إحياء علوم الدين/كتاب الأذكار والدعوات/الباب الثاني

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
إحياء علوم الدين
كتاب الأذكار والدعوات - الباب الثاني
المؤلف: أبو حامد الغزالي



الباب الثاني

في آداب الدعاء وفضله وفضل بعض الأدعية المأثورة وفضيلة الاستغفار والصلاة على رسول الله ﷺ



فضيلة الدعاء[عدل]

قال الله تعالى "وإذا سالك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي" وقال تعالى "ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين" وقال تعالى "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين" وقال عز وجل "قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى" وروى النعمن بن بشير عن النبي ﷺ أنه قال "إن الدعاء هو العبادة ثم قرأ "ادعوني أستجب لكم"" الآية - وقال ﷺ "الدعاء مخ العبادة" وروى أبو هريرة أنه ﷺ قال "ليس شيء أكرم على الله عز وجل من الدعاء" وقال ﷺ "إن العبد لا يخطئه من الدعاء إحدى ثلاث: إما ذنب يغفر له وإما خير يعجل له وإما خير يدخر له" وقال أبو ذر رضي الله عنه: يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح. وقال ﷺ "سلوا الله تعالى من فضله فإن الله تعالى يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج".


آداب الدعاء وهي عشرة[عدل]

