50%

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء االثاني/فصل في فضل الإكثار من الرواية للسنن

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام فصل في فضل الإكثار من الرواية للسنن
المؤلف: ابن حزم


قال علي : واستغاث بعضهم إلى ذم الإكثار من الرواية، ونسبوا ذلك إلى عمر بن الخطاب، وذكروا الخبر عنه أنه لم يلتفت لرواية فاطمة بنت قيس في أن لا نفقة ولا سكنى للمبتوتة ثلاثاً، وأنه قال: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لكلام امرأة لا ندري لعلها نسيت، وتوعد أبا موسى بضرب الظهر والبطن إن لم يأته بشاهد على ما حدث به من حكم الاستئذان. وإن أبا بكر الصديق لم يأخذ برواية المغيرة بن شعبة في ميراث الجدة. حتى شهد له بذلك محمد بن مسلمة، وأن عائشة أم المؤمنين لم تلتفت إلى قول أبي هريرة في المشي في خف واحد وقالت: لأحنثن أبا هريرة، ومشت في نعل واحدة.

وأن عثمان حمل إليه محمد بن علي بن أبي طالب، من عند أبيه كتاب حكم النبي ﷺ في الزكاة فقال له: أغنها عنا، فرجع إلى أبيه فقال: ضع الصحيفة حيث وجدتها، وأن عماراً قال لعمر في حديث التيمم: أما والله يا أمير المؤمنين لئن شئت لما جعل الله لك عليّ من الحق ألا أحدث بذلك أبداً فعلت.

فقال له عمر: لا، ولكن نوليك من ذلك ما توليت، وأن ابن عباس لم يلتفت لرواية أبي هريرة في الوضوء مما مست النار، ولا رواية الحكم بن عمرو الغفاري في الوضوء من فضل المرأة، ولا رواية علي في النهي عن المتعة، ولا رواية أبي سعيد الخدري في النهي عن الدرهم بالدرهمين يداً بيد، وابن عمر ذكرت له رواية أبي هريرة في كلب الزرع فقال: إن لأبي هريرة زرعاً، وإن معاوية لم يلتفت لرواية عبادة بن الصامت، وأبي الدرداء في النهي عن الفضة بالفضة بتفاضل يداً بيد.

فهؤلاء، أبو بكر وعثمان وعلي وعائشة وعمار وابن عباس وابن عمر ومعاوية ذكروا نحو هذا أيضاً عن نفر من التابعين.

قال علي : وقولهم هذا دحض بالبرهان الظاهر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، وهو أنه يقال لمن ذم الإكثار من الرواية:

أخبرنا عن الرواية لحديث رسول الله ﷺ ، أخير هي أم شر؟ ولا سبيل إلى وجه ثالث .

فإن قال: هي خير، فالإكثار من الخير خير، وإن قال: هي شر، فالقليل من الشر شر، وهم قد أخذوا منه بنصيب، فيلزمهم أن يعترفوا بأنهم يتعلمون الشر ويعلمون به، أما نحن فلسنا نقر بذلك، بل نقول: إن الإكثار منها لطلب ما صح هو الخير كله.

وأيضاً فنقول لهم: عرفونا حد الإكثار من الرواية المذمومة عندكم، لنعرف ما تكرهون، وحد غير الإكثار المستحب عندكم، فإن حدوا في ذلك حداً كانوا قد قالوا بالباطل: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }

وقالوا بلا برهان وبغير علم، وإن لم يجدوا في ذلك حداً كانوا قد حصلوا في أسخف منزلة، إذ لا يدرون ما ينكرون ولا يحسنون. وهذا هو الضلال ونعوذ بالله منه.

وأيضاً فيقال لهم: ما الذي جعل أن يكون ما رواه مالك من الحديث خيراً، ويكون ما رواه شراً دون أن تكون القصة معكوسة، ونحن نعوذ بالله من كل ذلك، بل الخير كله التفقه في الآثار والقرآن، وضبط ما روي عن النبي ﷺ .

وقد حضّ النبي ﷺ على أن يبلغ عنه، وهذا التفقه والنذرة التي أمر الله تعالى بها، وليت شعري، إذا كان الإكثار من الحديث شراً فأين الخير ؟ أفي التقليد الذي لا يلزمه إلا جاهل أو فاسق ؟ أم في التحكم في دين الله عز وجل بالآراء الفاسدة التي قد حذر الله تعالى منها، وزجر النبي ﷺ عنها.

