انتقل إلى المحتوى

أخ وأخته

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
​الأخ الصغير والأخت الصغيرة​
 المؤلف الأخوان غريم
الأخ الصغير والأخت الصغيرة
ملاحظات: نسخة مترجمة لـ Grimm's Household Tales, Volume 1/Brother and Sister

أخذ الأخ الصغير يد أخته الصغيرة وقال لها:

— منذ أن ماتت أمنا لم نعرف ساعة من السعادة؛ زوجة أبينا تضربنا كل يوم، وإذا اقتربنا منها ركلتنا بأقدامها. كسر الخبز اليابسة هي طعامنا، والكلب الذي يربض تحت المائدة يُعامل أفضل منا، فهي تلقي إليه أحياناً بقطع جيدة من الخبز. ليرحمنا الله، لو علمت أمنا بذلك! انظري، أليس من الأفضل أن نخرج ونهيم في هذا العالم؟ لعل حالنا يتحسن!

​سارا طوال اليوم عبر الحقول والمروج والجبال، وعندما كانت تمطر، تقول الأخت الصغيرة:

— إن الله يبكي تماماً كما تبكي قلوبنا.

​وفي الليل وصلا إلى غابة كثيفة جداً، وكانا متعبين للغاية من الجوع والإرهاق والحزن، فاستلقيا في تجويف شجرة وناما.

​وعندما استيقظا في اليوم التالي، كانت الشمس قد ارتفعت في السماء ودفأت أشعتها جوف الشجرة. حينها قال الأخ الصغير:

— أنا عطشان يا أختي، لو كنت أعرف أين يوجد نبع لذهبت لأشرب. يبدو لي أنني أسمع خرير ماء.

​نهض الأخ الصغير وأخذ يد أخته وبدأا في البحث عن النبع. لكن زوجة أبيهما الشريرة كانت ساحرة، وقد رأت الأخوين يرحلان، فتبعت خطواتهما خفية كما تفعل الساحرات، وألقت أعشاباً مسحورة في كل ينابيع الغابة. وما إن وجدا نبعاً ينساب مترقرقاً بين الصخور، حتى أراد الأخ أن يشرب، لكن الأخت سمعت النبع يقول بصوت خافت:

— من يشرب من مائي يصبح نمراً؛ من يشرب من مائي يصبح نمراً.

​فقالت له أخته:

— بالله عليك يا أخي، لا تشرب، وإلا ستتحول إلى نمر وتمزقني إرباً.

​لم يشرب الأخ رغم عطشه الشديد، وقال:

— سأنتظر حتى نصل إلى نبع آخر.

​وعندما وصلا إلى النبع الثاني، سمعت الأخت صوته يقول:

— من يشرب من مائي يصبح ذئباً؛ من يشرب من مائي يصبح ذئباً.

​فقالت الأخت:

— بالله عليك يا أخي الصغير، لا تشرب، وإلا ستتحول إلى ذئب وتأكلني.

​لم يشرب الأخ وقال:

— سأنتظر حتى نصل إلى النبع التالي، ولكنني سأشرب حينها مهما قلتِ، فقد جف حلقي من العطش.

​وعندما وصلا إلى النبع الثالث، سمعت الأخت زمزمته تقول:

— من يشرب من مائي يصبح غزالاً.

​فقالت له الأخت:

— بالله عليك لا تشرب يا أخي، لأنك ستصبح غزالاً وتهرب مني!

​لكن الأخ كان قد جثا على ركبتيه وبدأ يشرب؛ وما إن لمست شفتاه الماء حتى تحول إلى غزال. أخذت الأخت تبكي على أخيها المسكين المسحور، وكان الغزال المسكين يبكي أيضاً دون أن يفارق جانبها.

​أخيراً قالت له الفتاة:

— لا تقلق يا غزالي العزيز، لن أفارقك أبداً.

​ثم نزعت رباط شعرها الذهبي وصنعت منه طوقاً لعنق الغزال، ثم قطعت بعض نبات الأسل ونسجت منه حبلاً قصيراً، ربطت به الحيوان وقادته معها إلى أعماق الغابة. وبعد مسير طويل، وصلا أخيراً إلى منزل صغير، دخلت الفتاة إليه وعندما رأته مهجوراً قالت:

— هنا يمكننا أن نقيم ونعيش.

