أميرة إنكلترة/الفصل 3
اما الملكة فكانت منذ فارقها الملك تقضي معظم وقتها في البكاءِ والصلاة ممثلة لعينيها ذهاب من تحبهُ نفسها فريسة في ايدي الاعداءِ وكثيرًا ما رأتهُ في نومها مضرَّجًا بالدماءِ او راسفًا بقيود الاسر يقاسي صروف العناءِ. وقد حاول رئيس اساقفة صور تسكين اضطرابها وازالة قلقها فكان كمن يحاول ان يقبض الهواءَ او يكتب على صفحات الماءِ. على ان ما عجز عنهُ رئيس الاساقفة تمَّ بما لا مزيد عليهِ من السهولة والسرعة عند وصول المرسلين من قبل الملك يدعونها اليهِ
ومع ان البسالة عُدَّت في هاتيك الايام من لوازم الامارة ومميزاتها وكان حرس الملكة من اعظم اشراف اوربا وأُمرائها لم يكن واحدٌ منهم يجسر ان ينظر الى اقنوم متيلده الطاهر الَّا بعين الخشية والوقار لأَنها مع ما ازدانت بهِ من رائع الحسن وفائق الجمال كانت ممتازة بمظهر طهارة وصلاح تسكن عندهُ كل حركة تنشأُ عن الميل العالمي. وذلك كان وافيًا لها من جوامع الحبّ وطوامح الاهواءِ. وقلما كانت تظهر للرجال ولكنها اذا ظهرت كان الناظر اليها مطرقة متحجبة يتحوَّل عن الاعجاب بمنظرها الوسيم الى الخشية والوقار والتجلة والتكريم قائلًا في نفسهِ ما هذه بشرًا ان هي الَّا ملك كريم
وكانت الملكة قد أَلفتها واحبتها حبًّا لا مزيد عليهِ. فشقَّ عليها ان تراها في هذه العيشة الخشنة المقضية بالتقشف وقمع الجسد وحبس النفس حتى انها حاولت غير مرة ان توقظ مطامعها بالاشارة ولو من طرف خفيٍّ الى الامراءِ والملوك الذين يودون ان يطرحوا تيجانهم عند قدميها متسابقين الى نيل نعمة في عينيها. وكثيرًا ما مثلت لها الافراح الناشئة عن الاتحاد بالزواج فلم تلقَ منها الَّا اعراضًا وارتباكًا — لا خوفًا من التجربة بل انكارا لاشارات كهذه تأْباها نفسها الطاهرة ويمجها ذوقها الصالح
وبعدما افلعت السفينة التي استقلتها الملكة واعوانها من جزيرة قبرص جرت الرياح على ايثارها ووفق مشتهاها وسارت تشق عباب المياه حتى اقبلت على عكاءَ واستطاع الركب ان يتبينوا المدينة ولو على بعد شاسع. واذ ذاك هبت ريح عاصف بقوة لا تقاوم وخيبت كل مساعي البحارة في دفع السفينة الى البر
وظلت السفينة ساعات تترنح ترنح السكران وتضطرب اضطرابًا ضاعت في تسكينه حيلة البحارة والربان حتى كانت اشبه بكرة تتقاذفها التيارات المتلاطمة والامواج العاجة. ثم مالت العاصفة في مهبها الى الجنوب الغربي ودفعت السفينة على تخوم دمياط الرملية. ولم يلبث العرب المرابطون هناك ان رأَوها من بعيد فاسرعوا الكرة عليها طامعين في اسرها وسبي من فيها
ولكن لم يكن حصولهم على ما طمعوا فيهِ بالامر السهل لان الرجال الذين يحاربون دفاعًا عن ملكتهم والامراءُ الذين كان من اكبر فروضهم تضحية نفوسهم في سبيل صون الجمال والدين لا يسلمون للاعداءُ قبلما يصلونهم حربًا وعوانًا. ولذلك برز في طليعة الامراءِ اصغرهم سنًّا واشدهم بأْسًا اعني بهِ جوسلين مونمرانسي فاستل حسامهُ وهجم هجمة الاسد الضرغام وصدم خصومهُ صدمة لم يستطيعوا عندها ثباتًا فاضطروا الى الاحجام. واذ ذاك اقبل من ميناءِ دمياط مركب آخر مشحون بالكماة فحول ميل كفة الانتصار في ذلك النهار. ولما ابصرهُ الذين كانوا في المركب الاول وشاهدوا في مقدمهِ رجلًا طويل القامة بادي الهيبة هتفوا من شدة الفرح:— ”الملك العادل! الملك العادل! الحمد للّٰه الحمد للّٰه“
