50%

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الرابع/الباب التاسع عشر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام في أفعال رسول الله ﷺ
المؤلف: ابن حزم


قال علي بن أحمد رحمه الله: قال قوم من المالكيين: أفعاله عليه السلام على الوجوب، وهي آكد من أوامره؛ وقال آخرون منهم من الحنفيين: الأفعال كالأوامر، وقال آخرون من كلتا الطائفتين ومن الشافعيين: الأفعال موقوفة على دليلها، فما قام منها على أنه واجب صير إليه، وما قام دليل أنه منها ندب أو إباحة صير إليه، وممن قال بهذا من الشافعيين أبو بكر الصيرفي، وابن فورك، وقال سائر الشافعيين وجميع أصحاب الظاهر: ليس شيء من أفعاله عليه السلام واجباً، وإنما ندبنا إلى أن نتأسى به عليه السلام فيها فقط، وألا نتركها على معنى الرغبة عنها، ولكن كما نترك سائر ما ندبنا إليه مما إن فعلناه أجرنا، وإن تركناه لم نأثم ولم نؤجر، إلا ما كان من أفعاله بياناً لأمر أو تنفيذاً لحكم، فهي حينئذ فرض، لأن الأمر قد تقدمها، فهي تفسير الأمر. قال علي: وهذا هو القول الصحيح الذي لا يجوز غيره. واحتج من قال: إنها على الوجوب، وإنها أوكد من الأوامر بما حدثنا سعيد الجعفري قال: ثنا أبو بكر بن الأدفوي، ثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل بن النحاس النحوي، عن أحمد بن شعيب النسائي، عن سعيد بن عبد الرحمن، حدثنا سفيان ــــــ هو ابن عيينة ـــــ عن الزهري، قال وثبتني معمر بعد عن الزهري، عن عروة بن الزبير أن مسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم ـــــ يزيد أحدهما على صاحبه ـــــ قالا: خرج رسول الله عام الحديبية فذكر الحديث وفيه طول، فلما فرغ من قصة الكتاب قال رسول الله لأصحابه: «قُومُوا فَانَحَرُوا ثُمَّ احْلُقُوا» قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة: يا رسول الله أتحب ذلك، اخرج ثم لا تكلم منهم أحداً حتى تنحر وتحلق، فخرج عليه السلام فنحر بدنة ودعا بحالقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غمّاً. قال علي: وما نعلم حجة أشنع عليهم من هذا الحديث الذي احتجوا به، لأن الذي أوجب الله علينا طاعته وأمرنا باتباعه هو النبي الذي أنكر عليهم التأخر عما أمرهم به، ولم يأمر باتباع الذين خالفوه حتى فعل ما أمرهم به والذين أوهموه حتى جعلوه يشكوا ما لقي منهم. ومن أخذ بفعل الناس وترك أمر نبيه ، وعمل بما أنكره عليه السلام ولم يلتفت إلى أمر نبيه ، وصوب فعل من أغضبه وتعمد ذلك، فقد ضل ضلالاً، ولم نأمن عليه مفارقة الإسلام.

وليعلم كل ذي لب أن ذلك الفعل من أهل الحديبية رضي الله عنهم خطأ ومعصية، ولكنهم مغفور لهم بيقين النص في أنه لا يدخل النار أحد شهد بدراً والحديبية، وليس غيرهم كذلك، ولا يحل لمسلم أن يقتدي بهم في ذلك، فلا بد لكل فاضل من زلة. وكل عالم من وهلة، وكل أحد من الخيار فإنه يؤخذ من قوله وفعله، ويترك ويرغب من كثير من قوله وفعله، إلا أن رسول الله ومن اقتدى بأهل الحديبية في هذا الفعل الذي أنكره رسول الله فقد هلك، رضي الله عنهم مضمون لهم المغفرة في ذلك وغيره، ولم يضمن ذلك لغيرهم. وقد أقرّ بعضهم رضي الله عنهم على نفسه الخطأ العظيم في هذا الباب كما حدثنا عبد الله بن يوسف، عن أحمد بن فتح قال: ثنا عبد الوهاب بن عيسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم، ثنا أبو كريب محمد بن العلاء، ومحمد بن عبد الله بن نمير قالا: أنبأنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، قال: سمعت سهل بن حنيف بصفين يقول: اتهموا رأيكم على دينكم فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع رد أمر رسول الله قال الأعمش عن أبي وائل عن سهل ـــــ لرددته. قال علي: ويوم أبي جندل هو يوم الحديبية، فقد أقر سهل رضي الله عنهم أنهم أساؤوا الرأي يوم الحديبية، حتى لو استطاعوا رد أمر رسول الله لردوه. حدثنا أبو سعيد الجعفري، حدثنا ابن الأدفوي، ثنا أبو جعفر بن الصفار، عن النسائي، عن سعيد بن عبد الرحمن، حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري قال: وثبتني معمر عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم فذكرا حديث الحديبية، وفيه أن عمر بن الخطاب قال: والله ما شككت مذ أسلمت إلا يومئذ، فأتيت النبي فقلت: ألست نبي الله حقّاً؟ قال: «بَلَى» قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: «بَلَى» قلت: فلم نُعْطى الدنية في ديننا إذاً؟ قال: «إِنِّي رَسُولُ الله وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهُوَ نَاصِرِي» قلت: أو ليس وعدتنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: «بَلَى، أَفَأَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ العَامَ؟» قلت: لا قال: «إِنَّكَ تَأْتِيهِ وَتَطُوفُ بِهِ» قال فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقّاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى؛ قلت فلم نُعْطى الدنية إذاً؟ قال: أيها الرجل إنه رسول الله ، وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق. قلت: أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: إنك ستأتيه وتطوف به. قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً.

