انتقل إلى المحتوى

أثر العرب في الحضارة الأوربية (1946)/الموسيقى

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
ملاحظات: الصفحات 78–83
 

الموسيقى

أما في الموسيقى فالاختلاف ظاهر بين الموسيقى العربية وموسيقى العصر الحديث في أوربة، من القرن الثامن عشر إلى الآن.

ولكن هذا الاختلاف لا يرجع إلى فارق أصيل بين الفطرة العربية والقطرة الأوربية، كما خطر لبعض المحدثين الغربيين في معرص المفاضلة بين العناصر والأجناس.

لأن الموسيقى الأوربية القديمة كانت على مثل هذا الفارق بينها وبين الموسيقى الأوربية فى أطوارها الأخيرة. فكانت موسيقى اليونان والرومان قائمة على الأغانى الحسية أو على الأنغام التي تصاحب الرقص والغناء ويتغلب فيها قصد الطرب على قصد التعبير، وكانت الألحان الأوربية إلى ما قبل القرن الثامن عشر ألحان ترنيم وتنغيم ولم تكن ألحان تنسيق وتنويع على الأسلوب الذى سماه المحدثون (بالهرمونية » أو فن تناسق الألحان المختلفة.

والأوربي الحديث مع هذا لا يطرب لموسيقى « الهرمونية » فطرة وارتجالاً بغير تعليم أو تدريب. فإذا تعددت الأنغام وتفاوتت الطبقات واتسع نطاق التباعد بين القوافى المرددة فالسامع الأوربي يضل طريقه إليها ويشعر بالجهد والإعياء في محاولة التوفيق بينها وربط فواصلها وانتظار اللازمة التي تسرى بين فصولها. ولا بد له من إحاطة واسعة بمواضع الإيقاع وطبقات الأنغام، حتى يسيغ تلك الموسيقى المركبة و يغتبط بسماعها اغتباط المرء بفنون الذوق والجمال. وقد يكون على أوفى نصيب من الفن الموسيقى الرفيع، ثم يستمع إلى توقيع جديد فينفر منه حتى يسيغه ويستعذبه بعد التأمل والأناة. وفي ذلك يقول الأستاذ دوجلاس مور Douglas Moore أستاذ الموسيقى بجامعة كولمبيا فى كتابه « من الأنشودة إلى الموسيقى المصرية»:

«إن السامع الذي تدرب على سماع النماذج السهلة خليق أن يشعر بالانقباض إذا أحس أنه يضل طريقه عاجلا وهو يصغى إلى السيمفونية. فليطمئن إذن ولا يأس على ذلك. لأن ما يتفق له من هذا القبيل يتفق لغيره على نحو من الأنحاء بالغاً ما بلغ نصيبه من التدرب والاختبار. إذ أن قدرتنا على الانتباه المركز أضيق من أن تتسع كثيراً لتعليق الإصغاء مع صحة السماع، وأهل الصناعة أنفسهم يرتاحون للمألوف من الموسيقى فوق ارتياحهم إلى الجديد منها، لأن مجهودهم في الإصغاء إلى المألوف قليل بالقياس إلى الجديد. ولكن المرانة والدأب على الانتباه مع الصبر والتفهم يمهدان الطريق إلى الألفة ويعجلان بتمهيده، فتزداد القدرة على استيعاب معانى الموسيقى الجليلة وآياتها الرفيعة أوفر مزيد... »

فالذي طرأ على الموسيقى الأوربية الحديثة من التنويع والتركيب قد باعد بينها و بين موسيقى اليونان والرومان كما باعد بينها و بين موسيقى العرب والشعوب الشرقية على التعميم، ولم يكن طارئاً على الفطرة الأوربية أو الفطرة الإنسانية وإنما كان طارئاً من طوارئ المعارف والمخترعات بعد التوسع فى علم الصوت وتركيب الآلات وتلقيح الموسيقي الحسية بموسيقى العبادات ثم بموسيقى السبحات الروحية والتأملات الفلسفية.

فقد تباعد الاختلاف بين الموسيقى القديمة والموسيقى الحديثة في اليوم الذي اتسعت فيه للاشتمال على العواطف الدينية والصلوات الإلهية، وأصبح السامع يصغى إليها فى محاريب العبادة وهو متهيأ للخشوع والإنابة إلى عظمة الله والغوص فى سرائر الأكوان. فلما اتسمت الموسيقى لهذه التعبيرات العليا لم يكن لها أن تضيق بتعبيرات الحكمة العميقة والبداهة الصوفية والنفحات العبقرية التى شاع سلطانها في أوربة بعد وهن السلطان الدينى فيها من جراء ثورات التمرد والتجديد، وليس بعجيب من أجل هذا أن تكون بلاد الموسيقى الكنسية هي بلاد الموسيقى الهرمونية أو بلاد الموسيقيين الذين أبدعوا فى الأوبرا والسيمفوني وسائر فنون التركيب، وهى على الأغلب بلاد أسبانيا وإيطاليا والنمسا وألمانيا ثم روسيا التي شاعت فى كنائسها فرق الترتيل والتقسيم، وقد يلفت النظر في هذا الصدد أن الأقاليم التى انقضى فيها سلطان الموسيقى الكنسية مرة واحدة – وهى أقاليم ألمانيا اللوثرية – كان نصيبها من كبار الموسيقيين دون نصيب الأقاليم التي اتصل فيها القديم بالحديث.

