50%

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الثالث/فصل في بيان العموم والخصوص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام فصل في بيان العموم والخصوص
المؤلف: ابن حزم


قال علي: الكلام ينقسم ثلاثة أقسام: فمنه خصوص يراد به الخصوص بقوله: زيد وعمرو وما أشبه ذلك، وعموم يراد به العموم، ومعنى ذلك حمله على كل ما يقتضيه لفظه، فمنه ما يكون اسماً لجنس يعم أنواعاً كثيرة كقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ } فيقع تحت الحي المذكور الإنس وأنواع الطير كلها، وأنواع ذوات الأربع كلها، وأنواع الهوام كلها، وقد خرج من هذا العموم الملائكة لإخبار الرسول أنهم خلقوا من نور، وأما الجن فمن النار بنص القرآن، إلا أننا نبعد أن يكون في تركيبهم شيء من الماء، وإن كان العنصر هو النار، كما في تركيبنا الماء والنار والهواء، وإن كان عنصرنا التراب، ومنها ما يكون اسماً لنوع ما كقوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } فهذا عموم لجميع الخيل، ولجميع البغال والحمير، دون سائر الأنواع، وليس هذا خصوصاً لأن معنى قولنا: عموم وإنما هو ما اقتضاه اللفظ فقط دون ما تقتضيه، فمن سمَّى هذا خصوصاً فقد شغب وشبَّك. وإنما يسمى ما بقي من الجملة بعد أن يستثنى منها خصوصاً، وما استثني منها مما بقي خصوصاً، لأن العموم الذي ذكرنا قد ارتفع ضرورة، لأن اللفظ حينئذ ليس محمولاً على كل ما يقتضيه لفظه، فلما بطل أن يسمى ذلك عموماً سمي خصوصاً لأنه خص منه بعضه دون بعض بالاستثناء وبالإبقاء، ومنه ما يقع لأهل صفة ما من النوع، كقوله تعالى: {وَلِذِي الْقُرْبَى} ؛ فلما كان هذا عموماً لذوي القربى كلهم دون غيرهم وكان شاملاً لكل ما وقعت عليه هذه التسمية بهذه الصفة وكقوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } الآية، فكان ذلك عموماً لكل صدقة فرض بدليل أخرج منها ما ليس فرضاً، وكان ذلك عموماً لكل مسكين، ولكل فقير، ولكل عامل عليها، ولكل مؤلف قلبه، ولكل ما سمي رقبة، إلا أن يخص شيئاً من ذلك نص أو إجماع، وكذلك قوله : «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» فهذا عموم لكل قرشي إلا من خصه نص أو إجماع من النساء والصبيان، وكذلك سائر النصوص.

