50%

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الرابع/الباب الخامس عشر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام في الاستثناء
المؤلف: ابن حزم


قال علي: قد بيَّنا في باب الأخبار وفي باب العموم والخصوص كيفية الاستثناء، ونحن الآن متكلمون ـــــ إن شاء الله عز وجل بتأييده لنا ـــــ في ماهية الاستثناء وأنواعه، فنقول وبالله تعالى التوفيق: إن الاستثناء هو تخصيص بعض الشيء من جملته، أو إخراج شيء ما مما أدخلت فيه شيء آخر، إلا أن النحويين اعتادوا أن يسموا بالاستثناء ما كان من ذلك بلفظ: حاشا، وخلا، وإلا، وما لم يكن، وما عدا، وما سوى، وأن يجعلوا ما كان خبراً من خبر كقولك: اقتل القوم ودع زيداً، مسمى باسم التخصيص لا استثناء، وهما في الحقيقة سواء على ما قدّمنا. قال علي: واختلفوا في نحو من أنحاء الاستثناء، فقالت طائفة: لا يجوز أن يستثنى الشيء من غير جنسه أو نوعه المخبر عنه، وقالت طائفة: جائز أن يستثنى الشيء من غير جنس أو المخبر عنه، وبكلا هذين القولين قالت طوائف من أصحابنا الظاهرين، ومن إخواننا القياسيين. قال علي: ونحن نقول: إن استثناء الشيء من غير جنسه ونوعه المخبر عنه جائز، واسمه في العربية عند النحويين الاستثناء المنقطع، وهو حينئذ ابتداء خبر آخر كقائل قال: أتاني المسلمون إلا اليهود، فهذا جائز كأنه قال: إلا اليهود فإنهم لم يأتوني، وهذا لا ينكره نحوي ولا لغوي أصلاً، إذا كان على الوجه الذي ذكرناه. قال علي: والبرهان القاطع في ذلك قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ } ، وقال تعالى: {وَإِذَا قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً } فلم يدع تعالى للشك ههنا مجالاً إلا بينه، وأخبر أن إبليس كان من الجن، وقد حمل التهور قوماً راموا نصر مذهبهم ههنا فقالوا: إن الملائكة يسمون جنّاً لاجتنانهم. قال علي: وهذا قول فاحش من وجوه، أحدها وأوضحها قول الله عز وجل، إذ سأل الملائكة: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ } فقالت الملائكة: {قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ } ففرق تعالى بين الملائكة والجن فرقاً كما ترى، والوجه الثاني إخباره عليه السلام: «إِنَّ المَلاَئِكَةَ خُلِقَتْ مِنْ نُورٍ، وَالجِنَّ خُلِقَتْ مِنْ نَارٍ» ، ففرق بين النوعين فرقاً من خالفه كفر.

حدثنا عبد الله بن يوسف، عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب بن عيسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم بن الحجاج، عن عبد الله بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله : «خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ» . والثالث إجماع الأمة على أن من سمى جبريل أو ميكائيل جنيّاً فقد كفر، فقد ظهر بطلان هذا القول الفاسد، وكان أقصى ما احتج له القائلون به أن قالوا: الاجتنان هو الاستتار، ومن ذلك يسمى المجن مجنّاً، والجنة جنة، فالملائكة والجن مستترون عنا فهم جن. قال علي: وهذا هذيان لبعض أهل اللغة، وفي كل قوم جنون، فلو أن عاكساً عكس عليهم فقال: ما اشتق الاجتنان الذي هو الاستتار إلا من الجن، بماذا كانوا ينفصلون؟ وأيضاً فيقال لهم: حتى لو صحّ قولكم: إن الجن اشتقوا من الاجتنان فمن أي شيء اشتق الاجتنان؟ فإن جروا هكذا إلى غير غاية، وهذا يوجب أشياء موجودات لا أوائل لها، ولا نهاية لعددها، وهذا محال ممتنع، وموافقة أهل الكفر، وإن قالوا: ليس للفظ الذي اشتق منه اشتقاق، قيل لهم: فما الذي جعل تلك اللفظة بأن تكون مبتدأة أولى من هذه الثانية. وقد سقط في هذا كبار النحويين منهم أبو جعفر النحاس: فإنه ألَّف كتاباً في اشتقاق أسماء الله عز وجل ــــــ تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، وهذا يلزمهم القول بحدوث أسماء الله عز وجل، لأن كل شيء مشتق فهو مأخوذ مما اشتق منه، وكل مأخوذ فقد كان قبل أن يوجد غير مأخوذ، فقد كانت الأسماء على أصلهم غير موجودة، والكلام ههنا يطول ويتشعب، ويخرجنا عن غرض كتابنا، وأسماء الله عز وجل إنما هي أسماء أعلام كقولك زيد وعمرو، والمراد بها الله تعالى الذي لم يزل وحده لا شريك له ولا يزال خالق كل شيء لا إله إلا هو رب العرش العظيم، وأما الأصوات المسموعة المعبر بها فمخلوقة لم تكن ثم كانت. ومنهم أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، فإنه قال في نوادره: «العشقة نبت يخضر ثم يصفر ثم يهيج ومنه سمي العاشق عاشقاً» أو ما علم هذا الرجل أن كل نبت في الأرض فهذه صفته، فهلا يسمى العاشق باقلاً مشتقاً من البقل الذي يخضر، ثم يصفر، ثم يهيج، فإن ركب هذا الطريق اتسع له جداً، وأخرجه ذلك إلى بعض خرق من أدركناه من أهل الجنون، وأدخله في باب المضاحك والمطايب والمجون.