قال علي: لم يشك عمر قط مذ أسلم في صحة نبوة محمد ، ومعاذ الله من أن يظن ذلك به ذو مسكة، ولكنه شك في وجوب اتباع ما أمرهم به من الحلق والنحر، وإمضاء القضية بينه وبين قريش، ثم ندم على ذلك كما ترى، وعمل لذلك أعمالاً مستغفراً مما سلف منه، من الأمر الذي ينصره الآن من أضله الله تعالى بالتقليل الفاسد، ومثل هذا، من غير أهل الحديبية، فسق شديد، ولكنهم بشهادته مغفور لهم لا يدخله النار منهم أحد إلا صاحب الجمل الأحمر وحده.

قال علي: وقد بيّن النبي دينهم في هذا الباب، كما ثنا يحيى بن عبد الرحمن، ثنا ابن دحيم، ثنا إبراهيم بن حماد، ثنا إسماعيل بن إسحاق، ثنا نصر بن علي، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي، عن ابن إسحاق قال: ثنا عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: حلق يوم الحديبية رجال، وقصر آخرون، فذكر ابن عباس أنه ترحم على المحلقين ثلاثاً، وعلى المقصرين واحدة، بعد أن ذكر بهم ثلاث مرات فقالوا: ما بال المحلقين ظاهرت لهم الترحم؟ فقال : «إِنَّهم لَمْ يشُكُّوا» .

قال علي: لم يشكوا في وجوب تنفيذ أمره، وشك المترددون فعوقبوا كما ترى، وإن كانوا مغفوراً لهم كلهم، وكذلك الذين فروا من الزحف يوم أحد، فأخبر تعالى أنه إنما استفزهم الشيطان ببعض ما كسبوا، ثم أخبر تعالى أنه عفا عنهم، فمن اقتدى بهم في الفرار من الزحف فهو غير حاصل على ما حصلوا عليه من العفو، بل يبوء بغضب من الله تعالى. ولا عجب أعجب ممن يقتدي بأهل الحديبية في خطيئة وقعت منهم قد ندموا عليها، واعترفوا بها، وينهى عن الاقتداء بهم في فعل فعلوه كلهم، موافق لرضا الله عز وجل، ورضا رسوله في نحرهم البدنة في ذلك اليوم عن سبعة، والبقرة عن سبعة بأمر رسول الله ، وأنهم نحروا سبعين بدنة عن سبعمائة إنسان ما سوى البقر، فيقول هؤلاء: لا يجوز الاقتداء بهم في ذلك تقليداً لما ثم يحض على الاقتداء بهم في خطيئة أخطؤوها قد تابوا منها، فهل في عكس الحقائق والمجاهرة بالباطل أشنع من هذين المذهبين وبالله تعالى نعوذ من الخذلان. ومن العجائب التي لا يفهم منها إلا الاستخفاف بالدين والخنا، احتجاج ابن خويز منداذ المالكي، إيجاب أفعال رسول الله فرضاً، بحديث الأنصاري الذي قبّل امرأته وهو صائم، فأمرها أن تستفتي في ذلك أم سلمة فأتى النبي فوجد المرأة فسأل عنها، فأخبرته أم سلمة بخبرها فقال لها رسول الله : «أَلا أَخْبَرْتِهَا أَنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ؟» فقالت: قد فعلت، فزاده ذلك شرّاً وقال: يحل الله لرسوله ما شاء، فغضب رسول الله وقال: «أَمَا والله إِنِّي لأَتْقَاكُمْ لله وَأَعْلَمُكُمْ بِمَا أَتَّقِي» .

قال أبو محمد: وإن احتجاج ابن خويز منداذ بهذا الحديث، وهو لا يقول به، ولا يستحبه ولا يبيحه، بل يكره القبلة للصائم ويرغب عن فعل النبي في ذلك ويسخط الله تعالى ورسوله لرغبته عما كان عليه السلام يفعله، لآية من الآيات الشنيعة، وهو لا يرى هذا الفعل واجباً ولا مستحباً ولا مطلقاً، ثم يحتج به في إيجاب أفعاله وليس العجب ممن يطلق لسانه بمثل هذا الخنا فإنه قد عدم الرقبة والحياء والخوف، ولا يبالي بالإثم ولا بالعار، وإنما العجب ممن يسمعه ثم يقبله، ويكتبه مصدقاً له مستحسناً، وإنا لله وإنا إليه راجعون على دروس العلم وذهابه. وهذا الحديث الذي ذكر أعظم حجة في أن أفعاله عليه السلام ليست على الوجوب، ولكنها مستحبة مندوب إليها، يأتي من تركها راغباً عنها، كما يأثم ابن خويز منداذ ونظراؤه في رغبتهم عن فعل النبي في التقبيل وهو صائم، ولا يأثم من تركها مستحبّاً لها غير راغب عنها ولا يؤجر أيضاً، وأما من فعلها مؤتسياً فيها بالنبي فهو مأجور، والحمد لله رب العالمين.

