انتقل إلى المحتوى

أثر العرب في الحضارة الأوربية (1946)/صناعات السلم والحرب

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: الصفحات 19–23
 

صناعات السلم والحرب

ويرى إسحاق تايلور Issue Taylor أن الاغريق اقتبسوا نظام الأوزان وسك النقود عن البابليين من طريق الإرميين فالليديين في آسيا الصغرى.

وقد كان للارميين بطون فى العراق وبطون أخرى في سيناء وفلسطين فكانوا ينشرون ما اقتبسوه من وادى النهرين ووادى النيل على السواء، وكان الإغريق على اتصال بهم فى الموانىء الشرقية من آسيا الصغرى إلى تخوم سيناء، فنقلوا عنهم وسائل الحضارة والتجارة قبل أن يهتدى إليها أيناء القارة الأوربية بزمن طويل

والإغريق ملاحون قدماء في صناعة الملاحة، ولكنهم لم يسبقوا الكنعانيين إلى هذه الصناعة لأن هؤلاء قد عكفوا على نقل التجارة البحرية وأوشكوا أن يحتكروها في شرق البحر الأبيض إلى ما بعد أيام الأسكندر ونشأة الإسكندرية، وأعانهم على تجويد الملاحة كثرة الأخشاب الصالحة لبناء السفن فى أرض كنعان، وكثرة المحاصيل التي يحتاجون إلى بيعها والمبادلة عليها في الموانىء القربية أو البعيدة، ووقوع بلادهم على شواطى. بحر تفضى إليه التجارة الأسيوية من أبعد الاقطار . ور بما تعلم الإغريق صناعة السفن من الكنعانيين أو من البابليين ، وقد تفيدنا هنا قصة نوح وسفينته لأنها أقدم سفينة ورد لها ذكر فى التاريخ ، ولا شك أنها لم تبن في بلاد الإغريق بل بنيت في بلاد قريبة من بلاد التوراة ، أو قريبة مما بين العراق وفلسطين ، وقد وجدت آثار السفن الفينيفية القديمة فى أفريقية الجنوبية ، وقد ذكر هيرودت رحلات الفينيقيين والمصريين في عهد الفرعون نيخاوس - وكانوا أول من عرف الأمم في ساحل أفريقية الشرقى معرفة يقين. وإنما كان الأغريق يعرفونهم على أيام هوميروس معرفة سماع . فاذا كان تحقيق السبق عسيراً اليوم فالأمر الذي لا يعسر تحقيقه أن الكنعانيين - أو الفينيقيين كما سماهم الإغريق - توسعوا في الملاحة و إقامة المستعمرات البحرية البعيدة توسعاً لم يبلغه الإغريق في الزمن القديم، وأنهم إذا كانوا قد اقتبسوا الموازين والنقود والكتابة وأرصاد النجوم وخصائص الأيام الفلكية عن الساميين فليس بالبعيد أنهم تلقوا عنهم دروساً في الملاحة والتجارة وبناء السفن وتوجيهها في البحر على حسب الطوالع والنجوم . ومما يلاحظ فى سياق الكلام على مقتبسات الإغريق من الدول السابقة في شئون الحياة اليومية وشئون الحضارة عامة أن أبقراط الملقب بأبي الطب ٢١ قد نشأ في جزيرة كوس ، وأن جالينوس أشهر الأطباء اليونان بعده قد نشأ في آسيا الصغرى، وأنهما قد ساحا في أرض كنعان وإرم كما ساحا في الديار المصرية ، ولا خلاف في اقتباس أبقراط وجالينوس من طب الفراعنة القديم، ولكن المعارف التي اقتبسها أهل آسيا الصغرى من كنمان و بابل لا بد أن تشمل المعارف الطبية التي تلازم الحضارات العريقة، ولا يمكن أن تستثنى منها بغرض من الفروض .

وتلك هي خلاصة الحضارة القديمة فى كلمات معدودات ، فلم تكن هناك صناعة من صناعات السلم لم يتتلمذ فيها الأغريق على أمة من سلالة الجزيرة العربية ، أو لم يكونوا فيها لاحقين على إثر سابقين . وعلى هذا الاعتبار - أي اعتبار الساميين جميعاً من سلالة الجزيرة العربية - يجب أن يعود اليهم فضل الفنون الحربية التي استفادها الرومان من القائد القرطاجي المشهور باسم هنيبال. فإن معركة كاني Cannae التي هزم فيها الرومانيين بنصف عددهم على وجه التقريب لا تزال محوراً للبحث والمناقشة ومرجعاً للدرس والتعلم في أحدث مدارس أوربة العسكرية، وهى على هذا لم تكن إلا فنا من فنون كثيرة فوجيء بها الرومانيون من أساليب ذلك القائد العظيم فى نقل الجنود بالبر والبحر والنزول بهم على الشواطىء المكشوفة والصعود بهم إلى قلل الجبال ، واستخدام السفن المبتكرة في ٢٢ البحر وابتكار الخطط السريعة لتسخير الحيوان في المعارك البرية ، ومنه الفيل والحصان . من السلالة ولو شاء المؤرخ أن يعد هينبال عربياً بحتا - ولا يجعله . العربية وحسب لكانت له قرينة من اسمه واسم وطنه وتاريخ ظهوره.... فانه ظهر في القرن الثالث قبل الميلاد حين كانت الأمة العربية قد شارفت طورها الحديث الذي بقيت عليه إلى اليوم ، وكانت في اسمه لهجة العربية كما كانت تلفظ فى ذلك الزمان ، أو على نحو مقترب منها غاية الاقتراب . لانه سمى ( حتى بعل ) وهو اسم يرادف نعمة بعل أو نعمة الله . وسميت بلدته « قرية حداش» أو القرية الحديثة فصحفت إلى قرناش فقرطاج بتعطيش الجيم كما نطق بها الرومان. وكان اسم أبيه حامى القرية أو «ها ملكار» بعد التصحيف والتحريف . وخلاصة ما تقدم أن الأوربيين تتلمذوا على أبناء الجزيرة العربية في مسائل العقيدة ومسائل الحضارة والمعيشة اليومية ، قبل أن تبلغ أوربة مبلغ المعلم الغيره في أمر من الأمور . ولا يقدح في هذا أن السمريين - سكان ما بين النهرين الأولين - كانوا شعباً من شعوب العنصر الآرى كما جاء في بعض التقديرات التي تستحق النظر والترجيح. فان المحقق الذى لا تختلف فيه الظنون أن المعارف الفلكية التي وصلت إلى الأوربيين وبنوا عليها عقائدهم في الكواكب والأيام مصبوغة بالصبغة البابلية سواء فى الأسماء أو الصفات، وأن الكتابة قد وصلت إلى الأوربيين والهنود من طريق أبناء الجزيرة العربية في أقصى الشمال أو أقصى الجنوب، وأنه مهما يكن الظن بالابتكار في أطواره الأولى فالطابع السامي ظاهر على أول ما اقتبسه الأوربيون من دروس الفلك والكتابة والحكمة الرواقية و بعض أسباب التجارة والملاحة والعمار، وليس في شيء من ذلك، ولا في غيره، طابع ظاهر للسمر يين.