والذي نعتقد ونقول ونقطع على صحته، أن الاشتقاق كله باطل حاشا أسماء الفاعلين من أفعالهم فقط، وأسماء الموصوفين المأخوذة من صفاتهم الجسمانية والنفسانية، وهذا أيضاً لا ندري هل أخذت الأسماء من الصفات، أو أخذت الصفات من الأسماء؟ إلا أننا نوقن أن أحدهما أخذ من صاحبه، مثل ضارب من الضرب، ومثل آكل من الأكل، ومثل أبيض من البياض وغضبان من الغضب، وما أشبه ذلك. وأما سائر الأسماء الواقعة على الأجناس والأنواع كلها، فلا اشتقاق لها أصلاً، وليس بعضها قبل بعض، بل كلها معاً، وقد كنت أجري في هذا مع شيخنا أبي عبده حسان بن مالك رحمه الله، وكان أذكر من لقينا للغة مع شدة عنايته بها، وثقته وتحريه في نقلها، فكان يقول لي: قد قال بهذا الذي تذهب إليه كثير من أهل اللغة قديم وسماه لي، وشككت الآن في اسمه لبعد العهد وأظن أنه نفطويه. وكيف يسوغ لذي عقل أن يسمي الملائكة جنّاً، وهو يسمع قول الله عز وجل: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَـكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } وما علمنا مسلماً يقول: إن أحداً من الملائكة يدخل جهنم، وقد قال تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَـهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} أفتراه تعالى أمر نبيه بأن يستعيذ من شر الملائكة؟ هذا ما لا يظنه ذو عقل، وقد اعترض على بعض من كلمني في هذا المعنى بقوله تعالى: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } وقال: إنهم كانوا يقولون الملائكة بنات الرحمن.

قال علي: وهذا ليس بشي، لأنه قد روي عن ابن عباس أن قريشاً كانت تقول: سروات الجن هم بنات الرحمن، فإنما عنى تعالى الجن على الحقيقة في هذا المكان لا الملائكة، ونسأل من ذهب إلى هذا، أيجوز أن يقول قائل، والجن حافون من حول العرش؟ وهذا ما لا يجيزه مسلم، وقد أخبر تعالى أن الجن عن السمع لمعزولون، ودون السماء بالشهب مقذوفون، وأن الملائكة بخلاف ذلك، ويلزم من سمى الجن جنّاً من أجل اجتنانهم أن يسمي دماغه جنيّاً ويسمي مصيره جنيّاً، لأن كل ذلك مجتن، وقد اعترض بعضهم بأن إبليس دخل مع الملائكة في الأمر بالسجود لآدم .

قال علي: وهذا باطل لأن اللـه تعالى أخبر أنه كان من الجن، ولا تدخل الجن مع الملائكة فيما خصت به الملائكة، فلا بد أنه تعالى أمر إبليس أيضاً بالسجود، وقد جاء النص بذلك فقال تعالى: {قَالَ يإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } فقد أيقنا أن اللـه تعالى أمره بالسجود كما أمر الملائكة، فقد وجدنا اللـه تعالى استثنى إبليس من غير نوعه، فلا مجال للشك في هذا المعنى بعد هذا، ووجدناه تعالى قد قال أيضاً: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } أي لكن خطأ، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } . وقال تعالى: {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ } فاستثنى عز وجل الموتة الأولى وليست الموتة فيما يذاق أصلاً في الجنة واستثنى تعالى التجارة ــــــ وهي حق ـــــ من الباطل واستثنى تعالى الخطأ من القتل المحرم، وليس المخطىء قاتلاً من العمد الحرم، واستثنى تعالى القول الطيب سلاماً سلاماً من قول الإثم، ومن هذا الباب لا إلـه إلا اللـه، واستثنى اللـه تعالى من جملة الآلـهة التي عبدها من سوانا وليس تعالى من جنسها ولا نوعها، ولا لـه عز وجل نوع ولا جنس أصلاً، وقد قال تعالى: {وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى } وقال النابغة الذبياني: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهنَّ فلول من قراع الكتائب فاستثنى الفخر من المعائب، وقال أيضاً: وقفت فيها أُصَيلانا أسائلـها عيَّت جواباً وما بالربع من أحد إلا الأواريّ لأياً ما أبينها والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد فاستثنى الأثافي والنؤى من الأحدين، وقال آخر: وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس وقال تعالى: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً * إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً } فاستثنى عز وجل رحمته من الوكيل عليه الذي لا سبيل إليه، فأي شيء قالـه من أبى استثناء الشيء من غير جنسه في هذه الآيات وفي هذه الآي، فهو قولنا، وهو أنه استثناء منقطع، وعطف خبر على خبر، بمعنى لكن، أو حتى، وقد صحّ بلا ضرورة أن يخبر بخبر إيجاب عن واحد، وبخبر نفي عن آخر، ولا فرق بين أن يرد أحد الخبرين على الآخر بحرف العطف، وبين أن يرد بحرف الاستثناء، وقد جاء كل ذلك كما ذكرنا وباللـه تعالى التوفيق.