ثم استأْنفوا الهجوم وجدَّدوا القتال. اما جوسلين فوطَّن نفسه على ان يموت موت الابطال ويبيع حياتهُ بارواح من يقفون في طريقهِ من الرجال. وطفق يدور ويجول ويفتك ويصول حتى قطعت فتكاتهُ عزائم الشجعان واقام حولهُ سورًا من الهامات والابدان
وفيما كان رئيس الاساقفة في خيمة الملكة قائمًا بحراسة الاميرتين سمع العرب يهتفون هتاف الانتصار فغشيتهُ سحب اليأْس وقال لهما:—
”شاركاني يا ابنتيَّ في التوسُّل الى اللّٰه الذي عليهِ وحدهُ يجب ان نعتمد الآن لنجاتنا — هو ذا الملك العادل هنا — الملك العادل الذي لا تستطيع قوة في الارض ان تقاومهُ“
وبعدما جثتا معهُ للصلاة إلى اللّٰه التماسًا للخلاص من وهدة المخاطر التي انطبقت عليهم سأَلتهُ الملكة مضطربة:—
”من ذا العربيُّ الذي انذرتنا بقطع الامل من النجاة منه?“
فاجابها:— ”هو الملك العادل اخو السلطان صلاح الدين والدُّ اعدائنا وقد شاهدتهُ بعيني مادًّا مطمار النار والدمار على مدننا واهرائنا. ولولاهُ لم تسقط القدس في ايدي المحاصرين مهما طال امد الحصار ولا دخلها صلاح الدين بموكب الظفر والانتصار“
وفيما هو يتكلم ارتفعت اصوات السلاسل والاغلال مؤْذنة بانتهاء القتال فهرع الى خارج مندفعًا بين اخوتهِ لعلهُ يستطيع تخفيف العذاب الذي أُعدَّ لهم. وكان يعرف الملك العادل من وقتٍ طويلٍ ولا يجهل ما لهُ عندهُ من كرامة الشأْن وحسن الرعاية
فتركت الاميرتان وحدهما تتوقعان ما سيحلُّ بهما واستسلمت الملكة لعوامل الحزن واليأْس من جرَّاء هذا الخطب المفاجئِ الذي سوف يقضي بتطويل شقَّة بعادها عن زوجها ورفعت يديها تدعوهُ مستغيثةً بهِ. وضغطت متيلدة الذخيرة التي في صدرها المهداة اليها من الرئيسة مستمدّة غوثًا من ذلك الذي اتجهت كل افكارها اليهِ وأَصبح معوّلها في النجاة عليهِ
ثم فُتح باب خيمتها بغتةً ودخل منهُ رجل ذو هيبةٍ ووقارٍ وسيادةٍ خُلقَ لها وخلقت لهُ هذا الرجل الجليل خاطب الملكة بلغتها قائلًا
”لا تخافي ايتها السيدة ان ملكة انكلترا وجميع من هم معها اسراي — لكنهم لن يكونوا ابدًا عبيدي. ولسوف تُنقلون الى قصري حيث يحفُّ بكم رجالي وتعاملون بما تستحقون من الإِكرام وتمكشون مقيَّدين بوعدكم فقط حتى يتمكن اخي صلاح الدين من مفاوضة رتشرد في امركم“
فارتعدت فرائص متيلدة عند سماعها هذه الكلمات لانها حقَّقت مخاوفها وهمَّت ان تنسلَّ من جانب الملكة وتنحجب عن النظر ولكن الملكة ادركت ذلك فامسكت بيدها وقدَّمتها الى الملك العادل قائلة:—
”ان هذه ايها الامير شقيقة رتشرد تقاسم زوجتهُ الاعتراف بحسن صنيعك فاعتمد كلامنا وثق بنا ولسوف تجدنا اهلًا لذلك“
