50%

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الثالث/الباب الثاني عشر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام في الأوامر والنواهي الواردة في القرآن وكلام النبي والأخذ بظاهرها وحملها على الوجوب والفور
المؤلف: ابن حزم


في الأوامر والنواهي الواردة في القرآن وكلام النبي والأخذ بظاهرها وحملها على الوجوب والفور وبطلان قول من صرف شيئاً من ذلك إلى التأويل أو التراخي أو الندب أو الوقف بلا برهان ولا دليل

قال أبو محمد : الذي يفهم من الأمر، أن الآمر أراد أن يكون ما أمر، وألزم المأمور ذلك الأمر، وقال بعض الحنفيين، وبعض المالكيين، وبعض الشافعيين: إن أوامر القرآن والسنن ونواهيهما على الوقف حتى يقوم دليل على حملها، إما على وجوب في العمل أو في التحريم، وإما على ندب، وإما على إباحة، وإما على كراهة، وذهب قوم من الطوائف التي ذكرنا، وجميع أصحاب الظاهر إلى القول: بأن كل ذلك على الوجوب في التحريم أو الفعل حتى يقوم دليل على صرف شيء من ذلك إلى ندب، أو كراهة، أو إباحة فتصير إليه.

قال علي : وهذا هو الذي لا يجوز غيره، ونحن إن شاء الله تعالى ذاكرون ما اعترض به المخالفون، وبطلان شغبهم بالبراهين الصحيحة، ثم نذكر الأدلة على صحة ما ذهبنا إليه، وبالله تعالى التوفيق.

قال علي : فعمدة ما موَّهوا به أن قالوا: لو كان لفظ الأمر موضوعاً للإيجاب لم يوجد أبداً إلا كذلك، لكن لمَّا وجدنا بلا خلاف منكم لنا أوامر معناها الندب أو الإباحة، ووجدنا نواهي بلا خلاف منكم لنا معناها الكراهة، وجب ألا نصرف الألفاظ إلى بعض ما تحتمله من المعاني دون بعض، إلا بدليل، قالوا: وألفاظ الأوامر عندنا من الألفاظ المشتركة التي لا تختص بمعنى واحد، لكنها بمنزلة عير ورجل ولون وعين، فإن قولك: رجل ليس هو بأن يوقع على العضو، أولى منه بأن يوقع على جماعة الجراد، وقولك: عير ليس بأن يوقع على الحمار أولى من أن يوقع على العظم الذي في القدم، وقولك: عين ليس بأن يوقع على يمين عين النظر، أولى من أن يوقع على عين الماء، وقولك: لون ليس بأن يوقع على الحمرة، أولى من أن يوقع على البياض، فكذلك قول القائل افعل لما وجد يراد به الندب، ووجد يراد به إيجاب، لم يكن إيقاعه على الإيجاب أولى من إيقاعه على الندب إلا بدليل.

قال علي : هذا شغب فاسد، وذلك أنا نقول وبالله تعالى التوفيق: إن لكل مسمّى من عرض أو جسم اسماً يختص به، يتبين به مما سواه من الأشياء ليقع بها التفاهم، وليعلم السامع المخاطب به مراد المتكلم المخاطب له، ولو لم يكن ذلك لما كان تفاهم أبداً، ولبطل خطاب الله تعالى لنا، وقد قال الله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } ولو لم يكن لكل معنى اسم منفرد به لما صح البيان أبداً، لأن تخليط المعاني هو الإشكال نفسه، فإذن الأصل ما ذكرناه بضرورة العقل، وبنص القرآن، ثم وجدنا في اللغة أشياء مما ذكروا من أسماء تقع على معان شتى، ووجدناها أيضاً أسماء يختص كل اسم منها بمسماه فقط، وعلمنا أن المراد باللغة إنما هو الإفهام لا الإشكال، لزمنا أن نلزم الأصل الذي هو اختصاص كل معنى باسمه دون أن يشاركه فيه غيره، حتى يصح عندنا أن هذا الاسم مرتب بخلاف هذه الرتبة، وأنه مما لا يقع به بيان فيطلب بيانه حينئذ من غيره.

قال علي : والذي شبهوا به الأوامر من الأسماء المشتركة التي ذكروا، مثل لون وعير ورجل تشبيه فاسد ضرورة، وذلك أن المخاطب إذا خاطبنا بخبر ما عن رجل أو عن لون أو أمرنا بأمر ما في ذلك فممكن أن نحمل خبره وأمره على كل ما يقتضيه ما ذكر مثل أن يقول: لا تأكلوا عيراً فيجتنب كل ما يقع عليه اسم عير، وإن اختلفت أنواعه، وكذلك قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }

وكان ذلك واقعاً على كل ثمر، وإن اختلفت أنواعه، وكذلك قول القائل: الهواء لا لون له.