فصل من الاستثناء

قال علي: واختلفوا في نوع من أنواع الاستثناء، وهو أن يستثنى من الجملة أكثرها، ويبقى الأقل، فأجازه قوم وهو قول جميع أصحابنا أهل الظاهر، وبه نأخذ، وبه قال جمهور الشافعيين، وأباه قوم وهو قول جمهور المالكيين، ولا نعلم لهؤلاء القوم حجة أصلاً في المنع من ذلك إلا أن يقول بعضهم: إنكم قد وافقتمونا على جواز استثناء، ولا نوافقكم على جواز استثناء الأكثر. قال علي: وهذه حجة إنما تصح فيما لا نص فيه، أو فيما لم يقم عليه برهان، وأما كل ما قام فيه برهان عقلي أو شرعي فلا نبالي من وافقنا فيه، ولا من خالفنا، وقد قامت البراهين على جواز استثناء الأكثر من جملة لا يبقى منها بعد ذلك إلا الأقل، قال الله عز وجل: {قُمِ الْلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً } فأبدل تعالى النصف من القليل، وهو بدل البيان، ولم يختلف قط أحد أنه لم يفرض عليه قيام الليل كله، وإنما فرض عليه القيام في الليل، وهذا البدل يحل محل المبدل منه فالمفهوم أنه قال تعالى: قم الليل إلا نصفه، ثم زادنا الله تعالى فائدة عظيمة، وهي أن النصف قليل بالإضافة إلى الكل.

قال علي: فإن قال قائل: كيف تحتجون بهذا وأنتم تقولون إن قيام أكثر من ثلث الليل لا يجوز؟ لقول النبي : «إِنَّهُ لا قِيَامَ فَوْقَ داودَ، وَكَانَ يَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلِ بَعْدَ أَنْ يَنَامَ نِصْفَهُ ثُمَّ يَنامُ سُدُسَهُ» ؟ قيل له وبالله تعالى التوفيق: معنى قوله تعالى: {نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً } إنما هو ــــــ والله أعلم ـــــ إعلام بوقت القيام لا بمقدار القيام، ليتفق معنى الآية والحديث، فكل من عند الله تعالى وما كان من عنده تعالى فلا اختلاف فيه. قال الله عز وجل: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً } فصح أن معنى قوله تعالى: {قُمِ الْلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً } قم في الليل إلا في قليل في نصفه.

وهكذا قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ الْلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَلَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُواُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } إنما معناه في أدنى، وقوله تعالى: {كَانُواْ قَلِيلاً مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } مع نهيه على لسان نبيه عن قيام أكثر من ثلث الليل، بيان أن الثلثين قبل الإضافة إلى الكل، لأنهم كانوا يهجعون قليلاً وهو الثلثان.