* * *
إلا أن الصلة لم تنقطع بين العرب وبين تطور الموسيقى الأوربية في

هذا الطريق.

لأن الأندلس هى البلاد التي تلقت فن الأنغام على العرب وامتزجت فيها الموسيقى الحسية بموسيقى العبادة عدة أجيال بعد زوال الدولة العربية، فكان للاسبان رقص دينى ترعاه الكنيسة وتنعقد فيه الصلة بين موسيقى الأقدمين وموسيقى المحدثين.

ومن الحقائق المقررة أن أبناء أوربة الغربية كانوا يتعلمون أفانين الأنغام على أساتذة من العرب الأندلسيين، وأنهم نقلوا أسماء بعض الآلات بألفاظها العربية فبقيت فى اللغات الأوربية حتى اليوم بعد تصحيف يسير. فكلمة لوت Lute من العود، وكلمة نكر Naker من النقارة وكلمة Cle أو المفتاح الموسيقى من أقليد وكلمة Rebec من الرباب، وأزياء الفنانين التي توارثتها أوربة بعد تبدل أسبابها قد بقيت مشابهة لأزياء المغنين حين كانوا في المغرب يتجملون كما يتجمل القيان فيرسلون الشعر ويطلون الحدود ويكحلون الجفون.

على أن بعض الأوربيين الخبراء بتاريخ الموسيقى العربية – كالأستاذ فارمر Farmer يرون أن العرب قد سبقوا الأور بيبين إلى نوع من الهرمونية يسمونه « التركيب » ويعنون به توقيع النغمة الواحدة من عدة طبقات في وقت واحد، وهو غير الهرمونية كما تفهم اليوم ولكنه خطوة إليها من طريق الترنيم المعهود.

ولا خلاف بين المؤرخين فى تداول العلماء الأوربيين لبحوث العرب في الموسيقى النظرية، فإنهم على قلة ما ترجموه من تلك البحوث قد كان منهم مئات يطلبون العلوم بمدارس قرطبة وغيرها ومنها الموسيقى النظرية، وقد كانت الخبرة باللغة العربية شرطاً من شروط الرجل المثقف بين الأسبان المسيحيين، فكان طلابهم في جامعة اكسفورد الإنجليزية يسخرون من العالم المشهور «روجر باكون » كلما أخطأ في الترجمة اللاتينية عن العربية، لأنهم كانوا يطلعون فيها على النص الصحيح.

وقد خيل إلى بعض النقاد الأوربيين في الزمن الحديث أن أصوات العرب لم تكن تحتمل التفخيم والارتفاع قياساً على ما يسمعونه في الأسواق من الصيحات البدوية التى تغلب عليها الحدة و « النحافة »... وهو تخيل كان خليقاً بهم أن يعلموا مكانه من الخطأ إذا أحضروا في أذهانهم «الحداء» في الصحراء وهو غناء العرب القديم، وفيه ما فيه من مجال للأصوات التي تملأ الفضاء وترتفع إلى جميع الطبقات.

* * *

وليس بين الموسيقى العربية والموسيقى الأوربية فرق أصيل في السلم المعتمد عند العرب والأوربيين. إلا أن الموسيقى العربي المتشبث بالمألوفات يعتز بما يسميه ربع المقام ويحسبه فرقاً جوهرياً بين أنغام الشرقيين وأنغام الأوربيين. ولكن ملاحظة هذا « الربع » ليست شرطاً للسمع في الآذان العربية، وإنكاره ليس شرطاً للسمع فى الآذان الأوربية. وقد صنع الموسيقى الحديث هانس بارت Hans Barth بيانا لوحظ فيه ربع المقام، وألف إيقان وشنجرادسكي Iran wisehnegradsky كتاباً في الربع والموسيقى الهرمونية، ووضع أنواز هابا Alois Haba أو يرا وتوقيعات أخرى على قاعدة الربع الملحوظ في الأغانى العربية، وصنع جوليان كاريلو Julian Carello قيثارا على هذه القاعدة ولحن بها جون إيليبي Applebv موضوعاً يدور على حديث لسقراط، وأنشأ نيقولا ومسكى كورساكوف Korsakof جماعة الدراسة ربع المقام منذ نيف وعشرين سنة فى لننجراد) راجع موسوعة مكملان للموسيقى والموسيقيين ».

وهؤلاء عدا الموسيقيين الذين أدخلوا الأنغام العربية في تقسيماتهم المسرحية وغير المسرحية أمثال رو بنشتين وفليكان دافيد وسان سنس Saint Saans وقربوا بين الترنيم والهرمونية بعض التقريب.

فإذا شاعت هذه القاعدة في أوربة ودخلت في تركيب الآلات وتوزيع الأدوار فهى أثر جديد للفن العربي يضاف إلى الأثر القديم