50%

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الثاني/الجزء الأول/الباب الثالث والعشرون

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام في استصحاب الحال (1)
المؤلف: ابن حزم


في استصحاب الحال وبطلان جميع العقود والعهود والشروط إلا ما أوجبه منها قرآن أو سنة عن رسول الله ثابتة

قال أبو محمد: إذا ورد النص من القرآن أو السنة الثابتة في أمر ما، على حكم ما، ثم ادعى مدع أن ذلك الحكم قد انتقل أو بطل، من أجل أنه انتقل ذلك الشيء المحكوم فيه عن بعض أحواله، أو لتبدل زمانه، أو لتبدل مكانه، فعلى مدعي انتقال الحكم من أجل ذلك، أن يأتي ببرهان ــــ من نص قرآن. أو سنة عن رسول الله ثابتة ــــ على أن ذلك الحكم قد انتقل أو بطل، فإن جاء به صح قوله، وإن لم يأت به فهو مبطل فيما ادعى من ذلك، والفرض على الجميع الثبات على ما جاء به النص ما دام يبقى اسم ذلك الشيء المحكوم فيه عليه، لأنه اليقين، والنقلة دعوى وشرع لم يأذن الله تعالى به، فهما مردودان كاذبان حتى يأتي النص بهما، ويلزم من خالفنا في هذا أن يطلب كل حين تجديد الدليل على لزوم الصلاة والزكاة، وعلى صحة نكاحه مع امرأته، وعلى صحة ملكه لما يملك. ويقال للمخالف في هذا: أخبرنا أتحكم أنت بحكم آخر من عندك؟ أم تقف فلا تحكم بشيء أصلاً، لا بالحكم الذي كنت عليه ولا بغيره؟ فإن قال: بل أقف. قيل له: وقوفك حكم لم يأتك به نص، وإبطالك حكم النص الذي قد أقررت بصحته خطأ عظيم. وكلاهما لا يجوز. وإن قال: بل أحدث حكماً آخر، قيل له: أبطلت حكم الله تعالى، وشرَّعت شرعاً لم يأذن به الله، وكلاهما من الطوامِّ المهلكة. نعوذ بالله من كل ذلك. ويقال له: في كل حكم تدين به لعله قد نسخ هذا النص، أو لعل ههنا ما يخصه لم يبلغك. ويقال له: لعلك قد قتلت مسلماً أو زنيت، فالحد أو القود عليك. فإن قال: أنا على البراءة حتى يصح عليَّ شيء، ترك قوله الفاسد، ورجع إلى الحق، وناقض إذ لم يكن سلك في كل شيء هذا المسلك، ويلزمهم أيضاً ألا يرثوا موتاهم، إذ لعلهم قد ارتدوا، أو لعلهم قد تصدقوا بها، أو لعلهم أدانوا ديوناً تستغرقها، فيلزمهم إقامة البينة على براءة موتاهم في حين موتهم على كل ذلك، والذي يلزمهم يضيق عنه جلد ألف بعير، ويلزمهم ألا يقولوا بتمادي نبوة نبي، حتى يقيم كل حين البرهان على صحة نبوته. وأما نحن فلا ننتقل عن حكم إلى حكم آخر إلا ببرهان، وكذلك نقول لكل من ادعى النبوة كمسيلمة والأسود وغيرهما، عهدناكم غير أنبياء فأنتم على بطلان دعواكم حتى يصح ما يثبتها. وكذلك نقول لمن ادعى أن فلاناً قد حل دمه بردة أو زنى: عهدناه بريئاً من كل ذلك، فهو على السلامة حتى يصح الدليل على ما تدعيه. وكذلك نقول لمن ادعى أن فلاناً العدل قد فسق، أو أن فلاناً الفاسق قد تعدل، أو أن فلاناً الحي قد مات، أو أن فلانة قد تزوجها فلان، أو أن فلاناً طلق امرأته، أو أن فلاناً قد زال ملكه عما كان يملك، أو أن فلاناً قد ملك ما لم يكن يملكه، وهكذا كل شيء على أننا ما كنا عليه حتى يثبت خلافه.