الأول أن يترصد لدعائه الأوقات الشريفة كيوم عرفة من السنة. ورمضان من الأشهر ويوم الجمعة من الأسبوع، ووقت السحر من ساعات الليل. قال تعالى "وبالأسحار هم يستغفرون" وقال ﷺ "ينزل الله تعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول عز وجل من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له" وقيل إن يعقوب ﷺ إنما قال "سوف أستغفر لكم ربي" ليدعو في وقت السحر. فقيل إنه قام في وقت السحر يدعو وأولاده يؤمنون خلفه فأوحى الله عز وجل إني قد غفرت لهم وجعلتهم أنبياء الثاني أن يغتنم الأحوال الشريفة. قال أبو هريرة رضي الله عنه: إن أبواب السماء تفتح عند زحف الصفوف في سبيل الله تعالى وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلوات المكتوبة فاغتنموا الدعاء فيها وقال مجاهد: إن الصلاة جعلت في خير الساعات فعليكم بالدعاء خلف الصلوات. وقال ﷺ "الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد" وقال ﷺ أيضاً "الصائم لا ترد دعوته" وبالحقيقة يرجع شرف الأوقات إلى شرف الحالات أيضاً إذ وقت السحر وقت صفاء القلب وإخلاصه وفراغه من المشوشات. ويوم عرفة ويوم الجمعة وقت اجتماع الهمم وتعاون القلوب على استدرار رحمة الله عز وجل فهذا أحد أسباب شرف الأوقات سوى ما فيها من أسرار لا يطلع البشر عليها. وحالة السجود أيضاً أجدر بالإجابة قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال النبي ﷺ "أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل وهو ساجد فأكثروا فيه من الدعاء ورى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال "إني نهيت أن اقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً فأما الركوع فعظموا فيه الرب تعالى وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء فإنه قمن أن يستجاب لكم" الثالث أن يدعو مستقبل القبلة ويرفع يديه بحيث يرى بياض إبطيه. وروى جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ "أتى الموقف بعرفة واستقبل القبلة ولم يزل يدعو حتى غربت الشمس" وقال سلمان: قال رسول الله ﷺ "إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبيده إذا رفعوا أيديهم إليه أن يردها صفراً" وروى أنس أنه ﷺ "كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه في الدعاء ولا يشير بأصبعيه" وروى أبو هريرة رضي الله عنه "أنه ﷺ مر على إنسان يدعو ويشير بإصبعيه السبابتين فقال ﷺ أحد أحد" أي اقتصر على الواحدة. وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: ارفعوا هذه الأيدي قبل أن تغل بالأغلال. ثم ينبغي أن يمسح بهما وجهه في آخر الدعاء: قال عمر رضي الله عنه "كان رسول الله ﷺ إذا مد يديه في الدعاء لم يردهما حتى يسمح بهما وجهه" وقال ابن عباس "كان ﷺ إذا دعا ضم كفيه وجعل بطونهما مما يلي وجهه" فهذه هيئات اليد ولا يرفع بصره إلى السماء قال ﷺ "لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء عند الدعاء أو لتخطفن أبصارهم" الرابع خفض الصوت بين المخافتة والجهر لما روي أن أبا موسى الأشعري قال: قدمنا مع رسول الله فلما دنونا من المدينة كبر وكبر الناس ورفعوا أصواتهم فقال النبي ﷺ يا أيها الناس إن الذي تدعون ليس بأصم ولا غائب إن الذي تدعون بينكم وبين أعناق ركابكم" وقالت عائشة رضي الله عنها في قوله عز وجل "ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها" أي بدعائك وقد أثنى الله عز وجل على نبيه زكرياء عليه السلام حيث قال "إذ نادى ربه نداء خفياً" وقال عز وجل "ادعوا ربكم تضرعاً وخفية" الخامس أن لا يتكلف السجع في الدعاء فإن حال الداعي ينبغي أن يكون حال متضرع والتكلف لا يناسبه قال ﷺ "سيكون قوم يعتدون في الدعاء" وقد قال عز وجل: "ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين" قيل معناه التكلف للأسجاع والأولى أن لا يجاوز الدعوات المأثورة فإنه قد يعتدي في دعائه فيسأل ما لا تقتضيه مصلحته فما كل أحد يحسن الدعاء ولذلك روي عن معاذ رضي الله عنه: إن العلماء يحتاج