50%

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الثالث/فصل في حمل الأوامر والأخبار على ظواهرها

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام فصل في حمل الأوامر والأخبار على ظواهرها
المؤلف: ابن حزم


فصل في حمل الأوامر والأخبار على ظواهرها

قال علي : ذهب قوم ممن بَلَح عندما أراد من نصر ما لم يأذن الله تعالى بنصره من التقليد الفاسد، واتباع الهوى المضل إلى أن قالوا: لا نحمل الألفاظ من الأوامر والأخبار على ظواهرها، بل هي على الوقف وقال بعضهم وهو بكر البشري : إنما ضلت الخوارج بحملها القرآن على ظاهره، واحتج بعضهم أيضاً بأن قال: لما وجدنا من الألفاظ ألفاظاً مصروفة عن ظاهرها ووجدنا قول القائل: إنك سخي، وإنك جميل، قد تكون على الهزؤ، والمراد إنك قبيح، وإنك لئيم، علمنا أن الألفاظ لا تنبىء عن المعاني بمجردها.

قال علي : هذا كل ما موَّهوا به، وهؤلاء هم السوفسطائيون حقاً بلا مرية، وقد علم كل ذي عقل أن اللغات إنما رتبها الله عز وجل ليقع بها البيان، واللغات ليست شيئاً غير الألفاظ المركبة على المعاني، المبينة عن مسمياتها قال الله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } واللسان هي اللغة بلا خلاف ههنا، فإذا لم يكن الكلام مبيناً عن معانيه. فأي شيء يفهم هؤلاء المخذولون عن ربهم تعالى، وعن نبيهم بل بأي شيء يفهم به بعضكم بعضاً ؟.

ويقال لهم: إذا أمكن ما قلتم فبأي شيء نعرف مرادكم من كلامكم هذا ؟

ولعلكم تريدون به شيئاً آخر غير ما ظهر منه، ولعلكم تريدون إثبات ما أظهرتم إبطاله.

فبأي شيء أجابوا به فهو لازم لهم في عظيم ما أتوا به من السخف، وهؤلاء قوم قد أبطلوا الحقائق جملة، ومنعوا من الفهم بالبتة، فيكاد الكلام يكون معهم عناء لولا كثرة من اغتر بهم من الضعفاء، وصدق رسول الله ﷺ إذ أنذر باتخاذ الناس رؤساء جهالاً فيضلون ويُضلُّون.

وأما قول بكر: إن الخوارج إنما ضلت باتباعها الظاهر، فقد كذب وأفك وافترى وأثم.

ما ضلت إلا بمثل ما ضل هو به، من تعلقهم بآيات ما وتركوا غيرها، وتركوا بيان الذي أمره الله عز وجل أن يبين للناس ما نزل إليهم، كما تركه بكر أيضاً، وهو رسول الله ﷺ ، ولو أنهم جمعوا آي القرآن كلها، وكلام النبي ﷺ ، وجعلوه كله لازماً وحكماً واحداً ومتبعاً كله لاهتدوا على أن الخوارج أعذر منه، وأقل ضلالاً، لأنهم لم يلتزموا قبول خبر الواحد، وأما هو فالتزم وجوبه، ثم أقدم على استحلال عصيانه.

والقول الصحيح ههنا : هو أن الروافض إنما ضلت بتركها الظاهر، واتباعها ما اتبع بكر، ونظراؤه من التقليد، والقول بالهوى بغير علم ولا هدى من الله عز وجل ولا سلطان ولا برهان، فقال الروافض : {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } قالوا: ليس هذا على ظاهره، ولم يرد الله تعالى بقرة قط، إنما هي عائشة رضي الله تعالى عنها، ولعن من عقها، وقالوا: الجبت والطاغوت ، ليسا على ظاهرهما، إنما هما أبو بكر وعمر رضوان الله عليهما، ولعن من سبهما.

وقالوا: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَآءُ مَوْراً * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً } ليس هذا على ظاهره إنما السماء محمد والجبال أصحابه، وقالوا: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ } ليس هذا على ظاهره، إنما النحل بنو هاشم، والذي يخرج من بطونها هو العلم.

وسلك بكر ونظراؤه طريقهم، فقالوا: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } ليس الثياب على ظاهر الكلام، إنما هو القلب.

وقالوا: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا» ، ليس على ظاهره من تفرق الأبدان، إنما معناه ما لم يتفقا على الثمن.

وقالوا: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِن امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ليس على ظاهره: إنما هو ابن ذكر، وأما الأنثى فلا.