​ثم بحثت عن الطحالب ليرتاح عليها الغزال، وكانت تخرج كل صباح لتجمع الجذور والفاكهة البرية والجوز، وتأتي أيضاً بأعشاب طازجة يأكلها الغزال من يدها، وكان سعيداً جداً يقفز فرحاً أمامها. وفي الليل، عندما تتعب الفتاة وتنهي صلواتها، كانت تسند رأسها على ظهر الغزال الذي كان بمثابة وسادة لها وتنام بسلام. وكانت لتكون سعيدة بهذا النوع من الحياة لو أن أخاها استعاد صورته البشرية فقط.

​مر زمن وهما في ذلك المكان المعزول، ولكن جاء يوم أقام فيه ملك البلاد رحلة صيد في الغابة، فدوت أصوات الأبواق ونباح الكلاب وصيحات الصيادين المرحة. سمع الغزال كل ذلك الضجيج وتمنى لو كان هناك.

قال لأخته: "آه، دعيني أذهب إلى الصيد، لا أطيق البقاء هنا".

وتوسل إليها كثيراً حتى وافقت أخيراً. قالت له: "انظر، لا تنسَ العودة في المساء، سأغلق الأبواب لكي لا يدخل الصيادون، ولكي أعرفك، قل عندما تطرق الباب: (أنا هو يا أختي العزيزة، افتحي لي يا شغاف قلبي)؛ إذا لم تقل ذلك، لن أفتح الباب".

​انطلق الغزال خارج المنزل سعيداً يستمتع بالهواء الطلق. رآه الملك وصيادوه فاردفوا يطاردونه دون جدوى، فكلما اقتربوا منه قفز فوق الأشواك واختفى. وعندما بدأ الظلام يحل، جرى إلى البيت ونادى: "أنا هو يا أختي العزيزة، افتحي لي يا شغاف قلبي". فُتح الباب، ودخل ونام طوال الليل في سريره الناعم.

​في اليوم التالي بدأ الصيد مجدداً، وعندما سمع الغزال الأبواق ثانية، لم يستطع الهدوء وقال: "يا أختي، افتحي لي، يجب أن أخرج". فتحت له وهي توصيه بالعودة وقول الكلمة المتفق عليها. عندما رأى الملك والصيادون الغزال بطوقه الذهبي، طاردوه جميعاً، لكنه كان ذكياً وسريعاً جداً. ومع اقتراب المساء، حاصره الصيادون وأصابه أحدهم بجرح طفيف في قدمه، فأخذ يعرج وبالكاد استطاع الهرب. تسلل أحد الصيادين خلف أثره حتى وصل إلى البيت الصغير وسمعه يقول: "أنا هو يا أختي العزيزة، افتحي لي يا شغاف قلبي". ورأى الباب يُفتح ثم يُغلق فوراً. حفظ الصياد هذه الكلمات، وذهب إلى الملك وأخبره بما رأى وسمع.

​قال الملك: "غداً سيستمر الصيد أيضاً".

فزعت الأخت عندما رأت الغزال عائداً جريحاً، غسلت دمه ووضعت له الأعشاب وقالت: "اذهب وارتح في سريرك يا غزالي الصغير لتشفى". لكن الجرح كان طفيفاً لدرجة أنه في اليوم التالي لم يشعر بشيء، وعندما سمع ضجيج الصيد قال: "لا أستطيع البقاء، يجب أن أخرج، لن يمسكوني بسهولة".

قالت أخته وهي تبكي: "اليوم سيقتلونك، لن أدعك تخرج".

أجابها: "سأموت هنا غماً إن لم تدعيني أخرج؛ عندما أسمع بوق الصيد أشعر أن قدماي تطيران".