واحتج من قال: إن أفعاله عليه السلام كأوامره، بأن قال: قد أمرنا باتباعه عليه السلام بقوله تعالى: {قُلْ يأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } قالوا: وهذا إيجاب علينا اتباعه، في فعله وأمره سواء. قال علي: الاتباع لا يفهم منه محاكاة الفعل في اللغة أصلاً، وإنما يقتضي الامتثال لأمره عليه السلام، والطاعة لما علم عن ربه عز وجل، وقد بيّن ذلك عليه السلام في قوله: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنا فَهُوَ رَدٌّ» وبقوله : «كُلُّ أَحَد يَدْخُلُ الجَنَّة إِلاَّ مَنْ أَبَى» ، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» . قال علي: والمعصية إنما هي مخالفة الأمر، لا ترك محاكاة الفعل، وما فهم قط من اللغة أن يسمى تارك محاكاة الفعل عاصياً إلا بعد أن يؤمر بمحاكاته، فإنما استثنى عليه السلام من دخول الجنة من خالف الأمر فقط، وبقي من لا يحاكي الفعل غير راغب عنه على دخول الجنة، فقد صحّ أنه ليس عاصياً، وإذا لم يكن عاصياً فلم يجتنب فرضاً فقد صحّ أن محاكاة الفعل ليست فرضاً، وأيضاً فما فهم عربي قط من خليفة يقول: اتبعوا أمري هذا، أنه أراد افعلوا ما يفعل، وإنما يفهم من هذا امتثال أمره فقط، وأيضاً فإن أفعال النبي لا يختلف أحد في أنها غير فرض عليه بمجردها، ومن المحال أن يكون كذلك ويكون فرضاً علينا، وهذا هو خلاف الاتباع حقّاً، وقد هذر قوم بأن قالوا: من الحجة في ذلك قول الله عز وجل: {مَّآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ وَمَآ آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } .

قال علي: وهذا تخليط، لأن الإيتاء في اللغة إنما هو الإعطاء، والفعل لا يعطى، وإنما يعطينا أوامره فقط، ولا سيما وقد اتبع ذلك النهي، وإنما توعد الله على مخالفة الأمر بقوله تعالى: {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وقال بعضهم: الضمير في أمره راجع إلى الله عز وجل. قال علي: فيقال لهم لا عليكم، أمر رسول الله هو أمر من الله عز وجل نفسه، بقوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى } فنطقه كله أمر الله عز وجل. قال علي: الآية كافية في أن اللازم إنما هو الأمر فقط لا الفعل، لأن الله عز وجل إنما أخبر أن الوحي من قبله تعالى هو النطق، والنطق إنما هو الأمر، وأما الفعل فلا يسمى نطقاً البتة، فصح أن فعله عليه السلام كله إباحة وندب لا إيجاب، إلا ما كان منه بياناً لأمر. قال علي: وقال بعضهم: معنى أمره ههنا حاله، كما تقول أمر فلان اليوم على إقامة، أو أمره على عوج، يعني حاله. قال علي: وهذا يبطل بأن هذه الآية إنما جاءت بإيجاب ما ذكر قبلها من الأمر الذي هو النطق قال الله عز وجل: {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فصح أن هذا الوعيد في أمره لهم بالبقاء معه، وكذلك كان عليه السلام لا يؤذن لشيء من صلوات التنفل كالعيدين والكسوف تفريقاً بين الفعل والأمر، إذ لو دعوا إلى الصلاة لكان أمراً، والأمر فرض. وقد حدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن محمد، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم، ثنا زهير بن حرب، ثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة أم المؤمنين/ قالت: صنع رسول الله أمراً نترخص فيه، فبلغ ذلك ناساً من أصحابه، فكأنهم كرهوه وتنزهوا عنه، فبلغه ذلك فقام خطيباً فقال: «ما بَالُ رِجَالٍ بَلَغَهُم عَنِّي أَمْرٌ تَرَخَّصْتُ فِيهِ فَكَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ، فَوَالله لأَنَا أَعْلَمُهُمْ بالله وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً» . قال علي: فهذا نص جليّ عن رسول الله لم ينكر عليهم ترك فعل ما فعل، فصح أنه ليس ذلك واجباً، ولو كان واجباً لأنكر تركه، وإنما أنكر عليهم إنكاره، والتنزه عنه، وهذا منكر جداً، وقد أنكر عليهم ترك أمره، فوضح الفرق بين الفعل والأمر لمن عقل، وبالله تعالى التوفيق.