والقسم الثالث: عموم دل نص القرآن والسنة على أنه قد استثني منه شيء، فخرج ذلك المستثنى مخصوصاً من الحكم الوارد بذلك اللفظ. قال علي: ومن العموم أن يكون لفظه مشتركاً يقع على معان شتى، وقوعاً مستوياً في اللغة، ومعنى قولنا: مستو، أنه وقوع حقيقي، وتسمية صحيحة لا مجازية، فإذا كان ذلك فحملها واجب على كل معنى وقعت عليه، ولا يجوز أن يخص بها بعض ما يقع تحتها دون بعض بالبراهين التي أثبتنا آنفاً في إيجاب القول بالعموم. قال علي: ومن خالف هذا من أصحاب الظاهرين، فقد تناقض، ولا فرق بين وقوع اسم على ثلاثة من نوع فصاعداً إلى تمام جميع النوع كقولك: مساكين وفقراء، وبين وقوع اسم على ثلاثة أشياء فصاعداً مختلفة الحدود، يقع عليها كلها وقوعاً مستوياً، ليس بعضها أحق به من بعض، ولهذا قلنا في قوله تعالى: {الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } إن الآية على عمومها، ولا يحلُّ لمسلم زان أو عفيف أن ينكح زانية مسلمة لا بوطء ولا بعقد زواج، فإن وقع فسخ أبداً ما لم تتب قبل أن يعقد معها النكاح، ولا يحل لمسلمة زانية أو عفيفة أن تنكح زانياً ما لم يتب، فإن وقع الزواج فسخ أبداً، وأبحنا للزاني خاصة نكاح الذمية العفيفة فقط، لأن النص لم يأت إلا بتحريم ذلك على المؤمنين خاصة، والزناة والزواني مؤمنون، فقد حرم ذلك عليهم بالنص، ولم يأت في ذلك تحريم على المشركين، وهذه كرامة المسلم والمسلمة، لا يدخل فيها المشركون لأن حكمهم الصغار. وقد تناقض في هذا أصحابنا فحملوا النكاح ههنا على الوطء خاصة، وحملوه في قوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً } على العموم لكل ما يقع عليه اسم نكاح، وهذا كما ترى بلا دليل، وأما من ادعى أن قوله: {الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } الآية منسوخة بقوله تعالى: {وَأَنْكِحُواْ الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } فمغفل لوجهين: أحدهما إجماع الأمة على أنه لا يحل لأحد أن يقول في آية أو حديث: إنهما منسوخان لا يجوز العمل بهما إلا بنص جليّ أو إجماع. والثاني: أن قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ( ليس فيه ما يرد قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } كما ليس فيها إباحة نكاح الأخت والبنت المحرمتين وإن كانتا من الأيامى ولكن إحدى الآيتين مضمومة إلى الأخرى فننكح الأيامى منَّا ما لم يكنَّ زواني مع أنه يبعد عندنا في اللغة وقوع اسم أيم على الزانية، فالواجب استعمال الآيتين معاً، لأن استثناء بعضها من بعض ممكن، وقد قدمنا أنه لا يحل ترك آية لأخرى أصلاً.

قال علي: وكذلك قلنا نحن وسائر أصحابنا: إن قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } فأوجبنا كلنا معشر القائلين بالظاهر إلا قوماً توقفوا دون قطع ــــــ وقلنا بإيجاب حدّ القذف كاملاً على كل قاذف محصنة بأي معنى وقع عليها اسم محصنة من عفاف أو إسلام أو زواج، فأوجبنا الحد على قاذف الأمة والكافرة والصغيرة، وكذلك أوجبنا الزكاة في القمح والشعير والتمر دون سائر الحبوب والثمار لقول رسول الله : «لَيْسَ فيما دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مَنْ حَبَ أَوْ تَمْرٍ صَدَقَةٌ» ولفظة دون في اللغة التي بها خوطبنا تقع على معنيين وقوعاً مستوياً حقيقيّاً لا مجازيّاً، وهما: بمعنى أقل، وبمعنى غير كما قال تعالى: {أَمِ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَآءَ قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ } يريد غير الله تعالى، وقوله تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } فذكر تعالى المجاهرين بالعداوة للمسلمين وآخرين من غيرهم مكاتمين بها فلم يكن حمل لفظة «دون» في الحديث المذكور على معنى أقل؛ أولى من حملها على معنى غير، فوجب حملها على كلا المعنيين جميعاً، وقد تناقض في ذلك أصحابنا، فلم يحملوها إلا على معنى: أقل، فقط.

قال علي: وهذا ترك منهم لقولهم بالعموم، وحمل لفظة «دون» على معنى «غير» أولى، لأن حملها على معنى «غير» يقضي في جملته «أقل» فهو القول بالعموم، لأن الأقل من خمسة أوسق هو أيضاً غير الخمسة الأوسق، وبالله تعالى التوفيق. قال علي: فهذه أقسام مفهوم الكلام، وقد جعل قوم قسماً رابعاً: فقالوا: وخصوص يراد به العموم.

