50%

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الرابع/فصل في الأوامر في نسخها وإثباتها

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام فصل في الأوامر في نسخها وإثباتها
المؤلف: ابن حزم


قال أبو محمد: الأوامر نسخها وإثباتها تنقسم أقساماً أربعة لا خامس لـها، فقسم ثبت لفظه وحكمه، وقسم ارتفع حكمه ولفظه، وقسم ارتفع لفظه وبقي حكمه، وقسم ارتفع حكمه وبقي لفظه، ففي هذه الأقسام الثلاثة الأواخر يقع النسخ، وأما القسم الذي صدرنا به فلا نسخ فيه أصلاً، وأما القسم الذي ارتفع حكمه ولفظه. فقد روينا أن رجلاً قرأ آية وحفظها، ثم أراد قراءتها فلم يقدر، فشكا ذلك إلى رسول اللـه فأخبر عليه السلام أنها رفعت، ومن ذلك العشر الرضعات المحرمات، ومن ذلك السورة التي ذكر أبو موسى الأشعري، أنهم كانوا يقرؤونها على عهد رسول اللـه ، وكانت في طول سورة براءة، وأنها نسيت فارتفعت من الحفاظ، إلا آية منها وهي: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب اللـه على من تاب. والسورة التي ذكرها أيضاً أبو موسى: أنها كانت تشبه إحدى المسبحات فنسيت، ولم يحفظ منها إلا آية ذكرها، وقد نص اللـه تعالى على ذلك إذ يقول: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ، وقد روينا أن رسول اللـه قرأ سورة فأسقط منها آية، فلما سلم قال: «أَثِمَ أُبيّ» ، أو كما قال عليه السلام فأجابه فسألـه رسول اللـه عما منعه أن يلقنه الآية، فقال أبيّ: ظننت أنها رفعت، فقال عليه السلام: «لَمْ تُرْفَعْ» فهذا بيان صحة ما ذكرنا من أنه يرفع لفظ الآية جملة. وأما القسم الذي رفع لفظه وبقي حكمه، فآية الرجم، وآية الخمس رضعات المحرمات، وقد تعلل قوم في رد هذا الحديث بقول عائشة رضي اللـه عنها: فتوفي رسول اللـه وأنهما لمما يقرأ من القرآن. قال أبو محمد: وهذا لا تعلل فيه، وإنما معناه، أنه يقرأ من القرآن الذي سقط رسمه وإثباته في المصحف، ولم تقل قط عائشة إنه من القرآن المتلو في المصحف فبطل تعللـهم، وأما القسم الذي رفع حكمه وبقي لفظه، فقولـه تعالى: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } وقولـه تعالى: {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } وآيات كثيرة جدّاً، وأما الذي ثبت لفظه وحكمه، فسائر الآيات المحكمات.

والأوامر الواردة بأمر رسول الله منقسمة على الأقسام الأربعة التي ذكرنا أيضاً، ولا يظن ظان أن قولنا هذا معارض لقولنا: إنه ليس له عليه السلام لفظ إلا قد بلغ إلينا، فإننا إنما نفينا بقولنا هذا أن يكون له عليه السلام لفظ لم ينسخ حكمه، فيسقط فلا يبلغ إلينا لا لفظه ولا حكمه. فهذا الذي نفينا جملة بقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وبقوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى }

وبقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } والحفظ يكون بتبليغ المعنى، فكل حكم نقل إلينا كيفية فعله فيه، وصفة حكمه ولم ينقل إلينا نص لفظه في ذلك، فهو مما ارتفع لفظه وبقي حكمه، وذلك نحو ما روي من قسمه عليه السلام مال البحرين، وحكمه بالتمييز مع الشاهد، ومساقاته ومزارعته أهل خيبر، وما أشبه ذلك، فهذا لا بد من أنه قد كان له من ذلك لفظ إلا أنه لم ينقل، ونقل الحكم فهم بمنزلة ما ذكرنا أنه رفع لفظه من التلاوة وبقي حكمه ولا فرق، وكل ذلك وحي من الله تعالى، وأما المنسوخ لفظه وحكمه، فمرفوع عنا علمه وتتبعه وطلبه. فصل في رد المؤلف على القائلين قال أبو محمد: قال بعض القائلين ـــــ وقد ذكر النسخ وارتفاع اللفظ المنسوخ فقال: وهذا وجه من وجوه الحكمة، يجوز أن يكون علم الله تعالى أن يرفع هذا اللفظ يصلح ما لا يصلح ببقائه، وذلك أنه إذا رفع تعالى الكل فقد علم أننا سنقبل على الأمر الناسخ، ولا تتداخلنا فيه الشكوك، لأن الله تعالى علم أن سيكون قوم من خلقه يبطلون النسخ، فكانوا يضلون ببقاء اللفظ المنسوخ فرفعه لهذا المعنى. قال أبو محمد: وهذا من أفسد قول في الأرض وأسقطه، ويقال لمن قال بهذا الهجر: أكان الله تعالى غير قادر من وجوه الصلاح على أكثر من أن يرفع بعض كلامه لئلا يضل به قوم من خلقه؟ أو كان قادراً على أن يكفيهم هذه المؤنة كلها، ويهديهم بأن يبين لهم المنسوخ بياناً جليّاً يرفع به عنهم الشكوك والحيرة؟ فإن قال: لم يقدر الله تعالى على أكثر، كفر ووصف نفسه من القدرة بأكثر مما وصف به خالقه عز وجل لأنه دائباً يشرح بزعمه، ويبين ليهدي الناس فيما يدعي، وإن قال: بل إنه تعالى قادر على ما ذكرت، قيل له: فقد فعل ما غيره أصلح لهم منه، وهذا ضد مذهبك الفاسد.