وبه إلى مسلم حدثنا محمد بن رافع، وعبيد الله بن معاذ، وابن أبي عمر، وقتيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبو كريب، وأبو بكر بن أبي شيبة، قال ابن رافع: ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن همام بن منبه، وقال ابن معاذ: ثنا أبي، ثنا شعبة، عن محمد بن زياد، وقال ابن أبي عمر: ثنا سفيان ــــــ وهو ابن عيينة ــــــ عن أبي الزناد، عن الأعرج، وقال قتيبة: ثنا المغيرة الخرامي، عن أبي الزناد، عن الأعرج، وقال ابن نمير: ثنا أبي، عن الأعمش، عن أبي صالح السمان. وقال ابن أبي شيبة، وأبو كريب: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، ثم اتفق همام ومحمد بن زياد والأعرج وأبو صالح، كلهم عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله : «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُم، فَإِنَّما هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِكثْرَةِ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَنْ أَنْبِيَائِهِم، ما نَهَيْتُكُم عَنْهُ فَاجتَنِبُوهُ، وما أَمَرْتُكُم بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ ما اسْتَطعْتُمْ» . وهذه رواية كل من ذكرنا، ولم يخالفهم همام في شيء إلا أنه قال: «ما تركتكم» . قال أبو محمد:، وهذا خبر منقول نقل التواتر عن أبي هريرة فلم يوجب رسول الله على أحد إلا ما استطاع مما أمر به، واجتناب ما نهى عنه فقط، ولا يجوز البتة في اللغة العربية أن يقال: أمرتكم بما فعلته، وأسقط عليه السلام ما عدا ذلك، وأمرهم بتركه ما تركهم. وقد علمنا بضرورة الحس والمشاهدة أنه عليه السلام، وكل حي في الأرض لا يخلو طرفة عين من فعل، إما جلوس أو مشي، أو وقوف أو اضطجاع، أو نوم أو اتكاء، أو غير ذلك من الأفعال، فأسقط عليه السلام عنا كل هذا، وأمرنا بتركه فيه، حاشا ما أمر به أو نهى عنه فقط، فوضح يقيناً أن الأفعال كلها منه عليه السلام لا تلزم أحداً وإنما فيها الائتساء المتقدمة فقط.

قال أبو محمد: وصحّ بالحديث الذي قبل هذا، أنه لا حجة في فعل أحد من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ولا في قوله، لأن أولئك الذين كرهوا ما فعله عليه السلام، قصدوا بذلك الخير في اجتهادهم، وقد أنكر عليه السلام ذلك فصحّ أنه لا حجة إلا فيما جاء عنه عليه السلام فقط، والحمد لله رب العالمين. قال أبو محمد: وإنما حضنا الله تعالى في أفعاله عليه السلام على الائتساء به بقوله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً } وما كان لنا فهو إباحة فقط، لأن لفظ الإيجاب إنما هو علينا لا لنا، نقول: عليك أن تصلي الخمس، وتصوم رمضان، ولك أن تصوم عاشوراء، وتتصدق تطوعاً، ولا يجوز أن يقول أحد في اللغة العربية: عليك أن تصوم عاشوراء وتتصدق تطوعاً، ولك أن تصلي الخمس، وتصوم رمضان، هذا الذي لا يفهم سواه في اللغة التي بها خاطبنا الله تعالى بما ألزمنا من شرائعه. قال أبو محمد: وقال بعضهم: قوله تعالى بعقب الآية المذكورة: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً } بيان أن ذلك إيجاب لأن هذا وعيد. قال أبو محمد: التأويل خطأ لأن الائتساء المندوب إليه في الآية المذكورة إنما هو للمؤمنين الذين يرجون الله واليوم الآخر، ولم يقل تعالى هو على الذين يرجون الله واليوم الآخر وأما الكفار الذين لا يرجون الله واليوم الآخر، فراغبون عن الائتساء به عليه السلام، وكذلك قوله : «إِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَنْكِحُ النِّسَاءَ، فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» وصدق عليه السلام، أن من ترك شيئاً من أفعاله راغباً عنها فهو كافر، وأما من تركها غير راغب عنها لكن اقتصاراً على الفرض، وتخفيفاً من التطوع، عالماً بأنه يترك فضلاً كثيراً، فقد أفلح كما قال عليه السلام للأعرابي الذي حلف لا يزيد على الأوامر الواجبات شيئاً فقال عليه السلام: «أَفْلَحَ وَالله إِنْ صَدَقَ دَخَلَ الجَنَّةَ» . قال أبو محمد: وفي هذا الحديث بيان كاف في أن الأوامر هي الفروض، وأن أفعاله عليه السلام ليست فرضاً، لأن الأعرابي إنما سأل رسول الله عما أمر به، لا عما يفعل، ثم حلف ألا يفعل غير ذلك، فصوب رسول الله قوله وحسن فعله، وهذا كاف لمن عقل، إذ لم يلزمه عليه السلام اتباع أفعاله، وهذا ما لا إشكال فيه.

