50%

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الرابع/إن قول الواحد من الصحابة إذا لم يعرف له مخالف فهو إجماع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام إن قول الواحد من الصحابة إذا لم يعرف له مخالف فهو إجماع
المؤلف: ابن حزم


فصل في إبطال قول من قال: إن قول الواحد من الصحابة رضي الله عنهم إذا لم يعرف له مخالف فهو إجماع وإن ظهر خلافه في العصر الثاني

قال أبو محمد: قال بهذا طوائف من المالكيين والحنفيين، ثم أقحم هذا الشغب معهم الشافعيون، ثم اختلفوا فقالت طائفة: سواء انتشر أو لم ينتشر فهو إجماع، وقالت طائفة إنما يكون إجماعاً إذا اشتهر وانتشر، وأما إذا لم يشتهر ولا انتشر فلا يكون إجماعاً. وقالت طائفة: إنما يكون إجماعاً إذا كان من قول أحد الأئمة الأربعة، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم فقط وانتشر مع ذلك، وإلا فليس إجماعاً وإن كان من قول غيرهم فلا يكون حجة وإن انتشر. وقالت طائفة: ليس شيء من ذلك إجماعاً ولكنه حجة. قال أبو محمد: فإنما قال من قال منهم هذه الأقوال، عند ظفره بشيء منها مع انقطاع الحبل بيده وعدمه شيئاً ينصر به خطأه وتقليده، ثم هم أترك الناس لذلك إذا خالف تقليدهم، لا مؤنة عليهم في إبطال ما صححوا وتصحيح ما أبطلوا في الوقت، إنما حسب أحدهم نصر المسأل الدائرة بينه وبين خصمه في حينه ذلك، فإذا انتقلا إلى أخرى فأخف شيء على كل واحد منهم تصحيح ما أبطل في المسألة التي انقضى الكلام، وإبطال ما صحح فيها. فقد ذكر الأجهري محمد بن صالح المالكي عن ابن بكير وكل واحد منهم من جملة مذهب مالك ومقلديه: أنه كانت أصوله مبنية على فروعه، إذا خرج قوله في مسألة على العموم قال: من قولي العموم وإذا خرج قوله في أخرى على الخصوص، قال من قولي الخصوص. ولقد رأيت لعبد الوهاب بن علي بن نصر المالكي في كتابه المعروف بشرح الرسالة في باب «من يعتق على المرء إذا ملكه» فذكر قول داود: لا يعتق أحد على أحد، وذكر قول أبي حنيفة: يعتق كل ذي رحم محرم. فقال: من حجتنا على داود قول رسول الله : «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ فَهُوَ حُرٌّ» وهذا نص جلي. ثم صار إلى قول أبي حنيفة بعد ستة أسطار فقال: فإن احتج بما روي عن النبي : «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ محرمٍ فَهُوَ حُرٌّ» قلنا: هذا خبر لا يصح. ولا أحصي كم وجدت للحنفيين والمالكيين والشافعيين تصحيح رواية ابن لهيعة، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، إذا كان فيها ما يوافق تقليدهم في مسألتهم تلك، ثم ربما أتى بعدها بصفحة أو ورقة أو أوراق احتجاج خصمهم عليهم برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أو برواية ابن لهيعة، فيقولون: هذه صحيفة، وابن لهيعة ضعيف.

قال أبو محمد: وهذا فعل من لا يتقي الله عز وجل، ومن عمله يوجب سوء الظن بباطن معتقده، ونعوذ بالله من الخذلان قال الله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } وقال تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } وقال تعالى: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَـؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ }

فأنكر الله تعالى على من صحح شيئاً مرة ثم أبطله أخرى مع أن أقوالهم التي ذكرنا في هذا الباب دعاوى فاسدة بلا برهان ولا استدلال أصلاً، إلا ما تقدم إفسادنا له من قولهم: إنهم لا يقرون على باطل. فقلنا لهم: ومن لكم بأنهم لم ينكروا ذلك وسائر ما ذكرنا هنالك. وقد كتبنا في مناقضتهم في هذا الباب وغيره كتاباً ضخماً تقصينا فيه عظيم تناقضهم، وفاحش تضاد حجاجهم وأقوالهم، ونذكر هنا إن شاء الله تعالى يسيراً دالاً على الكثير، إذ لو جمع تناقضهم لأتى منه ديوان أكبر من ديواننا هذا كله، نعم، وقد تعدوا عقدهم الفاسد في هذا الباب، إلى أن قلدوا قول صاحب قد خالفه غيره من الصحابة في قولهم ذلك، أو قد صحّ رجوع ذلك الصاحب عن ذلك القول، فاحتجوا به وادعوا إجماعاً.

