50%

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الرابع/فصل فيمن قال: ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام فصل فيمن قال: ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع
المؤلف: ابن حزم


فصل فيمن قال: ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع، وبسط الكلام فيما هو إجماع، وفيما ليس إجماعاً

قال أبو محمد: قد ذكرنا قبل قسمي الإجماع الذي لا إجماع في العالم غيرهما أصلاً، وهما: إما شيء لا يكون مسلماً من لا يعتقده، كشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والبراءة من كل دين يخالف دين الإسلام، كجملة القرآن وكالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان. فإنه لا يشك مؤمن ولا كافر في أن رسول الله دعا الناس إلى هذه الشهادة، وحكم باسم الإسلام وحكمه لمن أجابه إليها، وحكم باسم الكفر وحكمه لمن لم يجبه إليه، وأن أهل الإسلام بعده عليه السلام جروا على هذا إلى يومنا هذا. ولا يشك مؤمن ولا كافر في أنه صلى الصلوات الخمس بكل من حضره خمس مرات كل يوم وليلة، وصلاها النساء وأهل العذر في البيوت كذلك، وصلاها أهل كل محلة، وأهل كل قرية، وأهل كل محلة في كل مدينة فيها إسلام، في كل يوم من عهده عليه السلام إلى يومنا هذا، لا يختلفون في ذلك، وكذلك الأذان والإقامة والغسل من الجنابة والوضوء. ولا يشك مؤمن ولا كافر في أنه صام شهر رمضان الذي بين شوال وشعبان في كل عام، وصامه كل مسلم بالغ حاضر من رجل أو امرأة معه وفي زمانه وبعده في كل مكان، وفي كل عام إلى يومنا هذا، ولا يشك مؤمن ولا كافر في أنه حج إلى مكة في ذي الحجة، وحج معه من لا يحصي عددهم إلا خالقهم عز وجل، ثم حج الناس إلى يومنا هذا كل عام إلى مكة في ذي الحجة. وهكذا جملة القرآن لا يشك مؤمن ولا كافر في أنه أتى به وذكر أن الله تعالى أوحاه إليه، وكذلك تحريم الأم والابنة والجدة والخالة والعمة والأخت وبنت الأخت وبنت الأخ، والخنزير والميتة، وكثير سوى هذا.

فقطع كل مؤمن وكافر أنه وقف عليه وعلمه المسلمين، وعلمه المسلمون جيلاً في كل زمان وكل مكان قطعاً، إلا من أفرط جهله ولم يبلغه ذلك من بدوي أو مجلوب من أهل الكفر. ولا يختلف في أنه إذا علمه فأجاب إليه فهو مسلم، وإن لم يجب إليه فليس مسلماً، وأن في بعض ما جرى هذا المجرى أموراً حدث فيها خلاف بعد صحة الإجماع وتيقنه عليها، كالخمر والجهاد وغير ذلك، فإن بعض الناس رأى ألا يجاهد مع أئمة الجور. وهذا يعذر لجهله وخطأه ما لم تقم عليه الحجة، فإن قامت عليه الحجة وتمادى على التدين بخلاف رسول الله ، فهو كافر مشرك حلال الدم والمال لقوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } .

فإن قيل: فقد قال رسول الله : «لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السَّارق حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُها وَهُوَ مُؤْمِنٌ» فهلا أخرجتم بهذه الأشياء من الإيمان كما أخرجتم من الإيمان بوجود الحرج مما قضى ، وترك تحكيمه. قلنا: لأنه أتى بالزاني والسارق والشارب، فحكم فيهم بالحكم في المسلمين لا بحكم الكافر فخرجوا بذلك من الكفر، وبقي من لم يأت بإخراجه عن الكفر على الكفر، والخروج عن الإيمان كما ورد فيه النص، فهذا أحد قسمي الإجماع. والثاني: شيء يوقن بالنقل المتصل الثابت، أن رسول الله علمه وفعله جميع من بحضرته، ومن كان مستضعفاً أو غائباً بغير حضرته، كفتح خيبر وإعطائه إياها بعد قسمتها على المسلمين لليهود على أن يعملوها بأموالهم وأنفسهم، ولهم نصف ما يخرج منها من زرع أو تمر، على أن المسلمين يخرجونهم متى شاؤوا. وهكذا كل ما جاء هذا المجيء، فهو إجماع مقطوع على صحته من كل مسلم علمه أو بلغه، على أنه قد خالف في هذا بعد ذلك من وهم أو خطأ، فعذر لجهله ما لم تقم عليه الحجة، وكما ذكرنا قبل ولا فرق فلا إجماع في الإسلام إلا ما جاء هذا المجيء، ومن ادعى إجماعاً فيما عدا ما ذكرنا فهو كاذب آفك مفتر على جميع المسلمين، قائل عليهم ما لا علم له به. وقد قال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } وقال تعالى ذامّاً لقوم قالوا: {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } وقال تعالى: {إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنَزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى } وقال تعالى: {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً } . فصح بنص كلام الله تعالى ــــ الذي لا يعرض عنه مسلم ــــ أن الظن هو غير الحق وإذ هو غير الحق فهو باطل وكذب بلا شك، إذ لا سبيل إلى قسم ثالث، وقال رسول الله : «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ» .