قال أبو محمد: بل أنكر رسول الله على أصحابه رضي الله عنهم التزام المماثلة لأفعاله، كما حدث عبد الله بن ربيع، ثنا محمد بن معاوية القرشي، ثنا أبو خليفة، ثنا أبو داود الطيالسي ــــــــ هو هشام بن عبد الملك ــــ عن حماد بن سلمة، عن أبي نضلة السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري/ قال: صلَّى بنا رسول الله ، فلما صلَّى خلع نعليه فوضعهما يساره فخلع القوم نعالهم، فلما قضى صلاته قال: «ما لَكُمْ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُم؟» قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، قال: «إِنِّي لَمْ أَضَعْهُما مِنْ بَأْسٍ، وَلكِنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِما قَذَراً وَأَذًى، فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَنْظُرْ في نَعْلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِما أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ» . قال أبو محمد: فهذا عدل من الصحابة ـــــ أبو سعيد الخدري ـــــ شهد أن رسول الله أنكر عليهم التزام مماثلة أفعاله، فبطل كل تعلل بعد هذا وصح ألا يلزم إلا أمره عليه السلام فقط. قال أبو محمد: وإنما تعلق بما ذكرنا قوم من أصحاب مالك، على أنهم أترك خلق الله لأفعاله عليه السلام، فقد تركوا فعله عليه السلام في صلاته بالناس وهم وراءه قيام أو جلوس، وتركوا فعله عليه السلام في دخوله وإمامته بالناس بعد ابتداء أبي بكر بالتكبير بهم والصلاة، وجوزوه في الاستخلاف حيث لم يأت به نص ولا إجماع، ورغبوا عن فعله عليه السلام في الصب على بول الصبي، واختاروا الصوم في رمضان في السفر، ورغبوا عن فعله عليه السلام في الفطر، ورغبوا عن فعله عليه السلام في التقبيل وهو صائم، وقد غضب رسول الله على من رغب عن ذلك أو تنزه عنه، وخطب الناس ناهياً عن ذلك، ورغبوا عن فعله عليه السلام في قراءته: {والطُّور} في المغرب، وتركوا فعله عليه السلام في تطيبه في حجة الوداع، وأخذوا بأمر له متقدم، لو كان على ما ظنوه كان منسوخاً بآخر فعله عليه السلام، وتركوا فعله عليه السلام حكمه بالسلب للقاتل، وتركوا فعله عليه السلام في سجوده في سورة {والنَّجْم} وفي: {إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ} وتركوا فعل جميع الصحابة في هذين الموضعين، وكل من أسلم من الجن والإنس. قال أبو محمد: فأما ما كان من أفعاله عليه السلام تنفيذاً لأمر فهو واجب، فمن ذلك قوله عليه السلام: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُوني أُصَلِّي، وخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وهمه بإحراق منازل المتخلفين عن الصلاة في الجماعة، وجلده شارب الخمر، لأنه عليه السلام لما أخبر أن الأموال والأعراض حرام ثم أن ينتهك شر منها، أو بأنه يريد انتهاكها، علمنا أن ذلك حق، وأما بعد الأمر فواجب لا إباحة لأنه عليه السلام لا يهم إلا بأمر حق، وقد أمر بجلد الشارب ثم كان فعله بياناً للجلد الذي أمر به.

وكذلك ما كان من أفعاله عليه السلام نهياً عن شيء أو أمراً بشيء فهو على الوجوب، كإزالته ابن عباس عن يساره، ورده إلى يمينه، فهذا وإن كان فعلاً فهو أمر لابن عباس للوقوف عن يمينه، ونهي له عن الوقوف عن يساره، وإنما الفعل المجرد هو الذي ليس فيه معنى الأمر. فإن قال قائل: فهلا قلتم إن همه عليه السلام بإحراق بيوت المتخلفين عن الصلاة، إباحة لا فرض، على أصلكم في انتقال الشيء إذا نسخ إلى أقرب المراتب منه لا إلى أبعدها عنه، قيل له وبالله تعالى التوفيق: كذلك نقول ما لم يأت دليل على أنه منقول إلى أبعد المراتب عنه، ولكن لما قال عليه السلام: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إلهَ إلاَّ الله، فَإذا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلاَّ بِحَقِّها، وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله» ، ثم أخبر عليه السلام أنه قد همَّ بحرق بيوت المتخلفين علمنا بالنص المذكور أن ذلك حق واجب إنفاذه، إذ قد نص أنه لا يستبيح دماً ولا مالاً إلا بحق، والحق فرض ما لم يأت دليل على أنه إباحة. قال أبو محمد: قد قلنا: إن القائلين بأن أفعاله عليه السلام على الوجوب هم أشد الناس خلافاً لهذا الأصل الفاسد، فإن المالكيين يقولون إن خطبة الإمام يوم الجمعة خطبتين قائماً يجلس بينهما ليست فرضاً، وإنما الفرض خطبة واحدة، وما روي قط أن النبي خطب إلا خطبتين قائماً يجلس بينهما، فلم يروا فعله عليه السلام ههنا على الوجوب. ويقولون: إن ترتيب الوضوء ليس فرضاً، ولا شك في أن النبي كان يرتب وضوءه ولا ينكسه، لا يشك مسلم في ذلك. ويرون أن الصلاة للصبح بمزدلفة ليس فرضاً، ولا يبطل حج من تركه، ورسول الله صلاها هناك، وآذن أن من لم يدركها هنالك فلا حج له، ويرون أن من صلى المغرب قبل مزدلفة ليلة النحر فصلاته تامة ورسول الله أخرها إلى المزدلفة فلم يصلها إلا فيها، ولا يرون رمي جمرة العقبة فرضاً، ورسول الله قد رماها، ولا يرون الضجعة بعد ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح فرضاً، ورسول الله كان يفعلها دائماً عليها مواظباً لها، وكذلك فقهاء المدينة السبعة، وأهل المدينة، وكل هذه المسائل فجماهير الصحابة والتابعين والفقهاء يرونها فرضاً وإنما أتينا بهذه المسائل لئلا يدعو إجماعاً على أنها ليست فرضاً، ومثل هذا لو تتبع كثير، وبالله تعالى التوفيق.

قال أبو محمد: فإن تعارض فعل وقول، مثل أن يحرم عليه السلام شيئاً ثم يفعله، فإن هذا إن علمنا أن الفعل كان بعد القول فهو نسخ له، وبيان أن حكم ذلك القول قد ارتفع، لأنه عليه السلام لا يفعل شيئاً محرماً، ولا يجوز أن يقال في شيء فعله عليه السلام أنه خصوص له إلا بنص في ذلك، لأنه عليه السلام قد غضب على من قال ذلك، وكل شيء أغضب رسول الله فهو حرام، وذلك مذكور في حديث الأنصاري الذي سأله عن قبلة الصائم، فأخبره عليه السلام أنه يفعل ذلك، فقال الأنصاري: يا رسول الله إنك لست مثلنا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله وقال: «وَالله إِنِّي لأَتْقَاكُمْ لله وَأَعْلَمُكُمْ بِما آتِي وَما أَذَرُ» أو كما قال عليه السلام.