فقد انتفى بذلك عنه البياض والحمرة والسواد والخضرة والصفرة، فالفائدة بالخطاب بهذه الأسماء قائمة، والتفاهم ممكن، وحملها على ما يقتضيه جائز حسن إلا أن يقوم دليل على تخصيص بعض ما تحتها فيصار إليه.

وهذا غير ممكن في الأوامر التي أرادوا أن يشبهوها بالأسماء التي ذكرنا، لأنه إذا قيل لنا: افعلوا، وكان هذا اللفظ ممكناً أن يراد به الإيجاب وممكناً به الندب أو الإباحة، فلا سبيل في بنية الطبيعة إلى حمله على كل الوجوه التي ذكرنا، إذ ممتنع بالضرورة أن يكون الشيء ملزماً ولا بد، ومباحاً تركه في وقت واحد لإنسان واحد، هذا محال لا يمكن ولا يقدر عليه، فيبطل تشبيههم، وصح أن الأمر لو كان كما ذكروا لكان غير مقدر على الائتمار له أبداً، ولو كان ذلك لبطل الأمر كله ضرورة، وإذ قد صح ورود الأمر من الله عز وجل، وصح التخاطب بالأوامر في اللغة بين الناس، علمنا أنه لا يجوز أن يخاطبنا تعالى بما لا سبيل إلى الائتمار له، وبالمحالات التي لا نقدر عليها، وصح أن الأمر مراد به معنى مختص بلفظه وبنيته وليس ذلك إلا كون ما خوطب به المأمور، وبالله تعالى التوفيق.

قال علي : وإنما الذي ذكروا من أنهم قد وجدوا أوامر معناها الندب فصدقوا، والوجه في ذلك أننا قد وجدنا في اللغة ألفاظاً نقلت على معهودها وعن موضوعها في اللسان، وعلقت على أشياء أخر، فعل ذلك خالق اللغة وأهلها الذي رتبها كيف شاء عز وجل، أو فعل في ذلك بعض أهل اللغة من العرب، أو فعل ذلك مصطلحان فيما بينها، كما نقل تعالى اسم الصلاة عن موضوعها في اللغة، عن الدعاء إلى استقبال الكعبة، ووقوف وركوع وسجود وجلوس، بصفات محدودة لا تتعدى، وكما نقل تعالى اسم الصيام عن الوقوف إلى امتناع الأكل والشرب والوطء في أيام معلومة، وكما نقل اسم الكفر عن التغطية إلى أقوال محدودة ونيات معلومة، فإذا قد وجدنا ذلك لزمنا، إذا قام دليل، على أن لفظاً ما قد نقل عن موضوعه من اللغة، ورتب في مكان آخر أن يعتقد ذلك، وإما ما لم يقم دليل على نقله فلا سبيل إلى إحالته عن مكانه البتة، وقد قال بعض المفسدين للحقائق، المتكلمين بما لا يعقل، ليس هذا نقلاً، إنما النقل ما لم يجز أن يبقى على ما نقل عنه.

قال علي : وهذا تحكم لا يعرفه أهل اللغة، بل كل حال أحيلت، فقد تنقل حكمها عما كان عليه، والاسم إذا وقع على معنى ما فأوقعه الله تعالى أيضاً على معنى آخر، فقد نقله على حكم الوقوع على معنى واحد إلى حكم الوقوع على معنيين، وأيضاً فلسنا نحاكرهم في لفظ النقل، وإنما نريد أن اللفظة كانت تقع في اللغة على معنى مّا، فأوقعت أيضاً على غير ذلك.

قال علي : ثم نقول لهم ما يلزمكم إن صححتم دليلكم الذي ذكرتم، أنكم قد وجدتم آيات كثيرة، وأحاديث كثيرة منسوخات لا يحل العمل بها، أن تتوقفوا في كل آية، وفي كل حديث، لاحتمال كل شيء منها في نفسه أن يكون منسوخاً، كاحتمال كل أمر في نفسه أن يكون ندباً فإن التزمتم ذلك كفرتم، وخرجتم عن الإسلام، وإن أبيتم التزامه أصبتم وكنتم قد أبطلتم دليلكم في أنه لما قد وجدت أوامر معناها الندب وجب التوقف عن جميع الأوامر حتى يصح أنها إما إيجاب أو ندب.