ويخرج أيضاً على أن ما ههنا جحد محقق، فيكون معناه: كانوا ما يهجعون قليلاً من الليل وهو الثلث فأقل، فيكون هذا أيضاً حسناً موافقاً لما صحّ عن النبي في قيام الثلث، وكلا القولين متفق، لأنه إذا هجع الثلثين وقام الثلث، فإن الثلثين قليل بالإضافة إلى الكل، والثلث أيضاً كذلك، وبالله تعالى التوفيق. فإن اعترض معترض بقول رسول الله : «الثُّلُثُ كَثِيرٌ» قيل له صدق رسول الله ، الثلث كثير بالإضافة إلى ما هو أقل منه، وهكذا كل عدد من العالم فألف ألف كثيراً بالإضافة إلى عشرة آلاف، وألف ألف قليل بالإضافة إلى عشرة آلاف ألف. قال علي: ونقدر أن الذي أقحم هؤلاء القوم في هذه الورطة، تجويزهم للمحتبس استثناء أقل من الثلث، ولم يجوزوا له استثناء الأكثر من ذلك، فقادهم الخطأ إلى ما هو أشد خطأ منه، وإن أولى الناس بالتقنع إذا ذكر هذا الحديث الذي اعترضوا به من قول رسول الله : «الثُّلُثُ كَثِيرٌ» فالمالكيون، لأنهم يجعلون الثلث كثيراً في الاستثناء من الحبس كما ذكرنا. ثم يجعلونه في حكم المرأة ذات الزوج في مالها قليلاً، فيجوزون لها الثلث دون رأي زوجها، ويمنعونها من أكثر من الثلث إلا برأيه، ثم يجعلون الثلث كثيراً في الجائحة إذا أصابت من الثمرة ثلثها فصاعداً، ويجعلون ما دون الثلث قليلاً لا حكم له، ثم يجعلون الثلث قليلاً في استثناء البائع من حائطه المبيع، أو زرعه المبيع مكيلة تبلغ الثلث فأقل، ويجعلون ما زاد على الثلث في ذلك كثيراً ممنوعاً. ثم يجعلون الثلث كثيراً في الشاة تباع، ويستثنى منها أرطال فمنعوا من ذلك إن كانت الأرطال مقدار الثلث، وأجازوه إن كانت أقل من الثلث، ثم يجعلون الثلث قليلاً في الدار تكترى وفيها نخل لم يظهر بعد فيه ثمرة، أو ظهرت ولم يبد صلاحها، فأجازوا دخول تلك الثمرة في الكراء. قالوا: فإن كانت أكثر من الثلث لم يجز ذلك ويجعلون العشر قليلاً وما زاد عليه كثيراً، فيمن أمر آخر أن يشتري له جارية بثلاثين، فاشترى له جارية بثلاثة وثلاثين، قالوا: هي لازمة للآمر. فإن كان أكثر فهي غير لازمة للآمر، وقد قالوا أيضاً: إن ما زاد على نصف العشر كثير، فيمن أمر آخر أن يشتري له عبداً بمائة دينار، فاشتراه له بمائة وخمسة دنانير، أنه يلزمه ولا يلزمه إن اشتراه بأكثر، ومرة يجعلون النصف قليلاً، فيمن كان له عند آخر ديناراً فصارفه في نصفه بدراهم، فأخذ بالنصف الثاني طعاماً، أن ذلك جائز، فإن صارفه بأكثر من النصف وأخذ بالباقي لم يجز ذلك، لأنه كثير.

وقالوا: من ابتاع سلعاً فوجد بعضها فاسدة، لا يجوز بيعها كشاة ميتة بين مذكيات ونحو ذلك، فإن كان وجه الصفقة والذي يرجى فيه الربح، فسخت الصفقة كلها، وإن كان أقل من ذلك فسخ الحرام ونفذ العقد في الحلال، وحدوا الكثير في ذلك بالسبعين من المائة، فجعلوا ما دون الثلاثة الأرباع قليلاً، وجعلوا نقص النصف من الأذن والذنب مانعاً من جواز التضحية. ونرجح في الثلث فما فوقه إلى النصف، ثم يجعلون الثلث قليلاً، في الحلي والسيف، والمصحف يكون فيه فضة تقع في ذلك قيمته ما هي فيه، فيجيزون بيعه كله أو بعضه، أو يكون فيه ذهب يقع في ثلث قيمة ما هو فيه، فيباع بالذهب. قالوا: فإن كان مقدار ذلك أكثر من الثلث مما هو فيه، لم يجز بيعه إن كان فضة بفضة أصلاً، وإن كان ذهباً بذهب أصلاً، قالوا: والسكين بخلاف الحلي والسيف المصحف في ذلك. قال علي: فمرة كما ترى يجعلونه الثلث قليلاً، ومرة يجعلونه كثيراً، ومرة يجعلون النصف قليلاً، ومرة يجعلون ما زاد على العشر كثيراً، تحكماً بآرائهم الفاسدة بلا دليل، وإن سماع هذه القضايا الفاسدة التي لم يأذن بها الله عز وجل لعبرة لمن اعتبر، وآية لمن تفكر، والعجب يتضاعف من قوم قبلوا ذلك ودانوا به كما ترى وتركوا له دلائل القرآن والسنة ونصوصهما، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