قال أبو محمد: فهذا هو الحق الذي لا يحيل عليه من سمعه، ثم حدث بعد القرن الرابع طائفة قلت مبالاتها بما تطلق به ألسنتها في دين الله تعالى، ولم تفكر فيما تخبر به عن الله عز وجل، ولا عن رسوله ، ولا عن جميع المسلمين، قصراً لتقليد من لا يغني عنهم من الله شيئاً، من أبي حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله، الذين قد برئوا إليهم عما هم عليه من التقليد، فصاروا إذا أعوزهم شغب ينصرون به فاحش خطأهم في خلافهم نص القرآن، ونص حكم رسول الله . وبلحوا وبلدوا ونطحت أظفارهم في الصفا الصلد أرسلوها إرسالاً فقالوا: هذا إجماع، فإذا قيل لهم: كيف تقدمون على إضافة الإجماع إلى من لم يروا عنه في ذلك كله؟ أما تتقون الله؟ قال أكابرهم: كل ما انتشر في العلماء واشتهر ممن قالته طائفة منهم، ولم يأت على سائر خلاف له، فهو إجماع منهم لأنهم أهل الفضل والذين أمر الله تعالى بطاعتهم، فمن المحال أن يسمعوا ما ينكرونه ولا ينكرونه، فصحّ أنهم راضون به، هذا كل ما موَّهوا به ما لهم متعلق أصلاً بغير هذا، وهذا تمويه منهم ببراهين ظاهرة لا خفاء بها، نوردها إن شاء الله عز وجل وبه نستعين. قال أبو محمد: أول ما نسألكم عنه أن نقول لكم، هذا لا تعلمون فيه خلافاً، أيمكن أن يكون فيه خلاف من صاحب أو تابع أو عالم بعدهم لم يبلغكم أم لا يمكن ذلك البتة؟ فإن قالوا عند ذلك: إن قال هذا القول عالم كان ذلك إجماعاً، وإن قاله غير عالم لم يكن ذلك إجماعاً. قلنا لهم: قد نزلتم درجة وسؤالنا باق لذلك العالم بحسبه، كما أوردناه سواء بسواء، فإن قالوا: بل يمكن أن يكون في ذلك خلاف لم يبلغ ذلك العالم، قلنا: فقد أقررتم بالكذب، إذ قطعتم بأنه إجماع وجوزتم مع ذلك أن يكون الخلاف فيه موجوداً. فإن قالوا: بل يمكن أن يكون في ذلك خلاف لم يبلغ ذلك العالم، قلنا: فقد أقررتم بالكذب، إذ قطعتم بأنه إجماع وجوزَّتم مع ذلك أن يكون الخلاف فيه موجوداً. فإن قالوا بل يمكن أن يكون في ذلك خلاف لم يبلغ ذلك العالم، قلنا: فقد أقررتم بالكذب، إذ قطعتم بأنه إجماع وجوَّزتم مع ذلك أن يكون الخلاف فيه موجوداً فإن قالوا بل لا يمكن أن يكون في ذلك خلاف. قلنا: ومن أين لكم بأن ذلك العالم أحاط بجميع أقوال أهل الإسلام؟ ونحن نبدأ لكم بالصحابة رضي الله عنهم فنقول: بالضرورة ندري يقيناً لا مرية فيه بأنهم كانوا عشرات ألوف فقد غزا حنيناً في اثني عشر ألف إنسان، وغزا تبوك في أكثر من ذلك، وحج حجة الوداع في أضعاف ذلك، ووفد عليه من كل بطن من بطون قبائل العرب وفوداً أسلموا وسألوه عن الدين، وأقرأهم القرآن، وصلوا معه، كلهم يقع عليه اسم الصحابة.

ولقد تقصينا من روى عنه فتيا في مسألة واحدة فأكثر، فلم نجدهم إلا مائة وثلاثة وخمسين، بين رجل وامرأة فقط، مع شدة طلبنا في ذلك وتهممنا وليس منهم مكثرون إلا سبعة فقط وهم: عمر وابنه عبد الله، وعلي وابن عباس وابن مسعود وأم المؤمنين عائشة وزيد بن ثابت، والمتوسطون فهم ثلاثة عشر فقط، يمكن أن يوجد في فتيا كل واحد منهم جزء صغير.

فهؤلاء عشرون فقط، والباقون مقلُّون جداً، فيهم من لم يرو عنه إلا فتيا في مسألة واحدة فقط، ومنهم في مسألتين وأكثر من ذلك، يجتمع من فتيا جميعهم جزء واحد، هو إلى أصغر أقرب منه الكبر، أفترى سائرهم لم يفت ولا مسألة إلا هذا والله هو الكذب البحت والإفك والبهت، ثم ما قد نص الله تعالى في قرآنه من أن طوائف من الجن أسلموا. قال: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً } وقال تعالى حاكياً عنهم أنهم قالوا: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً } وأنهم قالوا: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً } .

وصحّ عن النبي بأنه أخبر بأن وفداً من الجن أتوه وأسلموا وبايعوه وعلمهم القرآن، فصح أن منهم مسلمين صالحين راشدين من خيار الصحابة، هذا لا ينكره مسلم، ومن أنكره كفر وحلّ دمه، فيا هؤلاء هبكم جسرتم على دعوى العلم بقول عشرات ألوف من الناس من الصحابة ــــ وإن لم يبلغكم عنهم فيما ادعيتم إجماعهم عليه كلمة ــــ أتراكم يمكنكم الجسر على دعوى إجماع أولئك الصحابة من الجن على ما تدعون بظنكم الكاذب الإجماع عليه، لئن أقدمكم على ذلك القاسطون من شياطين الجن فانقدتم لهم لتضاعفن فضيحة كذبكم وليلوحن إفككم لكل صغير وكبير، ولئن ردعكم عن ذلك رادع ليبطلن دعواكم الإجماع. وهذا لا مخلص منه، فإنهم كسائر الصحابة، مأمورون منهيون، مؤمنون موعودون متوعدون، ولا فرق. فإن قالوا: إن شرائعهم غير شرائعنا قلنا: كذبتم، بل شرائعنا وشرائعهم سواء لتصديق الله تعالى لهم في قولهم: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً } والإسلام واحداً إلا ما جاء به نص صحيح بأنهم خصوا به، كما خصوا أيضاً طوائف من الناس كقريش بالإمامة، وبني عبد المطلب بالخمس من الخمس، ونحو ذلك.

ثم انقضى عصر الصحابة رضي الله عنهم، وأتى عصر التابعين، فملؤوا الأرض بلاد خراسان وهي مدن عظيمة كثيرة وقرى لا يحصيها إلا خالقها عز وجل، وكابل، وفارس، وأصبهان، والأهواز، والجبال وكرمان وسجستان ومكران، والسودان، والعراق، والموصل، والجزيرة وديار ربيعة وأرمينية وأذربيجان والحجاز واليمن والشام، ومصر والجزائر وإفريقية وبلاد البربر، وأرض الأندلس ليس فيها قرية كبيرة إلا وفيها من يفتي، ولا فيها مدينة إلا وفيها مفتون، فمن الجاهل القليل الحياء المدعي إحصاء أقوال كل مفتي في جميع هذه البلاد، مذ أفتوا إلى أن ماتوا؟ إن كل واحد يعلم ضرورة أنه كذاب آفك ضعيف الدين، قليل الحياء فبطل دعوى الإجماع كما بطل كل محال مدعي إلا حيث ذكرنا قبل فقط. فإن قالوا: إنما يقول المرء: هذا إجماع عندي فقط، قلنا: قوله هذا كلا قول لأن الإجماع عنده إذا لم يكن إجماعاً عند غيره، فمن الباطل أن يكون الشيء مجمعاً عليه عند غير مجمع عليه معاً. وأيضاً فإن قوله: هذا إجماع عندي باطل لأنه منهي عن القطع بظنه، فمعنى قوله هذا إنما هو أنه يظن إجماع، وقد مضى الكلام في المنع من القطع بالظن، وقال تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ } الآية، وقال تعالى: {هأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } .

وهذا مالك يقول في موطئه ــــ إذ ذكر وجوب ردّ اليمين على المدعي إذا نكل المدعى عليه ــــ ثم قال: هذا ما لا خوف فيه عن أحد من الناس ولا في بلد من البلدان. قال أبو محمد: وهذه عظيمة جدّاً، وإن القائلين بالمنع من رد اليمين أكثر من القائلين بردها. ونا أحمد بن محمد بن الجسور، نا وهب بن مسرة، نا ابن وضاح، نا سحنون، نا ابن القاسم قال: نا مالك: ليس كل أحد يعرف أن اليمين ترد ذكر هذا في كتاب السرقة من المدونة.

هذا الشافعي يقول في زكاة البقر: في الثلاثين تبيع، وفي الأربعين مسنة لا أعلم فيه خلافاً، وإن الخلاف في ذلك عن جابر بن عبد الله، وسعيد بن المسيب وقتادة، وعمال ابن الزبير بالمدينة، ثم عن إبراهيم النخعي، وعن أبي حنيفة: لأشهر من أن يجهله من يتعاطى العلم، إلى كثير لهم جداً من مثل هذا إلا من قال لا أعلم خلافاً، فقد صدق عن نفسه، ولا ملامة عليه، وإنما البلبلة والعار والنار على من أقدم على الكذب جهاراً، فادعى الإجماع إذ لم يعلم خلافاً.

وقد ادعوا أن الإجماع على أن القصر في أقل من ستة وأربعين ميلاً غير صحيح وبالله إن القائلين من الصحابة والتابعين بالقصر في أقل من ذلك لأكثر أضعافاً من القائلين منهم بالقصر في ستة وأربعين ميلاً ولو لم يكن لهؤلاء الجهال الذين لا علم لهم بأقوال الصحابة والتابعين، إلا الروايات عن مالك بالقصر في ستة وثلاثين ميلاً، وفي أربعين ميلاً، وفي اثنين وأربعين ميلاً، وفي خمسة وأربعين ميلاً، ثم قوله: من تأول فأفطر في ثلاثة أميال في رمضان لا يجاوزها فلا شيء عليه إلا القضاء فقط. وادعوا الإجماع على أن دية اليهودي والنصراني تجب فيها ثلث دية المسلم لا أقل، وهذا باطل. روينا عن الحسن البصري بأصح طريق أن ديتهما كدية المجوسي ثمانمائة درهم، وادعوا الإجماع أنه يقبل في القتل شاهدان. وقد روينا عن الحسن البصري بأصح طريق: أنه لا يقبل في القتل إلا أربعة كالزنى، ومثل هذا لهم كثير جدّاً، كدعواهم الإجماع على وجوب خمس من الإبل في الموضحة، وغير ذلك كثير جدّاً، ولقد أخرجنا على أبي حنيفة والشافعي ومالك مئين كثيرة من المسائل، قال فيها كل واحد منهم بقول، لا نعلم أحداً من المسلمين قاله قبله، فاعجبوا لهذا. فقالوا: إنما نقول ذلك، إذا انتشر القول في الناس فلم يحفظ عن أحد من العلماء إنكار ذلك، فحينئذ نقول: إنه إجماع لما ذكرنا من أنهم يقرون على ما ينكرون كما نقول في أصحاب مذهب الشافعي وأصحاب مذهب مالك وأصحاب مذهب أبي حنيفة، وإن لم يرو لنا ذلك عن واحد منهم، وكما نقول ذلك في أهل البلاد التي غلبت عليها الشُّبَه والروافض، والاعتزال ومذهب الخوارج، أو مذهب مالك، أو الشافعي أو أبي حنيفة، وإن لم يرو لنا ذلك عن كل واحد من أهلها.