فإنما جاء قوم إلى هذه الحماقات في مواضع يسيرة أخطؤوا فيها، فنصروا خطأهم بما يبطل كل عقل وكل معقول، وذلك نحو قولهم: إن الماء إذا حلته نجاسة فقد تنجس، وإن من شك بعد يقينه بالوضوء فعليه الوضوء وأشباه هذا فقالوا: إن الماء الذي حكم الله بطهارته لم يكن حلته نجاسة. فقلنا لهم: وإن الرجل الذي حرم الله دمه، لم يكن شاب ولا حلق رأسه ولا عليه صفرة من مرض لم يكن فيه، فبدلوا حكمه لتبدل بعض أحواله. وقالوا: عليه ألا يصلي إلا بيقين طهارة لم يتلها شك. قلنا: فحرموا على من شك، أباع أمته أم لم يبعها، أن يطأها أو يملكها، لشكه في انتقال ملكه. وحدوا كل من شككتم أزنى أم لم يزن. وقد ذكرنا اعتراضهم بمسألة قول اليهود: قد وافقتمونا على صحة نبوة موسى ، وبينا أننا لم ننتقل إلى الإقرار بنبوة محمد إلا ببراهين أظهر من براهين موسى لولاها لم نتبعه، ونحن لا ننكر الانتقال من حكم أوجبه القرآن أو السنة، إذ جاء نص آخر ينقلنا عنه، إنما أنكرنا الانتقال عنه بغير نص أوجب النقل عنه، لكن لتبدل حال من أحواله أو لتبدل زمانه أو مكانه، فهذا هو الباطل الذي أنكرناه.

وقال المالكيون: من شك أطلق امرأته أم لم يطلقها فلا شيء عليه، فأصابوا، ثم قالوا: فإن أيقن أنه طلقها ثم شك أو واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً، فهي طالق ثلاثاً. وقالوا: من شك أطلق امرأة من نسائه أم لا فلا شيء عليه، فإن أيقن أنه طلق إحداهن، ثم لم يدر أيتهن هي فهن كلهن طلق، ففرقوا بين ما لا فرق بينه بدعوى عارية عن البرهان. فإن قالوا: إن ههنا هو على يقين من الطلاق، فقلنا: نعم، وعلى شك من الزيادة على طلاقها واحدة، والشك باطل كسائر ما قدمنا قبل، وكذلك ليس من نسائه امرأة يوقن أنه طلقها، فقد دخلتم فما أنكرناه على المخالفين من نقل الحكم بالظنون، بل وقعوا في الباطل المتيقن، وتحريم يقين الحلال من باقي نسائه اللواتي لم يطلقهن بلا شك، وفي تحليل الحرام المتيقن، إذ أباحوا الفروج اللواتي لم تطلق للناس، ولزمهم على هذا إذا وجدوا رجالاً قد اختلط بينهم قاتل لا يعرفونه بعينه، أو زان محصن لا يعرفونه بعينه، أن يقتلوهم كلهم نعم وأن يحملوا السيف على أهل مدينة أيقنوا أن فيها قاتل عمد لا يعرفونه بعينه، وأن يقطعوا أيدي جميع أهلها إذا أيقنوا أن فيها سارقاً لا يعرفونه بعينه، وأن يحرموا كل طعام بلد قد أيقنوا أن فيه طعاماً حراماً لا يعرفونه بعينه، وأن يرجموا كل محصنة ومحصن في الدنيا، لأن فيهم من قد زنى بلا شك، ولزمهم فيمن تصدق بشيء من ماله، ثم جهل مقداره أن يتصدق بماله كله ومثل هذا كثير جداً فظهر فساد هذا القول وبطلانه بيقين لا شك فيه. فإن قيل: وما الدليل على تمادي الحكم مع تبدل الأزمان والأمكنة؟ قلنا وبالله تعالى التوفيق: البرهان على ذلك صحة النقل من كل كافر ومؤمن على أن رسول الله أتانا بهذا الدين. وذكر أنه آخر الأنبياء وخاتم الرسل، وأن دينه هذا لازم لكل حي، ولكل من يولد إلى القيامة في جميع الأرض، فصح أنه لا معنى لتبدل الزمان، ولا لتبدل المكان، ولا لتغير الأحوال، وأن ما ثبت فهو ثابت أبداً في كل زمان وفي كل مكان، وعلى كل حال، حتى يأتي نص ينقله عن حكمه في زمان آخر، أو مكان آخر، أو حال أخرى.