​لم تجد الأخت بداً من الرضوخ، فتحت له الباب بحزن، وانطلق الغزال بنشاط. بمجرد أن رآه الملك، قال للصيادين: "طاردوه حتى المساء، لكن لا تؤذوه". وعند غروب الشمس، قال الملك للصياد: "تعال معي وأرني ذلك البيت". وعندما وصلا للباب، طرق الملك وقال: "أنا هو يا أختي العزيزة، افتحي لي يا شغاف قلبي". فُتح الباب ودخل الملك، ليجد أمامه أجمل فتاة رآها في حياته.

​خافت الفتاة عندما رأت ملكاً بتاج ذهبي بدلاً من الغزال، لكن الملك نظر إليها بلطف ومد يده قائلاً: "هل تأتين معي إلى قصري وتكونين زوجتي؟".

أجابت: "أوه، نعم! ولكن يجب أن يأتي معي الغزال، لا يمكنني مفارقته".

قال الملك: "سيبقى بجانبك ما حييتِ، ولن ينقصه شيء".

​في تلك اللحظة دخل الغزال يقفز، فربطته أخته بحبل الأسل وخرجت به مع الملك. وفي القصر أقيم حفل الزفاف بأبهة كبيرة، وأصبحت ملكة. أما زوجة الأب الشريرة، التي ظنت أن الأخت أكلتها الوحوش وأن الأخ قتله الصيادون، فقد استشاطت غضباً وحسداً عندما علمت بسعادتهما، وبدأت تبحث عن وسيلة لتدميرهما. وكانت ابنتها الحقيقية البشعة تقول لها: "هذا العرش كان يجب أن يكون لي". فقالت العجوز: "لا تقلقي، عندما يحين الوقت سأكون جاهزة".

​وعندما أنجبت الملكة طفلاً جميلاً وكان الملك في الصيد، تنكرت الساحرة في زي خادمة ودخلت غرفة الملكة وقالت لها: "تعالي، الحمام جاهز وسيفيدك ويقويك، أسرعي قبل أن يبرد". وبمساعدة ابنتها، أخذت الملكة إلى الحمام وأغلقتا الباب، وكانت قد أشعلت ناراً هائلة تحت الحمام لتختنق الملكة. ثم أخذت العجوز ابنتها البشعة وألبستها ثياب الملكة ووضعتها في سريرها، وسحرتها لتشبه الملكة، لكنها لم تستطع إعادة عينها المفقودة، فأمرتها أن تنام على الجانب الأعور لكي لا يلاحظ الملك.

​وعندما عاد الملك فرحاً بمولوده، أراد رؤية زوجته، لكن العجوز منعته قائلة: "لا تفتح النوافذ، الملكة لا تتحمل الضوء وتحتاج للراحة". انصرف الملك وهو لا يشك في شيء. ولكن في منتصف الليل، رأت المرضعة التي كانت تسهر بجانب الطفل الباب ينفتح وتدخل الأم الحقيقية. أخذت الطفل، أرضعته، رتبت وسادته، ثم ذهبت للغزال ومسحت على ظهره ورحلت بصمت. وتكرر الأمر عدة ليالٍ، ولم يجرؤ أحد على التحدث.

​أخيراً بدأت الأم تتحدث ليلاً قائلة:

"كيف حال طفلي؟ كيف حال غزالي؟ سأعود مرتين ثم لن أعود أبداً".

أخبرت المرضعة الملك، فقرر السهر في الغرفة. وفي الليلة التالية ظهرت الأم وقالت:

"كيف حال طفلي؟ كيف حال غزالي؟ سأعود مرة واحدة ثم لن أعود أبداً".

وفي الليلة الثالثة، كرر الملك السهر، فقالت الملكة كلماتها، فلم يتمالك الملك نفسه وارتمى نحوها قائلاً: "أنتِ زوجتي العزيزة!".

فقالت: "نعم، أنا زوجتك". وفي تلك اللحظة استعادت حياتها بفضل الله وعادت جميلة كوردة.

​أخبرت الملك بجريمة الساحرة وابنتها، فأمر الملك بمحاكمتهما. نُفيت الابنة للغابة حيث مزقتها الوحوش، وأُحرقت الساحرة. وبمجرد أن أكلت النار جسد الساحرة، عاد الغزال إلى صورته البشرية، وعاش الأخ والأخت في سعادة دائمة.