أدب الطلب/كيفية الوصول إلى المرتبة الرابعة للعلم

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
أدب الطلب ونهاية الأرب
كيفية الوصول إلى المرتبة الرابعة للعلم
الشوكاني

كيفية الوصول إلى المرتبة الرابعة للعلم

وأما الطبقة الرابعة الذين يقصدون الوصول إلى علم من العلوم أو علمين أو أكثر لغرض من الأغراض الدينة أو الدنيوية من دون تصور إلى علم الشرع كما يفعله من يريد أن يكون مدركا لصناعة من الصناعات التي لها تعلق بالعلم وذلك كمن يريد أن يكون شارعا ومنشئا أو حاسبا فإنه ينبغي له أن يتعلم ما يتوصل به إلى ذلك المطلب كيف تصبح شاعرا فمن أراد أن يكون شاعرا تعلم من علم النحو والمعاني والبيان ما يفهم به مقاصد أهل هذه العلوم ويستكثر من الاطلاع على علم البديع والإحاطة بأنواعه والبحث عن نكته وأسراره وعلم العروض والقوافي ويمارس أشعار العرب ويحفظ ما يمكنه حفظه منها ثم أشعار أهل الطبقة الأولى من أهل الإسلام كجرير والفرزدق وطبقتهما ثم أشعار مثل بشار بن برد وأبي نواس ومسلم بن الوليد وأعيان من جاء بعدهم كأبي تمام والبحتري والمتنبي ثم أشعار المشهورين بالجودة من أهل العصور المتأخرة ويستعين على فهم ما استعصب عليه بكتب اللغة ويكب على الكتب المشتملة على تراجم أهل الأدب كيتيمة الدهر وذيولها وقلائد العقيان وما هو على نمطه من مؤلفات أهل الأدب كالريحانة و النفحة كيف تصبح منشئا وكما يحتاج إلى ما ذكرناه من أراد أن يكون شاعرا فهو يحتاج إليه أيضا من أراد أن يكون منشئا مع احتياجه إلى الإطلاع على المثل السائر لابن الأثير و الكامل للمبرد و الأمالي للقالي ومجاميع خطب البلغاء ورسائلهم خصوصا مثل ما هو مدون من بلاغات الجاحظ والفاضل والعماد وأمثالهم فإنه ينتفع بذلك أتم انتفاع كيف تصبح محاسبا ومن أراد أن يكون محاسبا اشتغل بعلم الحساب ومؤلفاته معروفة كيف تصبح عالما بالفلسفة وهكذا من أراد أن يطلع على علم الفلسفة فإنه يحتاج إلى معرفة العلم الرياضي وهو علم يعرف به أحوال الكم المتصل والمنفصل والعلم الطبيعي وهو العلم الباحث عن أحوال عالم الكون والفساد والعلم الإلهي وهو العلم الباحث عن أحوال الموجود بما هو موجود مع ما يتعلق بذلك من أحوال المبدأ والمعاد وهكذا علم الهندسة وهو العلم الباحث عن مقادير الأشياء كما وكيفا ومبادئ الأشكال فمن جمع هذه العلوم الأربعة أعني الرياضي والطبيعي والإلهي والهندسي صار فيلسوفا والعلم بالعلوم الفلسفية لا ينافي علم الشرع بل يزيد المتشرع الذي قد رسخت قدمه في علم الشرع غبطة بعلم الشرع ومحبة له لأنه يعلم أنه لا سبيل للوقوف على ما حاول الفلاسفة الوقوف عليه إلا من جهة الشرع وأن كل باب غير هذا الباب لا ينتهي بمن دخل إليه إلى غاية وفائدة كيف تصبح طبيبا ومن كان مريدا لعلم الطب فعليه بمطالعة كتب جالينوس فإنها أنفع شئ في هذا الفن باتفاق من جاء بعده من المشتغلين بهذه الصناعة إلا النادر القليل وقد انتقى منها جماعة من المتأخرين ستة عشر كتابا وشرحوها شروحا مفيدة فإن تعذر عليه ذلك فأكمل ما وقفت عليه من الكتب الجامعة بين المفردات والمركبات والعلاجات كتاب القانون لابن سينا و كامل الصناعة المشهور ب الملكي لعلي بن العباس