وكذلك إن جاء نص بوجوب حكم في زمان ما، أو في مكان، أو في حال ما وبين لنا ذلك في النص، وجب ألا يتعدى النص. فلا يلزم ذلك الحكم حينئذ في غير ذلك الزمان، ولا في غير ذلك المكان ولا في غير تلك الحال قال تعالى: {يأيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ وَاتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً } وأمر رسول الله من لم يدرك صلى، أن يصلي حتى يكون على يقين من التمام، وعلى شك من الزيادة، لأنه على يقين من أنه لم يصل ما لزمه، فعليه أن يصليه وهذا هو نص قولنا. وأما إذا تبدل الاسم فقد تبدل الحكم بلا شك، كالخمر يتخلل أو يخلل لأنه إنما حرمت الخمر، والخل ليس خمراً، وكالعذرة تصير تراباً، فقد سقط حكمها، وكلبن الخنزير والحمر والميتات يأكلها الدجاج ويرتضعه الجدي، فقد بطل التحريم إذا انتقل اسم الميتة واللبن والخمر، ومن حرم ما لا يقع عليه الاسم الذي جاء به التحريم، فلا فرق، بينه وبين من أحل بعض ما وقع عليه الاسم الذي جاء به التحريم، وكلاهما متعدَ لحدود الله تعالى: {يأيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ وَاتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً } وهذا حكم جامع لكل ما اختلف فيه، فمن التزمه فقد فاز ومن خالفه فقد هلك وأهلك، وبالله تعالى التوفيق.

وكل احتياط أدى إلى الزيادة في الدين ما لم يأذن به الله تعالى، أو إلى النقص منه أو إلى تبديل شيء منه ــــ فليس احتياطاً، ولا هو خيراً، بل هو هلكة وضلال وشرع لم يأذن به الله تعالى والاحتياط كله لزوم القرآن والسنة. وأما العقود والعهود والشروط والوعد، فإن أصل الاختلاف فيها على قولين لا يخرج الحق عن أحدهما: وما عداهما فتخليط ومناقضات لا يستقر لقائلها قول على حقيقة، فأحد القولين المذكورين: إما أنها كلها لازم حق إلا ما أبطله منها نص. والثاني: أنها كلها باطل غير لازم إلا ما أوجبه منها نص، أما ما أباحه منها نص، فكان من حجة من قال: إنها كلها حق لازم إلا ما أبطله منها نص، أن قال: قال الله عز وجل: { وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً } وقال عز وجل: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } وقال عز وجل: {وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } .

وقال تعالى: { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } وقال تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } وقال تعالى: { وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } وقال تعالى: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وقال تعالى: { وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } وقال تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ } وقال عز وجل: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ } وقال تعالى: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } وقال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } وقال تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً } وقال تعالى: {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } وقال عز وجل: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } وقال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } .

وذكروا ما حدثناه عبد الله بن يوسف، نا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب بن عيسى، نا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، ثنا مسلم بن الحجاج، ني زهير بن حرب، ثنا وكيع، نا سفيان هو الثوري، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله : «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» وبه إلى مسلم: نا عبد الأعلى بن حماد، ثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة/ عن النبي قال: «مِنْ عَلاَمَاتِ المُنَافِقِ ثَلاثٌ وَإِنْ صَلَّى وَإِنْ صَامَ وَزَعمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائتُمِنَ خَانَ» وبه إلى مسلم: ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا أبي، ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله : «إِذَا جَمَعَ الله الأَوَّلينَ والآخرينَ يَوْمَ القِيامَةِ رُفِعَ لِكُلِّ غادِرٍ لِواءٌ، فَقيلَ هذِهِ غَدْرَةُ فُلانٍ ابنِ فُلانٍ» .

وبه إلى مسلم: ثنا محمد بن المثنى، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا شعبة، عن خليد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي قال: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِواءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» . وبه إلى مسلم: ني زهير بن حرب، ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، ثنا المستمر بن الريان، ثنا أبو نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله : «لِكُلِّ غَادِرٍ لِواءٌ يَوْمَ القِيامَةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ، أَلاَ وَلاَ غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْراً من أَمّرَ عَامَّةٍ» وبه إلى مسلم، حدثني عبد الله بن هاشم، ني عبد الرحمن بن مهدي، ثنا سفيان هو الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله إذا أمَّرَ أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: «اغْزُوا بِاسْمِ الله في سَبِيلِ الله، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِالله اغْزُوا وَلاَ تَغْفَلُوا وَلاَ تَغْدُرُوا» وذكر باقي الحديث. وبه إلى مسلم: نا محمد بن المثنى، نا يحيى بن سعيد القطان، عن عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله : «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ» .