فتقدم الملك العادل الى متيلدة ومدَّ يدهُ ليصافحها فحنت رأْسها ونكصت الى الوراءِ وزادت في التحجب والتستر
ولما جاء الملك العادل باسراهُ الى ظهر سفينتهِ اعانهُ النور على تحقق ملامح كلٍّ من الاميرتين اللتين وقعتا في قبضة يدهِ. وكانت الاميرة متيلدة قد حسرت قناعها ليسهل عليها النزول الى الزورق الذي أُعدَّ لنقل الاسرى الى دمياط فراقهُ ما ابصرهُ في وجهها البديع من الحسن الفاتن والجمال النادر المثال ولم يكن يعلم شيئًا عن الحاجز الذي اقامهُ في وجههِ قانون الرهبنة فضلًا عن العوائد القومية. فترك الملكة واسرع الى جانب متيلدة واخذها بيديهِ وحملها نازلًا بها الى الزورق ووضعها على متكإٍ وجعل يتفرّس فيها بنظرٍ يتَّقد شوقًا وحبًّا
وقد جرى هذا كلهُ بسرعة لا مزيد عليها حتى اخذت متيلدة دهشة وحيرة لم تقوَ معهما على ابداءِ اقل مقاومة ولبثت دقائق لا تبدي حراكًا كعصفور في قبضة الصياد. ثم وثبت على قدميها ورفعت نظرها الى وجههِ وهي تتوقع ان ترى فيهِ اقبح هيئةٍ لكنها دهشت اشدَّ الدهش عندما شاهدتهُ ذا صورة جليلةٍ وملامح جميلة ومظاهر خطيرة تشفُّ عن عزَّة نفسٍ خليقة بالاجلال وتدلُّ على رفعة شأْن يندر ان يكون لها نظير عند افضل الرجال
فأَلقت بنفسها عند قدمي رئيس الاساقفة الذي عطف عليها وهي تواري خدَّيها المصبوغين بحمرة الخجل في مطاوي ردائهِ وتذرف دموعًا احرَّ من الجمر
فأَدرك رئيس الاساقفة ما نالها فأَجلسها وبذلُ جهده في مؤَاساتها ثم التفت الى الملك العادل وقال لهُ
”اعلم ايها الملك ان هذه الفتاة ليست كباقي الفتيات بل هي من سلالة ملوك انكلترة تخلت عن مقامها العالمي الرفيع ووقفت حياتها على خدمة اللّٰه وأَقل لمسٍ ينوبها من رجلٍ يعدُّ تدنيسًا لتبتلها الطاهر المقدَّس. فاسمح لها اذًا ايها الامير المعظم ان تبقى امينةً لنذورها آمنة في تزهدها حتى يقضي اللّٰه بتعيين الوقت لاتفاق صلاح الدين ورتشرد من جهة اطلاقها“
وكان الملك العادل لم يزل شاخصًا في تلك الفتاة الحسناءِ مسحورًا بجمالها البارع فأَجابهُ
″يصعب عليَّ تصديق ما قلتهُ ان لم تشهد على صحتهِ الاميرة نفسها.“ ثم التفت اليها وسأَلها:—
”أَصحيح ما سمعته الآن ايتها الاميرة انك منقطعة الى زهدٍ ابدي تخفين فيهِ محاسن لم تنظر عيون البشر اجمل منها?“
فرفعت نظرها نحو السماءِ من غير ان تنظر اليهِ وقالت:—
”اللهمَّ انت تعلم ان اسمى غايات نفسي ان اخدمك خدمة انفصل فيها عن العالم كلَّ الانفصال“
فقال الملك العادل لرئيس الاساقفة
”ساعمل ايها الاب المحترم بمقتضى ارادة اميرة انكلترة فتعيش في قصري عيشة تنطبق على عوائدها واميالها“
ثمَّ ركب زورقهُ الخاصّ وسبق الاسرى الى دمياط
ولما قربوا من الشاطئِ وجدوا على الرصيف محفاتٍ معدة للاميرتين وحشمها. والباقون من الاسري — ما عدا الجرحى — مشوا على اقدامهم. اما مونمرانسي فاذ كان مثخنًا بالجراح ومغشيًّا عليهِ من شدة النزيف وُضع على لوح من خشب وحمل الى قصر الملك العادل