فلا يحل لأحد بعد هذا أن يقول في شيء فعله عليه السلام: إنه خصوص له، إلا بنص مثل النص الوارد في المَوهَبة بقوله تعالى: {يأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِـمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } ، ومثل وصاله عليه السلام في الصوم، وقوله ناهياً لهم: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ» ، ومثل نومه ـــــ عليه السلام وصلاته دون تجديد وضوء، فسئل عليه السلام عن ذلك، فقال: «عَيْنَايَ تَنامانِ ولا يَنَامُ قَلْبِي» فما جاء فيه بيان كما ذكرنا فهو خصوص، وما لم يأت فيه نص كما قلنا فلنا أن نتأسى به عليه السلام، ولنا في ذلك الأجر الجزيل، ولنا أن نترك غير راغبين عن ذلك فلا نأثم ولا نؤجر. فمما جاء كما ذكرنا: نهيه عليه السلام عن الصلاة قائماً، إذا صلى الإمام جالساً، ثم هو عليه السلام صلَّى جالساً في مرضه الذي مات فيه، وصلَّى أبو بكر مذكراً إلى جانبه قائماً فأقر، فعلمنا أن ذلك نسخ لإيجاب الجلوس عن المذكر خاصة، فإن شاء صلَّى جالساً، وذلك أفضل عندنا، وإن شاء قائماً، كل ذلك جائز حسن.

وكذلك قلنا في حضّه عليه السلام على صيام يوم عرفة، ثم أفطر عليه السلام فيه، فقلنا: صيامه أفضل للحاج وغيره، وإفطاره مباح حسن، وقد روت عائشة: أنه عليه السلام كان يترك الفعل وهو يحبه، خشية أن يفعله الناس فيفرض عليهم، كما فعل عليه السلام في قيام الليل في رمضان، قام ثم ترك خوفاً أن يفرض علينا.

وإنما قلنا هذا لئلا يقول جاهل: أيجوز أن يترك عليه السلام الأفضل، ويفعل الأقل فضلاً؟ فأعلمناه عليه السلام يفعل ذلك رفقاً منه، كما أخبر عليه السلام أنه لولا رجال من أصحابه لا يتخلفون عنه أصلاً، وأنه لا يجد ما يحملهم عليه ما تخلف عن سرية يوجهها في سبيل الله، فأخبر عليه السلام أنه يتخلف عن الجهاد وهو أفضل، خوفاً أن يشق على أمته، وهذا كثير. قال أبو محمد: وأما إذا لم يعلم أي الحكمين قبل: الأمر أم الفعل؟ فإنا نأخذ بالزائد، كما فعلنا في نهيه عليه السلام عن الشرب قائماً، وروي عنه عليه السلام أنه شرب قائماً، وفي نهيه عليه السلام عن الاستلقاء ووضع رجل على رجل، وروي عنه أنه عليه السلام رئي مضطجعاً في المسجد كذلك، فأخذنا ههنا بالزائد، وهو النهي في كلا الموضوعين، لأن الأصل إباحة الاضطجاع على كل حال والاستلقاء كما يشاء، وإباحة الشرب على كل حال، فقد تيقنا أننا نقلنا عن هذه الإباحة إلى نهي عن كلا الأمرين بلا شك في ذلك، ثم لا ندري هل نسخ ذلك النهي أو لا؟ ولا يحل لمسلم أن يترك شيئاً هو على يقين من أنه قد لزمه، لشيء لا يدري أهو ناسخ أم لا؟ واليقين لا يبطل بالشك، والظن لا يغني من الحق شيئاً، فنحن على ما صح لدينا أنه قد لزمنا، حتى يقيم المدعي لبطلانه ــــــ علينا البرهان في صحة دعواه، وإلا فهي ساقطة، وبالله تعالى التوفيق.