قال علي : وليس بين ما ألزمناهم من التوقف عن كل آية، وحديث من أجل وجودهم آيات منسوخة وأحاديث منسوخات، وبين ما التزموا من التوقف عن كل أمر من أجل وجودهم أوامر معناها الندب فرق البتة، بل هو ذلك بعينه لسنا نقول: إن مثله بل نقول إن المعنى في ذلك واحد، وبيان ذلك: أن المنسوخ هو الذي لا يلزم أن يستعمل، أو يجوز أن يستعمل، والمندوب إليه هو الذي لا يلزم فرضاً أن يستعمل أيضاً، فقد اجتمعنا في سقوط وجوب الاستعمال اجتماعاً مستوياً، وإنما افترقا أن المندوب إليه مباح استعماله، والمنسوخ ليس مباحاً استعماله في بعض الأحوال فقط، فبطل تمويههم وبالله تعالى التوفيق بإقرارهم أنه ليس من أجل وجودنا ألفاظاً مصروفة عن مواضعها في اللغة، يجوز أن يتوقف في سائر الألفاظ خوف أن تكون مصروفة عن مواضعها، فقد بطل الاستدلال الذي أرادوا تحقيقه، وبالله تعالى التوفيق.

وأيضاً فإن لفظة «أو» ولفظة «إن شئت» مفهوم منهما التخيير بلا خلاف منا ومنهم، ومن جميع أهل اللغة، وقد سمعناه تعالى يقول: { فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ } سمعناه تعالى يقول: {قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً } وجدنا الدليل البرهاني قد قام على خروج هاتين الآيتين عن التخيير إلى معنى آخر، فيلزم على دليلهم الفاسد ألا يحملوا لفظة «أو» ولا لفظة «إن شئت» أبداً على التخيير، لأنه يقال لهم كما قالوا: لو كانت لفظتا «أو» و «إن شئت» على التخيير لكانت متى وجدت لما تكن إلا للتخيير، فلما وجدت لغير التخيير في عدة مواضع بطل أن تكون للتخيير.

قال علي : وفي هذا إبطال الكلام كله وإبطال التفاهم وفساد الحق والشرائع كلها والعلوم كلها، لأنه لا قول إلا وقد يوجد موضوعاً في غير بنيته في اللغة، إما على المجاز أو الاتفاق بين المتخاطبين، فلو وجب من أجل ذلك أن يبطل حمل الأسماء على معانيها التي رتبت لها في اللغة لبطل كل ما ذكرنا، وكفى فساداً بكل قول أدى إلى إبطال الحقائق، وبالله تعالى التوفيق.

قال علي : فإن قالوا: إنا لم نوافقكم على أن لفظ الأمر موضوعه في اللغة الوجوب، فيلزمنا ما ألزمتمونا، وإنما قلنا: إنه ليس موضوعه في اللغة الوجوب دون الندب، ولا الندب دون الوجوب.

قال علي : فنقول وبالله تعالى التوفيق: قد أبطلنا في كلامنا هذا جواز وقوع لفظ الأمر على الوجوب وعلى الندب معاً، وفرقنا بين ذلك وبين وقوع الألفاظ المشتركة مثل لون وعير على معان شتى، وبيَّنا أن ذلك جائز ممكن موجود، وأن وقوع لفظ الأمر على الوجوب وعلى الندب معاً محال ممتنع لا سبيل إليه، ولا يتشكل في العقل البتة فصح ضرورة أن لفظ الأمر موضوع في أصل اللغة، إما للوجوب فقط ثم نقل بدليل كما ذكرنا في بعض المواضع إلى الندب، أو إلى غير الوجوب من سائر المعاني التي سنبينها إن شاء الله تعالى، وإما أنه موضوع في أصل اللغة للندب خاصة، أو لمعنى ما من سائر المعاني التي قد وردت بلفظ الأمر، ثم نقل إلى الوجوب بدليل، فهذا هو الذي يتشكل في العقل، وأما احتمال وقوع لفظ الأمر على الندب والوجوب معاً في وقت واحد، فهذا باطل لأنه يوجب أن ورود الأمر لا حقيقة له أصلاً، ولا له معنى البتة، وهذا أحمق من قول السوفسطائية فهذا الذي أردنا أن نبين إحالته، وقد صح والحمد لله.

ولا بد لكم من المصير إلى أحد الخبرين ضرورة، إما أن تقولوا: لفظ الأمر موضوع للوجوب في اللغة، حتى يصح دليل بنقله إلى غير الوجوب، وهذا قولنا، وإما أن تقولوا: لفظ الأمر موضوع لغير الوجوب في اللغة، حتى يصح دليل ينقله إلى الوجوب، فإن قلتم ذلك، سهل أمركم بقول وجيز بحول الله وقوته، وحسبنا أن قد قلعناكم بلطف الله عن مكان الشغب على الجهال، وذلك أن قول القائل: الأوامر كلها على غير الوجوب حتى يصح دليل نقلها إلى الوجوب، دخول في عظيمتين :

إحداهما خرق الإجماع، فما قال بهذا أحد قط، وإنما شغب من شغب بالموقف، وبما قدمنا إبطاله من احتمال الأمرين .