وكان الملك العادل يقيم في دمياط بقصر الخلفاءِ القديم الباقية فيهِ آثار الزخارف شاهدة على عظمة اصحابهِ الاولين. فكانت ارضهُ مرصوفة بانفس الرخام والمرمر وجوانبهُ مزدانة باعمدة البرفير والحجر السماقي وجهاتهُ الاربع محاطة بالحدائق الغنَّاءِ والجنان البديعة واعاليهِ زاهرة بالمقاصير الانيقة والعلالي الرفيعة ومداخلهُ الخاصَّة مخفورة بالخصيان وابوابه العامهُ محروسة بنخبة الشجعان
وقد اعد منزلًا لائقًا باسراه الاشراف وعين قصرًا آخر للاميرتين ورئيس الاساقفة وامر اجابةً لالتماس الملكة ان يتولى خدمة الاسرى رجال مسيحيون واذن لرئيس الاساقفة ايضًا ان يمارس طقوس الكنيسة في غرفة داخل القصر وسمح لاعوان الملكة من الامراءِ والاشراف ان يتولوا خفارتها والقيام بخدمتها في ساعات معينة من النهار
وكان قصر الاميرتين مفروشًا باثمن البسط الفارسية ومضمخًا بانفس الاطياب الشرقية من بخورٍ وندٍّ وعودٍ ومرٍّ تفوح روائحها من المباخر الذهبية معطرة الارجاءَ. وكان صحنهُ مغشى بالفسيفساءِ وفي وسطهِ اربعة تماثيل من البرفير تتدفق منها مجاري المياه المعطرة الى حوض من المرمر ثم تندفع من وسطهِ ناشبةً على اشكالٍ هرمية مبردة الهواء ومطربة المسامع بخرير اعذب من توقيع الغناءِ. وحول تلك التماثيل متكآت فاخرة تبسم للجلوس عن ثغر الراحة والرخاءِ وعلى الشبابيك بجوف حريرية تلطف اشعة النور وتأْذن لنسمات الهواءِ ولا تحول دون تمتع الناظر برؤْية الورد وازهار الليمون والآس والرمان المائجة بين يدي النسيم والفائحة بارجٍ طيبٍ يشفي السقيم
وما أَبطأَ الملك العادل ان انفذ الى اسراهُ عبيدًا حاملين سلالًا مملوءة من اشهى الثمار واجمل الازهار وانفس الحلويات واطيب الاشربة
وقد قضت الملكة ليلتها بالبكاءِ والنحيب واحيتها بالتنهد وذرف الدموع. اما متيلدة فمع شدة بكائها وجدت في فؤَادها شيئًا من الصبر والتسليم لمشيئة اللّٰه»
وفي الصباح زارها رئيس الاساقفة فسأَلتهُ الملكة عن الملك العادل قائلة:—
”انك ايها الاب المحترم مستوطن اسيَّا وبطريرك صور منذ ثلثين سنة ومستشار ملوك القدس وسفير في بلاط صلاح الدين. فلا بد ان تكون اعلم من كثيرين غيرك بعوائد عدونا وصفاتهِ وتقدر ان تخبرنا بالوسائل التي يمكننا اتخاذها لاطلاق سبيلنا“
فاجابها ”اني اعلم الناس بنشأَة صلاح الدين ومقدار قوتهِ ولي اطلاع تام على جميع الفضائل التي تزين صفاتهِ. واعلم ايضًا ما لاخيهِ الملك العادل عندهُ من نفوذ الكلمة ومضاءِ الامر. واللّٰه يعلم كم كنت انال من الامتيازات المفيدة النافعة لو اذن لي ان اسعى في تحصيلها بالحكمة والتعقل بواسطة هذا الامير المتفرد في اريحيتهِ وكرامة نفسهِ. فيالت رجالنا اعاروا نصائحي جانب الاصغاءِ بل ليت لوزنيان واموري وثقا بما لي من الاختبار فكانت الارض المقدسة سليمة من الارزاءِ التي تعبث بها اليوم وتلعب وتأْكل عليها وتشرب“
وهنا تنهَّد تنهُّد الحزين الآسف واطرق غارقًا في لجج التأملات. ثم ثاب اليهِ التجلد وعاد الى الجواب على سؤَال الملكة قائلًا