وفخر بعضهم بأن مالكاً كان يسقط من موطئه كل سنة وإنه لم يحدث بكثير مما كان عنده.

قال علي : هذا فخر من يريد أن يمدح فيذم، ويريد أن يبني فيهدم، ولا يخلو ما حدث به مالك وما لم يحدث به من أن يكون حدث بالصحيح عنده، وترك ما لم يصح فقد أحسن.

وكذا كل من حدث أيضاً بما يصح عنده ممن ليس مالك بأعلم منه، ولا أروع كسفيان وشعبة والأوزاعي وأيوب وغيرهم، وأن يكون حدث بالسقيم وكتم الصحيح، وقد نزهه الله تعالى عن ذلك، لأن هذه صفة أفسق الفاسقين، أو يكون حدث بسقيم وصحيح، وكتم صحيحاً وسقيماً، فمن فعل ذلك فهو آثم وملعون لكتمانه علماً صحيحاً عنده، فبطل ما أرادوا يمدحوه به، وعاد ذمّاً عظيماً لو صح عليه ذلك، وأعوذ بالله من ذلك.

وبرهان آخر يوضح كذب من قال هذا، وهو أن الموطأ ألفه مالك رضي الله عنه بعد موت يحيى بن سعيد الأنصاري بلا شك، ومات يحيى بن سعيد في سنة ثلاث وأربعين ومائة.

ولسنا نقول هذا بظننا بل يقيناً، فهكذا روينا بإسناد متصل إلى يحيى بن سعيد القطان أنه قال: لقينا مالكاً قبل أن يصنف، ولقيناه سنة اثنتين وأربعين ومائة بعد موت موسى بن عقبة بسنة، ولم يزل الموطأ يروى عن مالك منذ ألفه، طائفة بعد طائفة، وأمة بعد أمة، وآخر من رواه عنه من الثقات أبو المصعب الزهري لصغر سنه، وعاش بعد موت مالك ثلاثاً وستين سنة، وموطؤه أكمل الموطآت، لأنه فيه خمسمائة حديث وتسعين حديثاً بالمكرر أما بإسقاط التكرار فخمسمائة حديث وتسعة وخمسون حديثاً، وكان سماع ابن وهب للموطأ من مالك قبل سماع أبي المصعب بدهر، وكذلك سماع ابن القاسم، ومعن بن عيسى، وليس في موطأ ابن القاسم إلا خمسمائة حديث وثلاثة أحاديث، وفي موطأ ابن وهب كما في موطأ أبي المصعب ولا مزيد فبان كذب هذا القائل، والحمد لله رب العالمين.

قال علي : ولئن كان جميع حديث النبي ﷺ مذموماً فإن مالكاً لمن أول من فعل ذلك، فإن أول من ألف في جمع الحديث فحماد بن سلمة، ومعمر، ثم مالك، ثم تلاهم الناس، وأما نحن فإننا نحمد ذلك من فعلهم.

ونقول: إن لهم ولمن فعل فعلهم في ذلك أعظم الأجر لعظيم ما قيدوا من السنن، وكثيراً ما بينوا من الحق، وما رفعوا من الإشكال في الدين، وما فرجوا بما كتبوا من حكم الاختلاف، فمن أعظم أجراً منهم، جعلنا الله بمنه ممن تبعهم في ذلك بإحسان آمين.

وأما رد عمر رضي اللـه عنه لحديث فاطمة بنت قيس فقد خالفته فاطمة وهي من المبايعات المهاجرات للصواحب، فهو تنازع من أولي الأمر ليس قول أولى من قولـها، ولا قولـها أولى من قولـه، إلا بنص والنص موافق لقول فاطمة، وعمر مجتهد مخطىء في رد ذلك، مأجور مرة ولا تعلق للمالكيين بهذا الخبر، لأنهم خالفوا رواية فاطمة وخالفوا قول عمر، فلم يتعلقوا بأحدهما.

وأما ما ذكروا من نهي عمر رضي اللـه عنه في الإكثار من الحديث عن النبي ﷺ ، فحدثنا محمد بن سعيد، ثنا أحمد بن عون اللـه، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا الخشن، ثنا بندار، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا شعبة عن بيان عن الشعبي عن قرظة هو ابن كعب الأنصاري قال شيعنا عمر بن الخطاب رضي اللـه عنه إلى صِرَار، فانتهى إلى مكان فتوضأ فيه.

فقال: أتدرون لما شيعتكم ؟ قلنا: لحق الصحبة.