حدثنا عبد الله بن ربيع، ثنا محمد بن إسحاق بن السليم، نا ابن الأعرابي، نا أبو داود، نا أحمد بن صالح، نا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن الحسن بن علي بن أبي رافع/ أن أبا رافع أخبره قال: بعثتني قريش إلى رسول الله ، فلما رأيت رسول الله ألقي في قلبي الإسلام فقلت: يا رسول الله إني والله لا أرجع إليهم أبداً، فقال رسول الله : «إِنِّي لاَ أَخيسُ بِالعَهْدِ، وَلاَ أَحْبِسُ البُردَ، وَلكِنْ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِكَ الَّذِي فِي نَفْسِكَ الآنَ فَارْجِعْ» ، قال: فذهبت ثم أتيت النبي فأسلمت. حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني، نا إبراهيم بن أحمد البلخي، نا الفربري، ثنا البخاري، نا إسحاق، نا يعقوب، نا ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، أخبرني عروة بن الزبير، أنه سمع مروان والمسور بن مخرمة، فذكرا جميعاً خبر النبي وفيه: إنه لما كاتب رسول الله سهيل بن عمرو يوم الحديبية على قضية المدة كان فيما اشترط سهيل بن عمرو: أنه لا يأتيك منا أحد إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه، وأبى سهيل أن يقاضي رسول الله إلا على ذلك، فرد رسول الله أبا جندل بن أبي سهل يومئذ إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأت رسول الله أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلماً.

حدثنا عبد الله بن ربيع، ثنا محمد بن إسحاق، نا ابن الأعرابي، نا أبو داود، حدثنا محمد بن عبيد، أن محمد بن ثور حدثهم، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة قال: خرج النبي زمن الحديبية (فذكر الحديث) وفيه ثم رجع إلى المدينة فجاءه أبو بصير برجل من قريش، يعني أرسلوا في طلبه، فدفعه إلى رجلين فخرجا به، فلما بلغا ذا الحليفة نزلوا يأكون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك يا فلان جيداً، فاستله الآخر فقال أجل قد جربت به فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأمسكه منه، فضربه حتى برد، وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال النبي : «لَقَدْ رَأَى هذَا ذُعْراً» فقال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير فقال: قد أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم، ثم قد نجاني الله منهم، فقال له رسول الله : «وَيلُ أُمَّهُ مُسْعِرُ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ» فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، وتفلت أبو جندل فلحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة.

حدثنا عبد الله بن يوسف، نا أحمد بن الفتح، نا عبد الوهاب، نا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، نا مسلم بن الحجاج، نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو أسامة عن الوليد بن جميع، نا أبو الطفيل، نا حذيفة بن اليمان قال: ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل، فأخذنا كفار قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمداً، فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة، ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله فأخبرناه الخبر،فقال: «انْصَرِفَا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ الله عَلَيْهِمْ» .

حدثني محمد بن سعيد، نا نبات، ثنا أحمد بن عون الله، نا قاسم بن أصبغ، نا محمد ابن عبد السلام الخشني، نا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر، نا شعبة عن أبي إسحاق السبيعي، والحكم بن عتيبة: أن حذيفة بن الحسيل بن اليمان وأباه، أسرهما المشركون، فأخذوا عليهما ألا يشهدا بدراً، فسألا النبي فرخص لهما ألا يشهدا. حدثنا عبد الله بن ربيع، نا عمر بن عبد الملك الخولاني، نا محمد بن بكر، نا سليمان بن الأشعث، نا قبيصة، نا الليث عن محمد بن عجلان، أن رجلاً من موالي عبد الله بن عامر بن ربيع العدوي، حدثه عن عبد الله بن عامر أنه قال: دعتني أمي يوماً ورسول الله قاعد في بيتها، فقالت: ها تعال أعطك، فقال لها رسول الله : «مَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيَهُ؟» قالت: أعطيه تمراً، فقال لها رسول الله: «أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِيهِ شَيْئاً كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ» .

حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الهمداني، نا إبراهيم بن أحمد البلخي، نا الفربري، نا البخاري، نا بشربن مرحوم، نا يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة عن النبي قال: «قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرّاً فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيراً فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» . حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، نا إبراهيم بن أحمد، نا الفربري، نا البخاري، نا مسدد، نا يحيى بن سعيد هو القطان، نا شعبة، حدثني أبو حمزة، نا زهد بن مضرب، قال: سمعت عمران بن حصين يحدث عن النبي قال: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَنْذِرُونَ وَلاَ يَفُونَ، وَيَخُونُونَ وَلاَ يُؤْتَمَنُونَ» وذكر باقي الخبر. وبه إلى البخاري: نا محمد بن مقاتل، أنا عبد الله بن المبارك، أنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال عمر: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» . حدثنا عبد الله بن ربيع، نا محمد بن إسحاق، نا ابن الأعرابي، نا أبو داود السجستاني، نا سليمان بن داود المهري، ثنا ابن وهب حدثني سليمان بن بلال، ثنا كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» . حدثنا المهلب الأسدي، نا ابن مناس، نا ابن مسرور، نا يونس بن عبد الأعلى، نا ابن وهب، نا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم/ أن رسول الله قال: «وَأْي المُؤْمِنِ وَاجِبٌ» . وبه إلى ابن وهب: أخبرني إسماعيل بن عياش، عن أبي إسحاق أن رسول الله كان يقول: «وَلاَ تَعِدْ أَخَاكَ عِدَةً وتُخْلِفْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُورِثُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةً» وبه إلى ابن وهب: أخبرني الليث بن سعيد عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب عن أبي هريرة أن النبي قال: «مَنْ قَالَ لِصَبِيَ: تَعَالَ هَاه لَكَ ثُمَّ لَمْ يُعْطِهِ شَيْئاً فَهِيَ كِذْبَةٌ» . قالوا: فهذه نصوص توجب ما ذكرنا، إلا أن يأتي نص بتخصيص شيء من عمومها فيخرج ويبقى ما عداه على الجواز.

قال أبو محمد: ووجدنا من قال ببطلان كل عقد وكل شرط وكل عهد وكل وعد، إلا ما جاء نص بإجازته باسمه. ويقولون: قال الله عز وجل: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وقال تعالى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } وقال تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } .

حدثنا عبد الرحمن بن يوسف، نا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، نا مسلم بن الحجاج، ثنا أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني، ثنا أبو أسامة، أنبأنا هشام بن عروة، عن أبيه قال: أخبرتني عائشة أم المؤمنين أن رسول الله خطب عشية، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ أَقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ الله، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ الله فَهُوَ بَاطِلٌ وَلَوْ كَانَ مِائَةُ شَرْطٍ، كِتَابُ الله أَحَقُّ وَشَرْطُ الله أَوْثَقُ» . حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الهمداني، ثنا أبو إسحاق البلخي، حدثنا الفربري، نا البخاري، نا علي بن عبد الله، نا سفيان، عن يحيى هو ابن سعيد الأنصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة أم المؤمنين قالت: قام رسول الله على المنبر فقال: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ الله، مَنِ اشْتَرَطَ شُرُوطاً لَيْسَ فِي كِتَابِ الله فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ» .

قالوا: فهذه الآيات وهذا الخبر، براهين قاطعة في إبطال كل عهد وكل عقد وكل وعد وكل شرط ليس في كتاب الله الأمر به، أو النص على إباحة عقده، لأن العقود والعهود والأوعاد شروط، واسم الشرط يقع على جميع ذلك. قال أبو محمد: وأيضاً فيقال لمن أوجب الوفاء بعقد أو عهد أو شرط أو وعد، ليس في نص القرآن أو السنة الثابتة إيجاب عقد وإنفاذه: إننا بالضرورة ندري أنه لا يخلو كل عقد وعهد وشرط ووعد التزمه أحد لأحد وجهين لا ثالث لهما: إما أن يكون في نص القرآن أو السنة إيجابه وإنفاذه، فإن كان كذلك فنحن لا نخالفكم في إنفاذ ذلك وإيجابه، وإنما أن يكون ليس في نص القرآن ولا في السنة إيجابه ولا إنفاذه، ففي هذا اختلفنا. فنقول لكم الآن: فإن كان هكذا فإنه ضرورة لا ينفك من أحد أربعة أوجه لا خامس لها أصلاً: إما أن يكون فيه إباحة ما حرم الله تعالى في القرآن، أو على لسان رسول الله ، فهذا عظيم لا يحل، قال تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } ونسألهم حينئذ عمن التزم ــــ في عهده وشرطه وعقده ووعده، إحلال الخنزير والأمهات وقتل النفس، فإن أباح ذلك كفر، وإن فرق بين شيء من ذلك تناقض وسخف وتحكم في الدين بالباطل.

وإما أن يكون التزم فيه تحريم ما أباحه الله تعالى في القرآن أو على لسان رسوله فهذا عظيم لا يحل، قال تعالى: {يأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ونسألهم حينئذ عمن حرم الماء والخبز والزواج وسائر المباحات، وقد صح أن محرم الحلال كمحلل الحرام ولا فرق.