قال علي: وقد جاء في نص القرآن استثناء الأكثر من جملة يبقى منها الأقل بعد ذلك، فبطل كلام كل من خالفه، قال الله عز وجل لإبليس: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ } وقد أخبر رسول الله أنَّا في الأمم التي تدخل النار، كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، وأنه عليه السلام يرجو أن يكون نصف أهل الجنة، وأن بعث أهل النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون للنار، واحد إلى الجنة، هذا حكم جميع ولد آدم عليه السلام، ويكفي من ذلك قوله تعالى: {وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } ، فقد استثنى الغاوين من جملة الناس وهم أكثر الناس، فاستثنى كما ترى ألفاً غير واحد من ألف. قال علي: وأيضاً فإن الاستثناء إنما هو إخراج للشيء المستثنى، مما أخبر به المخبر عن الجملة المستثنى منها، ولا فرق بين إخراجك من ذلك الأكثر، وبين إخراجك الأقل، وكل ذلك خبر يخبر به، فالخبر جائز عن الأكثر كجوازه عن الأقل، ولا يمنع من ذلك إلا وقاح معاند أو جاهل، وأيضاً فلا شك بضرورة التمييز أن عشرة آلاف أكثر من عشرة آلاف حاشا واحداً، فإذا كان ذلك فعشرة آلاف غير واحد قليل بالإضافة إلى عشرة آلاف كاملة، وإذا كان ذلك فاستثناء القليل من الكثير جائز لا تمانع فيه.

وأيضاً فإنه لا فرق بين قول القائل ألف غير تسعمائة وتسعة وتسعين، وبين قوله، واحد، ولا فرق بين قول القائل: سبعمائة وثلاثمائة، وبين قوله: ألف، وهذا كله من المتلائمات وهي ألفاظ مختلفة معناها واحد، وإذا كان ذلك فلا فرق بين استثناء ثلاثمائة من ألف لأنها بعض الألف، وبين استثناء تسعة وتسعمائة وتسعين من الألف أيضاً لأنها بعض الألف ولا فرق. فإن قال قائل: إن ربك ألف غير تسعمائة وتسعة وتسعين إذا كان ذلك بمعنى واحد، قيل له وبالله تعالى التوفيق: لو عقلت معنى تسمية ربك تعالى لم تسمنا هذا، ونحن لا يحل عندنا أن نقول: إن الله تعالى فرد ولا أنه فذ، ولا نقول إلا واحد وِتْر كما جاء النص فقط، لأن كل ذلك تسمية، ولا يحل تسمية الباري تعالى بغير ما سمى به نفسه، ومن فعل ذلك فقد ألحد في أسمائه، وهو تعالى ليس عدداً وإنما يسمى ما دونه واحداً على المجاز وإلا فليس في العالم واحد أصلاً، لأن الواحد الذي لا يتكثر البتة، وليس هذا في العالم البتة حاشا الله تعالى وحده، وبالله تعالى التوفيق. فإن قال قائل: فأخر استثناء الجملة كلها، قيل له: هذا لا يجوز، لأنه كان يتكون أحد الخبرين مبطلاً للآخر، ومكذِّباً له كله، لأنه إذا قال: أتاني إخوتك إلا إخوتك كأن قد قال: إتاني إخوتك لم يأتني إخوتك، وهذا تناقض وتكاذب وخلف من الكلام، ومحال لا يجوز أصلاً، وليس هذا المحال موجوداً في استثناء الأكثر من جملة يبقى منها الأقل، ولا في استثناء الشيء من غير جنسه، ألا ترى أنك إذا قلت: أتاني إخوتك، ولم يأتني بنو عمك، وأتاني إخوتك، ولم يأتوني كلهم لكن بعضهم، فهذان الخبران صدق إذا صدق فيهما، والإخبار بهما صحيح حسن، فهذا فرق ما بين استثناء الجملة كلها وبين استثناء أكثرها، واستثناء الشيء من غير جنسه. وقد قال قائلون: إن من لفظ بعموم في خبره، فلا بد له أن يبقي ـــــ إن استثنى من جنس تلك الجملة ـــــ ما يقع عليه اسم عموم، ولم يجوزوا أن يقول القائل: أتاني إخوتك، لم يأتني كلهم ولكن أتاني واحد منهم، وقالوا: إن الآتي ليس إخوة ولكنه أخ، فلا يستثنى إلا بأن يبقى ثلاثة فصاعداً.