إليهم في الجنة إذ يقال لأهل الجنة تمنوا فلا يدرون كيف يتمنون حتى يتعلموا من العلماء? وقد قال ﷺ "إياكم والسجع في الدعاء حسب أحدكم أن يقول اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل" وفي الخبر: سيأتي قوم يعتدون في الدعاء والطهور. ومر بعض السلف بقاص يدعو بسجع فقال له: أعلى الله تبالغ? أشهد لقد رأيت حبيباً العجمي يدعو وما يزيد على قوله: اللهم اجعلنا جيدين اللهم لا تفضحنا يوم القيامة اللهم وفقنا للخير، والناس يدعون من كل ناحية وراءه وكان يعرف بركة دعائه. وقال بعضهم. ادع بلسان الذلة والافتقار لا بلسان الفصاحة والانطلاق. ويقال إن العلماء والأبدال لا يزيديون في الدعاء على سبع كلمات فما دونها ويشهد له آخر سورة البقرة فإن الله تعالى لم يخبر في موضع من أدعية عبادة أكثر من ذلك. واعلم أن المراد بالسجع هو المتكلف من الكلام فإن ذلك لا يلائم الضراعة والذلة وإلا ففي الأدعية المأثورة عن رسول الله ﷺ كلمات متوازنة لكنها غير متكلفة كقوله ﷺ "أسألك الأمن من يوم الوعيد والجنة يوم الخلود مع المقربين الشهود والركع السجود الموفين بالعهود إنك رحيم ودود وإنك تفعل ما تريد" وأمثال ذلك فليقتصر على المأثور من الدعوات أو ليلتمس بلسان التضرع والخشوع من غير سجع وتكلف فالتضرع هو المحبوب عند الله عز وجل السادس التضرع والخشوع والرغبة والرهبة قال الله تعالى "إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً" وقال عز وجل "ادعوا ربكم تضرعاً وخفية" وقال ﷺ "إذا أحب الله عبداً ابتلاه حتى يسمع تضرعه". السابع أن يجزم الدعاء ويوقن بالإجابة ويصدق رجاءه فيه. قال رسول الله ﷺ "لا يقل أحدكم إذا دعا اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة فإنه لا مكره له" وقال رسول الله ﷺ "إذا دعا أحدكم فليعم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء" وقال ﷺ "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله عز وجل لا يستجيب دعاء من قلب غافل" وقال سفيان بن عيينة: لا يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلم من نفسه فإن الله عز وجل أجاب دعاء شر الخلق إبليس لعنه الله "إذ قال رب فانظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين" الثامن أن يلح في الدعاء ويكرره ثلاثاً قال ابن مسعود: كان عليه السلام إذا دعا دعا ثلاثاً وإذا سال سأل ثلاثاً" وينبغي أن لا يستبطىء الإجابة لقوله ﷺ "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول قد دعوت فلم يستجب لي فإذا دعوت فاسأل الله كثيراً فإنك تدعو كريماً" وقال بعضهم: إني أسأل الله عز وجل منذ عشرين سنة حاجة وما أجابني وأنا أرجو الإجابة سألت الله تعالى أن يوفقني لترك ما لا يعنيني. وقال ﷺ "إذا سأل أحدكم ربه مسألة فتعرف الإجابة فليقل الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ومن أبطأ عنه من ذلك فليقل الحمد لله على كل حال" التاسع أن يفتتح الدعاء بذكر الله عز وجل فلا يبدأ بالسؤال. قال سلمة بن الأكوع "ما سمعت رسول الله ﷺ يستفتح الدعاء إلا استفتحه بقول: سبحان ربي العلي الأعلى الوهاب" قال أبو سليمان الداراني رحمه الله: من أراد أن يسأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على النبي ﷺ ثم يسأله حاجته ثم يختم بالصلاة على النبي ﷺ فإن الله عز وجل يقبل الصلاتين وهو أكرم من أن يدع ما بينهما، وروي في الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال "إذا سألتم الله عز وجل حاجة فابتدئوا بالصلاة علي فإن الله تعالى أكرم من أن يسئل حاجتين فيقضي إحداهما ويرد الأخرى" رواه أبو طالب المكي العاشر وهو الأدب الباطن وهو الأصل في الإجابة: التوبة ورد المظالم والإقبال على الله عز وجل بكنه الهمة فذلك هو السبب القريب في الإجابة. فيروى عن كعب الأحبار أنه قال: أصاب الناس قحط شديد على عهد موسى رسول الله ﷺ فخرج موسى ببني إسرائيل يستسقي بهم فلم يسقوا حتى خرج ثلاث مرات ولم يسقوا، فأوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام: إني لا أستجيب لك ولا لمن معك وفيكم نمام، فقال موسى: يا رب ومن هو حتى نخرجه من بيننا فأوحى الله عز وجل إليه: يا موسى أنهاكم عن النميمة وأكون نماماً! فقال موسى: لبني إسرائيل: توبوا إلى ربكم بأجمعكم عن النميمة فتابوا فأرسل الله تعالى عليهم الغيث. وقال سعيد بن جبير قحط الناس في زمن ملك من ملوك بني إسرائيل فاستسقوا فقال الملك لبني إسرائيل: ليرسلن الله تعالى علينا السماء أو لنؤذينه قيل له وكيف تقدر أن تؤذيه وهو في السماء? فقال أقتل أولياءه وأهل طاعته فيكون ذلك أذى له فأرسل الله تعالى عليهم السماء. وقال سفيان الثوري: بلغني أن بني إسرائيل قحطوا سبع سنين حتى أكلوا الميتة من المزابل وأكلوا الأطفال وكانوا كذلك يخرجون إلى الجبال يبكون ويتضرعون، فأوحى الله عز وجل إلى أنبيائهم عليهم السلام لو مشيتم إلي باقدامكم حتى تحفى ركبكم وتبلغ أيديكم عنان السماء وتكل ألسنتكم عن الدعاء فإني لا أجيب لكم داعياً ولا أحرم لكم باكياً حتى تردوا المظالم إلى أهلها ففعلوا فمطروا من يومهم. وقال مالك بن دينار. أصاب الناس في بني إسرائيل قحط فخرجوا مراراً فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن أخبرهم أنكم تخرجون إلي بأبدان نجسة وترفعون إلي أكفاً قد سفكتم بها الدماء وملأتم بطونكم من الحرام الآن قد اشتد غضبي عليكم ولن تزدادوا مني إلا بعداً، وقال أبو الصديق الناجي: خرج سليمان عليه السلام يستسقي فمر بنملة ملقاة على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ولا غنى بنا عن رزقك فلا تهلكنا بذنوب غيرنا، فقال سليمان عليه السلام: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم. وقال الأوزاعي: خرج الناس يستسقون فقام فيهم بلال بن سعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا معشر من حضر ألستم مقرين بالإساءة? فقالوا: اللهم نعم، فقال: اللهم إنا قد سمعناك تقول "ما على المحسنين من سبيل" وقد أقررنا بالإساءة فهل تكون مغفرتك إلا لمثلنا؛ اللهم فاغفر لنا وارحمنا واسقنا؛ فرفع يديه ورفعوا أيديهم فسقوا. وقيل لمالك بن دينار: ادع لنا ربك فقال إنكم تستبطئون المطر وأنا أستبطىء الحجارة. وروي أن عيسى صلوات الله عليه وسلامه خرج يستسقي فلما ضجروا قال لهم عيسى عليه السلام: من أصاب منكم ذنباً فليرجع فرجعوا كلهم ولم يبق معه في المفازة إلا واحد، فقال له عيسى عليه السلام: أما لك من ذنب? فقال: والله ما علمت من شيء غير أني كنت ذات يوم أصلي فمرت بي امرأة فنظرت إليها بعيني هذه فلما جاوزتني أدخلت أصبعي في عيني فانتزعتها وتبعت المرأة بها. فقال له عيسى عليه السلام: فادع الله حتى أؤمن على دعائك، قال: فدعا فتجللت السماء سحاباً ثم صبت فسقوا، وقال يحيى الغساني "أصاب الناس قحط على عهد داود عليه السلام فاختاروا ثلاثة من علمائهم فخرجوا حتى يستسقوا بهم فقال أحدهم: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن نعفو عمن ظلمنا اللهم إنا قد ظلمنا أنفسنا فاعف عنا. وقال الثاني: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن نعتق أرقاءنا اللهم إنا أرقاؤك فأعتقنا. وقال الثالث: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن لا نرد المساكين إذا وقفوا بأبوابنا اللهم إنا مساكينك وقفنا ببابك فلا ترد دعاءنا فسقوا" وقال عطاء السلمي: منعنا الغيث فخرجنا نستسقي فإذا نحن بسعدون المجنون في المقابر فنظر إلي فقال يا عاء أهذا يوم النشور أو بعثر ما في القبور? فقلت: لا ولكنا منعنا الغيث فخرجنا نستسقي فقال يا عطاء: بقلوب أرضية أم بقلوب سماوية? فقلت: بل بقلوب سماوية فقال: هيهات يا عطاء قل للمتبهرجين لا تتبهرجوا فإن الناقد بصير. ثم رمق السماء بطرفه وقال إلهي وسيدي ومولاي لا تهلك بلادك بذنوب عبادك ولكن بالسر المكنون من أسمائك وما وارت الحجب من آلائك إلا ما سقيتنا ماء غدقاً فراتاً تحيي به العباد وتروي به البلاد يا من هو على كل شيء قدير، قال عطاء: فما استتم الكلام حتى أرعدت السماء وأبرقت وجادت بمطر كأفواه القرب فولى وهو يقول:


أفلح الزاهدون والعابدونا
 
إذ لمولاهم أجاعوا البطونا
أسهروا الأعين العليلة حباً
 
فانقضى ليلهم وهم ساهرونا
شغلتهم عبادة الله حتى
 
حسب الناس أن فيهم جنونا


وقال ابن المبارك: قدمت المدينة في عام شديد القحط فخرج الناس يستسقون فخرجت معهم إذا أقبل غلام أسود عليه قطعتا خيش قد اتزر بإحداهما وألقى الأخرى على عاتقه فجلس إلى جنبي فسمعته يقول إلهي أخلقت الوجوه عندك كثرة الذنوب ومساوي الأعمال وقد حبست عنا غيث السماء لتؤدب عبادك بذلك فأسألك يا حليماً ذا أناة يا من لا يعرف عباده منه إلا الجميل أن تسقيهم الساعة الساعة فلم يزل يقول الساعة الساعة حتى اكتست السماء بالغمام وأقبل المطر من كل جانب، قال ابن المبارك: فجئت إلى الفضيل فقال ما لي أراك كئيباً? فقلت أمر سبقنا إليه غيرنا فتولاه دوننا وقصصت عليه القصة فصاح الفضيل وخر مغشياً عليه. ويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استسقى بالعباس رضي الله عنه فلما فرغ عمر من دعائه قال العباس: اللهم إنه لم ينزل بلاء من السماء إلابذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك ﷺ وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا بالتوبة وأنت الراعي لا تهمل الضالة ولا تدع الكبير بدار مضيعة فقد ضرع الصغير ورق الكبير وارتفعت الأصوات بالشكوى وأنت تعلم السر وأخفى اللهم فأغثهم بغياثك قبل أن يقنطوا فيهلكوا فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون قال فما تم كلامه حتى ارتفعت السماء مثل الجبال.

فضيلة الصلاة على رسول الله ﷺ وفضله ﷺ[عدل]

قال الله تعالى "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً" وروي أنه ﷺ "جاء ذات يوم والبشرى ترى في وجهه فقال ﷺ إنه جاءني جبريل عليه السلام فقال أما ترضى يا محمد أن لا يصلي عليك أحد من أمتك صلاة واحدة إلا صليت عليه عشراً ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشراً" وقال ﷺ "من صلى علي صلت عليه الملائكة ما صلى علي فليقلل عند ذلك أو ليكثر" وقال ﷺ "إن أولى الناس بي أكثرهم علي صلاة" وقال ﷺ "بحسب المؤمن من البخل أن أذكر عنده فلا يصلي علي" وقال ﷺ "أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة" وقال ﷺ "من صلى علي من أمتي كتبت له عشر حسنات ومحيت عنه عشر سيآت" وقال ﷺ "من قال حين يسمع الأذان والإقامة اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة صل على محمد عبدك ورسولك وأعطه الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة والشفاعة يوم القيامة حلت له شفاعتي" وقال رسول الله ﷺ "من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة يستغفرون له ما دام اسمي في ذلك الكتاب" وقال ﷺ "إن في الأرض ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام" وقال ﷺ "ليس أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام" و "قيل له يا رسول الله كيف نصلي عليك? فقال قولوا اللهم صل على محمد عبدك وعلى آله وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد" وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع بعد موت رسول الله ﷺ يبكي ويقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد كان جذع تخطب الناس عليه فلما كثر الناس اتخذت منبراً لتسمعهم فحن الجذع لفراقك حتى جعلت يدك عليه فسكن فأمتك كانت أولى بالحنين إليك لما فارقتهم، بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن جعل طاعتك طاعته فقال عز وجل "من يطع الرسول فقد أطاع الله" بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أخبرك بالعفو عنك قبل أن يخبرك بالذنب فقال تعالى "عفا الله عنك لم أذنت لهم" بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن بعثك آخر الأنبياء وذكرك في أولهم فقال عز وجل "وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم" الآية بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أهل النار يودون أن يكونوا قد أطاعوك وهم بين أطباقها يعذبون يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا، بأبي أنت وأمي يا رسول الله لئن كان موسى بن عمران أعطاه الله حجراً تتفجر منه الأنهار فماذا بأعجب من أصابعك حين نبع منها الماء صلى الله عليك، بأبي أنت وأمي يا رسول الله لئن كان سليمان بن داود أعطاه الله الريح غدوها شهر ورواحها شهر فماذا بأعجب من البراق حين سريت عليه إلى السماء السابعة ثم صليت الصبح من ليلتك بالأبطح صلى الله عليك، بأبي أنت وأمي يا رسول الله لئن كان عيسى بن مريم أعطاه الله إحياء الموتى فماذا بأعجب من الشاة المسمومة حين كلمتك وهي مشوية فقالت لك الذراع: لا تأكلني فإني مسمومة، بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد دعا نوح على قومه فقال رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ولو دعوت علينا بمثلها لهلكنا فلقد وطىء ظهرك وأدمي وجهك وكسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيراً فقلت اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد اتبعك في قلة سنك وقصر عمرك ما لم يتبع نوحاً في كثرة سنه وطول عمره وآمن بك الكثير وما آمن معه إلا القليل، بأبي أنت وأمي يا رسول الله لو لم تجالس إلا كفؤاً لك ما جالستنا ولو لم تنكح إلاكفؤأ لك ما نكحت إلينا ولو لم تؤاكل إلا كفؤاً لك ما واكلتنا فلقد والله جالستنا ونكحت إليها وواكلتنا ولبست الصوف وركبت الحمار وأردفت خلفك ووضعت طعامك على الأرض ولعقت أصابعك تواضعاً منك صلى الله عليك وسلم. وقال بعضهم: كنت أكتب الحديث وأصلي على النبي ﷺ فيه ولا أسلم فرأيت النبي ﷺ في المنام فقال لي: أما تتم الصلاة علي في كتابك? فما كتبت بعد ذلك إلا صليت وسلمت عليه. وروي عن أبي الحسن قال: رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله بم جوزي الشافعي عنك حيث يقول في كتابه الرسالة "وصلى الله على محمد كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون"? فقال ﷺ جوزي عني أنه لا يوقف للحساب.