قال علي: وهذا خطأ، وليس هذا موجوداً في اللغة، وسنستوعب الكلام في هذا إن شاء الله تعالى في باب الكلام في القياس، وفي باب دليل الخطاب بحول الله وقوته، فإن اعترضوا علينا بأحاديث وردت في رجال بأعيانهم، ثم صار حكمها عندنا على جميع الناس، فليس ذلك بما ظنوا، ولكن جميع تلك الأحاديث فيها أحكام في أحوال توجب الأخذ بذلك في أنواع تلك الأحوال، اتباعاً للفظ الحكم المعلق على المعنى المحكوم فيه، وقد بيَّنا أن رسول الله لم يبعث ليحكم على أهل عصره فقط، لكن على كل من يأتي إلى يوم القيامة، وفي كل ما يحدث من جسم أو عرض إلى انقضاء الدنيا، ولا سبيل إلى أن يبقي عليه حيّاً إلى أن يلقى كل أحد، فكان حكمه على إنسان في حال ما، حدثت له أو منه، حكماً في وقوع تلك الحال كما قلنا. ويبين ذلك الحديث الذي فيه: «هُوَ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» أجلّ بيان وأوضحه، في أن كل خطاب منه لواحد فيما يفتيه به، ويعلمه إياه هو خطاب لجميع أمته إلى يوم القيامة، وتعليم منه عليه السلام لكل من يأتي إلى انقضاء الدنيا، لأن ذلك الحديث إنما خرج بلفظ تعليم الواحد في قوله : «أنْ تعبدَ الله كأنكَ تراهَ» .

ويكفينا من هذا الحديث قوله عليه السلام ــــــ أثر جوابه لجبريل عليه السلام ــــــ إن هذا الذي ذكر تعليم لهم، فأشار إلى الخطاب المتقدم للواحد، وبيّن ذلك أيضاً قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً } فبدأ بالجماعة، ثم خاطب خطاب واحد، وقد صح أن المراد بهذا الخطاب كل مسلم، والحكم على الأسماء فكل اسم حكم فيه عليه السلام فهو على كل ما تحت ذلك النوع الذي يقع عليه ذلك الاسم. قال علي: وهم أولى الناس بالهروب عن هذا السؤال، لأنهم أتوا إلى حديث الواطىء في رمضان، وهو المأمور بما يجب في ذلك من الكفارة فلم يقنعوا بأن جعلوه عامّاً لكل واطىء حتى تعدوا فجعلوه على كل آكل وشارب، ثم على كل موطوءة وآكلة وشاربة من الناس، وأتوا إلى حديث الميت في إحرامه فقالوا: لا يتعدى به ذلك الميت بعينه، وأتوا إلى أمره في غسل ابنته فقالوا: هو عام لكل ميتة، وأتوا إلى صلاته على قبر المسكينة فقالوا: هو خاص لتلك المسكينة ولهم من مثل هذا أزيد من ألف حكم كلها ينقض بعضها بعضاً. والعجب كل العجب في قياسهم إفطاراً على إفطار، فجعلوا في الأكل الكفارة كالواطىء، ولم يقيسوا صياماً على صيام، فلم يروا على المفطر عمداً في قضاء رمضان كفارة ولا على المفطر في قضاء النذر أيضاً، وليس شيء من ذلك إجماعاً، لأن إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير، لا يريان الكفارة على الواطىء، وأصحاب الشافعي كلهم لا يرون الكفارة على المفطر بغير الوطء، وقتادة يرى الكفارة على المفطر في قضاء رمضان كهي على المفطر في رمضان، ولا فرق لأنه فرض وفرض، وصوم وصوم، وفطر وفطر. وقد ادعى قوم في أحاديث وردت أنها خصوص، مثل حديث رضاع سالم.

