أثر العرب في الحضارة الأوربية (1946)/سداد الديون
سداد الديون
مضى زمن كانت أوربة فيه - كما رأينا في بعض فصول هذا الكتاب- تتلقى الحضارة العربية وهى نافرة متبرمة ، أو حائرة مستسلمة ، إذ كان شيوخها وأصحاب زمامها ينعون الزمان ويسخطون على الدنيا ومن فيها ، لأن وجوه الناشئين قد تحولت عن القبلة التي كانوا يأتمون بها ، وعقول المتعلمين قد انصرفت عن المطالب التي كانوا يمكفون عليها . فأصبحوا ولا هم لهم إلا الإقبال على كل ما هو عربى غريب ، والإعراض عن كل ما هو أوربي أصيل .
ثم دارت الأفلاك دوراتها التي تدورها وكأنما هي مستقرة في مكانها فاذا بصيحة كهذه الصيحة تسمع من جانب الشرق العربي كأنها منقولة من أفواه أولئك الأوربيين الذين رددوها قبل ألف سنة ، لأن أبناء الشرق أصبحوا ولا هم لهم إلا الإقبال على كل ما هو أوربى غريب ، والإعراض عن كل ما هو شرق ، أو عربي ، أصيل !
ذلك سداد الديون
وكثيراً ما يكون سداد الديون غير مقصود وغير مشكور ، ولا سيما ديون الحضارات الإنسانية التي تتوارثها الأم دواليك . بين الأخذ والإعطاء وتعلم الشرق الحديث من أوربة كما تعلمت أوربة من الشرق القديم ولا ضير فى التعليم ، لولا أنه كان تعليم قصور .
فان الولع بكل جديد كالولع بكل قديم ، دليل على نقص في التمييز وعلى اتباع يخلو من الابتداع .
وقد عشنا زمناً فى الشرق ومقياس الحرية عندنا أن نقبل على كل جديد لأنه جديد ، وأن نثور على كل قديم لأنه قديم .
فكان ذلك عهد تعليم ، وكان كذلك عصر قصور .
ثم بلغ هذا العصر مداه فبرزت فى صفوف الشرقيين طائفة تملك حريتها في وجه الجديد كما تملكها فى وجه القديم ؛ فلا يفقد الإنسان صفة الحرية لأنه يفضل بعض القديم على بعض الجديد، ولا يكسب الإنسان صفة الحرية لأنه يفضل كل جديد على كل قديم . بل يكون مقياس الحرية هو مقياس التمييز لكل ممتاز ، والاختيار لكل ما يستحق أن يختار .
نقلة من عصر القصور إلى عصر الرشد والاستقلال.
تعلمنا مكرهين متبعين ، ثم نتعلم مختار بن مبتدعين .
ولم يقتصر ما تعلمناه من قبل أو ما نتعلمه اليوم - على باب دون باب أو فريق دون فريق ، بل شمل المدرسة والبيت والسوق ، وعم الجامدين والمتوسطين والمتطرفين، ولا يزال علينا أن نتعلم الكثير في كل باب ، وأن نترقب التقدم من كل فريق، ولكن على سنة الرشد لا على سنة القصور .
وسيبلغ هذا العصر مداه بعد حين ، وستدور الأفلاك دوراتها التي
من جوانب الكرة الأرضية .. وغير بعيد أن يمليها الشرق في هذه المرة على نحو جديد .. فقد يتسع لها عالم الروح ، إن لم يتسع لها عالم الفكر والعلم أو عالم الحكم والسلطان .