قال: إنكم ستأتون قوم تهتز ألسنتهم بالقرآن كاهتزاز النخل فلا تصدروهم بالحديث عن رسول اللـه ﷺ وأنا شريككم، قال قرظة: فما حدثت بشيء بعد، ولقد سمعت كما سمع الصحابي. فهذا لم يذكر فيه الشعبي أنه سمعه من قرظة، وما نعلم أن الشعبي لقي قرظة ولا سمع منه، بل لا شك في ذلك، لأن قرظة رضي اللـه عنه مات والمغيرة بن شعبة أمير الكوفة.

هذا مذكور في الخبر الثابت المسند، وأول من نيح عليه بالكوفة قرظة بن كعب.

فذكر المغيرة عنده ذلك خبراً مسنداً في النوح، ومات المغيرة سنة خمسين بلا شك، والشعبي أقرب إلى الصبا، فلا شك في أنه لم يلق قرظة قط فسقط هذا الخبر، بل قد ذكر بعض أهل العلم بالأخبار أن قرظة بن كعب مات وعليّ رضوان اللـه عليه بالكوفة فصح يقيناً أن الشعبي لم يلق قط قرظة ولا عقل عنه كلمة، وحدثنا أيضاً أحمد بن محمد بن الجسور، ثنا محمد بن عيسى بن رفاعة، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو عبيد، ثنا أبو بكر هو ابن عياش عن أبي حصين، يرفعه إلى عمر أنه حين وجه الناس إلى العراق، قال جردوا القرآن. وأقلوا الراوية عن رسول اللـه ﷺ وأنا شريككم.

قال أبو محمد : وأبو حصين لم يولد إلا بعد موت عمر بدهر، وأعلى من عنده ابن عباس والشعبي.

قال علي : وروي عنه أيضاً أنه رضي اللـه عنه: أنه حبس ابن مسعود من أجل الحديث عن النبي ﷺ ، كما روينا بالسند المذكور إلى بندار، ثنا غندر، ثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه قال: قال عمر لابن مسعود، ولأبي الدرداء، وأبي ذر: ما هذا الحديث على رسول اللـه ؟ قال: وأحسبه أنه لم يدعهم أن يخرجوا من المدينة حتى مات.

قال علي : هذا مرسل ومشكوك فيه من شعبة فلا يصح.

ولا يجوز الاحتجاج به، ثم هو في نفسه ظاهر الكذب والتوليد، لأنه لا يخلو عمر من أن يكون اتهم الصحابة، وفي هذا ما فيه، أو يكون نهى عن نفس الحديث وعن تبليغ سنن رسول الله ﷺ إلى المسلمين، وألزمهم كتمانها وجحدها وأن لا يذكروها لأحد، فهذا خروج عن الإسلام، وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك، ولئن كان سائر الصحابة متهمين في الكذب على النبي ﷺ فما عمر إلا واحد منهم، وهذا قول لا يقوله مسلم أصلاً، ولئن كان حسبهم وغيرهم متهمين لقد ظلمهم، فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذه الروايات الملعونة أي الطريقتين الخبيثتين شاء، ولا بد له من أحدهما، وإنما معنى نهي عمر رضي الله عنه من الحديث عن رسول الله ﷺ لو صح؛ فهو بيّن في الحديث الذي أوردناه من طريق قرظة، وإنما نهى عن الحديث بالأخبار عمن سلف من الأمم وعما أشبه.

وأما بالسنن عن النبي ﷺ فإن النهي عن ذلك هو مجرد، وهذا ما لا يحل لمسلم أن يظنه ممن دون عمر من عامة المسلمين، فكيف بعمر رضي الله عنه.

ودليل ما قلنا: أن عمر قد حدث بحديث كثير عن النبي ﷺ .

فإن كان الحديث عنه ﷺ مكروهاً، فقد أخذ عمر من ذلك بأوفر نصيب، ولا يحل لمسلم أن يظن بعمر رضي الله عنه أنه نهى عن شيء وفعله، لأنه قد روي عنه رضوان الله عليه خمسمائة حديث ونيف، على قرب موته من موت النبي ﷺ فصح أنه كثير الرواية، والحديث عن النبي ﷺ وما في الصحابة أكثر رواية عن النبي ﷺ من عمر بن الخطاب، إلا بضعة عشر منهم فقط.

فصح أنه قد أكثر الرواية عن النبي ﷺ فصح بذلك التأويل الذي ذكرنا لكلامه رضي الله عنه، وهكذا القول فيما روي من ذلك عن معاوية رضي الله عنه، ولا فرق.

