفاء به، ولا فرق بين من أخذ بحديث أبي جندل، وبين من صلى إلى بيت المقدس وترك الكعبة، لأن النبي فعل كلا الأمرين ثم نسخا. والعجب كل العجب ممن لا يراعي حدود الله تعالى، فيعقد عقوداً بخلافها، ويراعي عهد كافر قد أمر الله ورسوله بفسخه. والعجب كل العجب من المالكيين القائلين: إنه إن نزل عندنا كفار حربيون بأمان، وعندهم أسارى رجال ونساء مسلمون ومسلمات أنهم لا ينتزعون منهم، ويتركون ويردونهم إلى بلادهم ولا يمنعون من الوطء.

قال أبو محمد: ونحن نبرأ إلى الله عز وجل من هذا القول الملعون الذي تقشعر أجساد المسلمين من سماعه، فكيف من اعتقاده، فليت شعري لو عاهدوهم على نبش قبر النبي ، أو على قلب المساجد كنائس أو على تعليق النواقيس في المآذن، أتراهم كانوا يرون الوفاء لهم بهذه العهود؟ مع ما يسمعون من قوله تعالى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } ثم يتعلقون بحديث أبي جندل وهو منسوخ، لما نص الله تعالى في براءة مما قد تلوناه في هذا الباب. فإن تعلقوا بقول الله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ } . فهذه حجة عليهم لا لهم، لأن الله تعالى لم يبح في هذه الآية أن يطلقوا على مسلم ولا على ماله ولا على إذلاله، وإنما أباح حقن دمائهم فقط ولا مزيد، أما سمعوا قوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } .

ومن أباح لكافر تملك مسلم فقد انقلبت صفتهم، فصاروا رحماء على الكافرين أشداء بينهم، نعوذ بالله من هذه الصفة القبيحة، وقوله تعالى: {مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } .

حدثنا حمام، ثنا الأصيلي، نا المروزي، نا الفربري، نا البخاري، نا محمد بن العلاء، أنبأنا أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى/ عن النبي قال: «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً،» وشبك بين أصابعه. حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني، نا أبو إسحاق البلخي، نا الفربري، حدثناالبخاري، نا سعيد بن الربيع، نا شعبة عن الأشعث، سمعت معاوية بن سويد يقول: سمعت البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله بسبع، فذكر فيها نصر المظلوم. حدثنا عبد الله بن يوسف، نا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب، نا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، نا مسلم، نا قتيبة، نا الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن رسول الله قال: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ الله فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ الله عَنْهُ بِها كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ» . وبه إلى مسلم، نا عبد الله بن مسلمة بن قعب، نا داود ــــ بعني ابن قيس ــــ عن أبي سعيد مولى عامر بن كريز، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ» . وبه إلى مسلم، ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، نا أبي، نا زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله : «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى» وبه إلى محمد بن عبد الله بن نمير، نا حميد بن عبد الرحمن، عن الأعمش، عن خيثمة، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله : «المُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِن اشْتَكَى عَيْنَهُ اشْتَكَى كُلّهُ، وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسَهُ اشْتَكَى كُلّهُ» .

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الثاني/الجزء الأول

في استصحاب الحال (1) | في استصحاب الحال (2) | في استصحاب الحال (3) | وهو باب الحكم بأقل ما قيل | في ذم الاختلاف | في أن الحق في واحد وسائر الأقوال كلها باطل | في الشذوذ | في تسمية الصحابة الذين رويت عنهم الفتيا | في الدليل | في لزوم الشريعة الإسلامية لكل مؤمن وكافر في الأرض | في صفة التفقه في الدين | في وجوب النيات في جميع الأعمال | في شرائع الأنبياء عليهم السلام قبل محمد أيلزمنا اتباعها | في شرائع الأنبياء عليهم السلام قبل محمد أيلزمنا اتباعها