والثانية: إبطال فائدة العقل، لأنه يصير حينئذ قائلاً: إن الموضوع في اللغة من لفظة افعل: لا تفعل إن شئت، وهذا خلاف فهم جميع أهل اللغات، لأن الثابت في فطرة العقل أن النهي عن الشيء غير الأمر به، وكفى، مع أن الإجماع على ترك هذا القول كاف عن تكلف دليل.

وبرهان ضروري: وهو أنه إن كانت لفظة افعل موضوعة لغير الإيجاب إلا بدليل يخرجها إلى الإيجاب، وكانت أيضاً لفظة لا تفعل موضوعة لغير التحريم إلا بدليل يخرجها إلى التحريم، وكان كلتا اللفظتين تعطي: افعل إن شئت أو لا تفعل إن شئت، فقد صار ولا بد من المفهوم من لا تفعل هو المفهوم من افعل، وهذا لا يقوله ذو مسكة عقل.

قال علي : قالوا: وبأي شيء يدل على أنه على الوجوب أبنفسه أم بدليله ؟

فإن قلتم: بنفسه ففي ذلك اختلفنا، وإن كان بدليله، فإذا لم يدل هو فدليله أحرى أن لا يدل.

قال علي : وهذا شغب فاسد ضعيف جداً. تعلقوا إليه من قبل مبطلي الحقائق، فإنهم قد سألونا بهذا السؤال نفسه فقالوا: بماذا ثبت عندكم أن الأشياء حق ؟

أبأنفسها ففيها اختلفنا، أم بغيرها فلا شيء في العالم يوجد من غير الأشياء الموجودة، وليس غير الأشياء إلا لا شيء ؟

فإذا لم يدل الشيء على حقيقة نفسه فلا شيء أحرى ألا يدل، وتعلق أيضاً بهذا السؤال مبطلو دلائل العقل فقالوا: بأي شيء علمتم صحة ما يدل عليه العقل ؟ أبالعقل أم بغير العقل؟ ونحو هذا من الهذيان كثير، وهؤلاء القوم في شعبة من طريق مبطلي الحقائق ومبطلي مدركات العقل.

ونعكس عليهم سؤالهم هذا السخيف الذي صححوه فهو لازم لهم لا لنا إذ لم نصححه ونقول لهم: بأي شيء يدل الأمر على أنه على الوقف، أبنفسه أم بدليله ؟

فإن قلتم بنفسه ففي ذلك اختلفنا، وإن كان بدليله، فإذا لم يدل هو فدليله أحرى ألا يدل، فمن أحمق استدلالاً ممن دليله عائد عليه، وهادم لقوله ؟ وإنما هم قوم لا يحققون شيئاً، إنما هم في سبيل التشغيب على الضعفاء، وما يخدعون إلا أنفسهم.

والجواب عن هذا السؤال السخيف وبالله تعالى التوفيق : أنا قد أخبرنا فيما خلا وفي سائر كتبنا بأننا مضطرون إلى معرفة أن الأشياء حقائق، وأنها موجودة على حسب ما هي عليه، وبأنه لا يدري أحد كيف وقع له ذلك وبيَّنا أن هذه المعرفة التي اضطرنا إليها، وخلقها الباري تعالى في أنفسنا في أول أوقات فهمنا بعد تركيبها في الجسد، هي أصل لتمييز الحقائق من البواطن، وهي عنصر لكل معرفة، وإننا عرفنا إيجاب الأوامر ببديهة العقل وبالتمييز الموضوعين فينا، لنعرف بها الأشياء على ما هي عليه، فعلمنا أن الحجر صليب، وأن الماء سيَّال في طبعه، وإن انتقل إلى الجمود في بعض أحواله، وأن قول القائل: فلان أحمق، ذم، وأن قوله: فلان عاقل مدح، وأن الأمر عنصر من عناصر الكلام التي هي خير ودعاء واستفهام وأمر، فلما استقر في النفس أن إرادة الأمر أن يفعل المأمور ما يأمره به، معنى قائم في النفوس لم يكن له بد من عبارة يقع بها التفاهم، وعلمنا ذلك أيضاً بنصوص سنذكرها في تمام إبطال ما شغبتم به إن شاء الله تعالى، وبالله نتأيد وإياه نستعين.

هذا كل ما احتج به القائلون بالوقف ولا مزيد، فقد أبطلناه بالبرهان الضروري بتوفيق الله تعالى وتعليمه لا إله إلا هو، إلا أن ابن المنتاب المالكي أتى بعظيمة فلزمنا التنبيه عليها إن شاء الله تعالى وذلك أنه قال: إن من الدليل على أن الأوامر على الوقف قول الله تعالى مخبراً عن أهل اللغة الذين هم العرب : {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُواْ أَهْوَآءَهُمْ }

قال: فلو كانت الأوامر على الوجوب، والألفاظ على العموم، لما كان لسؤالهم عما قاله عليه السلام معنى إذ لو فهم الوجوب والعموم من نفس اللفظ لكان سؤالهم فاسداً.