قال علي: وهذا لا معنى له، لأن ألف سنة ليس مطابقاً لتسعمائة، فإن قال: هو مطابق لتسعمائة وخمسين، قيل له: ومجيء الأخ الواحد مطابق لعدم مجيء جميعهم حاشاه ولا فرق، فإن قال قائل: فإذاً لا تجوزون استثناء الجملة كلها، فكيف قلتم، إن من قال: لفلان عندي مائة دينار إلا عبداً قيمته مائة دينار، أو قال: لفلان عندي مائة دينار إلا مائة دينار. إن هذا الإقرار لا يحكم عليه بشيء منه ولا يقضى لذلك لفلان عليه بشيء، قيل له وبالله تعالى التوفيق: وهذا موافق لأصلنا، لأنه لما كان استثناء جميع الجملة محالاً، وكان الناطق بذلك ناطقاً بمحال لا يجوز، فكان كلامه ذلك باطلاً، وإقراره فاسداً، والإقرار لا يجوز إلا صحيحاً مجرداً من كل ما يبطله، فلذلك لم نحكم عليه بهذا الإقرار، لأنه متناقض، وقد وافقنا خصومنا في ذلك على أن رجلاً لو قال بحضرة عدول: إني زنيت الساعة أمامكم بامرأة كانت معنا، وقتلت الساعة بحضرتكم رجلاً مسلماً حرام الدم بلا سبب، وكذلك لو قال: رفعت رجلاً مسلماً إلى السحاب ثم أرسلته فسقط في البحر فمات، أو قال: أخذت عصا موسى عليه السلام وطعنت بها رجلاً فقتلته، فإنه لا يؤخذ بشيء من ذلك، ولا يحكم عليه إلا بالهوس والجنون، ولا فرق بين ما ذكرنا وبين ما حكمنا نحن به من إسقاط كل إقرار فاسد متناقض يسقط آخره أوله ويبطله، ولا فرق بين إسقاط بعض الجملة المقر بها الاستثناء، وبين إسقاط جميعها بالتناقض أو بذكر البراء منها، وبالله تعالى التوفيق.

فصل من الاستثناء

قال علي: وإذا وردت أشياء معطوفات بعضها على بعض، ثم جاء الاستثناء في آخرها فإن لم يكن في الكلام نص بيان على أن ذلك الاستثناء مردود على بعضها دون بعض، فواجب محله على أنه مردود على جميعها، والبرهان على ذلك: أنه ليس بعضها أولى بها من بعض، فإن قال قائل: فهلا قلتم: إنه مردود عن أقربها منه، لأن الألفاظ التي تقدمت قد حصلت على عمومها، فواجب ألا ينتقل عنه إلا بنص أو إجماع، فالجواب وبالله تعالى التوفيق: إن كل ألفاظ جمعت في حكم واحد فلم يكمل بعد أمرها حتى ينقضي الكلام، فإذا جاء بعقبها استثناء فقد صح الاستثناء يقيناً، وإذا صحّ يقيناً فقد حصل التخصيص بالنص، وصار الاقتصار به على بعض ما قبله دون بعض دعوى مجردة لا دليل عليه، فإن قال قائل: فإن ردّه على أقرب ما يليه يقين، ورده على كل ما قبله شك، قيل له وبالله تعالى التوفيق: ليس شكّاً إذا قام الدليل على صحته، بل هو يقين، وأيضاً فظاهر اللفظ ردّه على كل ما قبله، وتخصيص الظاهر بلا دليل لا يجوز.

قال علي: وكذلك نقول في آية القذف في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } راجع إلى كل ما تقدم، ومسقط للفسق عنهم، وموجب لقبول شهادتهم، فإن قال قائل: فهلا أسقطتم به الحد، قلنا: منع من ذلك قول النبي لقاذف امرأته: «البَيّنَةُ وَإِلاَّ فَحَدٌّ في ظَهْرِكَ» ، لأنه عليه السلام لم يسقط الحد إلا ببينة لا بالتوبة، وقد حد حمله ومسطحاً في قذفهم عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، ولا شك في توبتهم حين نزول الآية ببراءتها، ولو لم يتوبوا لارتدوا وكفروا ولحلت دماؤهم، فصح أنهم حدُّوا بعد يقين توبتهم. وكذلك قلنا في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ } . فلولا بيان الاستثناء أنه مردود إلى الأهل فقط، لسقطت به الرقبة ولكن لا حق للأهل في الرقبة ولا صدقة لهم فيها، وقد قال تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } .

وكذلك قلنا في قوله عز وجل: {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً } فهذا الاستثناء مردود على المخاطبين أنفسهم، وهذا القليل عندنا مستثنى من الفضل والرحمة، لا من اتباع الشيطان، والآية على ظاهرها دون تكلف تأويل، ومعناها: أن الله رحمكم وتفضل عليكم حاشا قليلاً منكم لم يرحمهم ولا تفضل عليهم، وهم الكفار منكم والمنافقون الذين فيكم، فلم تتبعوا الشيطان بفضل الله تعالى ورحمته، وأما الذين لم يتفضل الله عليهم ولا رحمهم فاتبعوا الشيطان، وهذا الذي قلنا هو العيان المشهود والنص المسموع، فإن الأقل من المخاطبين الحاضرين مع الصحابة رضي الله عنهم كانوا منافقين خارجين عن الفضل والرحمة، متبعين الشيطان فهم القليل المستثنون بقوله تعالى: {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً } واستثنوا من جملة المتفضل عليهم والمرجومين والممتنعين بذلك من اتباع الشيطان، فهو راجع على كل من ذكر في الآية، وبالله تعالى التوفيق.