قلنا لهم: لم تخلصوا من هذا القول الذي هو حسبكم واحد منهم في كتابكم وآخرها إلا على كذبتين زائدتين على كذبكم في دعوى الإجماع، كنتم في غنى عن اختفائهما إحداهما: قولكم إنكم تقولون ذلك إذا انتشر قول طائفة من الصحابة أو من بعدهم فقالوا ههنا: فمن هذا نسألكم من أين علمتم بانتشار ذلك القول؟ ومن أين قطعتم بأنه لم يبق صاحب من الجن والإنس إلا علمه؟ ولا يفتي في شرق الأرض ولا غربها عالم إلا وقد بلغه ذلك القول؟ فهذه أعجوبة ثانية، وسوأة من السوءات لا يجيزها إلا ممخرق يريد أن يطبق عين الشمس نصراً لتقليده، وتمشية لمقولته المنحلة عما قريب، ثم يندب حين لا تنفعها الندامة.

والكذبة الأخرى قولكم: فلم ينكروها؟ فحتى لو صح لكم أنهم كلهم علموها، فمن أين قطعتم بأنهم لم ينكروها، وأنهم رضوها؟ وهذه طامة أخرى. ونحن نوجدكم أنهم قد علموا ما أنكروا، وسكنوا عن إنكاره لبعض الأمر. نا يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود، نا أحمد بن دحيم بن خليل، نا إبراهيم بن حمادة نا إسماعيل بن إسحاق القاضي، نا علي بن عبد الله ــــ هو ابن المديني ــــ نا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، نا أبي عن محمد بن إسحاق الزهري ــــ محمد بن مسلم بن شهاب ــــ عن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود أنه وزفر بن أوس بن الحدثان أتيا عبد الله بن عباس فأخبرهما بقوله في إبطال العول وخلافه لعمر بن الخطاب في ذلك، قال، فقال له زفر: فما منعك يا ابن عباس أن تشير عليه بهذا الرأي؟ قال: هبته. نا حمام بن أحمد، نا ابن مفرج، نا ابن الأعرابي، ثنا الدبري، نا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه أن أبا أيوب الأنصاري كان يصلي قبل خلافة عمر ركعتين بعد العصر، فلما استخلف عمر تركهما، فلما توفي عمر ركعهما، قيل له، ما هذه؟ قال: إن عمر كان يضرب الناس عليهما. نا جهم، نا ابن مفرج، نا ابن الأعرابي الديري، نا عبد الرزاق، عن معمر، أخبرني هشام بن عروة، عن أبيه: أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، جاء عمر بن الخطاب بأمة سوداء كانت لحاطب، فقال: إن العتاقة أدركت وقد أصابت فاحشة وقد أحصنت، فدعاها عمر فسألها عن ذلك. فقالت: نعم من مرعوش بدرهمين، وهي حينئذ تذكر ذلك لا ترى به بأساً، فقال عمر لعليّ وعبد الرحمن وعثمان: أشيروا عليَّ، فقال علي وعبد الرحمن: نرى أن ترجمها، فقال عمر لعثمان: أشر، فقال: قد أشار عليك أخواك، قال: عزمت عليك إلا أشرت عليّ برأيك، قال: فإني لا أرى الحد إلا على من علمه، وأراها تستهل به كأنها لا ترى به بأساً، فقال عمر: صدقت والذي نفسي بيده، ما الحد إلا عمن علمه. فضربها عمر مائة وغرَّبها عاماً. وبه عبد الرزاق، نا ابن جريج، أخبرني هشام بن عروة، عن أبيه أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب حدثه، قال: توفي عبد الرحمن بن حاطب وأعتق من صلى من رقيقه وصام، وكانت له نوبية قد صلت وصامت وهي أعجمية لم تفقه، فلم يرعها إلا حبلها وكانت ثيباً فذهب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فحدثه فأرسل إليها عمر فسألها فقال: أحبلت؟ فقال: نعم من مرعوش بدرهمين، وإذا هي تستهل به لا تكتمه فصادف عنده عليّ بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف وعثمان، فقال: أشيروا عليَّ، وكان عثمان جالساً فاضطجع، فقال عليّ وعبد الرحمن: قد وقع عليها الحد، فقال عمر: أشر عليَّ يا عثمان، قال: قد أشار عليك أخواك، قال: أشر عليّ أنت. قال عثمان: أراها تستهل به كأنها لا تعلمه، وليس الحد إلا على من علمه، فأمر بها عمر فجلدت مائة وغرَّبها، ثم قال لعثمان: صدقت، والذي نفسي بيده ما الحد إلا على من علمه.

