إذا عنَّ لي برقٌ يضيء على البعدِ

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

إذا عنَّ لي برقٌ يضيء على البعدِ

إذا عنَّ لي برقٌ يضيء على البعدِ
المؤلف: حيدر بن سليمان الحلي



إذا عنَّ لي برقٌ يضيء على البعدِ
 
نزت كبدي من شدّة الشوقِ والوجد
وناديتُ معتلَّ النسيمِ بلا رُشد
 
«نسيمَ الصَبا استنشقتُ منك شذا الندِّ
وهل لسليمِ الحبِّ أقبلتَ راقيا؟
 
بنشرِ فتاة الحيِّ إذ كان شافيا
فما كنت إلاّ للصبابة ِ داعيا
 
«فذكّرتَني نجداً وما كنتُ ناسيا
نواعِمَ عيشٍ مازَجَ الأُنس زَهرها
 
رِطابَ أديمٍ خالطَ المسكُ نشرهَا
رقاقَ حواشٍ قرَّب الوصلُ فجرَها
 
"ليالٍ قصيراتٍ، ويا ليت عُمرهَا
رياحُ الهنا فيها تنشَّقتُ عَرفَها
 
وفيها مدامُ اللهوِ عاقرتُ صِرفَها
لدى روضة ٍ لا يبلغُ العقلُ وصفَها
 
«بها طلعت شمسُ النهارِ فلفَّها
سوادانِ يعمى الفجرُ بينَ دُجاهما
 
هما اثنانِ لكن واحدٌ منتماهُما
أتت تتخّفى خيفة ً في رداهما
 
«ولو لم تُغطّي خدَّها ظُلماتها
فأبصرتُ منها إذا سهت منه غُرّة ً
 
محيًّا هو الشمسُ المنيرة ُ غُرّة ً
ولاحَ لها خدٌّ، هو النورُ نُضرة ً
 
«قد اختلست منها عيونيَ نظرة ً
تَحيَّرتُ في بدرٍ من الوجهِ زاهرِ
 
يلوحُ على غصنٍ من القدّ ناضرِ
وأسيافِ لحظٍ في الجفونِ بواتر
 
"في وجنتيها حمرة ٌ شكَّ ناظري
فبالشذرِ أيدي الحُسن طرَّزن صدرها
 
وبالنجمِ لابالدرِّ وشحّن خصرَها
لها مقلّة هاروتُ ينفثُ سحرَها
 
"وفي نحرها عقدٌ توهمت ثغرَها
بنفسي هيفاءَ الوشاحِ من الدُمى
 
سقتني حمّيا الراح صرفاً من اللّمى
فأمسيتُ من وصفِ المدام متيَّما
 
"وما كنت أدري ما المدامُ، وإنّما
وقبلَ ارتشافُ الثغر ما لذّة ُ الهنا
 
وقبل سنا الخدينِ ما لامعُ السنا
وقبل رنينِ الحُلي مارنَّة ُ الغِنا
 
«وقبل اهتزازِ القدِّ ما هزّة ُ القَنا
لها كلَّ يومٍ عَطفة ٌ ثم نَبوة ٌ
 
وما علقت فيها بقلبي سَلوة ٌ
فمِن بُعدَها زادت بقلبي صبوة ٌ
 
"ومن قُربِها مالت برأسي نَشوة
ولا عجبٌ إن يشفَ في عَطفِ قلبها
 
سقامُ جفاها يومَ بتُّ بجنيها
هي الداءُ طوراً والشفاءُ لصبِّها
 
«وإن زالَ سكرُ البعدِ من سكرُ قربِها
فمذ كنتُ ذرًّا قد تعشّقتُ زينبا
 
وفي عالمِ الأصلابِ زدت تعذُّبا
وموَّهتُ في ضربٍ من اللحنِ مطربٍ
 
«تعشّقتُها طِفلاً وكهلاً وأشيبا
أغارُ عليها أن يمرَّ بشعبها
 