فمن ذلك: احتجاج المالكيين في التحريم على الناكح جاهلاً في العدة يدخل بها أن يتزوجها أبداً، احتجاجاً بما روي عن عمر في ذلك، وقد صح عن علي خلافه، وصح رجوع عمر عن القول وكتعلقهم بما روي عن عمر في امرأة المفقودة. وقد خالفه عثمان وعلي في ذلك. وكتعليق الحنفيين بما روي عن ابن مسعود في جعل الآبق، وخالفوه في تلك القضية نفسها في تحديد المسافة، وكتوريثهم المطلقة ثلاثاً في المرض، تعلقاً بعمر وعثمان، وقد خالفهما ابن عباس وابن الزبير، وقد اختلف عمر وعثمان في ذلك أيضاً.

وكخلاف المالكيين والشافعيين عمر بن الخطاب، وتقليد الحنفيين له فيما صح عنه من طريق الشعبي عن شريح أنه كتب إليه أن يحكم في غير الدابة بربع ثمنها، وكتقليد المالكيين والحنفيين له في جلده في الخمر أربعين، وخالفه الشافعيون في ذلك، وقد صحّ عن عمر وعثمان وعلي وأبي بكر جلد أربعين في الخمر. وكتقليد المالكيين والحنفيين لعائشة أم المؤمنين، في ما لم يصح عنها في إنكارها بيع شيء إلى أجل ثم يبتاعه البائع له بأقل من ذلك الثمن، وخالفها الشافعي في ذلك، وخالفها فيه أيضاً زيد بن أرقم. وكتقليدهم عمر في أجل العنين وقد خالفه في ذلك علي ومعاوية والمغيرة بن شعبة، وكتقليد الحنفيين والمالكيين عمر في تقويم الدية بالذهب والفضة، وخالفه الشافعي، وخالفه الحنفيون والمالكيون أيضاً في تقويم الدية بالبقر والغنم والحلل، وكتقليد المالكيين والحنفيين ما روي عن أبي بكر وعمر وعثمان في حيازة الهبات، وقد خالفهم ابن مسعود، وروي الخلاف في ذلك عن أبي بكر. وكتقليد المالكيين والشافعيين لعمر في رد المنكوحة بالعيوب. وخالفوه في الرجوع بالصداق وخالفه في ذلك علي وغيره، وكخلاف المالكيين والشافعيين عمر وابن مسعود في قولهما: من ملك ذار رحم محرم فهو حر، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة في ذلك. وكخلاف المالكيين والزبير وقدامة بن مظعون وأبا الدرداء وابن مسعود في إباحة نكاح المريض. ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف.

ومثل هذا لهم كثير جداً يجاوز المئين من القضايا، قد جمعناها والحمد لله في كتابنا الموسوم بكتاب «الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس». قال أبو محمد: وأما قول من قال منهم: إذا كان ذلك من فعل الإمام فهم أترك الناس لذلك، مع تعري قولهم من الدلالة، ومما حضر ذكره من ذلك احتجاجهم في جلد الشاهد بالزنى والشاهدين والثلاثة ــــ إذ لم يتموا أربعة ــــ حد القاذف، احتجاجاً بجلد عمر أبا بكرة ونافعاً وشبل بن معبد بحضرة الصحابة في ذلك المقام نفسه. إذ قال أبو بكرة لما تمّ جلده وقام: أشهد أن المغيرة زنى، فأراد عمر جلده فقال له علي: إن جلدته فارجم المغيرة فتركه، وكلهم يرى جلده ثانية إذا قالها بعد تمام جلده، أفلا حياء إذ لا تقوى، وهل سمع بأفحش من هذا العمل وأفصح منه؟ ومثل هذا لهم كثيراً جداً.