قال علي : لا يشبه هذا القول احتجاج مسلم، لأن الله تعالى حكى هذا الاعتراض عن قوم منافقين كفار، لم يرض فعلهم ولا سؤالهم، وإنما حكى الله عز وجل ذلك عنهم منكراً عليهم، وقد قال تعالى: {فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ } فأخبر تعالى أن ظاهر القرآن وتلاوته تكفي أن ذلك يجب قبوله على ظاهره حين وروده هذا نص الآية المذكورة، ووصية الله تعالى التي لا تحتمل غير ما ذكرنا، ولا أعجب من احتجاج من يدعي أنه مسلم في إسقاطه إيجاب طاعة الله عز وجل، وطاعة رسوله بكلام قوم كفار منافقين مستهزئين بآيات الله عز وجل.

وما نعرف لهذا الاحتجاج مثلاً في الشنعة والفظاعة، إلا قول إسماعيل بن إسحاق في كتابه «الخمس» وهو كتاب مشهور معلوم، ولنا عليه فيه رد هتكنا عواره فيه، وفضحناه بحول الله وقوته، فإن قال في الكتاب المذكور لو كان ما أعطى النبي صناديد قريش من غنائم هوازن، إثر يوم حنين من نصيبه من خمس الخمس، كما قال الشافعي، ما قالت الأنصار في ذلك ولا قال ذو الخويصرة ما قال.

قال علي : فمن أضل ممن يحتج بكلام ذي الخويصرة ويتخذ ذا الخويصرة وليجة من دون الله تعالى ورسوله ﷺ : ويجعل إنكار كافر مشرك شر خلق الله هجور لرسول الله ﷺ ، حجة على المؤمنين القائلين: إن رسول الله ﷺ إنما أعطى من أعطى نصيبه الذي فوض الله تعالى أمره إليه، لا مما جعله الله عز وجل لأقوام مسلمين معروفين، اللهم إنا نبرأ إليك من هذا الكلام، ومن نصر مذهب قاد إلى الاحتجاج بإنكار ذي الخويصرة على رسول الله ﷺ ، وبقول المنافقين : «ماذا قال آنفا» .

ونحن نقول قول إنصاف إذ قد اقتدى ابن المنتاب بالقائلين إذ خرجوا من عند رسول الله ﷺ ، وقد استمعوا إليه ثم قالوا لأهل العلم: «مّمْم» وتبرأنا نحن منهم ومن مثل سؤالهم، واقتدينا نحن بالذين قالوا: {أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }

فللَّه ما اختار، وله إن شاء الله تعالى ما أعطى الله للذين اقتدى بهم، إذ قال عز وجل يعقب حكاية قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللَّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ آلْعِقَابِ } .

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللَّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ آلْعِقَابِ }

{وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُواْ أَهْوَآءَهُمْ } (محمد: 16)

ونحن راجون أن يعطينا الله بمنه وطوله ما أعطى من اقتدينا بهم في قولهم: {أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } إذ يقول الله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ونعم فليعلم الجاهل المعترض بأقوال المنافقين المشركين على كلام الله تعالى، وكلام رسوله ﷺ أن قول الذين قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفاً، لا معنى لسؤالهم هذا، ولا يعقل سؤالهم لأنه سؤال مجنون فاسد الدين ملعون.

وشغب بعضهم بقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللَّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ آلْعِقَابِ }

{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأَرْضِ وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }

قالوا: وهذا إباحة بلا شك، فقلنا: يجب عليكم إذا احتججتم بهذا أن تقولوا: إن جميع الأوامر على الندب، حتى يقوم دليل على الوجوب وهذا ليس قولهم، وأما هاتان الآيتان فإنما خرجتا عن الوجوب إلى الإباحة ببرهان، أما التصيد، فإن النبي ﷺ حل بالطواف بالبيت وانحدر إلى منًى ولم يصطد، فصح أنه ليس فرضاً بهذا النص الآخر، وأما: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُواْ } فإن عبد الله بن ربيع قال: حدثنا عمر بن عبد الملك، حدثنا ابن الأعرابي، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا القعنبي، ثنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «المَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ في مُصَلاه الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» .

قال أبو محمد : فندبنا إلى القعود في مصلانا بعد الصلاة، فصح بذلك أن الانتشار بعد الصلاة إباحة، فمن جاءنا في شيء من الأوامر ببرهان ينقله عن الفرض إلى الندب، وعن التحريم إلى الكراهية، صرنا إليه، وأما بالدعوة الكاذبة المحيلة للقرآن والسنن على موضوعها، فمعاذ الله من ذلك.