نسيمُ الصَبا أو يكتسي طيبَ تُربها
وأدري بحبي كيف بات بقلبها
 
"ولم تدرِ ليلى أنني كَلِفٌ بها
وأخفيتُ عن نفسي هوى سقمه شكت
 
ولم تدرِ أحشائي بمن نارُها ذكت
وكفّي لأسناني لمن أسفاً نكت
 
"وما علمت من كتمِ حبي لمن بكت
إذا ما تذاكرنا الهوى بتشبُّبٍ
 
أتيتُ بتشبيبٍ عن الشوقِ معربٍ
وإن قلتُ إني واجدٌ في جآذرِ
 
فوجدي بريّا لا بوحشٍ نوافرِ
وإن قلتُ أروى فالمنى أمُّ عامرِ
 
وإن قلتُ شوقي باللوى فبحاجر
فيحسب طرفي في هوى تلك قد قذي
 
وأنَّ بهاتيك العَذارى تلذُّذي
وفي ذكرِ أوطانٍ لها القلبُ يغتذي
 
"وما ولعت نفسي بشيء سوى الذي
وأكرمُ أربابِ الغرامِ الأُلى خلوا
 
أناسٌ أسرَّوا سرَّه مُذ به ابتلوا
وقال لقومٍ للأذاعة ٍ ما قلوا
 
"كذا من تصدّى للهوى فليكن ولو
فانَّ الفتى مَن يحكم الرأي فكرهُ
 
ويعجزُ أربابَ البصيرة ِ سبرهُ
وذو الحزمِ من يخفى على الناسِ أمرهُ
 
"وليس الفتى ذو الحزمِ من راح سرَّه
إذا لم يصنهُ عن خليل وحُسَّد
 
تحدَّثَ فيه الناسُ في كلِّ مشهد
وغنَّت به الركبانُ في كلِّ فِدفد
 
«فيسري إلى القاصي كما بمحمد
لقد جمدت دون القِريضِ القرايحُ
 
وماتت بموتِ الماجدين المدايُح
فما لرتاج الشعرِ إلاّيَ فاتُح
 
"وما للثنا إلاّ محمَّدُ صالح
ظهورُ العُلى في مثله ما استقلّتِ
 
له رتبة ٌ عنها الكواكبَ خُطّت
فتى ً إن يرم إدراكه العقلُ يَبهتِ
 
"همامٌإلى العلياءِ حدّة فكرتي
مليكٌ عليه طائرُ الوهمِ لم يحمُّ
 
وكلُّ ابنِ مجدٍ شأوَ علياهُ لم يَرمُ
تحدَّر من أصلابِ فخرٍ غدت عُقم
 
«وعن مثله أمُّ المكارمِ لم تقُم
لهُ خلقٌ ما شابَ سلساله القذا
 
ولا هو في غيرِ الفخارِ تلذَّذا
وغيرَ العُلى منذُ الولادة ِ ما اغتذى
 
"ترَّبى بحجرِ المجدِ طفلاً وقبلُ ذا
فعلَّمَ صوبَ الغيثِ أن يتهلَّلا
 
ووازنَ منه الحلمُ رضوى ويذبلا
وفات جميعَ السابقين إلى العُلى
 
«ترقّى النهى قبل الفِطامِ به إلى
تجمَّع شملُ الزهدِ لمَّا تشتَتَا
 
وعاشَ التقى من بعدِ ما كان ميّتا
بذي نُسِكٍ ما زال للهِ مُخبتا
 
«ومعتصمٍ ممّا يُشانُ به الفتى
فلا غروَ إن عمَّت نوافلهُ الملا
 
وطبقَّن ظهرَ الأرضِ سهلاً وأجبلا
وفاتَ الورى فخراً ومجداً مؤثّلا
 
"فذا واحدُ الدنيا انطوى بردُه على
عليه العُلا قد دار إذ هو قطبُه
 
وفي فخرهِ من دهرِه ضاقَ رحبهُ
وبيتُ علاهُ سامَت الشُهب كثبُه
 