وقد جاء ما قلناه عن عمر رضي الله نصّاً دون تأويل، كما أنبأ عبد الله بن ربيع، ثنا محمد بن معاوية القرشي، ثنا ابن خليفة الفضل بن الحباب الجمحي قال: ثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، ثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله بن الأشج أن عمر بن الخطاب قال: سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنة أعلم بكتاب الله عز وجل.

قال علي : وقد صح بهذا أن عمر أمر بتعليم السنن، وأخبر أنها تبين القرآن فصح ما قلناه يقيناً بلا مرية، وارتفع اللبس، والحمد لله رب العالمين.

وأعجب من هذا كله: أن المالكيين المحتجين بأن عمر رضي الله عنه حبس ابن مسعود، وأبا موسى وأبا الدرداء بالمدينة، على الإكثار من الحديث ينبغي لهم أن يحاسبوا أنفسهم فيقولوا: إذا أنكر عمر على ابن مسعود وأبي موسى وأبي الدرداء، الإكثار من الحديث، وسجنهم على ذلك، وهم أكابر الصحابة وعدول الأمة، وليس لابن مسعود إلا ثمانمائة حديث ونيف، وليس لأبي الدرداء إلا مائة حديث ونيف، لعله لا يصح عنهما إلا أقل من نصف هذين العددين ماذا كان يصنع بمالك لو رأى موطأه، قد جمع فيه ثمانمائة حديث ونيفاً وثلاثين حديثاً من مسند ومرسل ؟ أين كنتم ترونه يبلغ به وهو ينكر على الصحابة بزعمكم الكاذب دون هذا العدد ؟ فلو كان لهؤلاء القوم دين أو عقل أما كان يحجزهم عن الإقدام على الإنكار على الصحابة رضوان الله عليهم أمراً يجيزون لصاحبهم أكثر منه ؟ إن هذا لعجب .

وأما الحنفيون : فقد طردوا أصلهم ههنا، لأن صاحبهم أقل الحديث ولم يطلبه بكثرة خطئه وقلة حديثه، وحسبنا الله ونعم الوكيل، والرواية في حبس ابن مسعود في ذلك عنه ضعيفة، وإنما صح أنه تشدد في الحديث كما ذكرنا، وكان يكلف من حدثه بحديث أن يأتي بآخر سمعه معه، وإنما فعل ذلك اجتهاداً منه، وقد أنكره عليه أبي، فرجع عمر عن ذلك، وذلك مذكور في حديث الاستئذان، وحتى لو صح ذلك عن عمر ومعاوية فقد خالفهما في ذلك أبي وعبادة، وبلغ ذلك بأحدهما إلى أن حلف ألا يساكنه في بلد واحد، فمن جعل قول معاوية أولى من قول عبادة وأبي الدرداء ؟.

وأما الرواية عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أنه لم يقنع بقول المغيرة وروايته فمنقطعة لا تصح، ولو صححت لما كان لهم فيها حاجة.

لأنهم يقولون بخبر الواحد إذا وافقهم ولا معنى لطلب راوٍ آخر فالذي يدخل خبر الواحد يدخل خبر الاثنين، ولا فرق إلا أن يفرق بين ذلك نص فيوقف عنده.

وأما الرواية عن عائشة أم المؤمنين، فإنما موَّهوا بإيرادها ولا حجة لهم فيها، لأنها لم تقل قط أنها لم تصدق أبا هريرة، ولا أنها تستجيز رد حكم رسول الله ﷺ ، وإنما ذكر لها أن أبا هريرة ينهى عن المشي في نعل واحد فقالت: لأحنثن أبا هريرة وأحسنت وبرت.

فلو لم يكن في هذا إلا قول أبي هريرة لما لزم الأخذ به.

وأما خبر عثمان فلا ندري على أي وجه أورده.

والذي نظن بعثمان أنه كان عنده عن النبي ﷺ رواية في صفة الزكاة، استغنى بها عما عند علي بل نقطع بهذا عليه قطعاً، ولا وجه لذلك الخبر سوى هذا أو المجاهرة بخلاف النبي ﷺ ، وقد أعاذه الله من ذلك فإن صاروا إلى توجيهنا، بطل تعلقهم بهذا الخبر.

وإن وجهوه على هذا الوجه الآخر، لحقوا بالروافض ونسبوا إلى عثمان الكفر أو الفسق، وقد برأه الله من ذلك وأن من نسب إليه لأولى به من عثمان بلا شك.