واحتج على بعضهم بالخبر الثابت من طريق أنس: أن رجلاً اتهم بأم ولد رسول الله ﷺ فأمر النبي ﷺ علي بن أبي طالب أن يقتله فأتاه فوجده في رَكِيَ يتبرد، فأمره بالخروج فلما خرج فإذا هو مجبوب لا ذكر له فتركه وعاد إلى رسول الله ﷺ فأخبره، وزاد بعض من لا يوثق به في هذا الخبر أن عليَّاً قال له: يا رسول الله ﷺ أنفذ لأمرك كالسكة المحماة، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ فقال لهﷺ : «بَلِ الشَّاهِدُ يَرَى مَا لا يَرَاهُ الغَائِبُ» وقد ذكر هذا اللفظ أيضاً في خبر بعثه ﷺ عليَّاً إلى خيبر، وكلاهما لا يصح أصلاً، بل هما زيادتا كذب، لم يرو قط من طريق فيها خير، ويلزم من صححها أن يسقط من الصلاة ثلاث صلوات، أو من كل صلاة ركعة إن رأى ذلك أصلح، أو ينقل صوم رمضان إلى الربيع رفقاً بالناس، إذ الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، وأن يزيد في الحدود والزكاة، أو ينقص منها، وهذا كفر صريح فبطل التعلق بهذا اللفظ الموضوع.

وكذلك ما روي أنه ﷺ أمر أبا بكر وعمر بقتل ذي الخويصرة فرجعا وقال أحدهما: يا رسول الله ﷺ وجدته ساجداً، وقال الآخر: وجدته راكعاً، فهو خبر كاذب لم يأت قط من طريق خير، وأما أمره ﷺ بقتل ذلك الإنسان فيخرج على أحد وجهين: إما أنه شهد عند النبي ﷺ بذلك قوم عدول في الظاهر، منافقون في الباطن كاذبون بأنهم سمعوه يقر بذلك فوجب عليه القتل لأذاه النبي ﷺ ، ففضح الله كذبهم، وأما أنه تعالى أوحى إليه بالأمر بقتله، وقد علم تعالى أنه سينسخ ذلك الأمر بإظهار براءته، وكذب الناقل، وكلا الأمرين وجه صحيح، وبالله تعالى التوفيق.

قال علي : فإذا قد ذكرنا كل ما شغبوا به، فلنذكر إن شاء الله تعالى البراهين المصححة أن الأوامر كلها على الوجوب، والنواهي كلها على التحريم إلا ما خرج منها بدليل، ونقول قبل ذلك: إنما لجأ إلى القول بالوقف وتعلق بهذه العوارض، وسلك في هذه المضايق من بهر شعاع الحق عقله، والتمع نور الله تعالى بصر قلبه؛ وارتبك في غيه ناصراً لما قد ألفه من الأقوال الفاسدة، وطمعاً في إطفاء ما لا ينطفىء من ضياء الحق، وإنما التزموا ذلك في مسائل يسيرة، ثم تناقضوا فأوجبوا أحكاماً كثيرة، فرضاً بنفس الأمر مما قد خالفهم فيها غيرهم، وفعلت كل طائفة منهم مثل ما فعلت الأخرى.

قال أبو محمد : فأول ذلك أنه لا يعقل أحد من أهل كل لغة أي لغة كانت من لفظة «افعل» أو اللفظة التي يعبر بها في كل لغة عن معنى: افعل، ولا يفهم منها أحد لا تفعل، ولا يعقل أحد من لفظة لا تفعل، أو مما يعبر به عن معنى: لا تفعل، ولا يفهم منها أحد افعل، ومدعي هذا على اللغات وأهلها في أسوأ من حال الكهان وقد قال تعالى: {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ } .

قال علي : ويقال لهم: بأي شيء تعرفون أن في الأوامر شيئاً على الوجوب مما تقرون فيه أنه واجب، فأجابوا عن ذلك بجوابين :

أحدهما: إن قال بعضهم: نعرف أن الأمر على الوجوب إذا اقترن معه وعيد.

وقال بعضهم : لسنا نجدد دلائل الوجوب، وهي أشياء تقترن بالأوامر التي يراد بها الإيجاب، ولسنا نقدر على العبارة عنها.

قال علي : أما هؤلاء فقد أقروا بالانقطاع وبالعجز عن بيان مذهبهم، وإذا كان شيء لا يقدر على بيانه، فباليقين أن العجز عن نصره أوجد وليس يعجز أحد له لسان، وليس له حياء ولا ورع، أن يدعي ما شاء فإذا سئل عن دليل قوله وبيانه قال: إني لا أقدر على بيانه، ولكنه شيء معلوم إذا وجد عرف.

