أثر العرب في الحضارة الأوربية (1946)/تمهيد
تمهید
موضوع هذا الكتاب الوجيز ينقسم إلى قسمين : أولهما أثر العرب في الحضارة الأوربية من أقدم أزمانها، والثاني أثر أوربة الحديثة في النهضة العربية العصرية.
وسيرى القراء أننا شملنا بالكلام أنما غير الأم التي تعرف باسم العرب في مصطلحات اللغات الشائعة على الألسنة والأقلام.
لأننا قد لاحظنا في ذلك أمرين : أحدهما أننا رجعنا بأولئك الأقوام إلى أصلهم القديم في الجزيرة العربية، أخذاً بالقول الراجح الذي يرى أن جزيرة العرب هى أصل الساميين أجمعين، ومنهم الكلدان والسريان والكنعانيون والعبريون.
والأمر الثاني أننا رجعنا بالفضل في نهضة الأمم الإسلامية إلى «الجو الأدبي » الذى أحاط بها وامتزج ببواعث النهضة فيها. فالفرس ليسوا من السلالة السامية أو العربية، ولكنهم لم ينجبوا الفلاسفة والعلماء وكبار الشعراء قبل امتزاجهم بالدعوة الروحية التي انبثقت من قلب الجزيرة العربية. فمن الحق أن يقال إن «الجو الأدبى » الجديد الذي أحاط بهم بعد قيام الدولة الإسلامية كان له فضل معدود ينسب إلى تلك الدولة.
والكلدان والسريان كانوا فى دولة العرب رواد البحث والترجمة والدراسات العلمية والطبية على التخصيص، ولكن هؤلاء الكلدان والسريان كانوا يعيشون بثقافتهم اليونانية هذه في ظل الدولة الرومانية الشرقية ولم تنبعث من كتبهم ولا معلوماتهم نهضة فكرية كالنهضة التي جاشت بها أمم الشرق بعد فتوحات العرب وانتشار الدعوة إلى النظام العالمي الجديد، وهذا عدا ما نعلم من أن الكلدان والسريان ينتمون إلى الساميين ولا يحسبون في عداد الآريين أو السلالات الأخرى. فلا تعزز أعمالهم أقوال القائلين إن الساميين من أصولهم القديمة خلو من بواعث التمدين والتفكير.
ولا حظنا مع هذا أن قوة التفكير تقاس بالقدرة على فهم ما يبتكره الآخرون كما تقاس بالقدرة على ابتكاره، فلا تتهم أمة بالعجز عن ! التفكير إذا استطاعت أن تفهم مبتكرات الفكر فى أمة أخرى وشعرت بالحاجة إلى فيمها وخلقت لها جواً تروج فيه وتشغل به أذهان أبنائها، وبخاصة إذا علمنا أن الابتكار المحض لم يكتب قط لأمة من الأم، ولم يعهد قط في ثقافة قومية أنها كانت محض ابتكار خلا من كل استعارة واقتباس. وليس من همنا فى هذا الكتاب أن ننفى مزايا الشعوب والسلالات. فإن هذه المزايا حقيقة لا شك فيها ولا سبيل إلى إنكارها، ولكننا اهتممنا برد هذه المزايا إلى عوامل طبيعية وأسباب تاريخية، تسرى على كل قوم إذا تعرضوا لها، ولا ينفرد بها الساميون أو غير الساميين.
وبهذا الميزان الصحيح تنعقد الموازنة بين الحضارة العربية وسائر الحضارات فلا تشيل فى الميزان.