وأما قول عمار لعمر: فيعيذ الله عماراً من أن يستجيز جحد سنة عنده عن النبي ﷺ موافقة لرأي عمر.

هذه صفة توجب الكفر لمن استحلها ويوجب الفسق لمن فعلها غير مستحل لها، لا يختلف في ذلك اثنان من أهل الإسلام، مع مجيء النص بذلك فيمن يكتم حكم الله تعالى أو يخالفه.

وإنما قال ذلك عمار مبكتاً لعمر إذ خالفه، بمعنى أترى لي أن أكتم هذا الخبر، نعم إن شئت كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } أو غير هذا، وهو في الخبر ذكر أن عمر أجنب فلم يصل، فهذا الذي أراد عمار كتمانه، وأنه لا يحدث به أبداً لواجب حق عمر عليه وهذا مباح إذ ليس ذكر اسم عمر في ذلك من السنن، ولا له فائدة، لكن عمر رضي الله عنه لم يفسح له في ذلك بل ولاه من التصريح باسمه في ذلك ما تولى.

وأما ابن عباس فإنه روى في فضل المرأة من طريق ميمونة خبراً بنى عليه وروى في المتعة إباحة شهدها فثبت عليها ولم يحقق النظر، وقد أنكر ذلك عليه علي بن أبي طالب وأغلظ عليه القول وروي في الدرهم بالدرهمين خبراً عن أسامة عن النبي ﷺ فثبت عليه وأنكر عليه ذلك أبو سعيد وأغلظ له في القول جداً، ولم يعارض خبر الحكم في فضل المرأة بأكثر من أن قال: هي ألطف بناناً، وأطيب ريحاً، فليس في هذا رد للحديث ولا لحكمه، بل صدق في ذلك، وقد خالفه في الوضوء مما مست النار، وفي غسل اليد ثلاثاً قبل إدخالها في الإناء أبو هريرة وأغلظ له في القول فليت شعري من جعل قول ابن عباس أولى من قول علي وأبي هريرة والحكم بن عمرو وأبي سعيد ؟.

وأما قول ابن عمر: إن لأبي هريرة زرعاً، فصدق وليس في هذا رد لرواية أبي هريرة أصلاً، فإذا لم يبق من جميع ما اعترضوا به إلا اختلاف الصحابة في بعض ذلك مما صح وثبت، فالواجب الرد المفترض الذي لا يحل سواه هو الرد في ذلك إلى الله تعالى وإلى النبي ﷺ إذ كان صاحب في ذاته فغير مبعد عنه الوهم لا سيما إذا اختلفوا فمضمون أن أحد القولين خطأ، فوجدنا الله تعالى قد أمر بالتفقه في الدين، وإنذار الناس به، وأمر بطاعة الرسول ﷺ ، ولا سبيل إلى طاعته عليه السلام إلا بنقل كلامه وضبطه وتبليغه ولا سبيل إلى التفقه في الدين إلا بنقل أحكام الله تعالى وأحكام رسوله ﷺ ، ووجدناه قد حض على تبليغ الحديث عنه وقال في حجة الوداع لجميع من حضر: «أَلا فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الغَائِبَ» فسقط قول من ذم الإكثار من الحديث.

ثم العجب فيه إيرادهم لهذه الآثار التي ذكرنا عمن أوردوها عنه من الصحابة فوالله العظيم ما أدري غرضهم في ذلك ولا منفعتهم بها، ولا شك أنهم لا يدرون لماذا أوردوها، لأنهم إن كانوا أوردوها طعناً في القول بخبر الواحد فليس هذا قولهم، بل هم كلهم يقولون بخبر الواحد، وأيضاً فهي كلها أخبار آحاد وليس شيء منها حجة عند من لا يقول بخبر الواحد، وهذا عجب جداً، أو يكونوا أوردوها على إباحة رد المرء ما لم يوافقه من خبر الواحد، وأخذ ما وافقه من ذلك، فهذا هوس عتيق، أول ذلك أنهم يردون بعض ما لم يرده من احتجوا به من الصحابة، ويأخذون ببعض ما رده من احتجوا به منهم، وأيضاً فإن كان الأمر كذلك فقد اختلط الدين وبطل، لأن لخصومهم أن يردوا بهذا الباب نفسه ما أخذوا به، ويأخذوا ما ردوه هم منه ونعوذ بالله منه.

قال علي : ولا أضل ولا أجهل ولا أبعد من الله عز وجل، ممن يزجر عن تبليغ كلام النبي ﷺ .