وهكذا قلنا في حديث رسول الله : «كُلْ مِمَّا يَلِيكَ» مع ما قد صح من تتبعه الدباء من نواحي القصعة ولا فرق، على أن هذا الخبر ليس فيه أنه عليه السلام تناول الدباء مما لا يليه، بل يمكن تتبعه من نواحي الصحفة مما يليه، وليس هكذا الأقوال، فإنه إذا قال قولاً فيه إباحة، ثم جاء بعد عموم تحريم، إلا أنه ممكن استثناء إباحة قبل، فواجب ضم القولين جميعاً إلى واحد، واستثناء الأقل من الأكثر، لأن القول بيان جليّ، وليس في الفعل بيان المراد: لا بتخصيص ولا بغيره. قال أبو محمد: فالحاصل من هذا أن القولين إذا تعارضا، وأمكن أن يستثنى أحدهما من الآخر، فيستعملان جميعاً لم يجز غير ذلك، وسواء أيقنَّا أيهما أول أو لم نوقن، ولا يجوز القول بالنسخ في ذلك، إلا ببرهان جليّ من نص أو إجماع أو تعارض لا يمكن معه استثناء أحدهما من الآخر، وأما القول والفعل إذا تعارضا، فإن كان الفعل قبل القول، أو لم يعلم أقبله أم بعده فالحكم القول، ويكون الفعل حينئذ منسوخاً، ولا يجوز أن يستثنى منه الفعل، لأننا لا ندري أحاله نخص أم زمانه أم مكانه؟ إذ ليس في الفعل بيان عموم ولا تفسير حد، وإن كان الفعل بعد القول، فحينئذ نخص تلك الحال بيقين فقط، لأننا من ذلك على يقين، ولسنا من تخصيص الزمان والمكان على يقين، ولا يجوز أن نحكم في الدين بالشك، كما فعلنا فيما قد صح من أن المرأة تقطع الصلاة. ثم صحّ أن عائشة ذكرت أن رسول الله كان يصّلي وهي بين يديه معترضة كاعتراض الجنازة، فتكره أن تقعد فتؤذي رسول الله فتمسك كما هي، فصح بهذا النص أن هذا الفعل كان بعد النهي، لأنها أخبرت أنها لو قعدت لآذت رسول الله بذلك ودلّ أيضاً هذا الخبر على المداومة على ذلك، فاستثناء حال الاضطجاع من قطع المرأة الصلاة على سائر أحوالها، وبالله تعالى التوفيق. قال أبو محمد لو كانت الأفعال على الوجوب، لكان ذلك تكليفاً لما لا يطلق من وجهين ضروريين: أحدهما: أنه كان يلزمنا أن نضع أيدينا حيث وضع يده، وأن نضع أرجلنا حيث وضع عليه السلام رجله، وأن نمشي حيث مشى، وننظر إلى ما نظر إليه، وهذا كله خروج عن المعقول. والوجه الثاني: أن أكثر هذه الأشياء التي تصرف عليه السلام بأفعاله فيها فقد ثبت، فكنا من ذلك مكلفين ما لا نطيق، فبطل كل قول في هذا الباب حاشا ما ذكرنا من الائتساء به عليه السلام في أفعاله، وأما من قال: نطلب الدليل، فإن وجدنا دليلاً على وجوب الفعل صرنا إليه، وإن لم نجد دليلاً حملنا الأفعال على الائتساء فقط، فهي نفس قولنا، إلا أننا نحملها على الائتساء أبداً ما لم نجد دليلاً على الوجوب، فإن وجدناه صرنا إليه، وبالله تعالى التوفيق.

قال أبو محمد: وأما الشيء يراه عليه السلام أو يبلغه أو يسمعه، فلا ينكره ولا يأمر به فمباح، لأن الله عز وجل وصفه عليه السلام فقال: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } فلو كان ذلك الشيء منكراً لنهى عنه عليه السلام بلا شك، فلما لم ينه عنه لم يكن منكراً فهو مباح المباح معروف، وما عرفه عليه السلام فهو معروف، ولا معروف إلا ما عرف، ولا منكر إلا ما أنكر، فمن ذلك: غناء الجاريتين في بيته، وهو عليه السلام يسمع ولا ينكر، فأنكر ذلك أبو بكر، فأنكر النبي على أبي بكر إنكاره، فصح بذلك ما ذكرنا نصّاً، ووجب الإنكار على كل ما أنكر ما علمه عليه السلام فأقره.

ومن ذلك زفن السودان، فنهاهم عمر، فأنكر عليه السلام على عمر إنكاره عليهم، ومن ذلك اللعب التي رأى عليه السلام عند عائشة، وفيها فرس ذو أجنحة مع نهيه عليه السلام عن الصور، فكان ذلك إذاً مستثنى مما نهى عنه، ومثل إنكاره عليه السلام الصور في الستر، مع إباحته لذلك إذا كان رقماً في ثوب، واستثناءه إياه من جملة ما نهى عنه من الصور، فلما قطعت عائشة الستر وسادتين، اتكأ عليه السلام عليهما ولم ينكرهما، فصح من ذلك أن المعلَّق من الثياب التي فيها الصور مكروه، ليس حراماً ولا مستحباً، لكن من تركها أجر، ومن استعملها لم يأثم، واختار ههنا عليه السلام الأفضل، واختاره لعائشة وفاطمة رضي الله عنهما، وصح بذلك أن الثياب التي فيها الصور وإذا كانت وسائد فذلك حسن مباح ولا مستحب لا نكرهه أصلاً بل نحبه. وكذلك الشيء إذا تركه عليه السلام ولم ينه عنه ولا أمر به، فهو عندنا مباح مكروه، ومن تركه أجر، ومن فعله لم يأثم ولم يؤجر، كمن أكل متكئاً، ومن استمع زمارة الراعي، فلو كان ذلك حراماً لما أباحه عليه السلام لغيره، ولو كان مستحباً لفعله عليه السلام، فلما تركه كارهاً له كرهناه ولم نحرمه. فإن قال قائل: فقد ناموا بحضرة رسول الله ، ثم صلوا ولم يأمرهم بإعادة الوضوء، وأنتم لا ترون ذلك، قيل له وبالله التوفيق: ما روى أحد قط أن رسول الله رآهم نياماً، ولا أعلم أنهم ناموا، وإنما جاء الحديث: أنه عليه السلام أبطأ بالعشاء الآخرة حتى نام الناس، وسمع لهم غطيط، وصاح عمر: نام النساء والصبيان. فالحديث كما تسمع بيّن في أنهم ناموا وهو عليه السلام غائب غير حاضر، وإنما أعلمه عمر بنوم النساء والصبيان، وهذان الصنفان ليس عليهم حضور الصلاة في الجماعة فرضاً، وأيضاً فمن أين للمحتج بهذا أن يقول: ناموا قعوداً نوماً قليلاً، بلا أن يرد ذلك في الحديث، ولعل فيهم من نام مستنداً إلى صاحبه أو إلى الحائط أو مضطجعاً نوماً طويلاً، ما يدري من لم يحضر نومهم كيف كان نومهم، ومثل هذا من الدعاوى لا يستجيزها ذو دين متهم بالصدق. فلما صحّ أنه عليه السلام كان غائباً، ولم يأتنا نص في أنه عليه السلام علم نومهم، وصح أمره عليه السلام في حديث صفوان بن عسال المرادي بالوضوء من النوم جملة ـــــ: لزمنا ألا نزول عما أمرنا لأمر لا ندري أعلمه عليه السلام أم لم يعلمه؟ ولو صحّ عندنا أنه عليه السلام علم أنهم ناموا وأقرهم على ذلك لقلنا به، ولأسقطنا الوضوء عمن نام جملة على أي حال نام، ولو صح في ذلك الخبر أن عمر قال: نام الناس، لما كان لهم فيه متعلق، لأنه كان يكون معناه نام الناس الذين ينتظرونه عليه السلام، وكيف وكل طائفة منهم تخالف هذا الخبر، لأنهم يخصون بعض أحوال النوم دون بعض، وليس بيننا في الخبر أصلاً.