«رفيعُ مقامٍ أين ما حلَّ تُربُه
عظيمُ محلٍّ كان للفضلِ جوهرا
 
له رتبة ٌ طالت على الشمِّ مفخرا
لتأنف أن يستام عزَّة َ نخوتي
 
"على شرفاتِ المجدِ مغناهُ والورى
إذا هو بالايحاش بدَّلَ أُنسَه
 
تبيتُ صروفُ الدهرِ تُنكر مسَّه
همامٌ عليهِ يَحسِدُ الغدُ أمسَه
 
«تراه، ولو قد كان يخفض نفسَه
رفيعاً بحيثُ النجمُ لم يكُ ممسكا
 
بأَذيالهِ والفكرُ لم ير مَسلَكا
 
ثبيراً على جنبِ الوثير قد اتكا
أعزُّ الورى نفساً وأزكى نجابة ً
 
وأسبقُ في الآراءِ منهم إصابة ً
وأبلَغُهم وسط النديِّ خِطابة ً
 
"له الفصحاءُ المفلقونَ مهابة ً
عليمٌ له نفسٌ عنِ الله لم تمل
 
ومن ذكرِ ما لم يرضِه لم يزَل وَجِل
ومنه وعنه العلمُ بين الورى نُقِل
 
"لقد ضاقَ صدر الدهر من بعض بثَّه الـ
وعمياءَ سُدَّت عن ذوي الرشدُ سُبُلها
 
تساوى بها علمُ الأنامِ وجهُلها
جلاها فتى ً تدري العلومُ وأهلُها
 
«إذا انعقدت عوصاء أُشكلَ حلُّها
وغامضة ٍ فهمُ الورى دونها انقطع
 
وليس لهم في حلِّ معقودِها طمع
إذا أعوصت في كشفِ غامضها صَدع
 
«فيوضحها بعد الغموضِ ولم يَدع
وكانت متى فاهت ذوو الحزم تخزِهم
 
فيرضوا بذلِّ العجزِ من بعدِ عزِّهم
وحتى تحاماها الفحولُ برمزِهم
 
وعنه أرَّم الناطقونَ لعجزِهم
تراه به عضبَ المضاربِ مُرهفا
 
إذا هو أمضى الحكمَ لن يتوقفا
فيمسي عليه طالبوا العلم عُكَّفا
 
"فيلقي إلى أذهانِها علمَ ما اختفى
ومن كلِّ طخياءٍ جلا كلَّ غبرة ٍ
 
بايضاحِ قولٍ عن لسانٍ كزبرُة ٍ
ولم يكُ إلاّهُ بحدّة ِ فكرة ٍ
 
«رشيدٌ بعينِ الحزمِ أوَّل نظرة ٍ
تُرُّد أُمورُ الناس في كلِّ مشكلٍ
 
إلى قُلَّبٍ، إن أشكل الرأى، حُوَّلِ
ومن كلّ أمرٍ فاتحٌ كلَّ مُقفَلِ
 
«يُسدِّد سهمَ الرأى في كلِّ معضل
فتى ً معه المعروفُ يرحل رَحَل
 
وتنزل آمالُ الورى حيثما نزل
ببُرد التقى فوق العفاف قد اشتَمل
 
"ترى نفَسه من حبها الله لم تزل
حليفُ التقى ما انفكَّ لله شاكرا
 
وللنومِ، من حبِّ العبادة ِ، هاجرا
وفي وِردِه ما زال لليل عامرا
 
"يقوم إلى ما كان نَدباً مبادرا
فيجلو ظلامَ الليلِ منه إذا سجى
 
بغرّة ِ وجهٍ كالصباح تبلَّجا
وعن قلبِ مسجور الحشى يظهر الشجا
 
"وفي عين عاضٍ نادمٍ يسهرُ الدجا
فكم شادَ بالتقوى بيوتَ هدى ً دُرس
 
وقام بعينٍ جفنَها النوم لم يُدس
بأورادهِ يقضي دجا الليلِ في أُنس
 
«فيقصرَ عن أورادهِ ولو أنه اسـ