وإما أن يكون التزم ما أوجبه الله تعالى في القرآن، أو على لسان رسول الله فهذا عظيم لا يحل، ونسألهم حينئذ عمن التزم في عهده وعقده وشرطه إسقاط الصلوات، وإسقاط صوم شهر رمضان وسائر ذلك، فمن أجاز ذلك فقد كفر، وإما أن يكون أوجب على نفسه ما لم يوجبه الله تعالى عليه، فهذا عظيم لا يحل، ونسألهم عمن التزم صلاة سادسة أو حج إلى غير مكة، أو في غير أشهر الحج، وكل هذه الوجوه تعدّ لحدود الله، وخروج عن الدين، والمفرِّق بين شيء من ذلك قائل في الدين بالباطل، نعوذ بالله من ذلك.

فإن قد صح ما ذكرنا فلم يبق إلا الكلام على الآيات التي احتج بها أهل المقالة الأولى، وعلى الأحاديث التي شغبوا بإيرادها وبيان حكمها، حتى يتألف بعون الله تعالى ومنِّه مع هذه، فإن الدين كله واحد لا تخالف فيه، قال الله عز وجل: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً } . فنقول وبالله تعالى نتأيد: إن كل ما ذكروا من ذلك فلا حجة لهم في شيء منه، أما قول الله عز وجل: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً } و: {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } {وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } ، {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } ، {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ والضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوآ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } ، و: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } و: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } و: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } و: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً } ، و: {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } ، و: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } . والحديثان اللذان فيهم: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» ، وذم الذين ينذرون ولا يوفون، والخبر فيم: «أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ» ، فإنها جمل قد جاء نص آخر يبين أنها كلها ليست على عمومها، ولكنها في بعض العهود، وبعض العقود، وبعض النذور، وبعض الشروط، وهي قول رسول الله : «لاَ نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ الله تَعَالَى، وَلا فِيمَا يَمْلكُ العَبْدُ» وقوله : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِي الله تَعَالَى فَلاَ يَعْصِهِ» مع ما ذكرنا من قوله : «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ الله فَهُوَ بَاطِل» .

فصح بهذه النصوص أن تلك الآيات والخبرين إنما هي فيمن شرط أو نذر أو عقد أو عاهد على ما جاء القرآن أو السنة بإلزامه فقط. وقد وافقنا المخالفون ههنا، على أن من نذر أو عقد أو عاهد أو شرط أن يزني أو يكفر أو يقتل مسلماً ظلماً، أو أن يأخذ مالاً بغير حق أو أن يترك الصلاة فإنه لا يحل له الوفاء بشيء من ذلك، لأنه معصية، ولا فرق بين هذا وبين شرط وعاهد وعقد أن يضيع حدّاً، أو أن يبطل حقّاً أو أن يمنع مباحاً، والمفرق بين ذلك مبطل متناقض متحكم في الدين بالباطل، فارتفع الإشكال في هذا الباب جملة والحمد لله رب العالمين. وكذلك قول الله عز وجل: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فهذا غاية البيان في صحة قولنا، والحمد لله رب العالمين.

وباليقين ندري أن من حرم على نفسه أن يتزوج على امرأته، أو أن يتسرى عليها، أو ألا يرحلها، أو ألا يغيب عنها، فقد حرم ما أحل الله تعالى له: وما أمره تعالى به إذ يقول: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ } وقال تعالى: {إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } وقال عز وجل {إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } وقال تعالى: {عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى } وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } وكذلك من عاهد على تأمين من لا يحل تأمينه. وعلى إبقاء مال في مالك من لا يحل له تملكه، وعلى اسقاط حد الله تعالى أو قود، فإنه قد عقد على معصية، وسمى الحلال حراماً، والقرآن قد جاء بتكذيب من فعل ذلك وبنهيه عن ذلك، وهكذا ما لم يذكر ما ليس في القرآن أو السنة إمضاؤه.

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الثاني/الجزء الأول

في استصحاب الحال (1) | في استصحاب الحال (2) | في استصحاب الحال (3) | وهو باب الحكم بأقل ما قيل | في ذم الاختلاف | في أن الحق في واحد وسائر الأقوال كلها باطل | في الشذوذ | في تسمية الصحابة الذين رويت عنهم الفتيا | في الدليل | في لزوم الشريعة الإسلامية لكل مؤمن وكافر في الأرض | في صفة التفقه في الدين | في وجوب النيات في جميع الأعمال | في شرائع الأنبياء عليهم السلام قبل محمد أيلزمنا اتباعها | في شرائع الأنبياء عليهم السلام قبل محمد أيلزمنا اتباعها