وللناس في هذه الآية أقوال فقوم قالوا: هذا الاستثناء راجع إلى قوله تعالى: {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً } {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً } .

قال علي: وهذا خطأ، لأن ردّ الاستثناء إلى أبعد مذكور دعوى ساقطة فاسدة لم يقل بها قط أحد من النحويين وأهل اللغة الذين إليهم يُرجع في مثل هذا، وإنما الناس على قولين كما قدمنا، قوم قالوا: الاستثناء مردود إلى أقرب مذكور، وقوم قالوا: إلى الجملة كلها، فإن وجد استثناء راجع إلى أبعد مذكور فلا يحمل غيره على حكمه، لأنه بمنزلة ما خرج عن معهود أصله، وكلفظ نقل عن موضوعه وقال بعضهم: {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً } راجع إلى قوله تعالى: {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً } أي أذاعوا به إلا قليلاً.

قال علي: ويبطل قول هؤلاء بما بطل به قول من ذكرنا قبلهم ولا فرق، وقال بعضهم: فضل الله ورحمته المذكوران في الآية هما: محمد والقرآن أي لولاهما لكنتم كفاراً متبعين الشيطان إلا قليلاً ممن هديناه قبل ذلك كزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة. قال علي: وهذا تأويل فاسد النية، لأن زيداً وقسّاً لولا فضل الله ورحمته لهما لاتبعا الشيطان، والاستثناء إنما هو مخرج لما استثنى من جملة ما استثنى منه، فلا يجوز أن يكون هذا الاستثناء إلا من الفضل والرحمة والامتناع من اتباع الشيطان، الذي ذكر كل ذلك في الآية، وبالله تعالى التوفيق.

قال علي: وحتى لو لم يجز في الاستثناء إلا رده إلى أقرب مذكور، لما كان في ذلك ما يوجب ألا نقبل شهادة القاذف إذا تاب، لأن الفسق مرتفع عنه بالتوبة بنص الآية بإجماع الأمة، وإذا ارتفع الفسق ثبتت العدالة ضرورة، لأنه ليس في العالم من المخاطبين إلا فاسق أو عدل، وإذا ثبتت العدالة وجب قبول الشهادة لقوله تعالى: {جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً رِّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ } فحرام علينا ألا نرضى عمن رضي الله عنه، وإذا كان حراماً علينا، ففرضنا الرضا عنه، وإذا كان الرضا عنه فرضاً ففرض علينا قبول شهادته، لأنه ممن نرضى من الشهداء بنص القرآن في إيجاب شهادة {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُواْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فقد صحّ أن سقوط الفسق عنه موجب لقبول شهادته.

والعجب من أصحاب أبي حنيفة في تركهم ظاهر الآية وميلهم إلى رأيهم الفاسد، فإن نص الآية إنما يوجب ألا تقبل شهادته بنص القذف، وليس في ذلك أن شهادته لا تسقط إلا بعد أن يحد، وقالوا هم: إن شهادته لا تسقط إلا أن يحد، فزادوا في رأيهم ما ليس في القرآن، وخالفوا الآية في كل حال فقبلوا شهادته أفسق ما كان قبل أن يحد وردَّوها بعد أن ظهر الحد، وقد أخبر عليه السلام في كثير من الحدود أن إقامتها كفارة لفاعليها، وهم أهل القياس بزعمهم، فهلا قاسوا المحدود في القذف على المحدود في السرقة والزنى، وقد شاركهم المالكيون في بعض ذلك، فردوا شهادة المحدود فيما حدّ فيه وأجازوها فيما لم يحد فيه، وهذا كله افتراء على الله لم يأذن به، وحكم في الدين بغير نص. وبالله تعالى التوفيق. قال علي: وكذلك قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } إلى قوله تعالى: فإن الاستثناء الذي في آخرها راجع بإجماع إلى كل ما تقدم.

قال علي: والاشتراط هو معنى الاستثناء في كل ما قلنا من ذلك قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فهذا كما تراه استثناء صحيح لمن خشي العنت مع كل ما تقدم من الشروط دون ذكر من لم يخش العنت، وكذلك قوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } في كفارات الأيمان فكان هذا الشرط عن عدم كل مذكور في الآية من رقبة وكسوة وإطعام لا على أقرب مذكور فيها.