إذا لم يُفض يوماً على الدهرِ عفوهَ
 
أتاه منيباً يقبضُ الخوفُ خُطوه
ونادى بصوتٍ ليس يُرفعُ نحوَه
 
«فيا سابقاً لم يدرِكِ العقلُ شأوَه
ألا اسقِ رياضي، أنها اصفرَّ زهرُها
 
وضوء لياليَّ التي حُلن غرُّها
أَنر وجه أيامي التي اسودَّ فجرُّها
 
«فشمس بني العلياءِ أنت وبدرها
ونفسكما من كلِّ إثمٍ تقدَّست
 
وداركما قدماً على الجودِ أُسّست
وجودكما بالنورِ نته الربا اكتست
 
"وحلمُكما منه الجبالُ لقد رست
وإنكما عِقدانِ للفضل حليّا
 
وبدرانِ في أُفقِ المعالي تجلَّيا
وصقران في جوِّ المكارمِ جليَّا
 
"وغيثا عطاءٍ أنتُما يفضحُ الحيا
 
وأمسي له في غير جودِكما أمل
ألم يدرِ مذ جودُ الكرام قد اضمحل
 
بقيّة جودٍ للورى ذَخرُ وكما الـ
وأبقوكما في الأرضِ للخلقِ مقصدا
 
ليمسي عَلاهم فيكما مُتجدِّدا
ويبقى نَداهم في الزمانِ مخلّدا
 
لعلمِهمُ في موتِهم يُدجُ الندى
كأَنَّ الورى كانوا بنيهم وأنتما
 
أقاموكما فيهمِ كفيلاً وقيِّما
ومِن بعدِهم في ذلك العبء قِمتُما
 
فأحييتما ميتَ الندى فكأَنّما
توارثتُما منهم سماءَ مفاخرٍ
 
وزينتمُوها في نجومٍ زواهرٍ
وقد حزتما ما أحرزا من ذخائرٍ
 
وأحرزتما ما خلّفوا من مآثرٍ
كرامٌ على كلِّ الأَنام لهم يدُ
 
وبيتٌ علاهم في الزمانِ مُشيَّدُ
وليس عليهم زادَ في الفضلِ سيّدُ
 
لئن زادَ في معنى طريفٍ محمّدُ
وإن هم ببطنِ الأرضِ من قبلُ أضمروا
 
فإنَّ لعلياهُم معاليه مظهرُ
وطيُّ مساعيهم به عادَ يُنشرُ
 
وإن دُرِجوا موتى بعلياه عُمّروا
فمن جوهرِ العلياءِ كانوا فِرندَه
 
وأوَّل من أورى من الجودِ زندَه
درى الحيِّ فيهم والذي حلَّ لحده
 
هم شَرَعوا للجودِ في الناسِ نجدَه
فهل لسواها الزاخراتُ قد اعتزت؟
 
وهل غيرُها سحبٌ إذا السحبُ أعوزت؟
لقد أحرزت بالوفرِ حمداً فبرَّزت
 
ولو لم تحز بالوفر حمداً لأَحرزت
إذا في الشتاءِ الشولِ غبراءُ رُوَّحت
 
ومصّ الثرى ماءَ الرياضِ فصوَّحت
فاّنهما فيها سيولٌ تبَّطحت
 
أناسٌ يرى في الكرخِ مَن فيه طوَّحت
سنا نارِهم قد صيَّروه نُعوتَهم
 
لمسترشدِ الظلماءِ كي لا يفوتَهم
لهم أوجهٌ يستصبِحونَ بها الملا
 
كأنَّ بدورَ التمِّ منهنَّ تُجتَلى
فلو قابلوا فيها دُجى الليلِ لانجلى
 
ولو وزنت فيهم شيوخُ بني العُلى
فطفلِهمُ حذَو المُسنِّ قد احتذى
 
وعزّتُهم أضحت لعينِ العِدا قَذا
وكلٌّ مِن الحسّادِ فيها تعوَّذا
 