وأما دعواهم وقولهم في الاشتهار والانتشار، فطريف جداً وإنما هم قوم أتى أسلافهم كأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وعيسى بن أبان ونظرائهم، وكمالك وابن وهب وسحنون وإسماعيل ونظرائهم وكالشافعي والمزني والربيع وابن شريح ونظرائهم فاحتجوا لما قاله الأول منهم بمرسل أو رواية عن صاحب نجدها في الأكثر لا تصح، أو تصح ونجد فيها خلافاً من صاحب آخر، أو لا نجد فأشاعوها في أتباعهم فتلقاها الأتباع عنهم وتدارسوها وتهادوها بينهم، وأذاعوا عند القلة الآخذة عنهم فتداولوها على ألسنتهم ومجامعهم وفي تواليفهم. وفي مناظرتهم بينهم أو مع خصومهم فوسموها بالانتشار والاشتهار والتواتر، ونقل الكواف وهي في أصلها هباء منبث وباطل مولد، أو خامل في مبدئه وإن كان صحيحاً لم يعرف منتشراً قط. فهذه صفة ما تدعون فيه الانتشار والتواتر، كالخبر المضاف إلى معاذ رضي الله عنه في اجتهاد الرأي فما عرفه قط أحد في عصر الصحابة، ولا جاء قط عن أحد منهم أنه ذكره لا من طريق صحيحة ولا من طريق واهية، ولا متصلة ولا منقطعة، ولا جاء قط عن أحد التابعين أنه عرفه ولا ذكره في رواية صحيحة ولا سقيمة لا موصولة ولا مقطوعة، حتى ذكره أبو عون محمد بن عبيد الله وحده. وإنما أخذه عن مجهول لا يعرفه أحد عن مثله فيما ادعى وزعم ذلك المجهول أيضاً، فأخذه عن أبي عون فيما بلغنا رجلان فقط، شعبة وأبو إسحاق الشيباني، ثم اختلفوا أيضاً في كافة لفظه ومعناه على أبي عون فلما ظفر القائلون بالرأي عند شعبة وثبوا عليه وطاروا به شرقاً وغرباً، وكادوا يضربون الطبول حتى عرفه من لا يعرف عن رسول الله كلمة، وادعوا فيه التواتر.

ومعاذ الله من هذا فما أصله إلا مظلم ولا مخرجه إلا واه، ولا منبعثه إلا من باطل وتوليد موضوع مفتعل ممن لا يعرف عمن لم يسم ممن لم يعرف قط في عصر الصحابة ولا في عصر التابعين، ولا ذكره أحد منهم غير أبي عون بن عبيد الله الثقفي وحده كما ذكرنا، فهذه صفة جمهور ما يدعون فيه التواتر والانتشار، بل صفة جميعه، وأتوا إلى المشهور المنتشر الفاشي فخالفوه بلا كلفة ولا مؤنة، كصلاة النبي قاعداً بالأصحاب، وككونه إمامنا في صلاة ابتدأها أبو بكر، وكالمساقاة إلى غير أجل، وغير ذلك من حكم عمر في إضعاف القيمة في ناقة المزني على رقيق حاطب وإضعاف عثمان الدية على القاتل في الحرم وغير ذلك كثير جداً.