وقالوا: {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ الآَثِمِينَ } ليس على ظاهره إنما أراد من غير قبيلتكم.

قال علي : ويسأل هؤلاء القوم، أركبت الألفاظ على معان عبر بها عنها دون غيرها أم لا ؟

فإن قالوا: لا سقط الكلام معهم، ولزمنا ألا نفهم عنهم شيئاً، إذ لا يدل كلامهم على معنى، ولا تعبر ألفاظهم عن حقيقة .

وإن قالوا نعم ؟ تركوا مذهبهم الفاسد، وكل ما أدخلنا على من قال بالوقف في الأوامر، فهو داخل على هؤلاء. ويدخل على هؤلاء زيادة إبطال جميع الكلام، أوله عن آخره، وكذلك يدخل عليهم أيضاً ما يدخل على القائلين بالوقف في العموم، وسنذكره في بابه إن شاء الله تعالى ولا قوة إلا بالله.

فإن قالوا : بأي شيء تعرفون ما صرف من الكلام عن ظاهره ؟

قيل لهم وبالله تعالى التوفيق: نعرف ذلك بظاهر آخر مخبر بذلك، أو بإجماع متيقن منقول عن رسول الله ﷺ ؛ وعلى أنه مصروف عن ظاهره فقط، وسنبين ذلك في آخر باب الكلام في العموم والخصوص إن شاء الله عز وجل، وبالله تعالى التوفيق.

وقد أكذب الله تعالى هذه الفرقة الضالة بقوله عز وجل ذامّاً لقوم يحرفون الكلم عن مواضعه : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } لا بيان أجلى من هذه الآية في أنه لا يحل صرف كلمة عن موضعها في اللغة، ولا تحريفها عن موضعها في اللسان، وأن من فعل ذلك فاسق مذموم عاص، بعد أن يسمع ما قاله تعالى. قال عز وجل: {كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً * مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً } فصح أن الوحي كله من يترك ظاهره فقد أعرض عنه، وأقبل على تأويل ليس عليه دليل.

وقال تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } وكل من صرف لفظاً عن مفهومه في اللغة فقد حرفه.

وقد أنكر الله تعالى ذلك في كلام الناس بينهم فقال تعالى: {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } وليس التبديل شيئاً غير صرف الكلام عن موضعه ورتبته، إلى غيرها، بلا دليل من نصر أو إجماع متيقن عنه . وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انْظُرْنَا وَاسْمَعُواْ وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فصح أن اتباع الظاهر فرض، وأنه لا يحل تعديه أصلاً.

وقال تعالى : {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } .

والاعتداء هو تجاوز الواجب، ومن أزاح اللفظ عن موضوعه في اللغة التي بها خوطبنا بغير أمر من الله تعالى، أو رسوله ﷺ ، فعداه إلى معنى آخر، فقد اعتدى فليعلم أن الله لا يحبه، وإذا لم يحبه فقد أبغضه، نعوذ بالله من ذلك. وقال تعالى: { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } وقال تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } .

وقد أخبر تعالى أنه : {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـؤُلاءِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فنص نصاً جليّاً لا يحتمل تأويلاً، على أنه علق كل مسمى اسماً مخصوصاً به، وكذلك من حدود الله تعالى التي قد أخبر أنه من تعداها فهو ظالم، وأنه يدخله ناراً وأهل ذلك هم لإقدامهم على الباطل الذي لا يخفى على ذي لب، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان، ونسأله التوفيق، فكل شيء يبدله لا إله إلا هو، فلا موفق إلا من هدى، ولا ضال إلا من خذل.

ولله تعالى في كل ذلك الحجة البالغة علينا.

ولا حجة لنا عليه. ولا يسأل عما يفعل وهم يُسْأَلون , وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وقال تعالى : {اتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ } فأمره باتباع الوحي النازل وهو المسموع الظاهر فقط وقال تعالى : {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أخبر تعالى أن الواجب علينا أن نكتفي بما يتلى علينا وهذا منع صحيح لتعديه إلى طلب تأويل غير ظاهره المتلو علينا فقط، وقال تعالى آمراً لنبيه أن يقول: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ } إلى منتهى قوله تعالى.