وكلاًّ إذا أبصرتَ منهم تقولُ: ذا
رفيع عُلى ً لا يطلعُ الفكرُ نجدَه
 
حليفُ تقى ً لا يعلقُ الأثمُ بُردَه
أخو الحزمِ ما حلَّت يدُ الدهرِ عقدِه
 
إذا انعقدَ النادي تراهُ ووِلدَه
كأَنَّ عُقاباً فيه بين قشاعمٍ
 
وليثَ عرينٍ فيه بين ضراغمٍ
وصلَّ صَفاة ٍ فيه بين أراقمٍ
 
على أنهم فيه نجومُ مكارمٍ
بروقُ عُلاهم من سناها تكشَّفت
 
وكفُّهم للوفدِ من سيبهِ كَفت
وفي رحمة ٍ منه عليهم تَعطّفت
 
وأخلاقهمُ من حسنِ أخلاقهِ صفت
فلو نَفحت ميتاً لأحيته حقبة ً
 
ولو كنَّ في المسبوبِ لم يرَ سبَّة ً
ولو كنَّ في المكروبِ لم يرَ كربة ً
 
ولو ذاقها الأعداءُ كانوا أحبَّة ً
وجوُدُهم في المحل من جودِ كفِّه
 
وإن شمخت آنافُهم فبأنِفه
وَعرفُ عُلاهم فاحَ من طيب عرِفه
 
تضوَّع من أعطافِهم ما بعطفِه
أعزُّ بني الدنيا وأطيبُ عنصرا
 
لهم عاد عودُ الفضلِ فينانَ مُثمرا
وفيهم غدا صبحُ المكارمِ مُسفِرا
 
"سلالة ُ مجدٍ هم مصابيحُ في الورى
فتى ً مذ نشا تَدري جميعُ بني العُلى
 
«له مفخرٌ لو بعضَه اقتسمَ الملا
وسادوا بما حارَ النُهى في عجيبه
 
وبدرُ السمَا استغنى بهم عن مَغيبه
فأمسوا وكلٌّ مشرقٌ في غروبه
 
"وأصبح كلٌّ سامياً في نصيبه
وشأوٌ ذوو العلياءِ لا يعلقونَه
 
وكنهٌ ذوو الأفهامِ لا يُدركونه
وقدرٌ يغضُّ الدهرُ عنه جُفونَه
 
«وعزٌّ أكفُّ الدهر تُحسَمُ دونه
وحلمٌ يُراديه الزمانُ بخطبِه
 
فيُلفيه أرسى من أبانٍ وهضبِه
وفهمٌ لسقمِ الجهل شافٍ بطبّه
 
"ورأيٌ يرى ما غابَ من خلف حجبه
يَبيتُ على حفظِ العُلى غيَرها جد
 
ويبذلُ فيها من طريفٍ وتالد
وتبصرُ منه عينُ كلِّ مُشاهد
 
«فتى ً قد رقى العليا بهمَّة ِ ماجد
ومن ساعة ِ الميلادِ في حبِّها صبا
 
وكانت له أُمّاً وكان لها أبا
فإن تعتجب مِن ذا تَجد منه أعجبا
 
«إذا ما تراءى محتبٍ شُكَّ في الحُبا
فإن قلتَ: هذا مرهفٌ كان أرهفا
 
وأخلاقهُ: هنَّ الصبا كنَّ ألطفا
وإن قلت: ذا ماءُ السما لستَ منصفا
 
«لعمرك ما ماءُ السماءِ وإن صفا
وَهوبٌ لو انَّ البحرَ في كفِّه فُني
 
وآملُه عن صيّبِ المزنِ قد غُني
حميدَ سجاياً للمكارمِ يقتني
 
"فريدة ُ هذا الدهر لو لم نجد بني
 
وصبحُ العلى من نورِهم عادَ أبيضا
همُ في علاهم خيرُ من ضمَّه الفَضا
 
"فروُعُ على ً منها محمدُ الرضا
سحابٌ على الوُفّادِ نائلهُ مُطِل
 
وسحبانُ يمشي في فصاحتِه ثَمِل