فهذا ابن عباس يخبر أنه منعته الهيبة من الإنكار على عمر فيما يقطع ابن عباس أنه الحق، ويدعو فيه إلى المباهلة عند الحجر الأسود، وهذا أبو أيوب رجل صاحب رسول الله يدعي الإنكار على عمر ضربه على الصلاة بعد العصر وبعيد ضربه، وهذا عثمان سكت وقد رأي أمراً أنكره في أشنع الأشياء وأعظمها وهو دم حرام يسفك بغير واجب، سأله عمر فتمادى على سكوته إلى أن عزم عليه وقد يسكت المرء، لأنه لم يَلُحْ لَهُ الحق، أو يسكت موافقاً ثم يبدو له وجه الحق، أو رأى آخر بعد مدة فينكر ما كان يقول ويرجع عنه، كما فعل عليّ في بيع أمهات الأولاد، وفي التخيير بعد موافقته لعمر على كلا الأمرين أو ينكر فلا يبلغنا إنكاره، ويبلغ غيرنا في أقصى المشرق وأقصى المغرب، أو أقصى اليمين، أو أقصى إرمينية. وأما تنظيركم بأهل مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة، والبلاد التي ظهر فيها وغلب عليها قول ما، فهذا أعظم حجة عليكم لأنه لا يختلف اثنان أن جمهور القائلين بمذهب رجل ممن ذكرتم لم يخلو قط من خلاف لصاحبهم في المسألة والمسألتين والمسائل وكذلك لم تخل قط البلاد المذكورة من مخالف لمذهب أهلها ولا أكثر من غلبة مذهب مالك على الأندلس وإفريقية، وقد كان طوائف علماء مخالفون له جملة، قائلون بالحديث، أو بمذهب الظاهر، أو مذهب الشافعي. وهذا أمر مشاهد في كل وقت، ولا أكثر من غلبة الإسلام على البلاد التي غلب عليها، ولله الحمد، وإن فيها مع ذلك يهود ونصارى وملحدين كثيراً جداً. فظهر فساد تنظيرهم عياناً، وعاد ما موَّهوا به مبطلاً لدعواهم، وثبت بهذا حتى لو انتشر القول وعرفه جميع العلماء، وإن في الممكن أن يخالفه جمهورهم أو بعضهم، ثم هذا عمر قد جلد التي لم يرد عليها الرجم لجهلها، وهي محصنة مائة وغرَّبها عاماً، بحضرة علي وعبد الرحمن، وعثمان، ولم ينكروا عليه ذلك فإن كان عندهم إجماعاً فيقولوا به، وليس من خصومنا الحاضرين أحد يقول بهذا، وإن كان سكوتهم ليس موافقة ولا رضى، فليتركوا هذا الأصل الفاسد المهلك في الدين لمن تعلق به، ولا بد من أحدهما بالتلاعب بدين الله عز وجل، وقد أريناهم سكوتهم رضي الله عما يقولون به، فمن الجاهل المنكر لهذا؟ حتى لو صح لهم أنهم عرفوه، فكيف وهذا لا يصح أبد الأبد على ما بيَّنا.

فإن قال قائل: فإذ هو كما قلتم، فمن أين قطعتم بالخلاف فيه وإن لم يبلغكم وهلا أنكرتم ذلك على أنفسكم كما أنكرتموه علينا إذ قلنا: إنه إجماع قلنا: نعم؟ فقلنا ذلك لبرهانين ضروريين قاطعين. أحدهما: أن الأصل من الناس وجود الاختلاف في آرائهم، لما قدمنا قبل اختلاف أغراضهم وطبائعهم، والثاني: لأن الله تعالى بذلك قضى، إذ يقول: { وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ }

فصح إن الأصل هو الاختلاف الذي أخبر تعالى أننا لا نزال عليه، والذي له خلقنا، إلا من استثنى من الأقل.

وبرهان ثالث: وهو الذي لا يسع أحداً خلافه، وهو أن ما ادعيتم فيه الإجماع بالظن الكاذب كما قدمنا، لا يخلو ضرورة من أحد وجهين لا ثالث لهما أصلاً. إما أن تدعوه في أمر موافق لنص القرآن أو السنة الثابتة المسندة، فهذا أمر لا نبالي اتفق عليه أم اختلف فيه، إنما الغرض أن يؤخذ بالنص في ذلك، سواء أجمع الناس أم اختلفوا، ولا معنى حينئذ للاحتجاج بدعوى الإجماع عليه والحجة قائمة بالنص الوارد فيه، فلا حاجة إلى القطع بالظن الكاذب في دعوى الإجماع البتة، وإما أن تدعوه في أمر لا يوافقه نص قرآن ولا سنة صحيحة مسندة بل هو مخالف لها في عمومها أو ظاهرهما، لتصححوه بدعواكم الكاذبة في أنه إجماع فهذه كبيرة من الكبائر، وقصد منكم إلى رد اليقين بالظنون، وإلى مخالفة الله تعالى ورسوله بدعوى كاذبة مفتراة، وهذا لا يحل. وإذا كان هذا القسم، فنحن نقطع حينئذ، ونثبت أنه لا بد من خلاف ثابت فيما ادعيتموه إجماعاً، لأن الله تعالى قد أعاذ أمة نبيه من الإجماع على الباطل والضلال لمخالفة القرآن وحكم رسول الله ، فأنتم لم تقتنعوا بأن كذبتم على جميع الأمة حتى نسبتم إليهم الإجماع على الخطأ في مخالفة القرآن والسنة الثابتة، وهذه من العظائم التي نعوذ بالله العظيم من مثلها، وليس ههنا قسم ثالث أصلاً، لما قد أوردنا من البراهين على أنه لا يمكن وقوع نازلة لا يكون حكمها منصوصاً في القرآن وبيان النبي إما باسمها الأعم وإما باسمها الأخص.