ويقال له أيضاً: إذا كانت الحكمة عندك رفع لفظ بعض المنسوخ جملة، لئلا يضل به قوم، فلأي شيء أبقى تعالى لفظاً آخر منسوخاً حتى ضلّ به جماعة أنت أحدهم؟ في أشياء كثيرة تدعي أنت فيها النسخ ويخالفك فيها غيرك، وأشياء كثيرة تدعي أنت أنها غير منسوخة ويدعي غيرك فيها النسخ، فأين تلك الحكمة التي تطالب بها ربك تعالى؟ وما الذي جعل رفع ما رفع أولى بالرفع من المنسوخ الذي أبقي لفظه، حتى تحيرت فيه طوائف من أهل الملة؟ وما الذي جعل إبقاء ما أبقي لفظه المنسوخ أولى بالإبقاء مما رفع لفظه من المنسوخ؟ وما الذي أوجب نقض الحكم بما كان أمس فرضاً ثم حرم اليوم، أو ما كان حراماً أمس ثم أبيح اليوم؟ وهل هذا هنا حال استحالت أو طبيعة انتقضت، فأوجب ذلك تبديل الشرائع، إن هذا لهو الضلال البعيد، والغناء الشديد، والجهل المظلم، والقحة الزائدة، وما ههنا شيء أصلاً إلا أن الله تعالى أراد أن يحرم علينا بعض ما خلق مدة ما، ثم أراد تعالى أن يحرمه علينا ولا علة لشيء من ذلك كما لا علة لبعثه محمداً عليه الصلاة والسلام في العصر الذي بعثه، دون أن يبعثه في العصر الذي كان قبله، وكما لا علة لكون الصلوات خمساً، دون أن تكون ثلاثاً أو سبعاً.

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الرابع

في أقل الجمع | في الاستثناء | في الكناية بالضمير | في الإشارة | في المجاز والتشبيه | فصل في التشبيه | في أفعال رسول الله | الكلام في النسخ | فصل في الأوامر في نسخها وإثباتها | فصل في قول الله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيةٍ | فصل في اختلاف الناس على النسخ | فصل في تشكيك قوم في معاني النسخ | فصل في إمكان النسخ ثم إيجابه ثم امتناعه | فصل هل يجوز نسخ الناسخ ؟ | فصل في مناقل النسخ | فصل في آية ينسخ بعضها، ما حكم سائرها ؟ | فصل لا يضر كون الآية المنسوخة متقدمة في الترتيب | فصل في نسخ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف | فصل في نسخ الفعل بالأمر والأمر بالفعل | فصل في متى يقع النسخ عمن بعد عن موضع نزول الوحي | فصل في النسخ بالإجماع | فصل في رد المؤلف على من أجاز نسخ القرآن والسنة بالقياس | في المتشابه من القرآن والفرق بينه وبين المتشابه في الأحكام | في الإجماع، وعن أي شيء يكون الإجماع وكيف ينقل الإجماع | فصل في اختلاف الناس في وجوه من الإجماع | فصل ذكر الكلام في الإجماع إجماع من هو | فصل في ما إذا اختلف أهل عصر ما في مسألة ما | فصل في اختلاف أهل عصر ما ثم إجماع أهل عصر ثان | فصل في من قال إن افترق أهل عصر على أقوال كثيرة | فصل فيمن قال: ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع | فصل في من قال بأن خلاف الواحد من الصحابة أو ممن بعدهم لا يعد خلافاً | فصل في قول من قال: قول الأكثر هو الإجماع ولا يعتد بقول الأقل | فصل في إبطال قول من قال: الإجماع هو إجماع أهل المدينة | فصل فيمن قال إن الإجماع هو إجماع أهل الكوفة | إن قول الواحد من الصحابة إذا لم يعرف له مخالف فهو إجماع | فصل في من قال ليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة | فصل في معنًى نسبوه إلى الإجماع | فصل واختلفوا: هل يدخل أهل الأهواء أم لا ؟