فإن قال قائل: أيجوز أن يخفى ذلك على رسول الله ؟ قيل له: نعم، كما جاز عندكم معاشر الشافعيين والمالكيين والحنفيين قول جابر: كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله . على أن بيع أمهات الأولاد أشهر من نوم قوم في الليل، والقوم في عوزة من المصابيح بركن المسجد. وكما يقول المالكيون: إنه خفي عليه ذبح آل أبي بكر الفرس وأكلهم إياه بالمدينة، وهذا أشيع من نوم قوم في ركن المسجد، لقلة الخيل عندهم بالمدينة في أيامه ولشدة العيش عندهم، وقلة الإدام، وشدة امتزاج أهل بيت أبي بكر مع النبي ومجاورتهم له، فكيف يخفى عليه أنهم ذبحوا فرساً فأكلوه، ولا يخفى عليه نوم قوم في ركن المسجد وهو غائب عنهم، ولو صحّ أنه عليه السلام كان حاضراً في المسجد لأمكن أن يختفي نوم من في ركن المسجد عنه، فكيف وقد صح أنه عليه السلام كان غائباً عنهم، مع أن تخصيص نومهم بأنهم كانوا قعوداً لا مستندين ولا مضطجعين ولا متكئين كذب من أقدم عليه، وبالله التوفيق. قال أبو محمد: وفي «باب القول بالأخبار» من كتابنا في أول الباب المذكور أشياء قاطعة من الكلام في أفعال النبي وفي الشيء يعلمه فيقر عليه، إذا استضافت إلى ما ههنا تم الكلام في ذلك، وكرهنا تكرارها، وبالله تعالى التوفيق.

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الرابع

في أقل الجمع | في الاستثناء | في الكناية بالضمير | في الإشارة | في المجاز والتشبيه | فصل في التشبيه | في أفعال رسول الله | الكلام في النسخ | فصل في الأوامر في نسخها وإثباتها | فصل في قول الله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيةٍ | فصل في اختلاف الناس على النسخ | فصل في تشكيك قوم في معاني النسخ | فصل في إمكان النسخ ثم إيجابه ثم امتناعه | فصل هل يجوز نسخ الناسخ ؟ | فصل في مناقل النسخ | فصل في آية ينسخ بعضها، ما حكم سائرها ؟ | فصل لا يضر كون الآية المنسوخة متقدمة في الترتيب | فصل في نسخ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف | فصل في نسخ الفعل بالأمر والأمر بالفعل | فصل في متى يقع النسخ عمن بعد عن موضع نزول الوحي | فصل في النسخ بالإجماع | فصل في رد المؤلف على من أجاز نسخ القرآن والسنة بالقياس | في المتشابه من القرآن والفرق بينه وبين المتشابه في الأحكام | في الإجماع، وعن أي شيء يكون الإجماع وكيف ينقل الإجماع | فصل في اختلاف الناس في وجوه من الإجماع | فصل ذكر الكلام في الإجماع إجماع من هو | فصل في ما إذا اختلف أهل عصر ما في مسألة ما | فصل في اختلاف أهل عصر ما ثم إجماع أهل عصر ثان | فصل في من قال إن افترق أهل عصر على أقوال كثيرة | فصل فيمن قال: ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع | فصل في من قال بأن خلاف الواحد من الصحابة أو ممن بعدهم لا يعد خلافاً | فصل في قول من قال: قول الأكثر هو الإجماع ولا يعتد بقول الأقل | فصل في إبطال قول من قال: الإجماع هو إجماع أهل المدينة | فصل فيمن قال إن الإجماع هو إجماع أهل الكوفة | إن قول الواحد من الصحابة إذا لم يعرف له مخالف فهو إجماع | فصل في من قال ليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة | فصل في معنًى نسبوه إلى الإجماع | فصل واختلفوا: هل يدخل أهل الأهواء أم لا ؟