قال أبو محمد: واعلموا أن إقدام هؤلاء القوم، وجسرهم على معنى الإجماع، حيث وجد الاختلاف، أو حيث لم يبلغنا ولكنه ممكن أن يوجد أو مضمون أن يوجد ــــ فإنه قول خالفوا فيه الإجماع حقّاً، وما روي قط عن صاحب ولا عن تابع القطع بدعوى الإجماع حتى أتى هؤلاء الذين جعلوا الكلام في دين الله تعالى مغالبة ومجاذبة، وتحققاً بالرياسة على مقلدهم وكفى بهذا فضيحة. وأيضاً قد تيقن إجماع المسلمين على أنه لا يحل لأحد أن يقطع بظنه اليقين فيه، فهذا إجماع آخر، فقد خالفوه في هذه المسألة، نا أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي، نا ابن مفرج، نا إبراهيم بن أحمد بن فراس، نا محمد بن علي بن زيد، نا سعيد بن منصور، نا سفيان بن عيينة، عن مسعر بن كدام، عن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، قال: قال رجل لابن مسعود: أوصني بكلمات جوامع، فقال له ابن مسعود: اعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وزل مع القرآن حيث زال، ومن أتاك بحق فاقبل منه، وإن كان بعيداً بغيضاً، ومن أتاك بالباطل فاردده وإن كان قريباً حبيباً.

قال أبو محمد: هذه جوامع الحق، اتباع القرآن وفيه اتباع بيان الرسول، وأخذ الحق ممن أتى به، ولئن كان لا خير فيه، وممن يجب بغضه وإبعاده، وألا يقلد خطأ فاضل، وإن كان محبوباً واجباً تعظيمه. نا حمام بن أحمد، نا عبد الله بن محمد بن علي الباجي، نا عبد الله بن يونس المرادي، نا بقي بن مخلد، نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا معاوية بن هشام، نا سفيان ــــ هو الثوري ــــ عن جبلة بن عامر بن مطر، قال: قال لي حذيفة في كلام: فأمسك بما أنت عليه اليوم، فإنه الطريق الواضح، كيف أنت يا عامر بن مطر، إذا أخذ الناس طريقاً مع أيهما تكون؟. قال عامر فقلت له: مع القرآن، أحيا مع القرآن وأموت، قال له حذيفة: فأنت إذاً أنت. قال أبو محمد: اللهم إني أقول كما قال عامر: أكون والله مع القرآن أحيا متمسكاً به، وأموت إن شاء الله متمسكاً به، ولا أبالي بمن سلك غير طريق القرآن، ولو أنهم جميع أهل الأرض غيري. قال أبو محمد: وهذا حذيفة يأمر بترك طريق الناس، واتباع طريق القرآن إذا خالفه الناس. نا أحمد بن محمد الطلمنكي، نا ابن مفرج، نا أحمد بن فريس، نا محمد بن علي بن زيد، نا سعيد بن المنصور، نا هشيم، أخبرنا مغيرة، عن الشعبي عن عبيدة السلماني، أن عمر بن الخطاب وعليّاً أعتقا أمهات الأولاد، قال عبيدة: قال علي: فقضى بذلك عمر حتى أصيب، ثم ولي عثمان فقضى بذلك حتى أصيب فلما وليت رأيت أن أرقهن. قال أبو محمد: هذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لم يرَ حكم عمر ثم حكم عثمان ــــ المشتهر المنتشر الفاشي، والذي وافقهما عليه ــــ إجماعاً ــــ بل سارع إلى خلافه إذ أراه اجتهاده الصواب في خلافه، ولعمر الله، إن أقل من هذا بدرجات ليقطع هؤلاء المجرمون بأنه إجماع. والسند المذكور قيل إلى سعيد بن منصور، نا عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، نا عبد الملك بن سليمان، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الشعبي قال: أحرم عقيل بن أبي طالب في موردتين، فقال له عمر: خالفت الناس، فقال له علي: دعنا منك، فإنه ليس لأحد أن يعلمنا السنة. فقال له عمر: صدقت فهذا عليّ وعقيل لم ينكرا خلاف الناس، ورجع عمر عن قوله إلى ذلك إذ لم يكن ما أضافه إلى الناس سنة يجب اتباعها، بل السنة خلافه، فلا ينكر خلاف جمهور الناس للسنة. وبه إلى سعيد بن منصور، نا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء بن أبي رياح قال: قلت لابن عباس، إن الناس لا يأخذون بقولي ولا بقولك، ولو مت أنا وأنت ما اقتسموا ميراثنا على ما نقول.