قال علي : ولسنا ممن يجوز عليه هذا الهذيان، ولكنا نقول لمن هذا: صف لنا حال نفسك في معرفتك ما عرفت أنه واجب، فإن عجزت عن ذلك بان كذبك وادعاؤك الباطل: لأن كل واحد يدعي حالاً يستدل بها على حقيقة ليست من أوائل المعارف، فهو مميز لتلك الحال وإلا فهو مدع للباطل.

قال أبو محمد : ويقال لمن قال: يعرف أن الأمر على الوجوب إذا اقترن به وعيد: اعلم أن الوعيد من الله عز وجل قد اقترن بجميع أوامر نبيه ﷺ في قوله تعالى: {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فاقترن التحذير من الفتنة والوعيد، بكل من خالف أمره ﷺ.

قال علي : واعترض بعضهم في ذلك بأن قال: لما صح في أن أوامره ﷺ ، ما لا يصيب مخالفه عذاب أليم، وهو أمر كان معناه الندب، علمنا أن الوعيد المحذر منه إنما هو فيما كان من الأوامر معناه الوجوب فقط، وأن هذه الآية لا توجب كون جميع أوامره فرضاً، وإن كان ذلك، فقد بطل أن يكون حجة في حمل الأمر على الوجوب.

قال علي : فيقال له وبالله تعالى التوفيق: إن ما خرج من الأوامر عن استحقاق العذاب المنصوص في الآية على تركه، بخروجه إلى معنى الندب، إنما هو مستثنى من جملة ما جاءت الآية به، بمنزلة المنسوخ الخارج عن الوجوب، فلا يبطل ذلك بقاء سائر الشريعة على الاستعمال، وكذلك خروج ما خرج بدليله إلى الندب ليس بمبطل بقاء ما لا دليل على أنه ندب، على استحقاق العذاب على تركه، إلا أن الوعيد قد حصل مقروناً بالأوامر كلها، إلا ما جاء نص أو إجماع متيقن منقول إلى النبي بأنه لا وعيد عليه، لأنه غير واجب ولا يسقط من كلام الله تعالى إلا ما أسقطه وحي له تعالى آخر فقط.

حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني، ثنا أبو إسحاق البلخي، عن الفربري، عن البخاري، ثنا محمد بن سنان، ثنا فليح ثنا هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ أَبَى» . قالوا: يا رسول الله ﷺ ومن يأبى ؟ قال ﷺ : «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى»

قال علي : يسأل من قال: إن الأوامر لا تحمل على الوجوب إلا بدليل، ما معنى المعصية، فلا بد له من أن يقول: هي ترك المأمور أن يفعل ما أمره به الآمر، فإذاً لا بد من ذلك. فمن استجاز ترك ما أمره به الله تعالى أو رسوله ﷺ ، فقد عصى الله ورسوله ﷺ ، ومن عصاهما فقد ضل ضلالاً بعيداً، واستحق النار، وألا يدخل الجنة، بنص كلام الله وكلام نبيه ﷺ قال الله تعالى: {إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً } .

قال علي : ولا عصيان أعظم من أن يقول الله تعالى ورسوله ﷺ افعل أمراً كذا فيقول المأمور: لا أفعل إلا إن شئت أن أفعل، ومباح لي أن أترك ما أمرتماني به.

أو يقول الله تعالى أو رسوله ﷺ لا تفعل أمراً كذا فيقول أنا أفعل إن شئت أن أفعله، ومباح لي أن أفعل ما نهيتماني عنه.

قال علي : ما يعرف أحد من العصيان غير هذا.

والحجة على هؤلاء القوم أبين في العقول بياناً وأقرب مأخذاً منها على المشركين، لأن المشركين لا يقرون بوجوب طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ ، وإنما الكلام معهم في إثبات ذلك وهؤلاء يقرون بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ ثم يقولون لنا: لا نطيع، وليس الائتمار لهما بواجب إلا بدليل غير نفس أمرهما. نعوذ بالله من الخذلان ومن التمادي على الباطل بعد وضوحه.

واحتج بعضهم بما حدثنا المهلب، عن ابن مناس عن ابن مسرور عن يونس بن عبد الأعلي عن ابن وهب أخبرني جرير بن حازم عن سليمان الأعمش قال: قال رسول الله ﷺ : «أُعْطِيتُ القُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، لِكُلِّ حَرْفٍ مِنْها ظَهْرٌ وَبَطْنٌ» ، وبه إلى ابن وهب أخبرني خالد بن حميد، عن يحيى بن أبي أسيد أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ القُرْآنَ ذَلُولٌ ذُو وُجُوهٍ، فَاتَّقُوا ذُلَّهُ وَكَثْرَةَ وُجُوهِهِ» ، وبه إلى ابن وهب، أنبأ مسلمة بن علي، عن هشام، عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال فذكر حديثاً، وذكر فيه القرآن وفيه: «وَمَا مِنْهُ آيَةٌ إِلاَّ وَلَهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ، وَمَا فِيهِ حَرْفٌ إِلاَّ وَلَهُ حَدٌّ وَلِكُلِّ حَدَ مَطلعٌ» .