فإن تُقصرَن في مدح علياهُ أو تُطِل
 
"فلا أحنفٌ يحكيه بالحلم لا وبالـ
 
وأسُّ العُلى مذ كان تربٌ لأُسّه
وإن يومُه أثنى عليهِ كأَمسه
 
«فهمّتهُ في الجودِ طبقٌ لنفسه
فلا وفدَ غيثُ جدواهُ عَمَّهُ
 
وشابَهَ في الجدوى أباهُ وعمَّه
ومذ بَشَّرت فيه القوابلُ أُمَّه
 
"سعى طالباً أوجَ المعالي فأَمَّه
 
تلوحُ إذا بالمصطفى فيهما اتَصل
فحلَّوا جميعاً رتبة ً دونَها زُحل
 
"وكلّهم جاءوا على نسقٍ من الـ
أُولي الحمدِ في عالي الثناءِ شفعتمُ
 
وإن عنه في معروفِكم قد غنيتمُ
تهشُّون شوقاً إن دعا من دعوتمُ
 
"بني المجدِ من أبكارِ فكري خطبتمُ
بدايعُ أفكارٍ لها الصِيدُ أذعنت
 
وفي حجبِ الأفكارِ عنهم تحصَّنت
لها مارَنوا يوماً ولا لهم رنت
 
«ولكن رأتكم كفوَها فتزيَّنت
فلو شامَها الأعشى تحيَّر وامتحَن
 
وإن زُهيراً لو يراها بها افتتَن
وأَبَّى لحسّانٍ كمنظومِها الحَسن
 
«لها من بديعِ القولِ نظمٌ بكم إذ النـ
على فترة ٍ في الشعر إن قيل يُنبذِ
 
وإن قد بدا لا طَرفَ إلاّ وقد قُذي
ظهرتُ بنظمٍ فيه ما قِتُهُ غّذي
 
«ولي أذعنت آياتُه وأنا الذي
فَنظَّم من ألفاظِه الدرَّ مِقولي
 
وفي النظمِ يبديه كعقدٍ مفصَّلِ
بديعَ معانٍ إن أفه فيهِ يُنقل
 
«إذا ما تلوه في العراقِ بمحفل
فكم قد تبدَّت فيهِ للناس دُرَّة ٌ
 
وكم قد تجلَّت منه للشمسِ ضَرَّة ٌ
ومبصره قد قال: هل هو زُهرة ٌ
 
«وسامعهُ قد شكَّ هل فيه خمرة ٌ
حكى الروضة َ الغنّاءَ حسنُ بهائه
 
وفاقَ على شهبِ الدُّجا بسنائِه
وأخفى ضياءَ الشمسِ نورُ ضيائه
 
«وقد زاد في تضميخهِ بثنائِه
أَرمَّ لدى إنشادها المفصحُ اللَسِن
 
وطاش حجى الفَهّامة ِ الحاذِقِ الفَطِن
فما أنا في إنشائِه قَطُّ مغتبنِ
 
«ولستُ باطرائي له مزدهٍ وإن
ولا أنا مَن يُعلي القريضُ محلَّه
 
ولا مَن يزيدُ النظمُ والنثرُ فضلَه
حويتُ بقومي المجدَ والفضلَ كلَّه
 
«وما في نظامِ الشعر حمدٌ لِمن لَه
ومفخرهُ سامي السما بعَليِّه
 
وعزتُه موصولة ٌ بقُصيِّه
وسؤددُهُ إرثٌ له مِن لويَّه
 
«وبني النبي المصطفى ووصيِّه
وإن نظاماً انتجته رويَّتي
 
لنأنف أن يستام عزَّة َ نخوتي
فما سمحت إلاّ لكم فيه فِكرتي
 
«فدونكموه فهو في زُبُري التي
ولا نضبتِ من كفّكم أبحرُ الندى
 
ولا أَفَلت من أُفقِكم أنجمُ الهدى
ولا زَالَ ربعُ المجدِ فيكم مشيَّدا
 
"ولا برحت علياكمُ تُسخِطُ العِدى