قال ابن عباس: فليجتمعوا فلنضع أيدينا على الركن ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين، ما حكم الله بما قالوا. قال أبو محمد: فهذا ابن عباس بأصح إسناد عنه، لا يلتفت إلى الناس ولا إلى ما اشتهر عندهم، وانتشر من الحكم بينهم، إذا كان خلافاً لحكم الله تعالى. في مثل هذا يدعي من لا يبالي بالكذب الإجماع، وبه إلى سعيد بن منصور، نا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي زيد. أنه سمع ابن عباس يقول في قول الله عز وجل: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَـلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } قال ابن عباس: لم يؤمن بهذه الآية أكثر الناس، وإني لآمر هذه أن تستأذن علي ــــ يعني جارية له. قال أبو محمد: وهذا كالذي قبله، نا يحيى بن عبد الرحيم، نا أحمد بن دحيم، نا إبراهيم بن حماد، نا إسماعيل بن إسحاق، نا علي بن المديني، نا سفيان بن عيينة، نا مصعب بن عبد الله بن الزبير، عن أبي مليكة، عن ابن عباس. قال: أمر ليس في كتاب الله عز وجل، ولا في قضاء رسول الله ، وستجدونه في الناس كلهم ــــ ميراث الأخت مع البنت. فهذا ابن عباس لم ير الناس كلهم حجة على نفسه، في أن يحكم بما لم يجد في القرآن ولا في السنة. نا عبد الله بن يوسف، نا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب، نا أحمد بن محمد، نا محمد بن علي، نا مسلم بن الحجاج، نا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبيد بن جريج أنه قال لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن رأيتك تصنع أربعاً لم أر أحداً من الصحابة يصنعها. فقال: وما هن يا ابن جريج؟ قال: رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين، ورأيتك تلبس النعال السبتية، ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهلّ الناس إذا أروا الهلال ولم تهل أنت حتى يكون يوم التروية. فقال له ابن عمر، أما الأركان فإني لم أر رسول الله يمس إلا اليمانيين، وأما النعال السبتية، فإني رأيت رسول الله يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألبسها، وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله يصبغ بها، فأنا أحب أن أصبغ، وأما الإهلال فإني لم أر رسول الله يهلّ حتى تنبعث به راحلته.

قال أبو محمد: فهذا ابن عمر رضي الله عنه ــــ بأصح إسناد إليه ــــ لم ينكر مخالفته لجميع أصحابه فيما اقتدى فيه برسول الله ، ولا أنكر على ابن جريج إخباره بأن أصحابه يخالفونه، فصح أنه لم ير أصحابه كلهم قدوة فيما وافق وحدانية رسول الله ، وهذا هو الحق الذي لا يسع أحداً القصد إلى خلافه. قال أبو محمد: ثم هذا أبو حنيفة يقول: ما جاء عن الله تعالى فعلى الرأس والعينين، وما جاء عن رسول الله فسمعاً وطاعة، وما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم، تخيرنا من أقوالهم ولم نخرج عنهم، وما جاء عن التابعين، فهم رجال ونحن رجال، فلم ينكر عن نفسه مخالفة التابعين، وإنما لم ير الخروج عن أقوال الصحابة توقيراً لهم. وهذا مالك: يفتي بالشفعة في الثمار ويقول ــــ إثر فتياه به ــــ وإنه لشيء ما سمعته ولا بلغني أن أحداً قاله: فهذا مالك لم ير القول بما لم يسمع عن أحد قال به خلافاً للإجماع، كما يدعي هؤلاء الذين لا معنى لهم، وهذا الشافعي يقول في رسالته المصرية، ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعاً. قال حمام بن أحمد، ويحيى بن عبد الرحمن بن مسعود قال حمام: نا عباس بن أصبغ، وقال يحيى: نا أحمد بن سعيد بن حزم، ثم اتفق عباس وأحمد قالا جميعاً، نا محمد بن عبد الملك بن أيمن، نا عبد الرحمن بن حنبل، قال: سمعت أبي يقول: ما يدعي فيه الرجل الإجماع هو الكذب، من ادعى الإجماع فهو كذاب لعل الناس قد اختلفوا ما بدّ به؟ ولم ينتبه إليه فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا، دعوى بشر المريسي والأصم، ولكن يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغني ذلك. قال أبو محمد: صدق أحمد ولله دره، وبئس القدوة بشر بن عتاب المريسي، وعبد الرحمن بن كيسان الأصم، ولعمري إنهما لمن أول من هجم على هذه الدعوى، وهما المرءان يرغب قولهما، نا يوسف بن عبد الله النمري، نا عبيد الله بن محمد، نا الحسن بن سلمون، نا عبد الله بن علي بن الجارود، نا إسحاق بن منصور، قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم ــــ هو ابن راهويه وقد ذكر له قول أحمد بن حنبل في مسألة فقال إسحاق: أجاد، لقد ظننت أن أحداً لا يتابعني عليها، فهذا إسحاق لا ينكر القول بما يقع في تقديره أنه لا يتابعه أحد عليه، إذا رأى الحق فيما قاله به من ذلك.

قال أبو إسحاق: فهؤلاء الصحابة والتابعون، ثم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وداود، كلهم يوجب القول بما أداه إليه اجتهاده أنه الحق، وألا يعلم قائلاً به قبله، فبمن تعلق هؤلاء القوم؟ ليت شعري بل بالمريسي والأصم، كما قال أحمد رحمه الله.