قال علي : هذه كلها مرسلات لا تقوم بها حجة أصلاً، ولو صحت لما كان لهم في شيء منها حجة بوجه من الوجوه، لأنه لو كان كما ذكروا لكل آية ظهر وبطن، لكنا لا سبيل لنا إلى علم البطن منها بظن، ولا بقول قائل، لكن ببيان النبي ﷺ الذي أمره الله تعالى بأن يبيّن للناس ما نزل إليهم، فإن أوجدونا بياناً عن النبي ﷺ ، بنقل الآية عن ظاهرها إلى باطن ما صرنا إليه طائعين، وإن لم يوجدونا بياناً عن النبي ﷺ ، فليس أحد أولى بالتأويل في باطن ما تحتمله تلك الآية من آخر من تأول أيضاً.

ومن الباطل المحال أن يكون للآية باطن لا يبينه النبي ﷺ لأنه كان يكون حينئذ لم يبلغ كما أمر وهذا لا يقوله مسلم، فبطل ما ظنوه.

وقد أتت الأحاديث الصحاح بحمل كل كلام على ظاهره كما حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي قال: ثنا محمد بن معاوية المرواني، عن أحمد بن شعيب النسائي، ثنا محمد بن عبد الله بن المبارك، ثنا أبو هشام واسمه المغيرة بن سلمة المخزومي بصري ثقة قال علي وأنبأناه أيضاً عبد الله بن يوسف بن نامي، عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب بن عيسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم بن الحجاج، حدثني زهير بن حرب.

ثنا يزيد بن هارون، قال علي: واللفظ لفظ المغيرة، قال المغيرة ويزيد: ثنا الربيع بن مسلم، ثنا محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: خطب رسول الله ﷺ الناس فقال: «إِنَّ الله تَعَالَى قَدْ فَرَضَ عَلَيكُمُ الحَجَّ» فقام رجل فقال: أفي كل عام ؟ فسكت عنه، حتى أعاده ثلاثاً. فقال ﷺ : «لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ مَا قُمْتُم بِها، ذَرُونِي ما تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالشَّيْءِ فَخُذُوا مِنْهُ ما اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ» .

وقد روي أيضاً من طرق صحاح إلى الزهري، عن أبي سنان، عن ابن عباس عن النبي ﷺ .

وقد روي أمر النبي ﷺ بأن نفعل ما أمر به ما نستطيع، وأن نجتنب ما نهى عنه من طريق أبي هريرة مسنداً إلى النبي ﷺ أبو سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، وأبو صالح، والأعرج، وهمام بن منبه، ومحمد بن زياد، كلهم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ رواه عن همام معمر، ورواه عن الأعرج أبو الزناد، ورواه عن أبي صالح الأعمش، ورواه عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة الزهري، ورواه عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة مسنداً أيضاً شعبة، والربيع بن مسلم، ورواه عمن ذكرنا الثقات الأكابر.

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الثالث

في الأوامر والنواهي الواردة في القرآن وكلام النبي والأخذ بظاهرها وحملها على الوجوب والفور | تتمة الأوامر والنواهي الواردة في القرآن وكلام النبي والأخذ بظاهرها وحملها على الوجوب والفور | فصل في كيفية ورود الأمر | فصل في حمل الأوامر والأخبار على ظواهرها | فصل في الأوامر، أعلى الفور هي أم على التراخي | فصل في الأمر المؤقت بوقت محدود الطرفين | فصل في موافقة معنى الأمر لمعنى النهي | فصل في الأمر | فصل في التخيير | فصل في الأمر بعد الحظر ومراتب الشريعة | فصل في ورود الأمر بلفظ خطاب الذكور | فصل في الخطاب الوارد هل يخص به الأحرار دون العبيد أم يدخل فيه العبيد معهم ؟ | فصل في أمره عليه السلام واحداً هل يكون أمراً للجميع ؟ | فصل في أوامر ورد فيها ذكر حكمه عليه السلام ولم يأت فيها من لفظه السبب المحكوم فيه | فصل في ورود حكمين بنقل يدل لفظه على أنهما في أمر واحد لا أمرين | فصل في عطف الأوامر بعضها على بعض | فصل في تناقض القائلين بالوقف | حمل الأمر وسائر الألفاظ كلها على العموم | تتمة حمل الأمر وسائر الألفاظ كلها على العموم | فصل في بيان العموم والخصوص | فصل في الوجوه التي تنقل فيها الأسماء عن مسمياتها | فصل في النص يخص بعضه هل الباقي على عمومه أم لا يحل على عمومه | فصل في مسائل من العموم والخصوص | فصل من الكلام في العموم