ويأمر بألا يكثر من ذلك، أو يرد ما لم يوافقه مما صح عن النبي ﷺ بنظره الملعون، ورأيه الفاسد، وهواه الخبيث، ودعواه الكاذبة، ثم يغني دهره في الإكثار من تبليغ آراء مالك وابن القاسم وسحنون وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، والتلقي بالقبول لجميعها على غلبة الفساد عليها، ألا إن ذلك هو الضلال البعيد.

والفتيا بالآراء المتناقضة وبالله تعالى نعتصم.

قال علي : وأما من ظن أن أحداً بعد موت رسول الله ﷺ ينسخ حديث النبي ﷺ ، ويحدث شريعة لم تكن في حياته ﷺ فقد كفر وأشرك وحل دمه وماله ولحق بعبدة الأوثان، لتكذيبه قول الله تعالى : {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وقال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }

فمن ادعى أن شيئاً مما كان في عصره ﷺ على حكم ما، ثم بدل بعد موته فقد ابتغى غير الإسلام ديناً، لأن تلك العبادات والأحكام والمحرمات والمباحات والواجبات التي كانت على عهده ﷺ هي الإسلام الذي رضيه الله تعالى لنا، وليس الإسلام شيئاً غيرها فمن ترك شيئاً منها فقد ترك الإسلام، ومن أحدث شيئاً غيرها فقد أحدث غير الإسلام، ولا مرية في شيء أخبرنا الله تعالى به أنه قد أكمله، وكل حديث أو آية كانا بعد نزول هذه الآية فإنما هي تفسير لما نزل قبلها، وبيان لجملتها، وتأكيد لأمر متقدم. وبالله تعالى التوفيق.

ومن ادعى في شيء من القرآن أو الحديث الصحيح أنه منسوخ ولم يأت على ذلك ببرهان، ولا أتى بالناسخ الذي ادعى من نص آخر فهو كاذب مفتر على الله عز وجل داع إلى رفض شريعة قد تيقنت، فهو داعية من دعاة إبليس، وصاد عن سبيل الله عز وجل، نعوذ بالله، قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } فمن ادعى أن الناسخ لم يبلغ، وأنه قد سقط فقد كذب ربه، وادعى أن هنالك ذكراً لم يحفظه الله بعد إذ أنزله.

فإن قال قائل : الحديث قد يدخله السهو الغلط، قيل له: إن كنت ممن يقول بخبر الواحد، فاترك كل ما أخذت به منه، فإنه في قولك محتمل أن يكون دخل فيه السهو الغلط، وإن كنت مقلداً، فاترك كل من قلدت فإن السهو والغلط قد يدخلان عليه بالضمان.

وقد يدخلان أيضاً في الرواة عنهم الذين عنهم أخذت دينك، وإلا فالرواة عن النبي ﷺ أوثق من الرواة عن مالك وأبي حنيفة، نعم ومن مالك وأبي حنيفة أنفسهما.

وإن كنت ممن يبطل خبر الواحد جملة، فقد أثبتنا البرهان على وجوب قبوله، وما ثبت بيقين فلا يبطل بخوف سهو لم يتيقن، والحق لا تسقطه الظنون قال الله تعالى: {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً } ولزمه أن يسقط القبول لشهادة الشاهدين في الدماء والفروج والأموال، إذ يدخل عليهما السهو والغلط وتعمد الكذب، وبالله تعالى التوفيق.

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الثاني

فصل في المرسل | فصل في أقسام السنن | فصل في خلاف الصاحب للرواية وتعلل أهل الباطل بذلك | فصل في حكم العدل | تتمة فصل في حكم العدل | فصل وقد يرد خبر مرسل إلا أن الإجماع صح بما فيه متيقناً | فصل أجاز بعض أصحابنا أن يرد الحديث الصحيح | فصل ليس كل قول الصحابي إسناداً | فصل في قوم لا يتقون الله فيما ينسب إلى النبي | فصل ليس كل من أدرك النبي ورآه صحابياً | فصل في حكم الخبر عن النبي | فصل في زيادة العدل | فصل في إبطال ترجيح الحديث بعمل أهل المدينة وإبطال الاحتجاج بعملـهم أيضاً | فصل فيه بيان سبب الاختلاف الواقع بين الأئمة في صدر هذه الأمة | فصل في فضل الإكثار من الرواية للسنن | فصل في صفة الرواية | فصل وقد تعلل قوم في أحاديث صحاح بأن قالواهذا حديث أسنده فلان وأرسله فلان