قال علي : ولو لم يكن إلا هذه الآية لكفت، لأنه ﷺ قد تبرأ من الغيب، وأنه إنما يتبع ما يوحى إليه فقط، ومدعي التأويل وتارك الظاهر تارك للوحي مدع لعلم الغيب، وكل شيء غاب عن المشاهد الذي هو الظاهر فهو غيب ما لم يقم عليه دليل من ضرورة عقل، أو نص من الله تعالى، أو من رسوله ﷺ ، أو إجماع راجع إلى النص المذكور وقال تعالى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } فمن ابتغى حكماً غير النصوص الواردة من الله تعالى في القرآن، وعلى لسان نبيه ، فقد ابتغى غير الله حكماً. وبين تعالى أن الحكم هو ما أنزل في الكتاب مفصلاً، وهذا هو الظاهر الذي لا يحل تعديه وقال تعالى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } فنص تعالى على أن الباطل إنما يمتحى، وأن الحق إنما يصح بكلماته تعالى، فثبت يقيناً أن الكلمات معبرات عما وضعت له في اللغة، وأن ما عدا ذلك باطل، فصح اتباع ظاهر اللفظ بضرورة البرهان.

وقال تعالى: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً } .

قال علي : ومن ترك ظاهر اللفظ وطلب معاني لا يدل عليها لفظ الوحي فقد افترى على الله عز وجل، بنص الآية المذكورة.

وقال تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَـؤُلآءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } وقال تعالى: {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } فنص تعالى على البيان، إنما هو القرآن وكلام النبي ﷺ فقد فصح بذلك اتباع ما أوجب القرآن وكلامه عليه السلام، وبطلان كل تأويل دونهما وقال تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } .

قال علي : ففي هذه الآية كفاية لمن عقل أن لغة النبي ﷺ التي خاطبنا بها، لا يحل أن نتعدى بألفاظها عن موضوعاتها إلى ما سواه أصلاً.

أخبرني يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري كتاباً إليّ، حدثنا سعيد بن نصر، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد بن وضاح، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا محمد بن جعفر قال: أخبرنا هشام، عن عروة، عن أبيه، قالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: ما كان رسول الله ﷺ يتأول شيئاً من القرآن إلا آياً بعدد أخبره بهن جبريل ﷺ .

قال علي : فإذا كان النبي ﷺ لا يتأول شيئاً من القرآن إلا بوحي فيخرجه عن ظاهرة التأويل، فمن فعل خلاف ذلك فقد خالف الله تعالى ورسوله ﷺ ، وقد نهى تعالى وحرم أن يقال عليه ما لم يعلمه القائل، وإذا كنا لا نعلم إلا ما علمنا، فترك الظاهر الذي علمناه وتعديه إلى تأويل لم يأت به ظاهر آخر حرام وفسق ومعصية لله تعالى، وقد أنذر الله تعالى وأعذر فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها.

حدثنا حمام بن أحمد قال: حدثنا محمد بن يحيى بن مفرج، حدثنا ابن الأعرابي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر عن جعفر بن برقان قال: قال أبو هريرة: يا ابن أخي إذا حدثت بالحديث عن رسول الله ﷺ فلا تضرب له الأمثال، وصدق أبو هريرة رضي الله عنه ونصح , وبالله تعالى التوفيق.

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الثالث

في الأوامر والنواهي الواردة في القرآن وكلام النبي والأخذ بظاهرها وحملها على الوجوب والفور | تتمة الأوامر والنواهي الواردة في القرآن وكلام النبي والأخذ بظاهرها وحملها على الوجوب والفور | فصل في كيفية ورود الأمر | فصل في حمل الأوامر والأخبار على ظواهرها | فصل في الأوامر، أعلى الفور هي أم على التراخي | فصل في الأمر المؤقت بوقت محدود الطرفين | فصل في موافقة معنى الأمر لمعنى النهي | فصل في الأمر | فصل في التخيير | فصل في الأمر بعد الحظر ومراتب الشريعة | فصل في ورود الأمر بلفظ خطاب الذكور | فصل في الخطاب الوارد هل يخص به الأحرار دون العبيد أم يدخل فيه العبيد معهم ؟ | فصل في أمره عليه السلام واحداً هل يكون أمراً للجميع ؟ | فصل في أوامر ورد فيها ذكر حكمه عليه السلام ولم يأت فيها من لفظه السبب المحكوم فيه | فصل في ورود حكمين بنقل يدل لفظه على أنهما في أمر واحد لا أمرين | فصل في عطف الأوامر بعضها على بعض | فصل في تناقض القائلين بالوقف | حمل الأمر وسائر الألفاظ كلها على العموم | تتمة حمل الأمر وسائر الألفاظ كلها على العموم | فصل في بيان العموم والخصوص | فصل في الوجوه التي تنقل فيها الأسماء عن مسمياتها | فصل في النص يخص بعضه هل الباقي على عمومه أم لا يحل على عمومه | فصل في مسائل من العموم والخصوص | فصل من الكلام في العموم