قال أبو محمد: ولئن كان ما اشتهر من قول طائفة من الصحابة أو التابعين، ولم يعرف له خلاف ـــــ إجماعاً فيما في الأرض أشد خلافاً للإجماع ممن قلدوه دينهم مالك والشافعي، وأبي حنيفة، ولقد أخرجنا لهم مئين من المسائل ليس منها مسألة إلا ولا يعرف أحد قال بذلك القول قبل الذي قاله من هؤلاء الثلاثة فبئس ما وسموا به من قلدوه دينهم. وقد ذكر محمد بن جرير الطبري أنه وجد للشافعي أربعمائة مسألة خالف فيها الإجماع. وهكذا القول حرفاً حرفاً في أقوال ابن أبي ليلى، وسفيان والأوزاعي وزفر وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زيادة وأشهب وابن الماجشون والمزني وأبي ثور وأحمد وإسحاق وداود ومحمد بن جرير، ما منهم أحد إلا وقد صحت عنه أقوال في الفتيا لا يعلم أحد من العلماء قالها قبل ذلك القائل ممن سمينا. وأكثر ذلك فيما لا شك في انتشاره واشتهاره. ثم ليعلموا أن كل فتيا جاءت عن تابع لم يرو عن صاحب في تلك المسألة قول، فإن ذلك التابع قال فيها بقول، ولا يعرف أن أحداً قاله، فالتابعون على هذا القول الخبيث مخالفون للإجماع كلهم أو أكثرهم، ومخالف الإجماع عند هؤلاء الجهال كافر، فالتابعون على قولهم كفار، ونعوذ بالله العظيم من كل قول أدى إلى هذا. واعلموا أن الذي يدعي ويقطع بدعوى الإجماع في مثل هذا، فإنه من أجهل الناس بأقوال الناس واختلافهم. وحسبنا الله ونعم الوكيل، فظهر كذب من ادعى أن ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع، وبالله تعالى التوفيق.

وأعجب شيء في الدنيا أنهم يدعون في مثله هذا أنه إجماع، ثم يأتون إلى الإجماع الصحيح المقطوع به المتيقن، فيخالفونه جهاراً، وهو: أنه لا شك عند أحد من أهل العلم أنه لم يكن قط في عصر الصحابة رضي الله عنهم أحد أتى إلى قول صاحب أكبر منه، فأخذ به كله، ورد لقوله نصوص القرآن وكلام رسول الله ، وجعل يحتال لنصره بكل ما أمكنه من حق أو باطل أو مناقضة. ثم لا شك عند أحد من أهل العلم في أنه لم يكن قط في عصر التابعين أحد أتى إلى قول تابع أكبر منه، أو إلى قول صاحب فأخذ به كله، كما ذكرنا، ثم لا خلاف بين أحد من أهل العلم في أنه لم يكن في القرن الثالث أحد أتى إلى قول تابع، أو قول صاحب فأخذ به كله، فهذا الإجماع المقطوع به المتيقن في ثلاثة أعصار متصلة، ثم هي الأعصار المحمودة، قد خالفها المقلدون الآخذون بأقوال أبي حنيفة فقط، أو بأقوال مالك فقط، أو بأقوال الشافعي فقط، وهو عمل محدث، مخالف للإجماع الصحيح، فلهذا أعجبوا فهو مكان العجب حقّاً أن يخالفوا الإجماع المتيقن جهاراً، ثم يدعون الإجماع حيث لا إجماع، ونعوذ بالله العظيم من الضلال.

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الرابع

في أقل الجمع | في الاستثناء | في الكناية بالضمير | في الإشارة | في المجاز والتشبيه | فصل في التشبيه | في أفعال رسول الله | الكلام في النسخ | فصل في الأوامر في نسخها وإثباتها | فصل في قول الله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيةٍ | فصل في اختلاف الناس على النسخ | فصل في تشكيك قوم في معاني النسخ | فصل في إمكان النسخ ثم إيجابه ثم امتناعه | فصل هل يجوز نسخ الناسخ ؟ | فصل في مناقل النسخ | فصل في آية ينسخ بعضها، ما حكم سائرها ؟ | فصل لا يضر كون الآية المنسوخة متقدمة في الترتيب | فصل في نسخ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف | فصل في نسخ الفعل بالأمر والأمر بالفعل | فصل في متى يقع النسخ عمن بعد عن موضع نزول الوحي | فصل في النسخ بالإجماع | فصل في رد المؤلف على من أجاز نسخ القرآن والسنة بالقياس | في المتشابه من القرآن والفرق بينه وبين المتشابه في الأحكام | في الإجماع، وعن أي شيء يكون الإجماع وكيف ينقل الإجماع | فصل في اختلاف الناس في وجوه من الإجماع | فصل ذكر الكلام في الإجماع إجماع من هو | فصل في ما إذا اختلف أهل عصر ما في مسألة ما | فصل في اختلاف أهل عصر ما ثم إجماع أهل عصر ثان | فصل في من قال إن افترق أهل عصر على أقوال كثيرة | فصل فيمن قال: ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع | فصل في من قال بأن خلاف الواحد من الصحابة أو ممن بعدهم لا يعد خلافاً | فصل في قول من قال: قول الأكثر هو الإجماع ولا يعتد بقول الأقل | فصل في إبطال قول من قال: الإجماع هو إجماع أهل المدينة | فصل فيمن قال إن الإجماع هو إجماع أهل الكوفة | إن قول الواحد من الصحابة إذا لم يعرف له مخالف فهو إجماع | فصل في من قال ليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة | فصل في معنًى نسبوه إلى الإجماع | فصل واختلفوا: هل يدخل أهل الأهواء أم لا ؟