وكذلك قوله تعالى في آية المحاربة: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فكان ذلك راجعاً على سقوط كل ما ذكر في الآية من قتل وصلب ونفي وقطع وخزي وعذاب، لا على بعض ذلك دون بعض بإجماع. فإن اعترض معترض بقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } وأننا نقول إنه راجع إلى أقرب مذكور.

قال علي: وإنما وجب ذلك لضرورة بينة في تلك الآية، فإنه لا يجوز البتة في نصها أن يرد الشرط على كل مذكور فيها، لأنه تعالى قال: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } فكان ذكر الدخول من صلة وصف النساء اللواتي هن أمهات الربائب، لا بوصف أمهات النساء، إذ من المحال الممتنع أن يقول تعالى: وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، لأنه كلام فاسد البتة لا يفهم فلما صح أن الدخول المذكور إنما هو مراد به أمهات ربائبنا ضرورة، لأنه من صلة اللاتي، واللاتي صفة للنساء اللواتي هن أمهات ربائبنا ضرورة، كان قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } مردوداً إليهن ضرورة أيضاً، لأنه أحد قسميهن اللذين هما دخول ولا دخول، وهو صلة الكلام المتصل به لا مما قبله.

فإن قال قائل: أنتم تجيزون أن يستثنى الشيء من خير جنسه، فكيف تقولون فيمن باع بدينار إلا درهماً، أو إلا قفيز قمح، أو ما أشبه هذا؟ قلنا له وبالله تعالى التوفيق: هذا عندنا ممتنع في البيع حرام، لأنه يرجع إلى بيعتين في بيعة، لأن الدرهم والعرض، لا يستثنى من غير جنسه عندنا إلا على معنى الاستثناء المنقطع، كما بينا في أول هذا الباب، فإن كان ذلك فإنما مرجعه إلى القيمة، فإن كان ذلك في البيع فقد وجب أنه باعه بدينار إلا ما قابل صرف الدرهم من الدينار، وهذه بيعة أو ثمن مجهول، وكلاهما حرام في البيوع وهو جائز في الإقرار، لأنه أقر له بدينار، وذكر أن له عنده درهماً، فخرج الدرهم أو قيمته مما أقر به. وكذلك لو قال مقرّ: له عندي دينار، ولي عنده ديناران، أو إلا دينارين لي عنده، لم يحكم عليه بشيء أصلاً، لأنه بعد أن أقر له أتى بما سقط به عند الإقرار جملة، ولو كان ذلك في البيع لم يجز عند أحد من المسلمين، وبالله تعالى التوفيق.

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الرابع

في أقل الجمع | في الاستثناء | في الكناية بالضمير | في الإشارة | في المجاز والتشبيه | فصل في التشبيه | في أفعال رسول الله | الكلام في النسخ | فصل في الأوامر في نسخها وإثباتها | فصل في قول الله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيةٍ | فصل في اختلاف الناس على النسخ | فصل في تشكيك قوم في معاني النسخ | فصل في إمكان النسخ ثم إيجابه ثم امتناعه | فصل هل يجوز نسخ الناسخ ؟ | فصل في مناقل النسخ | فصل في آية ينسخ بعضها، ما حكم سائرها ؟ | فصل لا يضر كون الآية المنسوخة متقدمة في الترتيب | فصل في نسخ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف | فصل في نسخ الفعل بالأمر والأمر بالفعل | فصل في متى يقع النسخ عمن بعد عن موضع نزول الوحي | فصل في النسخ بالإجماع | فصل في رد المؤلف على من أجاز نسخ القرآن والسنة بالقياس | في المتشابه من القرآن والفرق بينه وبين المتشابه في الأحكام | في الإجماع، وعن أي شيء يكون الإجماع وكيف ينقل الإجماع | فصل في اختلاف الناس في وجوه من الإجماع | فصل ذكر الكلام في الإجماع إجماع من هو | فصل في ما إذا اختلف أهل عصر ما في مسألة ما | فصل في اختلاف أهل عصر ما ثم إجماع أهل عصر ثان | فصل في من قال إن افترق أهل عصر على أقوال كثيرة | فصل فيمن قال: ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع | فصل في من قال بأن خلاف الواحد من الصحابة أو ممن بعدهم لا يعد خلافاً | فصل في قول من قال: قول الأكثر هو الإجماع ولا يعتد بقول الأقل | فصل في إبطال قول من قال: الإجماع هو إجماع أهل المدينة | فصل فيمن قال إن الإجماع هو إجماع أهل الكوفة | إن قول الواحد من الصحابة إذا لم يعرف له مخالف فهو إجماع | فصل في من قال ليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة | فصل في معنًى نسبوه إلى الإجماع | فصل واختلفوا: هل يدخل أهل الأهواء أم لا ؟