فضيلة الاستغفار[عدل]

قال الله عز وجل "والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم" وقال علقمة والأسود قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم: في كتاب الله عز وجل آيتان ما أذنب عبد ذنباً فقرأهما واستغفر الله عز وجل إلا غفر الله تعالى له "والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم" الآية وقوله عز وجل "ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً" وقال عز وجل "فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً" وقال تعالى "والمستغفرين بالأسحار" وكان ﷺ يكثر أن يقول "سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم" وقال ﷺ "من أكثر من الاستغفار جعل الله عز وجل له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب" وقال ﷺ "إني لأستغفر الله تعالى وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة" هذا مع أنه ﷺ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وقال ﷺ "إنه ليغان على قلبي حتى إني لأستغفر الله تعالى في كل يوم مائة مرة" وقال ﷺ "من قال حين يأوي إلى فراشه أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاث مرات غفر الله له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر - أو عدد رمل عالج أو عدد ورق الشجر أو عدد أيام الدنيا -" وقال ﷺ في حديث آخر "من قال ذلك غفرت ذنوبه وإن كان فاراً من الزحف" وقال حذيفة: كنت ذرب اللسان على أهلي فقلت "يا رسول الله خشيت أن يدخلني لساني النار، فقال النبي ﷺ: فأين أنت من الاستغفار? فإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة" وقالت عائشة رضي الله عنها: قال لي رسول الله ﷺ "إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن التوبة من الذنب الندم والاستغفار" وكان ﷺ يقول في الاستغفار "اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي وما أنت أعلم به مني اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير" وقال علي رضي الله عنه: كنت رجلاً إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثاً نفعني الله عز وجل بما شاء أن ينفعني منه وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته فإذا حلف صدقته، قال: وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "ما من عبد يذنب ذنباً فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله عز وجل إلا غفر له ثم تلا قوله عز وجل "والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم" الآية" وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال "إن المؤمن إذا أذنب ذنباً كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه منها فإن زاد زادت حتى تغلف قلبه فذلك الران الذي ذكره الله عز وجل في كتابه "كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون" وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه ﷺ قال: "إن الله سبحانه ليرفع الدرجة للعبد في الجنة فيقول يا رب أنى لي هذه فيقول عز وجل باستغفار ولدك لك" وروت عائشة رضي الله عنها: أنه ﷺ قال "اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساءوا استغفروا" وقال ﷺ "إذا أذنب العبد ذنباً فقال اللهم اغفر لي فيقول الله عز وجل أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يأخذ بالذنب ويغفر الذنب عبدي اعمل ما شئت فقد غفرت لك" وقال ﷺ "ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة" وقال ﷺ "إن رجلاً لم يعمل خيراً قط نظر إلى السماء فقال إن لي رباً يا رب فاغفر لي فقال الله عز وجل قد غفرت لك" وقال ﷺ "من أذنب ذنباً فعلم أن الله قد اطلع عليه غفر له وإن لم يستغفر" وقال ﷺ "يقول الله تعالى يا عبادي كلكم مذنب إلا من عافيته فاستغفروني أغفر لكم ومن علم أني ذو قدرة على أن أغفر له غفرت له ولا أبالي" وقال ﷺ "من قال سبحانك ظلمت نفسي وعملت سوءاً فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت غفرت له ذنوبه ولو كانت كمدب النمل" وروي "إن أفضل الاستغفار اللهم أنت ربي وأنا عبدك خلقتني وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وابوء على نفسي بذنبي فقد ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي ما قدمت منها وما أخرت فإنه لا يغفر الذنوب جميعها إلا أنت" والآثار: قال خالد بن معدان يقول الله عز وجل إن أحب عبادي إلي المتحابون بحبي والمتلعقة قلوبهم بالمساجد والمستغفرون بالأسحار أولئك الذين إذا أردت أهل الأرض بعقوبة ذكرتهم فتركتهم وصرفت العقوبة عنهم. وقال قتادة رحمه الله: القرآن يدلكم عن دائكم ودوائكم . أما داؤكم فالذنوب وأما دواؤكم فالاستغفار. وقال علي كرم الله وجهه: العجيب ممن يهلك ومعه النجاة قيل وما هي? قال الاستغفار. وكان يقول: ما ألهم الله سبحانه عبداً الاستغفار وهو يريد أن يعذبه. وقال الفضيل: قول العبد "أستغفر الله" تفسيرها: أقلني. وقال بعض العلماء: العبد بين ذنب ونعمة لا يصلحهما إلا الحمد والاستغفار. وقال الربيع بن خيثم رحمه الله: لا يقولن أحدكم أستغفر الله وأتوب إليه فيكون ذنباً وكذباً إن لم يفعل? ولكن ليقل: اللهم اغفر لي وتب علي. وقال الفضيل رحمه الله: الاستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين. وقالت رابعة العدوية رحمها الله: استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير. وقال بعض الحكماء: من قدم الاستغفار على الندم كان مستهزئاً بالله عز وجل وهو لا يعلم. وسمع أعرابي وهو متعلق بأستار الكعبة يقول: اللهم إن استغفاري مع إصراري للؤم وإن تركي استغفارك مع علمي بسعة عفوك لعجز، فكم تتحبب إلي بالنعم مع غناك عني وكم أتبغض إليك بالمعاصي مع فقري إليك! يا من إذا وعد وفى وإذا أوعد عفا أدخل عظيم جرمي في عظيم عفوك يا أرحم الراحمين. وقال أبو عبد الله الوراق: لو كان عليك مثل عدد القطر وزبد البحر ذنوباً لمحيت عنك إذا دعوت ربك بهذا الدعاء مخلصاً إن شاء الله تعالى "اللهم إني أستغفرك من كل عمل أردت به وجهك فخالطه غيرك واستغفرك من كل نعمة أنعمت بها علي فاستعنت بها على معصيتك وأستغفرك يا عالم الغيب والشهادة من كل ذنب أتيته في ضياء النهار وسواد الليل في ملأ أو خلاء وسر وعلانية يا حليم. ويقال إنه استغفار آدم عليه السلام وقيل الخضر عليه الصلاة والسلام.