قال أبو محمد: وفي كلامنا في الفصل الذي ذكرنا آنفاً في كلامنا في الإجماع الذي أبطلنا فيه قول من قال: إن ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع إبطال لقولهم في هذا الباب، لأنه إذا بطل القول بدعوى الإجماع فيما لا يعرف فيه خلاف، والقول بدعوى الإجماع فيما يوجد فيه الخلاف العظيم أظهر بطلاناً وأفحش سقوطاً. قال أبو محمد: وليست منهم طائفة إلا وهي تضحك غيرها منهم بهذا الحجر يعني مخالفة الصاحب الذي لا يعرف له مخالف من الصحابة رضي الله عنهم، فإن كان هذا إجماعاً ومخالف الإجماع عندهم كافر فكلهم كافر على هذا الأصل الفاسد. إذ ليس منهم طائفة إلا وقد خالفت صاحباً فيما لا يعرف له من الصحابة رضي الله عنهم مخالف، في أزيد من مائة قضية وتمادوا عليها مع احتجاج بعضهم على بعض بذلك وتنكيثهم لهم أبداً ويلزمهم تكفير فضلاء التابعين بمثل هذا نفسه، ولا بد لهم ضرورة من هذا أو من ترك دعواهم في هذا الفصل الإجماع، وهذا أولى بهم لأنه ترفيه عن أنفسهم، وترك لدعوى الكذب وقصة واحدة تكفي في خلاف الإجماع إذا قامت به الحجة على مخالفه، فكيف وقد جمعنا لهم من ذلك مئين من المسائل على كل طائفة من الحنفيين والمالكيين والشافعيين وبالله التوفيق.

وأما قول من قال منهم: إن قول الصاحب الذي لا يعرف له من الصحابة مخالف حجة وليس إجماعاً فهو أيضاً عائد عليهم فيما خالفوا فيه الذي لا يعرف له منهم مخالف، وسيأتي الرد على هذا القول في باب الكلام في إبطال التقليد إن شاء الله عز وجل وبه نستعين، لا إله إلا هو ويكفي من إبطال ذلك أنه لم يأت قرآن ولا سنة بإيجاب تقليد الصاحب الذي لا يعرف له منهم مخالف لا سيما فيما خالف تلك الرواية عن ذلك الصاحب نص القرآن أو السنة الثابتة، وفي هذا خالفناهم لا في رواية عن صاحب موافقة للقرآن أو السنة وإذا لم يأت بذلك قرآن ولا سنة فهو قول فاسد ودعوى باطلة، وإنما جاء النص باتباع القرآن وبيان النبي فقط وبأن الدين قد كمل والحمد لله رب العالمين.

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الرابع

في أقل الجمع | في الاستثناء | في الكناية بالضمير | في الإشارة | في المجاز والتشبيه | فصل في التشبيه | في أفعال رسول الله | الكلام في النسخ | فصل في الأوامر في نسخها وإثباتها | فصل في قول الله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيةٍ | فصل في اختلاف الناس على النسخ | فصل في تشكيك قوم في معاني النسخ | فصل في إمكان النسخ ثم إيجابه ثم امتناعه | فصل هل يجوز نسخ الناسخ ؟ | فصل في مناقل النسخ | فصل في آية ينسخ بعضها، ما حكم سائرها ؟ | فصل لا يضر كون الآية المنسوخة متقدمة في الترتيب | فصل في نسخ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف | فصل في نسخ الفعل بالأمر والأمر بالفعل | فصل في متى يقع النسخ عمن بعد عن موضع نزول الوحي | فصل في النسخ بالإجماع | فصل في رد المؤلف على من أجاز نسخ القرآن والسنة بالقياس | في المتشابه من القرآن والفرق بينه وبين المتشابه في الأحكام | في الإجماع، وعن أي شيء يكون الإجماع وكيف ينقل الإجماع | فصل في اختلاف الناس في وجوه من الإجماع | فصل ذكر الكلام في الإجماع إجماع من هو | فصل في ما إذا اختلف أهل عصر ما في مسألة ما | فصل في اختلاف أهل عصر ما ثم إجماع أهل عصر ثان | فصل في من قال إن افترق أهل عصر على أقوال كثيرة | فصل فيمن قال: ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع | فصل في من قال بأن خلاف الواحد من الصحابة أو ممن بعدهم لا يعد خلافاً | فصل في قول من قال: قول الأكثر هو الإجماع ولا يعتد بقول الأقل | فصل في إبطال قول من قال: الإجماع هو إجماع أهل المدينة | فصل فيمن قال إن الإجماع هو إجماع أهل الكوفة | إن قول الواحد من الصحابة إذا لم يعرف له مخالف فهو إجماع | فصل في من قال ليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة | فصل في معنًى نسبوه إلى الإجماع | فصل واختلفوا: هل يدخل أهل الأهواء أم لا ؟