قال علي: وليس كما قالوا، بل كل رضاع فمحرم بظاهر القرآن، إلا ما استثني بالسنة، من الأربع رضعات فأقل، وأما رضاع سالم فقد قال قوم: إنما كان حكماً في التبني، والتبني قد نسخ بقوله تعالى: {ادْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } فلما سقط التبني سقط الحكم المرتبط به، ولما لم يعلم أي الأمرين كان قبل: أحديث سالم أم قوله : «الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ» ؟ وجب الأخذ بالزائد على معهود الأصل وكان قوله : «إِنَّما الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ» مع قوله تعالى: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } زائداً على معهود الأصل في التحريم بعموم الرضاع فوجب الأخذ بالزائد. قال علي: بل حديث سالم هو الزائد فيلزم الأخذ به، لأن قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } مسقط لحكم ما زاد على الحولين، فصار حديث سالم زائداً على الآية، وحاكماً بتمادي التحريم بالرضاعة أبداً وما ندري في المصائب أطم من قول من عصى النبي في التحريم برضاع سالم، وسمع وأطاع لتحريم برضاع شهرين بعد الحولين فقط، ولتحريم أبي حنيفة برضاع ستة أشهر بعد الحولين فقط ولا حولا ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

قال علي: ومما يبين قولنا قوله لأبي بردة في الأضحية بعناق جذعة: «تُجْزِيكَ وَلا تُجْزِي جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» ، فبين أن هذا الحكم خصوصاً لأبي بردة ولو كان فتياه لواحد لا يكون فتيا في نوع تلك الحال لما احتاج عليه السلام إلى بيان تخصيصه، ومثله قوله تعالى: {يأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِـمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } فخرج عليه السلام في نكاحه في جملة قوله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً } ومثله أمره تعالى بقوله: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } فخرج بذلك عليه السلام من جملة قوله : «إِنَّ هذِهِ الصَّلاةَ لا يَحِلُّ فِيها شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ» .

وقد تناقض أبو يوسف فرأى قوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً } خصوصاً له عليه السلام، ولم ير قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } خصوصاً له عليه السلام. وهذا تناقض ظاهر، وصلاة الخوف لازمة لنا لقوله : «صَلُّوا كَمَا تَرَوْنِي أُصَلِّي» ، وأخذ الزكاة لازمة للأمة لقوله : «أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ» ، وبقوله عليه السلام: «فَمَنَ سَأَلهَا عَنْ وَجْهِهَا فَلْيُعْطَها وَمَنْ سُئِلَ أَكْثَرَ مِنْهَا فَلا يُعْطِها» فإذا سألها أولو الأمر المأمور في القرإن بطاعتهم بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } لزم فرض أدائها إليهم، وكذلك أمره تعالى بقتال المشركين حتى يعطوا الجزية موجب كل ذلك على الأئمة قبضها وإرسال السعاة والولاة فيها.

وأما خصوص لفظ في نوع يراد به نوع آخر فهذا خطأ لا سبيل إليه، وهو باطل بالطبيعة والشريعة واللغة، أما الشريعة فقوله تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } وحدوده تعالى ما نص على تحريمه، أو إيجابه أو إباحته فمن حرَّم غير ما نصَّ الله تعالى على تحريمه، أو أوجب غير ما نص الله تعالى على إيجابه، فقد تعدى حدود الله تعالى.

وأما الطبيعة فقد علمنا علم ضرورة أن الأسماء إنما وضعت ليعبر بها عن المعاني التي علقت عليها وسميت بها، لا عما لم يعلق عليه ولا سمي بها، هذا ما لا يثبت في عقل أحد غيره، وما عداه فسفسطة وتخليط وإفساد للعالم ولبنية الحس والعقل. وأما اللغة فإنا نسأل كل عالم وجاهل: ما البُرُّ؟ فيقول: القمح، فإن قلنا له عن الشعير: ما هذا؟ قال شعير، فإن قلنا: هو برّ، أنكر ذلك وهزأ بقائله، هذا ما لا يختلف فيه أحد من شرق الدنيا وغربها حتى إذا أتى الدين ـــــــ الذي هو المحتاط فيه الواجب تحقيقه ـــــ حكموا للشعير بحكم البُرِّ، وخالفوا ما أقروا أنه الحقيقة وحكموا بما أثبتنا نحن وهم أنه باطل، وتعدوا الحدود وأوقعوا الأسماء على غير مسمياتها، وبالله تعالى التوفيق.