ومن أنفع المختصرات في هذا الفن الذخيرة لثابت بن قرة فإنها قد تضمنت من العلاجات النافعة والأدوية المجربة مع اختصارها ما هو قائم مقام كثير من المطرلات ومن أنفع ما في هذا الفن باعتبار خواص الأدوية المفردة وبعض المركبات تذكرة الشيخ داود الأنطاكي ولو كمل بالمعالجات لكان مغنيا عن غيره ولكنه انقطع بعد أن شرع في الكلام على معالجات العلل على حروف أبجد فوصل إلى حرف الطاء ثم انقطع الكتاب ومن أنفع الكتب في هذا الفن الموجز وشروحه وبالجملة فمن كان قاصدا إلى علم من العلوم كان عليه أن يتوصل إليه بالمؤلفات المشهورة بنفع من اشتغل بها المحررة أحسن تحرير المهذبة أبلغ تهذيب وقد قدمنا في كل فن ما فيه إرشاد إلى أحسن المؤلفات فيه كيف تكون عالما بمذهب من المذاهب وكثيرا ما يقصد الطالب الذي لم يتدرب بأخلاق المنصفين ويتهذب بإرشاد المحققين الاطلاع على مذهب من المذاهب المشهورة ولم تكن له في غيره رغبة ولا عنده لما سواه نشاط فأقرب الطريق إلى إدراك مقصده ونيل مأربه أن يبتدئ بحفظ مختصر من مختصرات أهل ذلك المذهب كالكنز في مذهب الحنفية و المنهاج في مذهب الشافعية فإذا صار ذلك المختصر محفوظا له متقنا على وجه يستغني به عن حمل الكتاب شرع في تفهم معانيه وتدبر مسائله على شيخ من شيوخ ذلك الفن حتى يكون جامعا بين حفظ ذلك المختصر وفهم معانيه مع كونه مكررا لدرسه متدبرا لمعانيه الوقت بعد الوقت حتى يرسخ حفظه رسوخا يأمن معه من التفلت ثم يشتغل بدرس شرح مختصر من شروحه على شيخ من الشيوخ ثم يترقى إلى ما هو أكثر منه فوائد وأكمل مسائل ثم يكب على مطالعة مؤلفات المحققين من أهل ذلك الفن فيضم ما وجده من المسائل خارجا عن ذلك المختصر قد صار محفوظا له إليه على وجه يستحضره عند الحاجة إليه ولكنه إذا لم يكن لديه من العلم إلا ما قد صار عنده من فقه ذلك المذهب فلا ريب أنه يكون عامي الفهم سيء الإدراك عظيم البلادة غليظ الطبع

فعليه أن يبتدئ بتهذيب فهمه وتلقيح فكره بشيء من مختصرات النحو ومجاميع الأدب حتى تثبت له الفقاهة الصورية وأما الفقاهة الحقيقية فلا يتصف بها إلا المجتهد بلا خلاف بين المحققين


أدب الطلب للشوكاني
واجبات طالب العلم | إخلاص النية لله | قصد تحصيل علم الدين | تجنب التحيز والمعصية وتكون غايته العلم بما بعث الله به رسوله وأنزل فيه كتبه | تحري الإنصاف | توطين النفس على البحث والاجتهاد | تجربة الشوكاني مع الاجتهاد | الأسباب التي تؤدي إلى البعد عن الحق والتعصب | حب الشرف والمال | الجدال والمراء وحب الانتصار والظهور | حب القرابة والتعصب للأجداد | صعوبة الرجوع إلى الحق الذي قال بخلافه | أن يكون المنافس المتكلم بالحق صغير السن أو الشأن | من آفات الشيخ والتلميذ | علاج التعصب | العواقب الوخيمة للتعصب والبعد عن الحق | الاستناد إلى قواعد ظنية | عدم الموضوعية في عرض حجج الخصوم | تقليد المتعصبين من علماء الجرح والتعديل | المنافسة بين الأقران بلا تبصر | التباس ما هو من الرأي البحث بشيء من العلوم التي هي مواد الاجتهاد | كيفية الوصول إلى مراتب العلم المختلفة | طبقات طلاب العلم | كيفية الوصول إلى المرتبة الأولى للعلم | كيفية الوصول إلى المرتبة الثانية للعلم | كيفية الوصول إلى المرتبة الثالثة للعلم | كيفية الوصول إلى المرتبة الرابعة للعلم | مباحث ضرورية لطالب الحق | جلب المصالح ودفع المفاسد | الدلائل العامة والكليات | أصالة المعنى الحقيقي وعدم جواز الانتقال عنه إلا لعلاقة أو قرابة | التحايل على أحكام الشريعة | الإجماع والقياس والاجتهاد والاستحسان | مفاسد أصابت دين الإسلام | تعدد المذاهب | الاعتقادات الفاسدة في بعض الأموات | مفاسد بعض أدعياء التصوف